خطوبه اخويا

دخلتُ خطوبة أخويا، وفجأة العروسة قربت مني وهمست بخــ,,ـــــبث: “بصوا… بنت الريف اللي ريحتها طين وصلت.” ماكانتش تعرف إن الأوتيل كله بتاعي… وإن أهلها بعد شوية هيتعلموا الدرس بالطريقة الصعبة.

سمعت الهمسة قبل ما أشوف ابتسامتها. “بنت الريف اللي ريحتها طين وصلت.”

قالتها العروسة بصوت واطي، وشفايفها قريبة من ودني، وإيدها المتلألئة بالدبلة ماسكة دراع أخويا كأنها بتملكه. حوالينا نجف ضخم بينور القاعة، وترابيزات متغطية بقماش دهبي، ونافورات عصير فخم، وورد أوركيد تمنه أغلى من أول عربية اشتريتها في حياتي.

لفّيت وشي وبصّيت لها.

ياسمين ابتسمت أكتر.

أخويا كريم ما سمعش كلامها… أو يمكن سمع وتجاهل. وده كان أسوأ.

قال بابتسامة مصطنعة: “لينا… أخيرًا وصلتي.”

قلت بهدوء: “أيوه، وصلت.”

عينه نزلت على فستاني. حرير كحلي بسيط. لا ماركة عالمية واضحة، ولا فساتين بتصرخ إنها غالية.

والدة ياسمين، مدام فريدة، لاحظت ده وضحكت وهي بترشف العصير: “يا حبيبتي… لابسة زي موظفة استقبال.”

كام شخص ضحك بخفة.

خالتي بصّت الناحية التانية.

أبويا شدّ فكه وسكت. طول عمره بيهرب من المشاكل… حتى لو المشكلة قاعدة قدامه على الترابيزة وبتكسر كرامته.

ياسمين قربت مني تاني وهمست: “حاولي ما تفضحيش كريم الليلة دي… الناس المهمة موجودة.”

بصّيت من وراها على قاعة فندق “النيل الملكي”.

الفندق بتاعي أنا.

من 3 سنين اشتريته باسم شركة استثمار بعد ما صاحبه القديم كان هيعلن إفلاسه. أنا اللي رممت القاعات، وسددت الديون، ووقفت الفندق على رجليه من جديد… ومن غير ما أحط اسمي في أي ورقة علنية، لأني بحب الخصوصية أكتر من الشهرة.

كريم كان فاكر إني “بشتغل في مجال الفنادق”. عمره ما سأل يعني إيه.

أما أهل ياسمين فكانوا يعرفوا أقل. كل اللي يعرفوه إني بنت ريف، سافرت بدري، ورجعت من غير جوز، ولا عربية فارهة، ولا بحب أشرح نفسي لحد.

بالنسبة لناس زيهم… الهدوء معناه ضعف.

قلت بهدوء: “مبروك.”

ياسمين مسكت دراع كريم أكتر وقالت: “شكرًا… مبسوطين إنك عرفتي تسيبي الغيط وتيجي.”

المرة دي كريم سمع.

وشه اتحرك للحظة… وبعدين ضحك.

مش ضحكة عالية… ولا قاسية كفاية تخلي

الناس تاخد بالها.
لكن أنا خدت بالي.

وفي اللحظة دي… حاجة جوايا سكتت تمامًا.

جرسون عدى بصواني العصير. أخدت كوباية، مش عشان أشرب… لكن عشان يبقى في إيدي حاجة شيك وأنا بقرر: هما يستحقوا قد إيه من الرحمة الليلة دي.

في آخر القاعة، مدير الفندق أستاذ هارون بصّلي.

واكتفى بإيماءة صغيرة.

ياسمين رفعت كوبايتها وقالت بصوت عالي: “نخب العيلة!”

ابتسمت.

وقلت: “أيوه… نخب العيلة.”

وسبتهم يستمتعوا بآخر ساعة ليهم وهم فاكرين إنهم الأقوى…

ياسمين رفعت الكوباية بثقة، والناس كلها ردّت وراها: “في صحة العرسان!”

الموسيقى علت، والضحك رجع يملأ القاعة، كأن الإهانة اللي حصلت من شوية كانت مجرد هزار تقيل.

أما أنا… فكنت ببص للسقف الكريستال اللامع وبحسب الوقت.

58 دقيقة.

بعدها بالظبط، هيتغيّر شكل الليلة كلها.

كريم قرب مني وهو بيعدل بدلته: “معلش يا لينا… إنتِ عارفة ياسمين هزارها تقيل شوية.”

بصيت له ثواني طويلة. “وأنت؟ هزارك كان إيه؟”

اتوتر. “يعني إيه؟”

“ضحكت.”

بلع ريقه وبص حواليه: “ماينفعش أعمل مشكلة قدام

الناس.”
ابتسمت بهدوء: “طبعًا… الناس المهمة.”

وشه احمر، لكنه ما ردش.

في اللحظة دي، مدام فريدة خبطت معلقتها في الكوباية: “يا جماعة! قبل العشا عندنا مفاجأة صغيرة.”

الأنوار خفت. وشاشة ضخمة نزلت من السقف.

ياسمين مسكت المايك بفخر: “حبّينا نعرض صور رحلة حياتنا… من أول ما كريم اتقدم لحد الليلة.”

الصور بدأت تظهر: رحلات، هدايا، سيلفيهات، حفلات… وكل صورة ياسمين فيها كانت بتبص للكاميرا أكتر ما بتبص لخطيبها.

الناس ضحكت وصفقت.

وأنا فضلت ساكتة.

لحد ما مدير الفندق، أستاذ هارون، قرب من منصة الـDJ وهمس له بكلمتين.

ثانيتين…

وفجأة الصور اختفت.

الشاشة بقت سودة.

ياسمين اتلخبطت: “إيه ده؟”

الميكروفون صفّر بصوت حاد، وبعدها صوت هادئ مليان ثقة ملأ القاعة:

“مساء الخير يا فندم… نعتذر عن المقاطعة. في إعلان مهم من مالكة فندق النيل الملكي.”

القاعة سكتت تمامًا.

كريم لف ناحيتي ببطء.

أما ياسمين فضحكت بسخرية: “مالكة الفندق؟ أخيرًا هنشوف الست الغامضة.”

أستاذ هارون أخد نفس عميق وقال: “الأستاذة لينا منصور.

”
الصمت اللي حصل بعدها… كان تقيل لدرجة إنك تسمع صوت التكييف.

وش ياسمين فقد لونه بالكامل. مدام فريدة شهقت: “إيه؟!”كريم بصلي كأني شخص عمره ما شافه قبل كده. “إنتِ… مالكة الفندق؟”

حطّيت الكوباية بهدوء على الترابيزة. “أيوه.”

ياسمين ضحكت بتوتر: “أكيد هزار.”

أستاذ هارون مدّ لها ملف أسود أنيق. “عقود الملكية، يا فندم.”

إيديها كانت بتترعش وهي بتفتح الورق.

ومع كل صفحة… ثقتها كانت بتتكسر أكتر.

الناس بدأت تهمس.

“هي المالكة؟” “معقول؟” “إزاي محدش كان يعرف؟”

بصيت لياسمين بهدوء وقلت: “واضح إن بنت الريف اشترت الغيط كله المرة دي.”

حد من الضيوف ضحك.

وبعدين الضحك انتشر في القاعة كلها… لكن المرة دي، ماكانش عليهم.

ياسمين كانت واقفة ماسكة الملف بإيد مرتعشة، وعينيها بتلف بيني وبين الناس حواليها كأنها مستنية حد يقول إن ده مقلب.

لكن محدش اتكلم.

لأول مرة من أول الحفلة… هي اللي بقت صغيرة وسط القاعة.

كريم قرب مني بسرعة

وهمس: “لينا… ليه ماقولتيش؟”
ضحكت بخفة. “عمرك سألت؟”

ماعرفش يرد.

مدام فريدة حاولت تلم نفسها بسرعة، وابتسمت الابتسامة السمجة بتاعة الناس اللي بتغير مواقفها حسب الفلوس. “يا حبيبتي! إحنا كنا بنهزر معاكي بس… أكيد ماخدتيش الكلام بجد.”

بصّيت لها بهدوء. “الغريب إني مازعلتش من الإهانة قد ما استغربت إنكم كنتوا مقتنعين فعلًا إني أقل منكم.”

القاعة سكتت تاني.

ياسمين فجأة انفجرت: “يعني إيه؟ كنتِ بتختبرينا؟!”

“لا.” رفعت كتفي. “إنتوا اللي اختبرتوا نفسكم… وسقطتوا.”

وشها قلب أحمر من الغضب والإحراج. “إنتِ متكبرة ومريضة!”

ابتسمت: “ومع ذلك… أنا ما ناديتكيش بنت الريف القذرة.”

الناس بدأت تبص لبعض بإحراج.

واحدة من صاحبات ياسمين قربت منها وهمست: “يمكن نمشي…”

لكن الضرر كان حصل.

كريم شدني من دراعي بخفة: “ممكن نتكلم

لوحدنا؟”
بصيت لإيده على دراعي، فنزلها فورًا.

خرجنا للبلكونة المطلة على النيل. الهواء كان هادي عكس التوتر اللي جواه.

قال بصوت مكسور: “أنا أخوكي.”

“عارفة.”

“إنتِ أذلّيتيني قدام الناس.”

لفّيت أبصله مباشرة. “لا يا كريم… اللي أذلك إنك ضحكت لما مراتك أهانت أختك.”

سكت.

كملت بهدوء: “زمان وإحنا صغيرين، كنت بتخانق مع أي حد يزعّلني. النهارده بقيت خايف تخسر ناس معاهم فلوس أكتر منك.”

نزل عينه للأرض.

“أنا اتغيرت… صح؟”

“أيوه.”

صوته طلع أضعف: “بس أنا فعلًا بحبها.”

هنا اتنهدت. “يبقى اتجوزها. دي حياتك. لكن الحب الحقيقي ما يخليش الواحد يحتقر أهله عشان يرضي حد.”

ورجعت أدخل القاعة.

كل العيون كانت عليّا.

أستاذ هارون قرب باحترام: “تحبي أطلب الأمن يا فندم؟”

بصيت ناحية ياسمين وأهلها. كانوا واقفين متجمدين، محاصرين

بنظرات الناس.
ثم هزّيت راسي: “لا.”

اتجهت ناحية المسرح وأخدت المايك.

“مساء الخير.”

الهمس وقف فورًا.

“الليلة دي حفلة خطوبة أخويا، ومهما حصل… مش هخليها تتحول لفضيحة.”

ياسمين بصّتلي بدهشة.

كملت: “لكن في درس صغير لازم كلنا نفتكره… الناس اللي بتتكلم عن الأصل والفصل والمظاهر، غالبًا عمرها ما بنت حاجة حقيقية بنفسها.”

واحد من رجال الأعمال الكبار رفع كوباية العصير وقال: “كلام محترم.”

ناس كتير وافقته.

بعدين ابتسمت وقلت: “والعشا الليلة على حساب الفندق.”

القاعة انفجرت تصفيق.

أما ياسمين… فكانت واقفة جامد، ملامحها مكسورة للمرة الأولى.

وأنا عدّيت جنبها بهدوء، وقبل ما أسيبها، همست في ودنها بنفس النبرة اللي بدأت بيها الليلة:

“ريحة التراب عمرها ما كانت عيب… العيب الحقيقي ريحة التكبر.”

وسبتها واقفة مكانها…

تعرف أخيرًا إن القوة الحقيقية مش في اللي تلبسه أو تتجوزه…
القوة الحقيقية في إنك تقدر تشتري المكان… وتفضل رغم كده محترم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *