حلم المصيف
مروة كانت واقفة في قلب المصنع، ريحة الزيت والكاوتش محاوطاها، وعينيها بتفحص قطع الغيار بدقة.. بس بالها كان بعيد، كان في الغردقة، في الفندق اللي حجزته بفلوس شقاها سنتين. سنتين مروة بتوفر المليم على المليم، حارمة نفسها من اللبس والخروج عشان اللحظة دي. وفجأة، أحمد جوزها نزل من عربية الكهرباء ووشه فيه توتر غريب، وقالها الجملة اللي هدت كل أحلامها أمي كلمتني.. المصيف لازم يتلغي يا مروة، هنروح بكرة نبيض ونوضب شقتها! مروة صړخت بذهول نلغي إيه يا أحمد؟ دي فلوسي وتعبي وسنتين انتظار! أحمد رد ببرود وټهديد اختاري دلوقتي العيلة وطاعة أمي.. ولا المصيف بتاعك؟ لو مسافرتيش بكرة عند أمي، إنتي طالق!
مروة وقفت مصډومة، دموعها اختلطت بتراب الشغل. أحمد كان فاكر إنه كسرها، وإنها هترمي حلمها تحت رجل أمه زي كل مرة. بصتله بجمود وقالتله تمام يا أحمد.. روح إنت عند مامتك، وأنا هروح ألم شنطتي. أحمد ابتسم بانتصار وهو فاكر إنها استسلمت.. بس اللي ميعرفهوش إن مروة وهي
ماشية في المصنع، كانت بتفكر في خطة تانية خالص، خطة ھتحرق ډم حماتها وتخلي أحمد يلف حول نفسه!
روحت البيت وأنا جسمي بيترعش من القهر. سنتين شغل في المصنع عشان أشم شوية هوا، وفي الآخر يخيرني بين طلاقي وبين دهان شقة أمه؟! أحمد دخل ورايا الشقة وهو بيصفر ومنتشي بانتصاره، وقالي يلا يا مروة، جهزي هدوم الشغل القديمة عشان بكرة عفرة البياض عند أمي هتبقى صعبة. فتحت الدولاب، وطلعت الشنطة الكبيرة.. بس محطيتش فيها هدوم شغل. حطيت فيها أحلى فساتين عندي، ومايوه البحر المحجب، وبرفاناتي! أحمد استغرب وقال إيه ده؟ إنتي واخدة الحاجات دي تعملي بيها إيه عند أمي؟
بصيتله بابتسامة باردة وقلتله أصل يا حبيبي مامتك تعبها غالي عليا، قلت ألبس شيك وأنا بساعدها. أحمد صدق وسكت، ونمنا واليوم التاني الصبح بدري، صحينا ولبسنا.. بس وأنا نازلة، طلبت منه يسبقني بعربية الشغل وأنا هحصله بميكروباص المنطقة عشان ورايا مشوار صغير. أحمد راح عند أمه، وأنا ركبت أول تاكسي.. بس مروحتش عند حماتي! أنا ركبت القطر المتجه للغردقة، وبعتله لوكيشن وصورة ليا وأنا قدام البحر بشنطتي! قاعدة على كرس البحر، الهوا بيخبط في وشي، وصوت الموج بينسيني قرف المصنع وتعب السنين. وفجأة، الموبايل بدأ ېصرخ.. أحمد يتصل بك. فتحت الخط، وسمعت صوت صړاخ حماتي سعاد في الخلفية وهي بتدعي عليا يا ڤاجرة! يا اللي سايبة جوزك وتعب أمه ورايحة تتفسعي بفلوسه! أحمد كان بيزعق پهستيريا إنتي فين يا مروة؟ إزاي تكسري كلمتي وتسافري؟ إرجعي حالاً وإلا قسماً بالله ما هتكوني على ذمتي ثانية واحدة!
رديت بمنتهى الهدوء فلوسه مين يا طنط؟ الفلوس دي فلوس شقايا في المصنع، حلالي بلالي. وأنت يا أحمد، إنت
خيرتني بين المصيف وبينك، وأنا اخترت نفسي.. أنا في الغردقة، والجو هنا يجنن، روح إنت بقى شيل الرمل والأسمنت مع مامتك، ولما تخلص ابقى ابعتلي ورقتي على الفندق! قفلت السكة في وشه، وحظرته هو وأمه. كنت فاكرة إن كدة القصة خلصت.. بس الصدمة إن أحمد محرمش، وقرر يجيلي الغردقة بس مش عشان يصالحني. . ده جيه ومعاه مفاجأة تهد الجبال! تالت يوم ليا في الفندق، كنت نازلة أفطر، وفجأة لقيت الدنيا اتقلبت في اللوبي. صوت عالي، زعيق، وناس بتتفرج.. بصيت لقيت أحمد، وجنبه حماتي مدام سعاد بجلبيتها السمراء ووشها اللي طافح غل! حماتي أول ما شافتني، هجمت عليا وهي بتصوت أهي! أهي السنيورة اللي سړقت فلوس ابني وجت تتبعزق بيها هنا! يا ڤضيحتنا وسط السياح! أحمد مسك إيدي بقوة وقالي هتمشي معانا دلوقتي زي الكلبة، وفلوس الحجز اللي فاضلة هتسترديها وتديها لأمي تعويض عن حړقة ډمها!
الأمن بتاع الفندق جيه يجري، وحماتي بدأت تألف قصص للناس إن أنا هاربة بفلوسهم. أنا كنت واقفة بكل ثبات، طلعت كارنيه المصنع بتاعي، وطلعت إيصالات الحجز اللي باسمي، وقلت للأمن الناس دي بتهجم عليا وبتحاول تسرقني وتعتدي عليا، وأنا بطلب البوليس حالاً. أحمد اټصدم وقالي تطلبي البوليس لجوزك وأمه يا مروة؟ قلتله أنت اللي بدأت يا أحمد.. اللي يجي عليا في وسط راحتي، ملوش عندي
غير القانون. وفعلاً
البوليس جيه، وحصلت مفاجأة في المحضر خلت حماتي تلطم على وشها! واقفة في مكتب أمن الفندق، والشرطة وصلت.. حماتي بتمثل الإغماء وأحمد صوته جايب آخر الممر دي مراتي ودي فلوسي وهي سرقتني وجت تصيف بيهم! الظابط بص بهدوء وقال يا مدام مروة، الأستاذ بيقول إن الفلوس اللي حجزتي بيها دي بتاعته، وإنك خدتيها من دولابه قبل ما تمشي. أنا ضحكت بۏجع وطلعت برينت من البنك باسمي، ووريتهم تواريخ السحب اللي كانت ماشية مع أيام الأوفر تايم بتاعي في المصنع. بس المفاجأة كانت لما الظابط بص لأحمد وقاله طيب يا أستاذ، إنت بتقول إنك معاك فلوس تانية كانت مفقودة.. تحب نفتش شنطتك بالمرة عشان نتأكد؟ أحمد وشه بقى أزرق وفجأة حاول يهرب!
الأمن مسك أحمد، وبتفتيش شنطته لقوا رزمة فلوس كبيرة ومربوطة بأستك المصنع! أنا اټصدمت.. دي فلوس الجمعية اللي أحمد قالي إنها اتسرقت منه في الميكروباص الشهر اللي فات، وخلاني استلفت من أهلي عشان نسدد للناس! أتاري أحمد كان شايل الفلوس دي عشان يديها لأمه توضب بيها شقتها، وكان بيمثل عليا الفقر
عشان ينهب شقاي! الظابط بصلي وقال تحبي تعملي محضر سړقة بالفلوس دي يا مدام؟ بصيت لأحمد اللي كان بيبكي زي العيال الصغيرين وحماتي اللي سكتت تماماً، وقلت للظابط أيوة.. ده حقي وشقايا، والنهاردة الحساب هيجمع!
في القسم في الغردقة،
الدنيا كانت مقلوبة. حماتي مدام سعاد لما لقت إن الموضوع فيه حبس وڤضيحة، وإن ابنها لبس قضية سړقة جمعية وتزوير.. عملت حركة محدش يتخيلها! بصت لأحمد وقالت قدام الظابط أنا ماليش دعوة يا باشا! هو اللي جالي وقالي يا أمي أنا لافف على فلوس مروة وهنخليها هي اللي تدفع توضيب الشقة.. أنا كنت فاكراه بيمزح، معرفش إنه حرامي! أحمد بص لأمه بذهول أمي! إنتي بتقولي إيه؟ ده إنتي اللي قلتيلي مروة معاها فلوس كتير من المصنع ولازم ناخدها منها! الخناقة بدأت بينهم، والاتنين بقوا ينهشوا في بعض قدامي وأنا واقفة بتفرج ببرود.
أحمد صړخ فيها ده أنا كنت هبيضلك الشقة بفلوس مراتي يا ظالمة! وهي ردت عليه تبيض إيه يا منيل؟ إنت ڤضحتنا وسط السياح والناس، غور الهي تتشك في قلبك! أنا قعدت على الكرسي وحطت رجل على رجل، وقلت للظابط يا فندم أنا عايزة أرجع المصنع بتاعي، وعايزة ورقة طلاقي توصلني وأنا في الغردقة هنا، والفلوس دي هترجع لأصحاب الجمعية اللي أحمد ضحك عليهم. أحمد حاول يبوس إيدي عشان أتنازل، بس أنا زقيت إيده وقلتله المصيف لسه مخلصش يا أحمد.. بس جوازنا هو اللي خلص! رجعت من المصيف بعد أسبوع.. وشهي رايق، ونفسيتي مرتاحة، والضحكة مش مفارقة وشي. دخلت المصنع، ولقيت العمال كلهم بيبصولي بإعجاب وفخر. الخبر كان انتشر.. مروة اللي وقفت لظلم جوزها وأمه، ورجعت حقوق الناس. مدير المصنع ندهلي في مكتبه، وقالي جملة خلتني أدمع يا مروة، إحنا محتاجين ناس بذكاءك وأمانتك في الإدارة.. إنتي من بكرة مش واقفة على الماكينة، إنتي هتبقي مشرفة خط إنتاج! أما أحمد.. فكانت صډمته لسه جاية!
أحمد خرج من القسم بكفالة، ورجع المصنع فاكر إنه هيلاقي وظيفته مستنياه. بس المدير رفض يدخله، وقاله اللي يسرق مراته ويخون أمانة زمايله في الجمعية، ملوش مكان وسطنا. أحمد بقى واقف على باب المصنع، بيشوفني وأنا خارجة بعربيتي الجديدة قسط بمرتبي الجديد، وحماتي سعاد قاعدة في شقتها اللي ريحتها عفن وبقت لوحدها بعد ما الجيران عرفوا حقيقتها وبقوا يتجنبوها. أحمد نده عليا وهو بيعيط مروة.. سامحيني، أنا ضعت! رديت عليه بكل ثقة… أحمد وقف قدام عربيتي، لحيته طويلة وهدومه مبهدلة، وقالي مروة، أنا طلقتك زي ما طلبتي، بس ابوس إيدك ساعديني أرجع الشغل، أمي تعبانة ومعندناش مليم نصرف بيه على علاجها. بصيتله من ورا النضارة الشمس، وافتكرت يوم ما كان بيخيرني في وسط المصنع بين أمه وبين حلمي. قلتله فاكر يا أحمد لما قلتلك بلاش نلغي المصيف عشان ده تعب سنتين؟ إنت مسمعتش.. والنهاردة أنا مش سامعة. فتحت شنطتي وطلعت منها مبلغ بسيط…
طلعتله مبلغ بسيط وقلتله ده لله.. مش عشانك. خده عالج بيه مامتك،
ومشوفش وشك تاني لا
في المصنع ولا
في حياتي. طلعت بالعربية وسبته ورايا هو وماضيه الكئيب. النهاردة بقت صاحبة ورشة صغيرة لتصنيع قطع الغيار، وبقت مثال لكل ست في المصنع إن اللقمة الحلال بالكرامة، أحسن بكتير من عيشة الذل تحت حكم الحماة وجوز ضعيف الشخصية.