رجعت البيت حكايات صافي

رجعت البيت بدري ولقيت جوزي بينقل عشيقته وعيلين في صالون بيتي. لما قال لي: “دول قاعدين هنا”، كل اللي عملته إني حطيت مفاتيحي على التربيزة وافتكرت الخزنة اللي فيها السر اللي ممكن يهد كل حاجة.

​”من النهارده، ميرفت والعيال قاعدين هنا. ولو مش عاجبك، اخبطي راسك في أحيط يا خديجة.”

​ده اللي جوزي قاله وأنا لسه إيدي على قفل باب بيتي في مصر الجديدة، ومش قادرة أستوعب إيه العيلين اللي في صالوني دول، والست اللي عمالة ترص بامبرز على طربيزة الإنتريه.

​أنا كنت راجعة بدري عشان الكورس اللي كنت بديه في التجمع اتلغى. قلت هروح، أقلع الكعب، وأسخن كوباية شاي بلبن وأرتاح شوية قبل ما مدحت يوصل.

​بس مدحت كان هناك بالفعل.

​ومكنش لوحده.

​ميرفت، قريبتي من بعيد، نفس الست اللي كانت تحضني في كل عيد وتقولي “أنتي قدوتي في الست القوية”، كانت قاعدة على الكنبة وفي حضنها عيل نايم. وعيل تاني، أكبر شوية، بيلعب بشخليلة على ملاية مفروشة في الأرض.

​كان فيه ببرونات في مطبخي.

​وهدوم أطفال على الكنبة بتاعتي.

​وشنطة سفر مفتوحة جمب مكتبة أمي الله يرحمها.

​ومدحت واقف قدامي وبيربع إيده ولابس وش المظلوم، كأني أنا اللي غريبة عن البيت.

​”إيه المعنى القرف ده؟” سألته.

​ميرفت نزلت عينيها في الأرض.

​مدحت خد نفس طويل، وعمل نفسه صبور.

​”يعني خلاص تعبت من الاستخبابة. دول عيالي، وميرفت ملهاش مكان تروح فيه. وإحنا ناس كبار وهنتصرف بعقل.”

​حسيت كأن صوت الشارع كله اختفى فجأة.

​بصيت للأطفال. هما ملهومش ذنب في كل ده. دي كانت أقذر حاجة في الموضوع: مدحت واخد العيال درع بيتحامى وراه.

​”عيالك؟” كررت الكلمة.

​”آه. ومتبدأيش بقى في جو الدراما والمناحة بتاعك ده.”

​ساعتها عرفت إنه كان مجهز الكلمتين دول من بدري. كان عايزني أصرخ، وأصوت، وأشحت منه رضاها. كان عايز يظهرني مجنونة عشان يداري على وساخته.

​بس أنا معيطتش.

​دخلت الأوضة، طلعت شنطة السفر اللي بستخدمها في مأموريات الشغل، وبقيت أرمي الهدوم فيها من غير ما أطبقها. مدحت دخل ورايا.

​”متبقيش تافهة يا خديجة. ده بيتي أنا كمان.”

​وقفت.

​”بيتك؟”

​هو سكت لثانية.

​السكوت ده فضحه.

​رجعت الصالون، فتحت الدرج اللي بنشيل فيه المفاتيح، وحطيت كل حاجة على التربيزة: مفتاح الشقة، ومفتاح البوابة، ومفتاح الأوضة اللي فوق، والمفتاح الصغير بتاع الخزنة.

​وش مدحت جاب ألوان.

​عشان افتكر حاجة، كبريائه وغروره نسوهالها.

​الشقة دي ورث من أمي. ومكتوبة باسمي من قبل ما نتجوز حتى. وجوه الخزنة دي كانت فيه ورق وعقود مكنش ينفع يلمسها أبدًا.

​ميرفت وقفت.

​”خديجة، أرجوكي، خليني أفهمك…”

​بصيت لها من غير غل ولا عصبية. وده خلاها تعيط أكتر.

​”متنطقيش اسمي في بيتي وأنتي شايلة شيلة خيانة أنتي ساعدتي فيها.”

​مدحت هبد بإيده على التربيزة.

​”أنا مش هسمحلك تكسريني أو تهينيني!”

​شيلت شنطتي.

​”قدامك لحد بكرة تلم حاجتك وتمشي.”

​طلع ضحكة هبلة من توتره.

​”ولو مشيتش؟ هتعملي إيه يعني؟”

​ابتسمت حتة ابتسامة صغيرة.

​”يبقى بكرة هتعرف الفرق بين إنك قاعد في شقة، وبين إنك يكون عندك حق فعلي فيها.”

​قَفلت الباب ورايا من غير ما أبص ورايا.

​وأنا نازلة على السلم ورجلي بتتنفض، عرفت إن مدحت لسه مش فاهم إنه ولع في قنبلة هتشيل كل حاجة.

​مكنتش مصدقة إيه اللي هيحصل بعد كده…

نزلت السلم وأنا حاسة إن الأرض بتلف بيا، بس رجلي كانت شيلاني برضه. قعدت في عربيتي، مسكت الدريكسيون وبقيت أتنفس بسرعة. الدموع اللي حبستها قدامهم نزلت، بس مكنتش دموع قهر، كانت دموع صدمة من البجاحة. مسحت وشي بسرعة وقلت لنفسي: “مفيش وقت للعياط يا خديجة، اللي عمل كده ميبكيش عليه”.

​فتحت الموبايل وكلمت المحامي بتاعي، أستاذ أشرف. الراجل كان صديق لوالدي الله يرحمه وبيحبني زي بنته.

​”ألو، أستاذ أشرف؟ أنا محتجاك فوراُ.”

​لما حكيتله اللي حصل بالتفصيل، الراجل صوته اتقلب 180 درجة وقالي: “ده اتجنن رسمي! خديجة، أنتي معاكي مفتاح الخزنة الصغير صح؟ ورق الأرض اللي في الفيوم، وعقود الشراكة اللي كان بيمضي عليها نيابة عنك، وشيكات مؤخر الصداق والوصلات اللي عليه.. كل ده في الخزنة؟”

​قلتله: “آه، المفتاح معايا والنسخة التانية في الميدالية اللي سيبتها على التربيزة قدامه.. بس هو ميعرفش الباسورد الرقمي بتاع الخزنة، أنا بس اللي عارفاها.”

​قال لي: “حلو قوي. هو دلوقتي فاكر إنه لما يمسك المفتاح يبقى ملك الخزنة، وميعرفش إن الورق ده يوديه في داهية بتهمة التزوير وتبديد أموال قاصر لو دخلنا فيها موضوع ورث والدتك. اسمعي كلامي، متقربيش من الشقة النهاردة، تعالي اباتي عندي أنا والمدام، وبكرة الصبح هنطلع على القسم ومعانا قوة تنفيذ، ونعمله محضر طرد وتمكين، لأن الشقة ورث شرعي ومسجلة باسمك بعقد مسجل من قبل الجواز.. يعني ملوش حق فيها ولا حتى حق غلق.”

​قفل معاي، وحسيت بنار في قلبي بتهدى شوية. مدحت كان فاكرني الست الطيبة الهادية اللي هتخاف من الفضيحة وتوافق بالأمر الواقع عشان كلام الناس والـ “برستيج”. ميعرفش إن الحرمة والبيت ليهم خط أحمر، والشرع والقانون معايا.

​نمت الليلة دي عند أستاذ أشرف والمدام، ومكنتش قادرة أغمض عيني. كنت بفكر في ميرفت، اللي كانت بتاكل في بيتي وتلبس من خيري، وتيجي تقولي “يا بختك بمدحت”. طلعت هي الحية اللي كانت بتلدغ في الخفاء.

​تاني يوم الساعة عشرة الصبح..

​كنت واقفة قدام باب شقتي، ومعايا أستاذ أشرف، واثنين أمناء شرطة بملابس مدنية، ومعانا ورق التمكين الرسمي وإثبات الملكية.

​أستاذ أشرف خبط على الباب بقوة.

​فتحت ميرفت وهي لابسة روب من بتوعي، وأول ما شافتني وشها اصفر وجريت لجوه وهي بتصرخ: “مدحت! الحقني!”

​طلع مدحت وهو بيعدل قميصه، وبكل بجاحة قال: “أنتي جايبة لنا البوليس يا خديجة؟ أنتي اتهبلتي؟ فضحتيرنا في العمارة!”

​أمين الشرطة قدم خطوة وقال بحزم: “يا أستاذ، الست دي معاها أمر تمكين وطرد لأي شخص غير مالك. الشقة دي ملكها بعقد مسجل، وحضرتك هنا مالكش أي صفة قانونية للإقامة بعد رغبتها في طردك. اتفضل لم حاجتك وحاجة الست اللي معاك والعيال من غير شوشرة، وإلا هنتحرك على القسم بتهمة غصب حيازة.”

​مدحت بصلي وعينيه كانت هتطلع من مكانها من الغل: “هتطرديني يا خديجة؟ بتطردي جوزك وأبو عيالك؟”

​قلتله ببرود عمري ما تخيلت إنه عندي: “عيالك من مرتك الجديدة يا مدحت. وبيتي مالحقش يبقى بيتهم. قدامك نص ساعة، الشنط اللي جوه تطلع، والبرطمانات والبامبرز اللي مالية الصالون تتلم. وطبعاً.. متنساش تاخد المفتاح الصغير اللي على التربيزة.. عشان ملوش أي لزمة من غير الباسورد اللي في دماغي.”

​مدحت اتصدم لما فهم إني سيبتله المفتاح كمين عشان يطمن وميحاولش يكسر الخزنة أو ينقلها. بص لميرفت وبص للأمناء وعرف إن اللعبة خلصت.

​بدأوا يلموا حاجتهم في خزي، والجيران بدأت تطلع على السلم وتبص عليهم وهم خارجين بشنطهم والعيال بتعيط. ميرفت كانت مخبية وشها بطرحتها ومش قادرة ترفع عينيها فيا.

​وقبل ما مدحت يخرج من الباب، وقف وبصلي وقال بفحيح: “مش هسيبك يا خديجة.. هخرب بيتك زي ما خربتي بيتي.”

​ضحكت بصوت عالي سمعه السلم كله وقلتله: “بيتك؟ أنت نسيت يا مدحت.. أنت طول عمرك كنت ضيف في بيتي.. والضيف لما يقل أدبه، بيترمي بره.”

​قفلت الباب وراهم، ورجعت صالوني الفاضي. قعدت على الكنبة، وربعت إيدي.. وأنا عارفة إن دي مجرد معركة أولى، وإن القضية الكبيرة في المحاكم لسه هتبدأ بكرة.. بس المرة دي، أنا اللي هسوق.

بعد ما الباب اتقفل والهدوء رجع للشقة، حطيت الشنطة اللي كنت لماها في الأرض، ومشيت خطوات بطيئة ناحية الخزنة اللي مدفونة جوه دولاب أوضتي.

​فتحتها بالرقم السري اللي ميعرفهوش مخلوق غيري، وطلعت منها ملف جلد أسود. الملف ده مكنش فيه ورث أمي وبس، ده كان فيه “عقد الشراكة” بتاع شركة الاستيراد والتصدير اللي مدحت عايش خيرها. الشركة دي أنا اللي ممولاها بفلوسي، وهو كان مجرد مدير وموقع على شيكات بنكية للموردين باسمه، وكاتبلي شيكات على بياض كضمان للفلوس اللي خدها مني عشان يكبّر الشغل.

​مسكت الموبايل وكلمت أستاذ أشرف تاني وهو لسه نازل على السلم.

​”ألو.. أستاذ أشرف، الشيكات اهي معايا في إيدي، وعقود الشركة كمان.”

​أستاذ أشرف رد عليا بنبرة فيها نصر: “برافو عليكي يا بنتي إنك ممضيتيهوش على ورق الشغل بالتوكيل. اسمعي بقى، مدحت مش هيسكت، وهو دلوقتي هيجري على الشغل عشان يحاول يسحب السيولة اللي في البنك أو يغير توقيعات النماذج البنكية. أنا هتحرك حالاً وأعمل حجز تحفظي على حسابات الشركة بناءً على الشيكات اللي معاكي، وهرفع قضية تبديد شيكات بدون رصيد.. دي فيها حبس وجوبي يا خديجة، يعني يا يدفع القرشين اللي عليه، يا هيلبس البدلة الزرقا.”

​قلتله بقلب ميت: “اللي تشوفه صح اعمله يا متر، أنا مش هرحمه.”

​قعدت في البلكونة وبصيت على الشارع. الشمس كانت بدأت تغيب، ونسمة الهوا بتاعة المغربية خبطت في وشي. حسيت لأول مرة من سنين إني بتنفس بجد، كأن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. سبحان الله، “وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم”.. ربنا كشفهولي في الوقت المناسب وقبل ما يضيع شقا عمري كله عليه وعلى ست تانية.

​على الساعة ٩ بالليل، الموبايل م بطلش رن.

أرقام غريبة، وأرقام من قرايبه، وبعدها رنة من ميرفت!

فتحت الخط وسكت، مكنتش عايزة أتكلم.

​سمعت صوتها وهي بتعيط وتشهق: “خديجة.. أرجوكي اسمعيني.. أنا ماليش ذنب، مدحت هو اللي ضحك عليا وقاللي إنه هيطلقك وإنك عارفة كل حاجة وموافقة! إحنا متبهدلين بالعيال في الشارع وقاعدين في لوكاندة تعبانة، والبوليس جاله الشغل بالليل وعملوا حجز على الدفاتر.. أرجوكي بلاش تخربي بيتنا، العيال ملهمش ذنب!”

​رديت عليها بنبرة هادية زي الثلج: “العيال ذنبهم في رقبة أبوهم وفي رقبتك أنتي يا ميرفت، يوم ما فكرتوا تبنوا بيوتكم على هدم بيوت الناس. واللوكاندة التعبانة دي بكرة تتبدلي بأوضة في سجن القناطر لو محاميكي مقالكيش إنك شريكة في التزوير اللي مدحت عمله في ورق الشراكة.. اجهزي بقى عشان المحاكم هتمسي عليكي.”

​قفلت السكة في وشها وعملت “بلوك”.

​تاني يوم الصبح، وأنا رايحة لمكتب أستاذ أشرف عشان نمضي عرايد القضايا، لقيت مدحت واقف قدام باب العمارة. كان باين عليه التهدد، قميصه مبهدل، وعينيه منمتش، ومبقاش فيه أثر للراجل المغرور اللي كان واقف في صالوني من ٢٤ ساعة.

​أول ما شافني، قرب وعينيه مكسورة: “خديجة.. إحنا عشرة عمر، بلاش تخربي مستقبلي وتوديني في داهية.. الشغل لو وقف أنا هضيع، والشركة هتفلس.”

​وقفت وبصيت له من فوق لتحت وقلتله: “أنت اللي خربت مستقبلك يوم ما فكرت إن طيبتي دي غباء، ويوم ما فكرت تدخل ست غريبة بيتي وتنام على سرير أمي. عشرة العمر دي أنت اللي دوست عليها برجلك.”

​مدحت نزلت دمعة من عينه وقال بضعف: “طب والعيال؟”

​قلتله وأنا بفتح باب العربية: “العيال ليهم رب كريم يتولاهم، وأنت وميرفت تشيلوا شيلتكم.. اجهز يا مدحت، عشان اللي جاي مش قضية طلاق ونفقة بس.. اللي جاي تصفية حسابات قديمة قوي.”

​ركبت عربيتي ودورت الموتور، وسبته واقف في الشمس مكسور ومحني.. ومشيت وأنا ببتسم، لأن الفضل كله لربنا اللي رجع الحق لأصحابه، وعرفت إن الست المسلمة القوية مابتتكسرش، طالما ماشية بالحق وراسها مرفوعة فوق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *