انذار اخير بقلم مني السيد

هتشتغلي تلات شغولانات عشان تسددي القرض بتاعي، ده اللي قاله أسر. مكنش يعرف إني خلاص مشيت في إجراءات الطلاق ورفع دعوى تقسيم الممتلكات.
الخط الأحمر اللي على الظرف كان باين وواضح لدرجة إنه پيصرخ وسط كومة الجوابات إنذار أخير.
مديحة مسكت الجواب بإيد ثابتة متهزتش.. وهي في سن السبوع وأربعين، نسيت أصلاً يعني إيه إيدها تترعش. بحكم منصبها كمديرة مالية في شركة قابضة كبيرة، اتعودت إن المشاكل مش عشان تسبب توتر، هي بس مجرد بنود محتاجة حل. لكن المرة دي.. الموضوع كان مختلف.
الجواب مكنش باسمها هي.. كان باسمه هو. جوزها أسر.
كانت قاعدة في هدوء الصالة الواسعة الفاضية، اللي عفشها الفخم كأنه محطوط لحياة تانية كانت المفروض تكون أسعد من كدة. برا كان مطر نوفمبر الكئيب بيغسل شباك الشقة في الزمالك. كانت لسه راجعة من الشغل، قلعت جزمتها الكلاسيك اللي بتلمع، وملحقتش حتى تغير البدلة الرسمية اللي كانت لابساها.
صوت المفتاح رن في الباب.
بقلم مني السيد
دخل أسر. دخل ومعاه ريحة البرد، ونفس الضحكة المصطنعة والمستفزة اللي ملهش أي مبرر. أسر عنده خمسين سنة بس مهتم جداً بنفسه، لابس بدلة رياضية غالية، وراجع من اجتماع مهم جداً اللي مديحة عارفة كويس إنه مجرد قاعدة على كافيه النادي مع شوية رجالة أعمال سابقين بيحاولوا يلاقوا نفسهم تاني.
أهلاً يا دودي!، وباسها على خدها وهو مش واخد باله لا بوشها المتلج ولا بالجواب اللي في إيدها. إيه، رجعتي بدري يعني؟.
كانوا مستنييننا يا أسر، صوتها كان طالع هادي، مفيش فيه ذرة انفعال.
بدأ يركز معاها، شاف الظرف في إيدها، وملامحه اتغيرت في لحظة. الضحكة اختفت وحل مكانها العصبية الطفولية اللي متعود يهرب بيها.
إنتي برضه رجعتي تفتشي في جواباتي يا مديحة؟، دي كانت خطة الدفاع الثابتة بتاعته.. الھجوم هو خير وسيلة للدفاعالجواب كان مع بريد البيت يا أسر. ومبعوت لينا إحنا الاتنين. دي شركة تحصيل ديون.
نفخ بضيق وهو بيحاول يتماسك، ودخل الصالة يرمي شنطته.
كلام فارغ.. دعاية وشغل ڼصب، ارميه.
تلاتة مليون جنيه، قالتها بنفس النبرة الهادية. ده مش ڼصب يا أسر.
اتسمر مكانه جنب الكنبة.
إيه؟.
قرض.. من بنك أول مرة أسمع عنه. مسحوب من ست شهور. باسمك إنت. تلاتة مليون.. والجواب بيقول إنك مدفعتش ولا مليم من الأقساط.
مكنتش بتسأل، كانت بتسرد حقايق وبس.
حياتهم كلها كانت مبنية على كدة. خمستاشر سنة.. من وقت ما مشروعه العبقري في الاستيراد فشل وغرقهم في ديون، وهي مديحة القوية، الذكية، اللي بتستحمل، شالت كل حاجة. هي اللي سددت ديونه القديمة، هي اللي دفعت تمن الشقة دي، وهي اللي كانت بتمول رحلة بحثه عن نفسه. وهو.. هو كان مجرد واجهة شيك، راجل هيقوم من كبوته في أي لحظة.
وهي صدقت.. أو بمعنى أصح، أجبرت نفسها تصدق. لأن الاعتراف بالحقيقة كان مرعب؛ إنها عايشة مع عالة، شخص طفيلي بيمتص ډمها. كان معناه إن خمستاشر سنة من عمرها وفلوسها وشبابها اترموا في الأرض.
آه، القرض ده، أخيراً نطق وهو بيلتفت لها. مكنش في عينيه لا كسفة ولا ندم، كان فيه بس نظرة ملل باردة.
أيوه.. أنا اللي خدته.
عشان إيه؟.
عشان أعيش يا مديحة!، صړخ في وشها. عشان أعيش! ولا إنتي فاكرة إني عاجبني كل شوية أطلب منك فلوس البنزين؟ أنا.. كنت عايز أستثمر! أفتح بيزنس جديد!.
بيزنس إيه يا أسر؟، حطت الجواب على الترابيزة الإزاز. من ست شهور طلبت مني فلوس عشان أتعاب المحامين بتوع الصندوق الجديد. إنت مستثمرتش ولا مليم.. إنت بس سحبت كل حاجة.
بصلها.. بص

موقع أيام نيوز

لمراته، المصدر الآمن والمضمون اللي فجأة اتجرأت وسألت. واتغاظ.. الغيظ اللي بييجي لما حاجة مضمونة عندك وفجأة تبوظ.
وبعدين؟ عايزاني أعمل إيه دلوقتي؟.
عايزاك تشرحلي هنسدد الفلوس دي إزاي.
إحنا؟، ضحك ضحكة صفراء وحشة. لا يا مديحة.. مش إحنا.
مفهمتش قصده.
تقصد إيه؟.
أقصد اللي سمعتيه، قرب منها ووقف قدامها بكل طوله، كان بيستعرض قوته الجسدية قدامها وهو مستمتع باللحظة دي. إنتي اللي هتسددي.
قلبها وقع في رجليها للحظة.
إيه؟.
ومين غيرك؟ مش إنتي المديرة المالية الشاطرة؟ مش إنتي اللي بتشتغلي؟ مش إنتي القوية؟، تف الكلمة الأخيرة كأنها شتيمة. يبقى إنتي اللي هتشيلي الليلة. هتشتغلي تلات أشغالانات عشان تسددي القرض بتاعي، ده اللي قاله أسر.
كان بيبتسم بانتصار، وكأنه بيدوق طعم الكلمة. أخيراً رجّعها لمكانها. هو الفاشل، بجملة واحدة، حولها هي الست الناجحة لجارية عنده. كان فاكر إنه حصرها في زاوية، وفاكر إنها هتعيط وتترجاه. كان فاكر إنه كسب المعركة.
لكن كان فيه حاجة واحدة هو ميعرفهاش.
ميعرفش إني خلاص بدأت إجراءات الطلاق وتقسيم الممتلكات.
وهي مكنتش بس بدأت..
هي، بصفتها مديرة مالية محترفة، عملت كل حاجة في صمت، بدقة، ومن غير أي مشاعر. من تلات أسابيع، كانت موثقة كل رحلاته الوهمية، كل مليم حولتهوله، كل وصل كهرباء. وبكرة.. بكرة الصبح كانت أول جلسة، اللي طبعاً هو ميعرفش عنها أي حاجة.
مديحة بصت لوشه المتسلط، الشمتان، ومحستش بالخۏف. ولا حتى الۏجع.
محستش غير بالقرف.. وبإحساس تانِ، بارد ومنعش، إحساس بالحرية.
أسر بإيده دي، وبكلامه ده، كان لسه ماضي على شهادة ۏفاته في حياتها.
كان بيبتسم.. نفس الابتسامة اللي خلته من خمستاشر سنة عبقري مش مفهوم في نظرها، واليوم بقت مجرد وش خشب. كان مستمتع باللحظة.. هو العالة اللي عايش على قفا مراته، قدر بكلمة واحدة يكسر المديرة المالية.
هو
مش بس رمى عليها ديونه.. هو كان بيعاقبها.
بيعاقبها على قوتها.. على نجاحها.. على إنها قدرت تحقق اللي هو فشل فيه. قضى عمره كله بيحقد عليها، على كاريرها، على مرتبها، وعلى إرادتها اللي من حديد. ودلوقتي لقى الطريقة اللي يكسرها بيها. لقى الطريقة اللي يحول فيها قوتها لسجن ليها…
سمعتك يا آسر، سمعتك كويس، صوتها كان واطي، يقرب للهسيس، بس مكنش فيه لا خوف ولا اڼهيار.. كان فيه فراغ مرعب وتلج. تلات أشغالانات.. القرض بتاعك.. سمعتك.
رفعت عينيها فيه.. وبصت له بصة أول مرة يشوفها في حياتها. كانت بصة مراقب حسابات بيحقق مع حرامي اتمسك متلبس بالسړقة.
آسر ارتبك للحظة، الضحكة اللي على وشه بدأت تتهز، بس كبريائه المړيض خلاه يكمل في غطرسته
كويس إنك سمعتي.. عشان متبقيش تقولي إني فاجئتك. جهزي نفسك، من بكرة هتبدأي تشوفي هتدبري المبلغ ده إزاي.. البنك مش بيهزر، وأنا مش مستعد اسمي يتلمس.
مديحة قامت ببطء، عدلت جاكيت البدلة الرسمي بتاعها، وكأنها بتستعد لمعركة هي عارفة نتيجتها مسبقاً. مشيت ناحية الشباك، وبصت لشوارع الزمالك اللي غرقانة في مطر نوفمبر، وقالت وهي مدياله ضهرها
عارف يا آسر.. طول خمستاشر سنة، كنت فاكرة إني ببني بيت.. مكنتش أعرف إني كنت بربي وحش. كنت فاكرة إن استيعابي ليك هو قمة الحب، مكنتش فاهمة إنه كان قمة السذاجة. أنا اللي عودتك إن مديحة دايماً هتتصرف.. مديحة دايماً هتسدد.. مديحة هي الضهر اللي مش بيميل.
لفت وشها ليه، وعلى شفايفها ابتسامة خفيفة، باردة زي سکين جراح
بس إنت النهاردة عملتلي أكبر خدمة في حياتي.. بكلمة تلات أشغالانات دي، إنت قطعت آخر خيط كان رابطني بيك. إنت مكنتش عايز زوجة، إنت كنت عايز مكنة فلوس تصرف على نزواتك وفشلك
آسر كشړ

بضيق، وبدأ صوته يعلى
إنتي هتعمليلي فيها فيلسوفة؟ أنا بتكلم في تلاتة مليون جنيه! هتعملي إيه؟.
مديحة فتحت شنطتها الجلد الغالية، وطلعت منها ملف أزرق أنيق، وحطته بهدوء على الترابيزة الإزاز جنب جواب البنك.
مش أنا اللي هعمل يا آسر.. القانون هو اللي هيعمل. الملف ده فيه كشف حساب لخمستاشر سنة فاتوا. كل مليم دفعته في ديونك، كل شيك مضيت عليه عشان أطلعك من ورطة، كل تحويل بنكي لمشاريعك الوهمية.. كله متوثق ومسجل.
قربت منه خطوة، وعينيها في عينيه بقوة خلت ريقه ينشف
بكرة الصبح، الساعة عشرة، أول جلسة في قضية الطلاق وتوزيع الممتلكات. والقرض اللي إنت خدته بدم بارد ده؟ المحامين بتوعي قدموا إثبات إنه قرض شخصي اتصرف على رفاهيتك بعيد عن احتياجات البيت.. يعني من الآخر يا آسر، إنت اللي هتشتغل تلات أشغالانات عشان تسدده.. مش أنا.
آسر وشّه بقى لونه أصفر كبريت، وبدأ يتلعثم
طلاق؟ ممتلكات؟ إنتي اټجننتي يا مديحة؟ أنتي عارفة أنا مين؟.
عارفة كويس أوي إنت مين، قالتها وهي بتمشي ناحية باب الأوضة بكل ثقة. إنت مجرد بند خسران في ميزانية حياتي.. والنهاردة، قررت إني أشطبك تماماً. الشقة دي ملكي، والعربية اللي بتركبها ملكي.. ومع أول ضوء للشمس بكرة، مش هسمح ل طفيلي زيك يشاركني حتى الهوا اللي بنتنفسه.
فتحت الباب وبصت له بجمود
دلوقتي، خد شنطة ال ترينج الغالية بتاعتك، واطلع بره.. خلي أصحابك في النادي ينفعوك، أو يمكن تلاقي ضحېة تانية تصدق إنك عبقري ومظلوم.
آسر وقف مكانه مشلۏل، مش قادر يصدق إن مديحة الضعيفة اللي كان فاكر إنه كسرها، هي اللي بتطرده دلوقتي. بص للظرف الأحمر اللي على الترابيزة.. الظرف اللي كان فاكر إنه هيكون سلسلة يربطها بيها، وفهم في اللحظة دي إنه بقى حبل المشنقة اللي لفه حوالين رقبته بنفسه.
خرج آسر وهو بيجر أذيال الخيبة، وقفلت مديحة الباب وراه.. سندت ضهرها على الباب، وغمضت عينيها. لأول مرة من سنين، حست إن نَفَسها طالع بحرية، مفيش حمل على كتافها، ومفيش خوف من بكرة.
بكرة مش مجرد تلات عادي.. بكرة هو أول يوم في عمرها الجديد.
ودلوقتي.. شالت مديحة الظرف الأحمر من على التربيزة بعين ثابتة. اقعد يا آسر.
نعم؟ مكنش فاهم، أو بيستهبل.
بقولك اقعد، كررتها بنبرة مكنتش نبرة زوجة، كانت نبرة مديرة بتستدعي موظف مهمل عشان تبلغه بقرار رفده. ظاهر إن فيه موضوع محتاجين نتكلم فيه بمنتهى الجدية.
مقعدش.. بدل القعدة، طلع ضحكة مكتومة ومستفزة، بيحاول ينقذ ما يمكن إنقاذه من صورته اللي بدأت تتهز.
أقعد؟ إيه يا مديحة، هو إنتي صدقتي نفسك وعايشة دور المديرة في البيت؟ حاول يبان تقيل ويسحب قناع الزوج الوسيم المظلوم تاني. أنا شرحتلك كل حاجة.. الموضوع بسيط، إنتي بتشتغلي، وإنتي اللي
اقعد يا آسر.
بقلم مني السيد
صوتها معليش ولا درجة واحدة، بس كان فيه نبرة مېتة وتلج.. وفي النبرة دي كان فيه كمية صرامة وهيبة خلت آسر يقعد من غير ما يحس. الضحكة طارت من وشه، ونزل ببطء، كأنه تلميذ خايب في مكتب الناظر. قعد على طرف الكنبةنفس الكنبة اللي مديحة اشتريتها الشهر اللي فات من مكافأة شغلها. مكنش فارد ظهره كأنه صاحب البيت، كان منكمش وصغير.
مديحة حتى مكلفتش نفسها إنها تقعد قدامه، فضلت واقفة فوق راسه، ووقفتها دي كانت أرعب من أي صړيخ.
إنت قولت إني هشتغل تلات أشغالانات عشان أسدد القرض بتاعك. ده مكنش اقتراح يا آسر.. ده كان أمر، قالتها بجمود
يا مديحة أنا.. أنا كنت متنرفز بس! حاول يلحق نفسه.
كنت متعصب، وإنتي

عارفة بتوع تحصيل الديون دول بيوتروا إزاي..
أنا مبسوطة إنك أخيراً بقيت صريح، قاطعته ببرود. إنت أخيراً نطقت القواعد اللي عايشين بيها من خمستاشر سنة. إني أنا الساقية وإنت اللي سايقها، ولو لزم الأمر، تدبحها تحت حمل ديونك من غير ما يرف لك جفن.
بس بقى! قام وقف، مكنش مستحمل نبرتها. ده مش.. مش حقيقي! أنا
ده الحقيقي بالظبط. خدت خطوة ناحيته، ولرعبه، هو اللي رجع خطوة لورا. ودلوقتي يا آسر، زي ما طلبت، أنا هروح أشتغل.
من غير ولا كلمة زيادة، راحت لمكتبها اللي في ركن الصالة. آسر كان بيبص لها بذهول، مش فاهم بتعمل إيه. بإيد ثابتة، طلعت مفتاح فضي صغير، وفتحت درج هو عمره ما شافه بيتفتح، وطلعت دوسيه جلد أسود فخم.. أسود زي لون بدلتها
إيه ده؟ همس بذهول. إنتي مجهزة إيه؟.
مش أنا اللي جهزت يا آسر، رجعت مديحة وحطت الدوسيه قدامه كأنه حيطة سد. ده اللي إنت عملته بإيدك. ده جرد.. جرد لخمستاشر سنة جواز.
فتحت الدوسيه.
إنت قولت إني لازم أدفع تلاتة مليون؟ طيب، تعال نشوف الحساب.
طلعت أول ورقة.
800 ألف جنيه.. سنة 2017. قرض باسمك لتطوير النشاط. الشركة فلست بعد شهر. مين اللي سدد؟ أنا. من تحويشة عمري.
طلعت الورقة التانية.
مليون و ألف.. سنة 2020. استثمار في العملات الرقمية. وطلعت فنكوش ونصباية. الديون فضلت، ومين اللي سدد؟ أنا.. بعد ما بعت صيغة أمي وخدت قرض بضمان مرتبي.
طلعت الورقة التالتة.
650 ألف.. سنة 2022. دين شرف لواحد صاحبك. مين سدده؟ أنا.. من مكافأة نهاية السنة.
رمت الورق على التربيزة الإزاز زي ورق الكوتشينة اللي بيكشف حظه الأسود. كان بيبص للورق، لخطاياه القديمة اللي كان فاكر إنها اتنست وهي سددتها في صمت، ووشه بقى لونه أصفر. مكنش يعرف إنها عاذبة وبتعد وراه. كان فاكر إنها بتسامح وتنسى.
إنتي.. إنتي طول الوقت ده كنتي.. بتراقبي؟
كنت بقيّد يا آسر، كملت هي الجملة. أنا مديرة مالية، ومبعرفش أنسى خسارة بالملايين.. أنا بسجلها.
بص لها بړعب. دي مكنتش دودي بتاعته.. دي كانت واحدة غريبة ومالهاش قلب واقفة في صالته.
وطيب وبعدين؟ همس بصوت يدوب مسموع. إنتي.. عايزة إيه؟.
أنا؟ بصت له كأنها بتبص لمديون مفيش منه أمل. أنا مش عايزة حاجة خلاص.. أنا بس بقفل الميزانية.
طلعت آخر ورقة، وأهم ورقة. مش مطبوعة كمبيوتر، دي ورقة رسمية عليها ختم النسر وعلامات مائية.
التلاتة مليون اللي خدتهم من ست شهور، قالت ببرود، كانوا القشة اللي قطمت ظهر البعير. إنت بقيت عبء تقيل أوي يا آسر.. وجه الوقت إني أتخلص منك.
إيه.. إيه ده؟.
ده، وحطت الورقة فوق ديونه كلها، دي صورة من دعوى الطلاق وتوزيع الممتلكات. مكنتش تعرف إني خلاص رفعت القضية.
عينه كانت مثبتة على الكلمات.. دعوى تطليق.. ندب خبير لتقسيم الممتلكات.
طلاق؟ همس پصدمة. إنتي.. بتهزري يا مديحة؟.
وشه اللي كان من دقيقة كله غرور وجبروت، بقى زي وش طفل خاېف وتايه. كل المنظرة والرجولة المصطنعة وقعت زي الدهان الرخيص، وظهر اللي مديحة رفضت تشوفه طول السنين دي فشل مرعب.
ده مش هزار يا آسر.. دي نتايج أفعالك. وبكل هدوء، زقت الورقة في نص التربيزة. بكرة الساعة عشرة الصبح.
قام وقف مخضوض. مش عشان يزعق، عشان يتذلل. جسمه اللي كان من شوية بيحاول يسيطر عليها، بقى محڼي.
لا! لا يا مديحة استني!. حاول يمسك إيدها، بس هي سحبتها منه، وفضل هو واقف في مكانه بذهول. يا دودي يا حبيبتي! أنا.. مكنش قصدي! أنا كنت متعصب! إنتي عارفاني، أنا ساعات بفك مني!.
حاول يتكلم.. حاول

يرجع سحره القديم. حاول يرجعها لدور الزوجة اللي بتستحمل والمنقذة.
أنا.. أنا بحبك! إنتي مش هتسيبيني بجد، صح؟ خمستاشر سنة! إحنا.. إحنا أهل! متبوظيش كل حاجة عشان
خمستاشر سنة يا آسر، صوتها كان هادي، مفيش فيه ذرة ڠضب ولا عشم. خمستاشر سنة، زي ما إنت شايف، أنا أرّختهم بالمليم. كنت فاكر إني سامحت ونسيت؟ لا.. أنا ست محترفة، وأنا أرشفت الملف ده خلاص.
بص لها وهو مش فاهم. كان لسه متعلق بكلمة طلاق، بس تاهت منه الكلمة التانية الأهم والأخطر.
بس.. بس تقسيم ممتلكات إيه؟ لثلم في الكلام وهو بيدور على مخرج. الشقة دي.. بتاعتنا! هنبيعها.. ونسدد كل حاجة…
رجع تاني يقول بتاعتنا.. لسه فاكر إنهم فريق واحد.
عندك حق، هزت راسها بموافقة. كل حاجة اشتريناها وقت الجواز هي بتاعتنا. والديون كمان يا آسر بتاعتنا.. خصوصاً اللي اتصرفت على البيت.
للحظة حس بالراحة.. افتكر إنها هتساعده كالعادة، وإنها هتلم الليلة.
يعني.. يعني إنتي هتساعديني؟ إحنا
لأ، وقفت كلامه بابتسامة خشبية. إنت فهمت غلط تاني. المحامين بتوعي شاطرين أوي، الأوائل في تخصصهم. وقدموا مع دعوى التقسيم حافظة مستندات محترمة.
لمست بظفرها كومة ديونه القديمة اللي هي سددتها.
قدموا إثباتات كاملة إني أنا الوحيدة اللي سددت كل مشاريعك الفاشلة اللي فاتت. وإني أنا الوحيدة اللي سددت أقساط الشقة بتاعتنا. وإني أنا اللي كنت بصرف على البيت ده بالمليم طول ما إنت كنت بتدور على نفسك.
لسه مكنش فاهم الضړبة القاضية فين.
وبعدين؟.
وبعدين، مش هنقسم كل حاجة بالنص يا آسر. هنقسم بالعدل. هنرجع التوازن للميزانية.
يعني.. يعني إيه؟ صوته بقى همس.
يعني، وقالت كل كلمة كأنها مسمار في نعش حياته معاها، الشقة دي، اللي اتدفعت من مالي الخاص، هتفضل ليا.. كتعويض عن المبالغ
اللي أنا سددتها مكانك. والعربية، اللي متسجلة باسمي ومدفوعة بفلوسي، هتفضل ليا.
سكتت لحظة عشان تستوعب الصدمة اللي على وشه.
أما القرض الجديد بتاعك.. التلاتة مليون اللي استلفته من ورايا.. فده هيفضل ليك إنت لوحدك.
لا.. رجع لورا وهو مذهول. لا.. القانون.. المحكمة مش هتحكم بكده…
المحكمة، قاطعته، هتاخد في اعتبارها إنك راجل سليم، وصحتك بوم، ومع ذلك مكنتش بتشارك بمليم في ميزانية البيت، وكنت بتسبب خساير بالملايين مراته هي اللي بتشيلها. المحكمة هتاخد في اعتبارها إنك من نص ساعة بس، وفي الصالة دي، كنت بتحاول تفرض عليا عقد عبودية.
قربت منه، ومكنش فيها أي أثر للخوف. هو اللي كان منتهي.
إنت قولتلي هتشتغلي تلات أشغالانات عشان تسددي القرض بتاعي، مش كدة؟.
كان بيبص لها كأنه بيشوف شبح.
ظاهر إن حساباتك كانت غلط يا آسر. الظاهر إن إنت اللي محتاج أخيراً تدور على شغلانة واحدة حتى.
وقع على الكنبة.. كان باصص للفراغ. عالمه كله اللي كان مبني على فلوسها، وعلى بريستيجه الكداب، اتهد. .. مفلس.. وغرقان في الديون.
مديحة خدت شنطتها، ومسكت مفاتيح عربيتها.
رايحة.. رايحة فين؟! سألها وهو صوته مشحرج.
رايحة أبات في أوتيل، قالتها وهي واقفة عند الباب. محتاجة أنام كويس عشان ورايا محكمة الصبح.
لفت وشها ليه لآخر مرة.
وإنت.. تقدر تفضل هنا دلوقتي. المحامين بتوعي هيكلموك بخصوص إخلاء الشقة. تقدر تقعد تدور على نفسك براحتك.. بس لو مكانك، هبدأ أدور على محامي.. وعلى شغل.
خرجت وقفلت الباب وراها بهدوء، وسابته لوحده.. في شقتها.. مع ديونه.. ومع الحساب الختامي اللي كان قاسې.. بس عادل
بقلم مني السيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *