اعتراف متأخر كاملة بقلم مني السيد

ماتجيبيش البنت.. بتبوّظ القعدة
دي كانت رسالة ماما الصبح قبل عزومة شم النسيم. وبعدها بدقيقة، بابا كمل عليها ببرود تعالي لوحدك يا إما بلاش تيجي خالص.. عايزين نفطر في هدوء. بقلم مني السيد
ساعتها أنا ماردتش.. ولا بكلمة.
اللي هما مايعرفوهوش، إني بقالي 23 شهر، يعني سنتين إلا شهرين، بحولهم سكاتي كل شهر 10 آلاف جنيه عشان أسدد أقساط الشقة الدوبلكس بتاعتهم اللي كانوا هيطردوا منها بعد ما بابا طلع معاش ومابقاش قادر يغطي التزاماتها.
يومها الصبح، قررت أقعد في بيتي مع بنتي.. ولغيت التحويل. بقلم مني السيد
الساعة جت 1047 الصبح، وتليفوني كان هينفجر من كتر الاتصالات.. عشان المصلحة مسمعتش في الحساب.
الساعة كانت 6 الصبح يوم شم النسيم، كنت واقفة حافية في المطبخ، إيد فيها ببرونة دافية وإيد فيها الموبايل، لما لقيت رسالة من والدتي، دينا، بتقولي إن بنتي نور اللي عندها 14 شهر بتبوّظ المود.
ماقالتش هتتعبك، ماقالتش ممكن تنام أحسن في البيت.. ولا حتى حاولت تجمّل الكلام بالأسلوب

المذوق اللي الأمهات اللي زي ماما شاطرين فيه. لأ، هي دخلت في الموضوع بطلقة رصاص على جروب العيلة
الفطار الساعة 11. البسوا شيك. وشيماء.. بلاش تجيبي البنت معاكي. كانت بتزن المرة اللي فاتت وبوّظت القعدة على الكل.
وقبل ما استوعب الجملة، بابا كمل أمك عندها حق. يا تيجي لوحدك يا بلاش.. عايزين نفطر في روقان.
ضحكت.
والله ضحكت بصوت عالي في ضي المطبخ الهادي. ضحكة من النوع اللي بيطلع لما الواقع بيبقى أغرب وأسخف من إنك تصدقه. بنتي نور كانت قاعدة في كرسيها بتلعب بشرابها وبتغني ب كا.. با.. بتاعتها، وشها عليه حتة موز وشعرها منكوش من النوم زي الملايكة. فكرة إن الكائن الصغير ده بقى تهديد أمني لروقان فطار شم النسيم في الشقة الدوبلكس اللي أنا بدفع تمنها.. كانت نكتة بايخة.
وبعدين الضحكة اختفت.. وحل مكانها وجع تقيل بقلم مني السيد
قريت الكلام تاني. الحروف ماتغيرتش، وقسوتها مانهدتش. أهلي مش عايزين حفيدتهم في بيتهم عشان بتعمل دوشة وبتتصرف كأنها.. طفلة!
ركنت الموبايل على الرخامة كأنه قنبلة مش عايزة ألمسها. بقلم مني السيد
أنا اسمي شيماء، عندي 31 سنة. عايشة في التجمع مع جوزي شريف وبنتي نور. بقالي سنتين شايلة عن أهلي حمل تقيل، وبدفع ليهم مبلغ شهري ثابت عشان يحافظوا على منظرههم الاجتماعي والشقة اللي تعبوا عشان يسكنوا فيها ومابقوش قادرين على مصاريفها.
وفي اللحظة دي، والشمس لسه بتطلع، عرفت حاجة واحدة بمنتهى الهدوء
التحويل اللي المفروض يتنفذ يوم الاتنين.. مش هيحصل.
اللحظة دي هتتحول بعدين لواحدة من الذكريات السودا في تاريخ عيلتنا، اللحظة اللي الناس بتحكي عنها بصوت واطي في المناسبات. بس وأنا واقفة في المطبخ، ماكنتش حاسة بأي دراما.. كنت حاسة بسكوت رهيب. السكوت اللي بيجي لما الواحد يتعب أخيراً من إنه يكدب على نفسه.
عشان تفهموا ليه الرسالة دي وجعتني كدة، لازم تعرفوا طبيعة عيلتنا.
أنا كبرت في منطقة راقية، من البيوت اللي كل حاجة فيها بالمسطرة. الوجاهة الاجتماعية أهم من الأكل والشرب. ماما كانت بتعامل البيت كأنه جاليري مش سكن، وبابا كان بيشوف إن المشاعر دي دلع مالوش لزمة.
أنا كنت دايماً شيماء الشاطرة.. شيماء اللي بتسد لو أخويا تامر هو النجم اللي الكل بيسقفله، فأنا كنت الخدّامة اللي بتنضف المسرح بعد ما يخلص. كنت بذاكر، وبشتغل، وبشيل مسؤولية من صغري عشان أسمع كلمة رضا.
حتى لما كبرت وبقيت محاسبة شاطرة في شركة كبيرة، فضلوا شايفيني مجرد مصدر أمان. لما بابا اتزنق في أقساط الدوبلكس وكان البنك خلاص هياخد إجراءات، أنا اللي وقفت. مافكرتش مرتين، قلت دول أهلي، وشلت ال 10 آلاف جنيه كل شهر من قوتي وقوت بيتي عشان هما يفضلوا باشوات في مكانهم.
لكن إنهم يرفضوا بنتي؟ إنهم يحسسوني إن وجودي مشروط بهدوء بنتي اللي لسه مكملتش سنة ونصف؟
هنا أنا فوقت.
أنا مش رايحة الفطار، والفلوس مش هتحول. وخلي الروقان اللي هما عايزينه ينفعهم لما المحامي يتصل بيهم الصبح يطالب بالأقساط المتأخرة.
اللحظة اللي لغيت فيها التحويل كانت هي اللحظة اللي شيماء القديمة ماتت فيها. كنت حاسة إني برمي حمل جبل من فوق كتافي. يومها قضيت شم النسيم مع شريف ونور في جنينة بيتنا الصغيرة، أكلنا

رنجة وضحكنا، ونور كانت بتلعب في الطين ومبهدلة فستانها الأصفر.. وكانت دي أجمل قعدة في حياتي، بعيد عن تكلّف ماما ومناديلها القماش. بقلم مني السيد
الساعة جت 1047 الصبح.. التليفون بدأ يزن.
مكالمة من ماما.. وراها مكالمة من بابا.. وبعدين رسالة أنتِ فين؟ الفطار بدأ بقاله نص ساعة! وبعدها ب 5 دقائق أنتِ بجد مش جاية؟ ردي حالاً.
سبت الموبايل يصرخ لوحده. كنت قاعدة بشرب قهوتي وهي فترة، وبراقب بنتي وهي بتحاول تاكل النجيل، وحاسة بهدوء غريب.. هدوء الشخص اللي قرر فجأة إنه مش هيلعب الدور اللي اتفرض عليه. بقلم مني السيد
على الساعة 12 الظهر، لهجة الرسائل اتغيرت.. المصلحة اتكشفت.
بابا دخل على حساب البنك ولقى إن ال 10 آلاف جنيه مسمّعتش.
ماما بعتت شيماء.. ردي، الموضوع ضروري ومستعجل!
سبحان الله، فجأة بقيت ضرورية؟ فجأة بنتي اللي بتبوظ المود مابقتش عائق قصاد إنهم يكلموني؟
قفلت الموبايل خالص.
الساعة جت 3 العصر، وسمعت صوت عربية بابا بتركن قدام البيت. شريف بص من الشباك وقالي أهلك بره.. تحبي أطلع أنا؟
قلتله لا يا شريف.. خليك قريب بس أنا اللي هوجههم.
فتحت الباب، لقيت ماما واقفة بقميص سواريه وعقد لولي، كأنها لسه جاية من حفلة في دار الأوبرا، وشها كان عبارة عن قناع من الغضب المكتوم. وبابا كان لسه في العربية والموتور داير.. كالعادة، بابا بيحب يسيب ماما تفرش الملاية ويدخل هو في الآخر كأنه حمامة السلام.
ماما قالت بحدة ماجيتيش ليه؟
رديت ببرود أنتِ قلتي ماتجبيش بنتك.. فقررت أقعد مع بنتي.
بدأت تلف وتدور بأسلوبها المعتاد يا شيماء أنتِ كبرتي الموضوع، أنا كان قصدي إنك ترتاحي، البنت كانت بتزن المرة اللي فاتت فقلت أخفف عنك.. بلاش حساسية زيادة.
هنا بابا نزل من العربية وجيه وقف جنبه شيماء.. مش عايزين نكبر الموضوع، القسط مسمّعش في البنك، والموظف كلمني.. شوفي الغلط فين وصالحيه.
بصيتلهم وقلت الكلمة اللي كانت محبوسة بقالها سنين مافيش غلط يا بابا.. أنا اللي لغيت التحويل. ومن النهاردة، مابقتش مسؤولة عن أقساط الشقة الدوبلكس.
ماما شهقت كأني كفرت أنتِ بتلوي دراعنا عشان قلنا كلمة على بنتك؟
رديت بوجع بس بقوة لا يا ماما.. أنا فوقت. بابا معاه مركب صيد غالي، وأنتِ لسه عاملة عيد ميلادك في قاعة، وبتسافروا الساحل كل صيف.. وأنا اللي بدفع الأقساط من لحمي ولحم بنتي وشقايا في المحاسبة عشان تحافظوا على المنظر؟ وفي الآخر بنتي مش معزومة في بيتكم؟
بابا رد بجملة عمري ما هنساها إحنا أهلك يا شيماء.. ومساعدتك لينا دي واجب مش تجارة.
واجب؟ إني أدفع تمن رفاهيتكم وأنا بنتي بتبوظ مودكم؟
شريف ظهر ورايا وحط إيده على كتفي وقالهم بهدوء أعتقد كدة الكلام خلص.. اتفضلوا عشان نلحق ننيّم نور.
مشوا.. ومن غير ما حتى يسألوا يشوفوا البنت..
اللي حصل بعد كدة كان انفجار على جروب العيلة. ماما كتبت كلام عن عقوق الوالدين وإن البيوت أسرار وإن شريف هو اللي قسّاني عليهم.
لحد ما تامر أخويا، الابن المدلل، عمل حاجة صدمت الكل.
كتب على الجروب يا جماعة كفاية.. شيماء شالتكم سنتين سكاتي، وأنتوا جرحتوها في بنتها. اللي شيماء عملته ده حقها، ويا ريت نفوق بقى.
بكيت لما شوفت رسالة تامر.. لأول مرة أحس إن في حد من دمي شايفني بجد..
الأيام عدت، وبابا بدأ يتغير. باع المركب، وبدأ يرجع يمسك ملفات تأمين زيادة، وبدأوا فعلاً يظبطوا ميزانيتهم على قدهم. ماما فضلت فترة تقاوم وتعمل بوستات حزينة، بس في الآخر استسلمت للواقع.
بعد شهرين، بابا بعتلي رسالة أنا آسف يا شيماء.. إحنا فعلاً جينا عليكي كتير. حقك عليا.
رديت عليه مش زعلانة يا بابا.. بس لازم كل واحد يشيل شيلته.
دلوقتي، إحنا بنتقابل.. بس بشروطي. في بيتي، أو في مكان عام. بنتي نور هي الكل في الكل، ومحدش بيجرؤ يقول بتبوظ المود. أنا لسه شيماء العاقلة.. بس العاقلة اللي عرفت إن لا هي اللي بتحمي الحب الحقيقي، وإن السند اللي بجد مش هو اللي بيدفع فلوس وبس، هو اللي بيتحرم منه اللي مابيقدرش قيمته.
تمتبقلم مني السيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *