ندي

ندى كانت قاعدة في مطعم شيك غالي مع زميلتها في الشغل، وفجأة شافت عمرو حبيبها القديم اللي بسببه فضلت تتعالج سنة كاملة. عمرو زميلها اللي كان بيمثل عليها الحب والإخلاص وهو كان واخدها سلم عشان تساعده ينجح ويتخرج، كان بيمثل عليها لدرجة إنها حبيته بكل حاجة فيها، مشيت ورا قلبها وخسرت الكل بسببه.
ندى أول ما عينها جت في عينه، الدنيا لفت بيها للحظة.. شريط السنة السوداء اللي قضتها بين الدكاترة والمهدئات مر قدامها في ثانية. عمرو واقف بـ “اليونيفورم” بتاع المطعم، شايل صينية وعينه في الأرض، مكسور ووشه باهت، بعيد كل البعد عن “البرستيج” الكداب اللي كان بيعيش فيه بفضل مجهودها وشطارتها في الجــ ـامعة.
زميلتها “مي” لاحظت إن ندى اتخشبت مكانها، فسألتها بقلق:
“ندى؟ مالك يا بنتي؟ وشك بقى أصفر ليه كدة؟”
ندى ماردتش، فضلت عينيها مثبتة على عمرو وهو بيقرب من طرابيزتهم عشان ينزل الأطباق. عمرو أول ما رفع عينه وشافها، الصينية اتهزت في إيده، وكان هيقع من الصد.مة. نطق اسمها بصوت واطي ومبحوح:
“ندى؟.. مش ممكن!”
ندى سحبت نفس طويل، وحست ببرود غريب سكن قلبها، برود القوة بعد الضعف. بصت له من فوق لتحت وقالت بنبرة خالية من أي لهفة:
“نزل الأكل يا كابتن.. مش عايزين تأخير، ورانا شغل
عمرو نزل الأطباق وهو إيده بتترعش، وصوت خبط الصحون على التربيزة كان بيفضحه. حاول يفتح بقه بكلمة تانية، بس نظرة ندى كانت زي السد المنيع، نظرة بتقول له “أنت نكرة”. انسحب بخزي وهو بيجر رجليه، وعينه في الأرض، كأنه بيحاول يختفي من قدامها.
ندى مابصتش وراه، بدأت تأكل بسرعة غريبة، كأنها بتبلع وجعها مع الأكل. “مي” كانت بتبص لها بذهول:
“في إيه يا ندى؟ مين ده؟ وليه قلبك مابقتش فيه نبضة واحدة طبيعية فجأة؟”
ردت ندى وهي بتمسح بؤها بمنديل ورق ببرود:
“ده مجرد ماضي وراح لحاله يا مي.. يلا بينا عشان اتأخرنا.”
أول ما وصلت البيت، رمت مفاتيحها وشنطتها ودخلت أوضتها. الهدوء اللي كان في المطعم انهار، وقعدت على طرف السرير، وعينيها اتثبتت في الفراغ.. وفجأة، لقت نفسها بتغرق في “فلاش باك” لأيام الجــ ـامعة.
كانت قاعدة في المكتبة، دافنة راسها في المراجع، وفجأة شمت ريحة برفيوم قوي، ولقيت “عمرو” -برنس الدفعة- قاعد قدامها وبيميل عليها بابتسامة سحرتها:
“ندى.. أنا بقالي ساعة براقبك، مش معقول الذكاء ده كله يبقى في بنت واحدة! أنا محتاج حد زيك يشدني لفوق، أنا ضايع من غيرك.”
ندى قلبها دق لأول مرة، البنت اللي كانت فاكرة إنها “أقل من عادية” لقت أجمل ولد في الجــ ـامعة مهتم بيها. عمرو بدأ يلعب اللعبة صح، كلام حب، رسايل طول الليل، واهتمام خلى ندى تحس إنها ملكة جمال العالم مش بس الجــ ـامعة.
وفي يوم، عمرو قال لها بلهفة مصطنعة:
“ندى، أنا كلمت أهلي عنك، وهما ميتين وعايزين يشوفوا البنت اللي غيرت حالي وخلتني أذاكر.. أنا عازمك بكرة نقابلهم في كافيه هادي، وأول ما نخلص امتحانات الأسبوع الجاي، هنيجي البيت رسمي.”
ندى راحت وهي طايرة، لقت راجل وست لابسين شيك جداً، عمرو قد.مهم لها بكل فخر: “دي يا بابا ندى اللي حكيت لك عنها.. وده يا ندى بابا وماما.”
الست سلمت عليها بحرارة وقالت لها: “يا حبيبتي عمرو مش بيبطل كلام عنك، شدي حيله معاكي في المذاكرة عشان نفرح بيكم.”
ندى من يومها، باعت الدنيا وما فيها عشان “عمرو وعيلته”. كانت بتغششه في اللجان، بتكتب له الأبحاث بذكائها الخارق، وبتقنع الدكاترة بموهبته “المزيفة”. خسرت صحابها اللي قالوا لها “عمرو بيلعب بيكي”، وخسرت ثقة أهلها اللي شافوا إنها مابقتش بتفكر غير فيه. وبعدت عن ربنا وفضلت مكمله طريقها الوهمى معاه
ندى فضلت يومين تليفونها مابينزلش من على ودنها، “عمرو” تليفونه مقفول، والامتحانات خلاص خلصت، والمفروض النهاردة ميعاد جيتهم البيت. ندى لبست أشيك حاجة عندها، وجهزت نفسها، بس القلق كان بياكل قلبها.
نزلت الشارع زي المجــ . ــنونة، راحت كل الأماكن اللي كانوا بيقعدوا فيها.. ملوش أثر. في الآخر، قررت تروح لـ “كريم”، واحد من صحاب عمرو المقربين اللي كان دايماً بيشوفها وهي بتذاكر لعمرو وتتعب عشانه.
ندى وقفت قدام كريم وهي بتنهج ود.موعها قريبة:
“كريم.. أرجوك قولي عمرو فين؟ تليفونه مقفول بقاله يومين، ومجاش الميعاد.. أنا خايفة يكون حصله حاجة، أهله مابيردوش، وأنا مش عارفة أوصل لبيتهم!”
كريم بص لندى بنظرة كلها شفقة.. ندى اللي كانت بتشرح لهم المحاضرات، ندى اللي وشها كان بينور لما سيرة عمرو تيجي. صعبت عليه جداً، وحس إن الساكت عن الحق شيطان أخرس.
كريم اتنهد بحزن وقال لها:
“ندى.. تعالي معايا، أنا هوديكي المكان اللي هو فيه دلوقتي.. بس أرجوكي، خليكي قوية.”قصص وروايات أمانى سيد
كريم خد ندى وراحوا “كافيه” بعيد شوية عن الجــ ـامعة، كافيه كان عمرو بيحب يسهر فيه مع “شلته”. ندى كانت ماشية وراه وقلبها بيدق طبول، خايفة تلاقيه تعبان أو مريض.
أول ما دخلوا، ندى شافت عمرو قاعد في ركن بعيد، وحواليه نفس “الراجل والست” اللي عرفها عليهم إنهم أهله، ومعاهم شلة صحابه.. بس المنظر مكنش فيه أي حزن.
عمرو كان بيضحك بصوت عالي وهو ماسك “شيشة”، والست اللي قالت لها “يا حبيبتي” كانت بتضحك معاه وبتقوله:
“ها يا عمرو.. البت الدحيحة صدقت اللعبة؟ خلصت لك الأبحاث وضمنت التخرج ولا لسه؟”
عمرو رد وهو بيمــ . ــوت من الضحك:
“خلصت وزيادة يا ستي.. دي كانت هتمــ . ــوت من الفرحة لما شوفتكم، قالت لي ‘أهلك ذوق أوي يا عمرو’. والله لولا ذكائها ده ما كنت شوفت الشهادة، البنت غلبانة أوي ومصدقة إن واحد زيي ممكن يبص لواحدة زيها!”
واحد من صحابه سأله:
“طب والبيت؟ مش كنت قايل لها إنك رايح النهاردة تتقد.م؟”
عمرو نفخ دخان الشيشة وقال ببرود:
“أتقد.م فين يا عم؟ أنا عملت لها ‘بلوك’ خلاص.. المهم التقدير اللي خدته في البحث، ندى دي كانت ‘سلم’ وطلعت عليه، دلوقتي السلم يتكسر ويترمي في الزبالة.”
ندى كانت واقفة ورا العمود، سامعة كل كلمة.. حست ببرودة بتمشي في عروقها، كأن د.مها اتجمد. العالم كله سكت فجأة، وصوت ضحكاتهم كان زي السكاكين اللي بتقطع في روحها.
كريم بص لها بحزن:
“أنا آسف يا ندى.. بس كان لازم تعرفي الحقيقة قبل ما تضيعي عمرك أكتر من كدة.”
ندى ماردتش.. لفت وخرجت من الكافيه بهدوء مخيف، ملامحها اتغيرت من بنت خايفة ومكسورة، لبنت قررت إنها من اللحظة دي مش هتسمح لحد يكسرها تاني.
بعد ما خرجت ندى من الكافيه، الدنيا اسودت في عينيها. مكنتش قادرة تستوعب إن “الحلم” اللي عاشته كان “تمثيلية” رخيصة. دخلت في حالة صمت رهيب، لا بتأكل ولا بتشرب، وبدأت نوبات الهلع تهاجمها في نص الليل. أهلها اللي كانت خسرتهم، هما اللي شالوها وودوها لأكبر دكاترة مخ وأعصاب ونفسي.
سنة كاملة ضاعت من عمرها بين أوض المستشفيات وجلسات العلاج بالكهرباء والمهدئات اللي كانت بتخليها زي “الخيال”، غايبة عن الوعي عشان تهرب من وجع الروح. بس في لحظة، وقفت قدام المراية وشافت الضعف اللي واكل ملامحها، وقررت إن “عمرو” مش هيكون هو النهاية، هو كان مجرد “درس قاسي” وتمنه اندفع خلاص.
بدأت ندى رحلة التحدي، وبمساعدة دكاترتها في الجــ ـامعة اللي كانوا عارفين ذكاءها الخارق وقدرتها العلمية، رشحوها لمنحة تدريبية في شركة مالية دولية (International Firm). الدكاترة قالوا لصاحب الشركة: “دي أذكى بنت مرت على تاريخ الكلية، خسارة تضيع.”
ندى رمت نفسها في الشغل، كانت بتشتغل ١٦ ساعة في اليوم عشان ماتفكرش. ذكاءها اللي عمرو استغله زمان، بقى هو سـ . لاحها اللي خلى أسهم الشركة تضــ . ـرب في السماء. في خلال ٣ سنين، ندى اتحولت من “متدربة خايفة” لـ “مديرة قطاع الاستثمار”، وبقى اسمها بيتردد في جرايد البيزنس، وكلمتها مسموعة عند أكبر المستثمرين
مرت الأيام، وندى كانت بتكبر في شغلها ومكانتها بتعلى كل يوم، لحد ما جمعها “ميتينج” بـ “ياسين”، واحد من أكبر الشركاء في الشركة، راجل في قمة الرقي والنجاح. ياسين ماشافش في ندى مجرد مديرة شاطرة، هو انبهر بشخصيتها القوية وذكائها اللي بيوزن بلد، وقدر يفهم الوجع اللي استخبي ورا عينيها ويحتويه.
بعد قصة حب راقية ومحترمة، اتجوزت ندى من ياسين في فرح كان حديث الوسط كله. ندى عاشت الحياة اللي تستحقها؛ فيلا في التجمع، سفر لأجمل بلاد العالم، وعربية بسواق.. والأهم من كل ده، راجل بيحترم عقلها وبيشوف نجاحها من نجاحه.
أما عمرو، فاللي بناه على “غش” مكنش ممكن يعيش. الشهادة اللي خدها بمجهود ندى مكنتش كفاية عشان تسنده في سوق الشغل اللي مبيحترمش غير الشاطر. اشتغل في شركة صغيرة بمرتب يدوب بيفتح بيت، واتجوز بنت عادية، وسرعان ما لقى نفسه غرقان في الديون ومصاريف البيت والأولاد.
عمرو لقى نفسه مضطر يشتغل “شفت” تاني بعد الضهر عشان يقدر يكفي مصاريف مراته وعياله، ومالقاش قدامه غير مطعم شيك يشتغل فيه “جرسون” عشان “البقشيش” يساعده في لقمة العيش.
فاقت ندى من دوامة الذكريات اللي سحبتها لسنين ورا على صوت “دادة كريمة” وهي بتخبط بالراحة على باب الأوضة وبتقول لها:
“يا ندى هانم.. الغدا جاهز، والولاد لسه راجعين من التمرين وطلعوا يغيروا هدومهم ومستنيين حضرتك.”
ندى أخدت نفس عميق، وكأنها كانت بتطرد آخر ذرة وجع باقية من ريحة الماضي في صدرها. بصت للمراية، عدلت شعرها، وابتسمت لنفسها ابتسامة نصر حقيقية.. الابتسامة اللي بتقول إن “ندى” اللي كانت “أقل من عادية” زمان، بقت هي “عمود البيت” والست اللي مفيش زبابة بتعدي من تحت إيدها.
نزلت ندى السلم الرخام بتاع فيلتها، لقت ولادها “ياسين الصغير” و”ليلى” بيجروا عليها ويحــ . ــضنوها:
“مامي! أنا النهاردة أخدت أحسن لاعب في تمرين التنس!”
“وأنا يا مامي المستر قال إني أذكى بنت في الفصل في الماث.”
ندى ضمتهم لقلبها بقوة وقالت لهم:
“عشان أنتم ولادي.. والذكاء عندنا مش بس شطارة، الذكاء إننا نعرف قيمة نفسنا وما نديش مجهودنا غير للي يستاهله.”
قعدت على السفرة، وياسين جوزها كان قاعد مستنيها، بص لها بحب وقال:
“مالك يا حبيبتي؟ كنتِ سرحانة في إيه؟ كأنك كنتِ في مشوار بعيد ورجعتِ.”
ندى مسكت إيده وقالت بهدوء:
“كنت بس بفتكر طريق طويل مشيته يا ياسين.. وكنت بشكر ربنا إنه في آخر الطريق ده، رزقني بيك وبالعوض اللي ينسيني أي تعب.”
في اللحظة دي، ندى كانت متأكدة إن المواجهة الحقيقية مكنتش مع عمرو في المطعم، المواجهة كانت مع نفسها.. وهي كسبتها. عمرو دلوقتي بالنسبة لها مابقاش حتى “وجع”، بقى مجرد “نقطة سودة” اتمسحت من كتاب حياتها اللي كله نجاح ونور.
عاشت ندى حياتها في عز، مش بس عشان فلوس جوزها، لكن عشان هي عرفت تبني نفسها من الحطام.. وفضل عمرو “جرسون” بيمسح ورا الناس، وكل ما يشوف زبونة شبه ندى، قلبه يتنفض ويفتكر إنه في يوم من الأيام خسر “جوهرة” عشان كان فاكر إن الاذكى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *