عشق علي ورق حكايات مايا خالد
عشق على ورق حكايات مايا خالد
سالم بغضب أعمى وعروق إيده بارزة من العصبية: بقا أنا سالم المنشاوي! الرائد اللي بيتهز له شنب، أتجوز صاحبتك المغتصبة؟! أنتي اتهبلتي يا رنا ولا في عقلك حاجة؟!
رنا والدموع مغرقة وشها وبتترعش من الخوف بس بتحاول تسترجل عشان خاطر صاحبتها: يا أبيه اسمعني طيب، وحياة رحمة ماما عندك اسمعني.. هي ضحية، ملهاش ذنب في اللي حصل لها! أبوس إيدك يا أبيه اتجوزها واستر عليها وبعدين طلقها، البنت ملهاش حد في الدنيا دي واقعه في مصيبة ولوحدها!
سالم لف وشّه الناحية التانية وهو بيحاول يكتم غيظه، وصوته طلع خشن ومتحشرج من كتر العصبية: أنتي واعية للي بتقوليه؟! دي عيلة.. طفلة عندها 18 سنة! وأنا ضعف سنها، وعمري ما فكرت في الجواز ولا هفكر عشان عقدتي من الصنف ده كله، تقومي أنتي جاية تدبسيني في واحدة متبهدلة؟!
رنا مسكت في كم جاكتة سالم وهي بتعيط بحرقة: يا أبيه دي “سولاف”.. أنت مش عارف هي رقيقة وغلبانة إزاي، دي عايشة مع جدتها العيانة وملهمش حد، البنت حتة زجاج مكسور، لو محمتهاش أنت هتروح فيها.. أبيه عشان خاطري، أنت دايما حنين عليا وعمرك ما رفضت لي طلب، أنا أختك حبيبتك دلوعتك، متكسرنيش في صاحبتي!
سالم بص لرنا، أخته الصغيرة ودلوعة البيت اللي بتموت فيه وهو رغم عصبيته وقوته وكرهه لكل الستات، مبيقدرش يرفض لها طلب وبيبقى حنين معاها هي بالذات.
رنا قربت منه أكتر ومسكت إيده والدموع لمعت في عينها بنظرة الرجاء اللي عارفة إنها نقطة ضعفه الوحيدة: عشان خاطري يا سالم.. لو ليا غلاوة عندك.. البنت دي هتموت لوحدها، وجدتها المريضة مش هتحمل الصدمة لو عرفت، وأنت دايما سندنا، خليك سندها.. أرجوك يا أبيه وافق واحميبها.
سالم نفخ بضيق شديد وحط إيده في جيبه وهو بيبص لعيني أخته، الحصن الوحيد اللي بيتهد قدام دموعها، وبدأ الصراع ينهش في عقله وقلبه.. هل هيكسر كلمته ويتجوز عيلة مكسورة، وهو اللي شايل جواه كُره وغضب من كل النساء؟
سالم لف ضهره ليها ومشى كام خطوة في الصالة وهو بيضغط على دماغه بكف إيده، كأنه بيحاول يطرد فكرة مجنونة بتكبر في عقله.. فكرة إنه يربط اسمه بـ بنت متعرفش عن الدنيا حاجة، وكمان ضحية لأبشع جريمة.
رنا فضلت واقفة مكانها، كاتمة أنفاسها وبتراقب حركاته وعصبيته، وعارفة إن الصمت اللي هو فيه ده معناه إن كلامها بدأ يخلخل حصونه.
سالم دار ليها فجأة، وعيونه كانت بتطق شرار وصوته طلع واطي بس مرعب: الجوازة دي لو تمت يا رنا.. هتبقى على الورق بس! لا هي هتشوف مني وش سمح، ولا أنا هطيق أبص في وشها.. أنا هعمل كده عشان دموعك أنتي، وعشان محبش أكسر لك كلمة، لكن البنت دي أول ما الأزمة تعدي وجدتها تشد حيلها، هطلقها فورا وترجع من مطرح ما جت! سامعة؟!
رنا هزت راسها بسرعة والبهجة خطفت وشها رغم الدموع: سامعة يا أبيه، سامعة والله.. كتر خيرك، أنا عارفة إن قلبك كبير ومستحيل تخذلني.. هروح أطمنها وأقول لها إن الرائد سالم المنشاوي بقى في ضهرها!
سالم زعق فيها وهو بيشاور بصباعه بتهديد: استني هنا! ملمحكيش تلمحي ليها بكلمة عن طبيعة شغلي، ولا عن أي حاجة تخص حياتي.. الجواز ده هيتم في السر، من غير شوشرة ولا حد من زمايلي في المديرية يشم خبر.. هاتي عنوانها، وأنا بكرة هروح بنفسي أشوف حكاية البنت دي إيه مع جدتها.
في نفس الوقت، في بيت قديم وتعبان في حارة هادية.. كانت “سولاف” قاعدة في ركن الأوضة الضلمة، ضامة رجليها لصدفها وبتعيط بـ شهقات مكتومة وصوت مكسور تماما.
ملامحها البريئة والناعمة كانت باهتة، وعيونها اللي بلون السما دبلانة من كتر السهر والخوف.. كانت بتفتكر اللي حصل لها، وكل حتة في جسمها بتترعش كأنها لسه عايشة الكابوس حالا.. حتة زجاج مكسور فعلا، رقيقة لدرجة إن أي نسمة هوا تجرحها. حكايات مايا خالد
دخلت عليها جدتها العيانة، بتجر رجلها بالعافية وساندة على الحيطة، وصوتها كله كحة وتعب: مالك يا قلب ستك؟ بتعيطي ليه يا سولاف من وقت ما جيتي من الجامعة؟ حد زعلك يا بنتي؟
سولاف مسحت دموعها بسرعة وحاولت ترسم ابتسامة باهتة عشان متوجعش قلب جدتها اللي عايشة عشانها: مفيش يا تيتا.. ده بس ضغط الامتحانات والدراسة مأثر عليا.. ادخلي أنتي ارتاحي وخدي علاجك وأنا هعمل لك لقمة تاكليها.
الجدة هزت راسها بحنان ويدها بتترعش: ربنا ينجحك يا بنتي ويوقف لك أولاد الحلال اللي يصونوكي.. أنا مش شايلة هم في الدنيا دي غيرك، ونفسي أشوفك مستورة في بيت راجل بيتقي الله فيكي قبل ما أموت وأسيبك لوحدك.
كلمة “مستورة” نزلت على قلب سولاف زي الخنجر.. حست بالرعب ودموعها نزلت غصب عنها وهي بتفكر: “راجل إيه اللي هيقبل بيا بعد اللي جرالي؟! أنا خلاص انتهيت يا تيتا.. انتهيت!”
وتاني يوم العصر.. وقفت عربية سالم السودا الفخمة على أول الحارة، ونزل منها بهيبته وطوله الفارع، وجاكتته الجلد السودا وعيونه الحادة اللي بتراقب كل شبر حواليه بـ حذر وضيق.. كان حاسس إنه داخل على سجن هيدبس فيه نفسه بإيده.
سالم وقف قدام باب البيت القديم، ورفع إيده وخبط خبطات قوية ومنتظمة.. خبطات كانت بتعلن بداية جحيم وتحدي أسود بين قلب ميت ومبيعرفش الرحمة، وبين براءة هشة مستنية اللي ينقذها!
الباب اتهز من قوة الخبطات، وسولاف اتنفضت في مكانها والرعب شل حركتها. جرت بسرعة على باب الأوضة وبصت لجدتها اللي كانت قايمة بتتحرك ببطء وتعب وتقول: “مين اللي بيخبط بالغل ده كله يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم؟”
سولاف بلهفة وخوف: خليكي أنتي يا تيتا ارتاحي، أنا هشوف مين.
حطت طرحتها على راسها بإيد بتترعش، وقربت من الباب وبصت من العين السحرية.. لمت ملامح راجل طويل، عريض المنكبين، لابس نظارة شمس سودا ومربع إيده بضيق شديد، وهيبته لوحدها تخوف بلد.
فتحت الباب حتة صغيرة وسألت بصوت رقيق ومبحوح من كتر العياط: “مين حضرتك؟”
سالم نزل نظارته الشمسية ببطء، وعيونه الحادة زي الصقر نزلت عليها، تفحص ملامحها البريئة والبهتان اللي مغطي وشها، وفي ثانية واحدة لمح الانكسار والخوف اللي في عيونها.. ضغط على سنانه وقال بصوت رخيم وجاد جداً: “أنا الرائد سالم المنشاوي.. أخو رنا صاحبتك. جدتك موجودة؟”
سولاف أول ما سمعت الاسم، قلبها دق بسرعة.. رنا كانت قايلة لها إنها هتكلم أخوها، بس مسكتش إن أخوها هو الشخص المرعب ده! فتحت الباب شوية وبصت في الأرض بكسوف وخوف: “أه.. اتفضل يا فندم.”
سالم دخل الشقة المتواضعة، وعينه بتلقط كل تفصيلة بـ حاسة الظابط اللي جواه.. البيت نضيف بس قديم جداً، والفقر باين على جدرانه.
الجدة خرجت وساندة على عصايتها، وبصت لسالم باستغراب: “أهلاً يا ابني.. اتفضل، مين حضرتك؟” حكايات مايا خالد
سالم قرب منها وبنبرة حاول يخليها هادية ومحترمة تقديراً لسنها ومرضها: “أنا سالم المنشاوي يا أمي.. وجاي وطالب القرب منك في حفيدتك سولاف.”
سولاف لفت وشها الناحية التانية وضغطت على فستانها بإيدها، ودموعها نزلت بصمت.. حاسة إنها بتتباع وتتشرى، وإن الجوازة دي هي تمن سترها بس تمنها هيبقى غالي من كرامتها.
الجدة اتفاجئت، وبصت لسولاف وبعدين لسالم وقالت بذهول وفرحة مكسورة بالدموع: “طالب القرب في سولاف؟ يا ابني إحنا ناس على قدنا، وأنت باين عليك ابن ناس ومراكز.. إيه اللي رماك على حارتنا؟”
سالم بصلها بجمود وثقة: “رنا أختي صاحبة سولاف الروح بالروح، وحكت لي عن أدبها وأخلاقها.. وأنا راجل دغري، مش بتافف في الكلام، داخل البيت من بابه وشاري البنت.. ومش عايز غير هدومها، وجهازها وكل حاجة عليا أنا.. وكتب الكتاب هيكون بكرة بليل عند المأذون.”
الجدة لوت بوزها باستغراب من السرعة: “بكرة يا ابني؟! مش لما نسأل عليك وناخد رأي البنت والناس؟”
سالم ملامحه اسودت، وصوته بقى حاد وسلطوي: “أنا ظابط شرطة، وتقدري تسألي عني في المديرية كلها.. والسرعة دي لأني مسافر مأمورية صعبة وعايز أدخل بيها وأنا مطمن إنها مراتي.. ده شروطي يا أمي، يا إما الجوازة دي مش هتم.”
الجدة بصت لسولاف وقالت لها بصوت مرتعش: “إيه رأيك يا سولاف يا بنتي؟ الراجل باين عليه هيبة ويحميكي.”
سولاف كانت واقفة في ركن الأوضة، حاسة بـ نظرات سالم اللي زي السكاكين بتخترقها، نظرات كلها كُره وعدم رغبة.. كانت عارفة إنه بيعمل كده مغصوب عشان أخته. بلعت ريقها بالعافية وقالت بصوت مش مسموع: “اللي تشوفيه يا تيتا.. أنا موافقة.”
سالم ابتسم ابتسامة باهتة مليانة سخرية ووجع، وقام وقف بكبرياء: “على بركة الله.. بكرة المأذون هيكون هنا الساعة 9 بليل.. جهزوا الورق.”
سابهم ومشى، وأول ما قفل الباب وراه، سولاف جريت على أوضتها وقفتلت الباب، وانفجرت في عياط هستيري.. حاسة إنها هتدخل سجن الرائد سالم المنشاوي، الراجل اللي باين من عيونه إنه مش هيرحم ضعفها ولا برائتها!
وجاء الليل المنتظر.. الساعة دقت 9، والبيت الصغير كان هادي لدرجة تخنق، مفيش أي مظاهر للفرحة، مفيش غير صوت دقات قلب سولاف اللي كانت بتسمعها في ودنها من كتر الرعب.
كانت قاعدة في أوضتها، لابسة فستان أبيض بسيط جداً وواسع، وحاطة طرحة بيضاء على راسها دارت بيها وشها الباهت وعيونها المورمة من كتر العياط. رنا كانت قاعدة جنبها، ماسكة إيدها وبتحاول تطمنها: “والله يا سولاف أبيه سالم ده أطيب قلب في الدنيا، هو بس طبعه شديد وعصبي عشان شغلو، وكمان هو مبيحبش صنف الستات.. بس صدقيني، هو وافق يحميكي، وده أهم حاجة دلوقتي.”
سولاف بصت لها بكسرة ودموعها نزلت: “هو وافق عشان خاطرك أنتِ يا رنا.. أنا شوفت في عينه نظرة احتقار وكُره، حاسة إني رخيصة أوي في نظره.. حاسة إني داخلة على جحيم.”
قبل ما رنا ترد، انطلق صوت خبطات سالم القوية على الباب البراني، الخبطات اللي بقت ترعب سولاف لمجرد سماعها.
برة في الصالة، المأذون كان قاعد والجدة جنبه بتدعي وساندة على عصايتها. دخل سالم بهيبته الطاغية، لابس بدلة سودا شيك جداً، وملامحه جامدة كأنها منحوتة من صخر، مفيش على وشه أي تعبير يدل إنه عريس.. كأنه داخل يخلص مأمورية رسمية ويقفل المحضر.
سالم قعد وحط بطاقته قدام المأذون ببرود: “اتفضل يا مولانا، ورقة الجواز أهِي.. وبسرعة لو سمحت عشان ورايا شغل.”
المأذون بدأ يكتب، وطلب وكيل العروسة، فالجدة قالت بصوت مرتعش: “أنا وكيلتها يا ابني.. مفيش غيري.”
مرت الدقائق تقيلة وزي السكاكين، لحد ما انطلقت الجملة الشهيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.”
الجدة زغرطت زغروطة مكسورة وخفتت بسرعة لما شافت نظرات سالم الحادة. قام سالم وقف، وبص لرنا اللي خرجت من الأوضة وقالت: “مبروك يا أبيه.. سولاف جوة.”
سالم مشى بخطوات منتظمة وواسعة ودخل الأوضة.. قفل الباب وراه بالمفتاح، والصوت ده خلا جسم سولاف كله ينتفض. وقفت بسرعة واستندت على ضهر السرير، باصة في الأرض وضامة إيدها لبعضها وبتترعش.
سالم وقف قدامها، طوله الفارع وعرض كتافه كان مغطي عليها تماماً، حط إيده في جيبه وبص لها من فوق لتحت بنظرة باردة وقاسية، وقال بصوت واطي ومرعب: “ارفعي راسك وبصي لي هنا.”
سولاف اتنفضت ورفعت راسها ببطء، وعيونها اللي بلون السما ومليانة دموع جَت في عيونه السودا الحادة.. البراءة اللي في وشها والضعف اللي باين عليها خلا حتة جوا قلبه تتحرك، بس هو قسّى قلبه بسرعة وافتكر عقدته القديمة من الستات.
قرب منها خطوة، فـ رجعت هي خطوة لورا بخوف، سالم ابتسم بسخرية وقال: “أنا مش هعضك.. اسمعيني كويس يا بنت الناس عشان نضع النقط على الحروف من أول دقيقة.. الجوازة دي تمت غصب عني، عشان دموع أختي رنا وبس.. يعني على الورق، أنتي هنا زي الكرسي ده، مالكيش أي حقوق عندي ولا ليكي مكان في حياتي.”
سولاف بلعت ريقها وصوتها طلع مخنوق ومكسور: “أنا.. أنا عارفة، ومش عايزة حاجة.. كتر خيرك إنك سترت عليا.”
سالم ضغط على سنانه وعروق رقبتها برزت من الغضب: “كلمة “سترت عليا” دي مسمعهاش تاني.. وملمحكيش بتعيطي وتتمسكني قدامي، أنا بيكره دموع الستات وبلوعهم.. أنتي هتقعدي هنا مع جدتك، وأنا هسيب ليكي مصروفك كل أول شهر، وممنوع تتصلي بيا أو تتدخلي في شغلي.. وأول ما الأزمة دي تعدي، ورنا تتخرج وتتصلح الأمور، ورقتك هتوصلك.. فاهمة ولا لأ؟!”
سولاف هزت راسها بسرعة والدموع نازلة على خدودها زي الشلال: “فاهمة.. فاهمة يا بيه.”
سالم سابها ودار ضهره وهو مخنوق من ريحة برائتها اللي هزت جموده، وخرج من الأوضة وقفل الباب وراه بعنف.. مشى وساب البيت كله، وركب عربيته وطار بيها في شوارع القاهرة وهو بيشتم حظه اللي رماه في سكة عيلة مكسورة، هتقلب حياته كلها وتحديه الأسود يادوب لسه بيبدأ!
مرت الأيام وسولاف عايشة في حالة من الرعب المستمر، كل ما تسمع صوت عربية في الحارة يتهيأ لها إن الرائد سالم رجع، أو إن الكابوس اللي عاشته هيرجع يتكرر تاني. رنا كانت بتجيلها الجامعة وتحاول تخفف عنها، بس سولاف كانت دايما حاسة إنها تقيلة، وإنها مجرد “جميلة” عملها سالم المنشاوي في أختها.
في يوم، بعد حوالي أسبوعين من كتب الكتاب، كانت سولاف قاعدة جنب جدتها اللي تعبها زاد وبقت مش قادرة تتحرك من السرير. فجأة، الباب خبط خبطات قوية وسريعة.. نفس الخبطات اللي سولاف حافظاها ومش بتغيب عن بالها.
جرت بسرعة تفتح والنعاس طاير من عينها، وأول ما فتحت لقت سالم واقف بهيبته، بس المرة دي وشه كان شاحب، وقميصه الأبيض متبهدل تراب وفي بقعة دم صغيرة على كتفه، وعيونه الحادة فيها كمية تعب وغضب مش طبيعية.
سولاف حطت إيدها على بؤها بصدمة وخوف: “أبيه سالم!.. أنت.. أنت كويس؟ فيك حاجة؟”
سالم دخل وقفل الباب برجله بعنف، وبص لها بنظرة خلت ركبها تسيب، وصوته طلع مبحوح وخشن من كتر العصبية: “وسعي من وشي يا سولاف.. مش طايق نفسي.”
سولاف رجعت لورا وهي شايفة إنه بيتحامل على نفسه ومش قادر يقف على رجله، بس كبريائه منعه يشتكي. سابها ودخل الصالة، رمى مفاتيحه وسلاحه على التربيزة واترمى على الكنبة بتعب، وغمض عينه وهو بيمسح على وشه بقهر. كان راجع من مأمورية ضرب نار صعبة ومات فيها واحد من عساكره، والدنيا كانت سودا في عينه.
سولاف، رغم خوفها الشديد منه ورقتها اللي بتخليها تتفزع من أي صوت عالي، حست إن واجبه عليها تقف جنبه، ده في النهاية الراجل اللي شايل اسمها. قربت منه بخطوات بطيئة ومرعوبة، ووقفت على مسافة منه وقالت بصوت رقيق زي النسمة: “أبيه.. لو حضرتك تعبان أو فيك جرح.. أنا ممكن أساعدك؟ أو أطلب لك دكتور؟”
سالم فتح عينه فجأة، وبص لها بنظرة حادة زي الموس، نظرة مليانة كُره وغضب أعمى من صنف الستات كله، وقال بـ فحيح مرعب: “أنتي فاكرة نفسك مين عشان تساعديني؟! مش سالم المنشاوي اللي حتة عيلة مكسورة زيك تشفق عليه! أنتي هنا مجرد واجب ثقيل على قلبي وبأديه، فوقي لنفسك ومتعيشيش الدور!”
الكلمات نزلت على قلب سولاف جرحته، دموعها نزلت بسرعة وحست بـ إهانة وكسرة نفس ملهاش آخر. لفت وشها وجرت على أوضتها وهي بتعيط بكتمان عشان جدتها متموتش من الصدمة.
سالم أول ما شاف دموعها وجريها من قدامه، حس بـ نغزة غريبة في صدره.. ريحة برائتها ونعومتها كانت بتهاجم جفافه وقسوته، وهو بيكره الضعف ده. اتنرفز أكتر وقام وقف وهو بيشتم نفسه إزاي سمح لنفسه ييجي هنا بدل ما يروح بيته.
وهو قايم، سمع صوت كحة شديدة ومكتومة جاية من أوضة الجدة، وبعدها صوت حاجة تقع على الأرض. سولاف خرجت من أوضتها بتصرخ: “تيتاااا!”
سالم جرى وراها ودخل الأوضة، لقى الجدة واقعة في الأرض، وشها أزرق ومش قادرة تاخد نفسها. سولاف قعدت في الأرض جنبها، بتعيط بهستيريا وتلطم على وشها برعب: “تيتا ردي عليا!! عشان خاطري متسبنيش لوحدي! يا رب ملهاش غيرك.. أبيه سالم الحقني!!”
سالم في ثانية، تحول لـ ظابط المحترف، شال الجدة بسرعة وخفة بين إيديه الطويلة، وبص لسولاف وزعق بصوت جهوري: “امسحي دموعك دي والسي طرحتك بسرعة!! مفيش وقت للعياط المرق ده.. يلاااا!”
سولاف من الخوف حطت الطرحة على راسها وطلعت تجري وراه. سالم نزل بيها السلم بسرعة الصاروخ، وركبها الكنبة اللي ورا في عربيته، وسولاف قعدت جنبها وهي بتترعش وماسكة إيد جدتها وبتبوسها.
سالم طار بالعربية في شوارع القاهرة، بيسوق بأقصى سرعة، وعينه كل شوية تيجي في المراية على وش سولاف البريء اللي غرقان دموع ورعب.. لأول مرة يشوفها وهي مش خايفة منه، هي خايفة من الدنيا كلها لو جدتها سابتها.
وصلوا المستشفى، والممرضين جرو بالترولي وخدوا الجدة على العمليات فوراً. سولاف وقفت في الطرقة، ضامة نفسها وبتترعش من البرد والخوف، ودموعها مش راضية تقف.
سالم وقف بعيد، مربع إيده، عينه عليها.. الصراع جواه شغال؛ عقله بيقول له دي ست، والستات كلهم خاينين ومصايب (عقدته القديمة)، وقلبه أو جانب النخوة والشهامة فيه بيقول له دي طفلة يتيمة، مكسورة، ومستجيرة بيك.
قرب منها بخطوات بطيئة، ولأول مرة صوته ميكونش فيه زعاق، قال بنبرة جافة بس أهدى من الأول: “اقعدي.. الجري والعياط ده مش هيشفيها. ادعي لها.”
سولاف بصت له بعيونها الزرقا الدبلانة، وبشهقات مكسورة قالت: “لو جرى لها حاجة أنا هموت يا أبيه.. أنا ملأيش حد في الدنيا دي غيرها.. الدنيا برة توجع أوي، وأنا خلاص مش قادرة.”
كلمة “الدنيا برة توجع” خبطت في قلب سالم.. افتكر المصيبة اللي البنت مرت بيها والكسرة اللي هي فيها. لقى إيده، من غير ما يحس، بتمتد وبتمسك كتفها بهدوء، وضغط عليه ضغطة خفيفة كأنه بيقول لها “أنا هنا”.. بس بسرعة سحب إيده لما افتكر نفسه، ودار وشّه الناحية التانية وهو بيقول في سره: “أنتي هتعملي فيا إيه يا بنت الحارة؟!”
بعد حوالي ساعتين من القلق، خرج الدكتور من غرفة الطوارئ وهو بيمسح عرق جبينه. سولاف جرت عليه بلهفة والدموع مغرقة وشها، وسالم قرب بخطوات رزينة وعينه على الدكتور.
الدكتور اتنهد وقال: “الحمد لله، أزمة وقلبت بسلام.. الجلطة كانت خفيفة ولحقناها في آخر لحظة، بس واضح إنها اتعرضت لضغط عصبي أو زعل شديد، والسن مع ضعف القلب مش حمال.. لازم تقعد في العناية المركزة تحت الملاحظة لمدة 48 ساعة، وممنوع منعا باتاً أي انفعال.”
سولاف حطت إيدها على قلبها واتنصفت وبكت من الفرحة والخوف في نفس الوقت: “الحمد لله يا رب.. الحمد لله.”
سالم هز راسه للدكتور بوقار: “تمام يا دكتور، اعمل كل اللازم، والمصاريف وكل حاجة تخص المستشفى عندي أنا.” وبص لسولاف بجمود: “قاعدتك هنا ملهاش لازمة، مش هيدخلوكي العناية.. يلا عشان أوصلك البيت.”
سولاف بصت له برعب وعيونها الزرقا وسعت: “البيت؟! أرجع لوحدي يا أبيه؟ أنا مستحيل أدخل الشقة وتيتا مش فيها.. أنا هفضل قاعدة هنا على الكرسي لحد ما تفوق.” حكايات مايا خالد
سالم ضغط على سنانه وضيق عينه بعصبية: “أنا مابكررش الكلمة مرتين! قاعدة في طرقة المستشفيات نص الليل مش أسلوبي ولا هسمح بيه، والناس رايحة جاية تبص عليكي.. يلا قدامي.”
سولاف انكمشت في نفسها وحست بقلة الحيلة، مشت وراه بضعف وكسرة وهي بتبص وراها على أوضة جدتها. ركبوا العربية، والصمت كان سيد الموقف.. صمت تقيل وخانق، مفيش غير صوت أنفاس سولاف الهادية والمكتومة وهي باصة من الشباك على شوارع القاهرة الضلمة.
سالم كان بيسوق وعينه عليها في المراية كل شوية.. لمح جسمها الرقيق وهو بيترعش من سقعة تكييف العربية، وفي حركة تلقائية منه، مد إيده وقفل التكييف خالص.. هو نفسه استغرب حنيته المفاجأة دي، وزجر نفسه داخلياً وهو بيفكر: “جرى لك إيه يا سالم؟ هتلين ولا إيه؟ دي صنف نكد وخيانة، كلهم زي بعض!”
وصلوا تحت البيت القديم، سالم وقف العربية وبص لها وقال بنبرة جافة: “انزلي.. واقفل الباب وراكي بالترباس، وماتفتحيش لأي حد واصل.. أنا الصبح هعدي على المستشفى أتابع حالة جدتك وهكلمك أطمنك.”
سولاف لفت ليه، وبصت في الأرض وهي بتفرك إيدها بتوتر، وصوتها طلع ناعم وخجول: “شكراً يا أبيه سالم.. تعبتك معايا، وعارفة إنك كنت راجع تعبان ومتبهدل.. أسفة إني تقلت عليك.”
كلماتها الرقيقة والبريئة دي نزلت على قلبه زي المية الباردة على النار القايدة، حس بنغزة غريبة.. البنت دي مفيش في لسانها غير الأدب والكسوف، عكس كل الستات اللحوحين والمخادعين اللي قابلهم في حياته وشغله.
سالم ماردش عليها، اكتفى بنظرة جامدة وهز راسه.. نزلت سولاف وجرت على مدخل البيت، وفضل واقف بعربيته لحد ما شاف نور أوضتها نور، وعرف إنها دخلت وأمّنت نفسها.. تنهد بضيق وداس بنزين وطار بالعربية وهو حاسس إن الحصون اللي بانيها حوالين قلبه بقالها سنين، بدأت تتهز قدام رقة ونعومة عيلة عندها 18 سنة.
وتاني يوم الصبح.. رنا راحت لسولاف البيت بعد ما سالم اتصل بيها وحكى لها اللي حصل لجدتها. رنا أخدت سولاف في حضنها ونزلو مع بعض راحوا المستشفى.. وطبعاً سالم كان هناك، مخلص كل الإجراءات وواقف مع الدكتور بيطمن على الحالة.
سولاف أول ما شافت سالم واقف بهيبته وبدلته الميرمية الرسمية، قلبها دق بدقة غريبة.. حست لأول مرة بالأمان، الأمان اللي افتقدته من يوم الحادثة البشعة اللي حصلت لها.. الراجل ده رغم قسوته وجفافه، بس بوجوده بتحس إن مفيش مخلوق يقدر يمسها بسوء.
سالم لمحهم، قرب منهم وبص لرنا: “أنتي إيه اللي جابك من كليتك يا هانم؟”
رنا بدلع وخوف منه: “يا أبيه مش قادرة أسيب سولاف لوحدها في الظروف دي، وبعدين أنا طمنتها، قولت لها إنك بقيت جوزها وسندها ومستحيل تتخلى عنها.”
سالم عينه جت على سولاف اللي وشها احمر فجأة وبصت في الأرض بكسوف.. سالم ضغط على سنانه وبص لرنا بـ شرار: “رنا.. تعالي معايا كلمتين.”
أخد أخته على جنب بعيد عن سولاف، وصوته طلع واطي وحاد زي الموس: “أنا قولت إيه يا رنا؟! الجوازة دي ورق وبس، ومحبش النغمة دي تتكرر قدامها.. أنا مش سند لحد، وأول ما الست دي تقوم بالسلامة، كل واحد يروح لحاله، فاهمة ولا لأ؟! ماتخلينيش أندم إني سمعت كلامك!”
رنا سكتت بخوف وهزت راسها.. بس سولاف كانت واقفة من بعيد، وشايفة عصبيته ونظراته، وحست إن الكلمتين كالعادة كانوا عليها.. حست بالوجع يدب في قلبها الصغير، واكتشفت إن التحدي الأسود مش بس إنها تتخطى أزمتها.. التحدي الحقيقي هو إزاي تعيش في سجن راجل بيكره وجودها، وفي نفس الوقت هو الوحيد اللي قادر يحميها!
مرت الـ 48 ساعة وسولاف ورنا مقيمين في المستشفى، وسالم مابين المديرية والمستشفى وعينه على كل حاجة من بعيد لبعيد، بيشرف على العلاج وبيدفع الحسابات وكأنه بينفذ مأمورية عسكرية بقمة الانضباط، بس رافض يقرب من سولاف أو يوجه لها كلمة زيادة.
وأخيرًا، الدكتور سمح للجدة بالخروج بعد ما حالتها استقرت، بس اشترط راحة تامة وممنوع المجهود أو الحركة.
شالوا الجدة وركبوها العربية، وسالم كان بيسوق وعيونه حادة وساكت طول الطريق. أول ما وصلوا تحت بيت سولاف القديم، سالم وقف العربية ومطفاش الموتور، وبص في المراية لرنا وسولاف وقال بنبرة حاسمة وصوت رخيم: “رنا.. انزلي هاتي الهدوم والأدوية بتاعة الحاجة من الشقة فوق، ولمي هدوم سولاف وكل حاجتكم المهمة في شنطة بسرعة.”
سولاف اتخضت وبصت له بعيونها الزرقا الواسعة وبصوت مرتعش: “شنطة إيه يا أبيه؟ وإحنا رايحين فين؟”
سالم دار ليها وبص لها بنظرة صارمة خلتها تكتم أنفاسها: “أنتي فاكرة إني هسيبكم هنا لوحدكم في حارة مفيهاش راجل يحميكم؟ وجدتك بالمنظر ده لو تعبت نص الليل مين هيشيلها؟ أنتي هتنقلي تقعدي في بيتي.. ده مش اختيار يا بنت الناس، ده أمري، ويلا يا رنا اخلصي.”
رنا هزت راسها بلهفة ونزلت تجري وهي مبسوطة إن أخوها رغم قسوته بيحميهم، أما سولاف فكانت قاعدة ورا، ضامة إيدها وصدرها بيعلو ويهبط من التوتر.. هتروح تعيش معاه في بيته؟ الراجل اللي قال لها إنها مجرد “كرسي” وواجب ثقيل على قلبه؟!
بعد نص ساعة، كانت الشنط في الشنطة ووصلوا لعمارة فخمة جداً في حي راقي، مكان ملوش علاقة بالحارة الضلمة اللي سولاف جاية منها. سالم شال الجدة بخفة وهيبة وطلع بيها، ووراهم رنا وسولاف اللي كانت بتبص حواليها بـ انبهار وخوف.
الشقة كانت واسعة جداً، أثاثها مودرن وشيك بس غلبت عليه الألوان الغامقة (الأسود والرمادي)، كأنها بتعكس شخصية صاحبها الجافة والضلمة. سالم دخل الجدة أوضة واسعة ومريحة وساعدها ترتاح على السرير، وبص لرنا وسولاف اللي واقفين عند الباب: “دي أوضة الحاجة.. وأنتي يا رنا أوضتك زي ما هي لما بتيجي تباتي، وسولاف هتقعد في الأوضة اللي جنبها.”
سولاف بلعت ريقها وبصت في الأرض: “شكراً يا أبيه.”
سالم قرب منها خطوة، فـ رجعت لورا تلقائياً، ضغط على سنانه وعروق رقبته برزت وهو بيقول بصوت واطي ومسموع ليها هي بس: “اسمعي كويس.. أنتي هنا عشان خاطر جدتك وصحتها وبس، وجودك في البيت ده زي عدمه، وملمحكيش بتتحركي في الشقة طول ما أنا موجود.. أنا باجي أنام كام ساعة وأمشي، ومش عايز دوشة ولا لوع بنات، فاهمة؟”
سولاف دموعها لمعت في عيونها وهزت راسها بكسرة ونعومة: “فاهمة والله.. مش هتشوف وشي خالص.”
سالم سابها ودخل أوضته وقفل الباب بعنف، وسولاف جرت على أوضتها واترمت على السرير وهي بتعيط بحرقة.. حاسة إن الأمان اللي بتدور عليه محاوط بـ سياج من الشوك والوجع.
ومرت الأيام في البيت الجديد.. سولاف كانت زي النسمة، بتصحى بدري جداً تنضف وتعمل الأكل لجدتها ولرنا وليه هو كمان من غير ما يحس، وأول ما تسمع صوت مفاتيحه في الباب، بتجري تستخبى في أوضتها وتأفل على نفسها كأنها هربانة من وحش.
سالم كان بيلاحظ نظافة الشقة، وريحة الأكل البيتي اللي وحشاه من زمان، وكان بيستغرب إزاي قادرة تختفي تماماً كده وميلمحش طرف طرحتها حتى.. رقتها وهدوءها بدأوا يثيروا فضوله وغضبه في نفس الوقت.. هو بيكره الستات وعياطهم ومشاكلهم، بس البنت دي مابتشتكيش، مابتطلبش، وبتنفذ أوامره بالحرف بـ كبرياء مكسور.
في ليلة من الليالي.. الساعة كانت 3 بعد نص الليل، وسالم رجع من المديرية هلكان ومش قادر يفتح عينه من التعب. دخل الشقة والهدوء كان مغطي المكان، اتوجه للمطبخ عشان يشرب مية وهو مغمض عينه.
أول ما فتح باب المطبخ، اتفاجأ بـ سولاف واقفة بتعمل كوباية ينسون دافية لجدتها.. كانت لابسة بيجامة كشمير رقيقة جداً ومسيبة شعرها الأسود الطويل والناعم لأول مرة من غير طرحة، وشها كان بريء وناصع البياض وعيونها بلون السما.
سولاف أول ما شافته، اتخضت وكوباية الينسون وقعت من إيدها واتكسرت مية حتة على الأرض، وصرخت صرخة مكتومة وهي بتحاول تداري شعرها بإيدها وجسمها كله بيترعش من الخوف.
سالم وقف مكانه مشلول.. عينيه نزلت على شعرها الطويل وجمالها الرباني اللي خطف أنفاسه، ريحة برائتها ونعومتها هزت جموده وقسوته في ثانية واحدة.. حس بـ بركان جوا صدره، وبدل ما يهدى، عصبيته زادت لأنه حس إن حصونه بتنهار قدامها!
سالم قرب منها بعصبية وعيون بتطق شرار، ومسكها من دراعها بقوة وهو بيضغط عليه: “أنتي إيه اللي موقفك هنا بالمنظر ده؟! مش أنا قولت ملمحكيش برة أوضتك؟!”
سولاف من الوجع والخوف، ودموعها نازلة زي الشلال، بصت في عيونه وقالت بصوت يقطع القلب: “والله.. والله كنت بعمل ينسون لتيتا عشان كحتها.. أنا أسفة، سيب إيدي يا أبيه بتوجعني.. أنا هلم الازاز وأمشي فورا!”
سالم بص لدموعها ولـ شفايفها اللي بـ تترعش، ولأول مرة الكره اللي في عينه يتحول لحاجة تانية.. حاجة شبه الرغبة والتملك والتحدي.. ضغط على دراعها أكتر وصوته طلع خشن ومرعب: “لم الازاز إيه وزفت إيه! غوري على أوضتك وملمحكيش تخرجي منها تاني بالمنظر ده.. سامعة ولا لأ؟!”
سولاف هزت راسها بسرعة وجرت على أوضتها وهي بتصرخ بالعياط وقفتلت الباب بالمفتاح.. أما سالم ففضل واقف في المطبخ، بيبص على الأرض والازاز المكسور، ونفسه عالي وسريع.. حط إيده على قلبه اللي كان بيدق بعنف، واكتشف إن التحدي الأسود مش بس إنها تعيش في بيته.. التحدي الحقيقي إن قلبه الميت بدأ يصحى، والبنت دي ببراءتها ورقتها هتدمر كل قسوته وغضبه!
سالم فضِل واقف في المطبخ لدقائق، باصص للأرض ونفسه عالي وعروق إيده بارزة. لأول مرة يحس إن سيطرته على نفسه بتفلت، ولأول مرة يتهز قدام ست.. هو الرائد سالم المنشاوي اللي مفيش قضية ولا مجرم وقف قصاده، تيجى حتة عيلة مكسورة تلخبط كيانه بنظرة من عيونها وشعرها السايب؟!
داس على حتة إزاز برجله بغل وهو بيشتم نفسه في سره، ودخل أوضته وقفل الباب وراه بعنف. قلع جاكتته ورماها في الأرض، وفضل يلف في الأوضة زي الأسير في قفص.. ريحة برائتها ونعومتها لسه في مناخيره، وصوت صرختها ودموعها مش راضيين يفارقوا عقله. صرّ على سنانه وقال بفحيح غاضب: “مش سالم المنشاوي اللي يضعف قدام حريم.. دي عيلة، وضعيفت ومتبهدلة، فوق لنفسك يا سالم!”
على الناحية التانية، سولاف كانت قاعدة ورا الباب، ضامة رجليها لصدفها وبتعيط بـ شهقات مكتومة وخوف هستيري. حتة القسوة اللي في مسكته لدراعها فكرتها باللي حصلها.. جسمها كله كان بيترعش وهي بتهمس لنفسها: “يارب أموت وأرتاح.. يارب أنا ماليش ذنب.. هو بيكرهني ليه كده؟ أنا مأجبرتوش يتجوزني!”
فضلت صاحية لحد الفجر، مش قادرة تغمض عينها، وخايفة تطلع تلم الإزاز اللي اتكسر في المطبخ لـ تلاقيه واقف لها.
وتاني يوم الصبح.. سالم صحي بدري، خرج من أوضته ووشه مقلوب وعيونه حمرا من قلة النوم. عينه جت على المطبخ، لقى الإزاز الملموم وممسوح، ومحطوط على السفرة فطار جاهز ومتغطي، بس مفيش ليها أي أثر كالعادة.
رنا خرجت من أوضتها وهي بتفرك في عينها: “صباح الخير يا أبيه.”
سالم رد بجمود وهو بيلبس ساعته: “صباح النور.. رنا، جهزي نفسك أنتي وسولاف، الممرضة هتيجي بكرة البيت تتابع حالة الحاجة، وأنا هجيب دكتور كبير يمر عليها بالليل.” حكايات مايا خالد
رنا فرحت وقربت منه: “ربنا يخليك لينا يا أبيه.. سولاف كانت شايلة هم أوي ومكسوفة تطلب منك.”
سالم ملامحه اسودت وضيق عينه: “وهي تشيل هم ليه وأنا موجود؟ ومكسوفة إيه وزفت إيه.. هي متعرفش تنطق؟!” قال كلامه وخرج وقفل الباب وراه بقوة، وساب رنا واقفة مش فاهمة أخوها ماله متعصب على الصبح كده ليه.
مر اليوم، وجاء الليل.. سالم رجع البيت ومعاه الدكتور الكبير عشان يشوف الجدة. سولاف كانت قاعدة جوة مع جدتها، وأول ما سمعت صوت سالم والدكتور، حطت طرحتها ووقفت في ركن الأوضة بخوف وأدب.
الدكتور دخل وكشف على الجدة، وسالم واقف مربّع إيده وعينه متنقلة بين الدكتور وبين سولاف اللي باصة في الأرض وضامة إيدها برقة تِخطف العين.
الدكتور خلص وبص لسالم: “الحمد لله يا سيادة الرائد.. الحالة مستقرة جداً، والعلاج جايب نتيحة هائلة، بس أهم حاجة الراحة النفسية، وبسم الله ما شاء الله واضح إن حفيدتها متبعاها ومقصرتش معاها في حاجة.”
سالم هز راسه بوقار: “تمام يا دكتور.. اتفضل معايا.”
خرج سالم مع الدكتور عشان يكتب الروشتة الجديدة ويوصله للباب، ورنا خرجت وراهم. في اللحظة دي، سولاف اتنفست براحة وقعدت جنب جدتها تبوس إيدها: “الحمد لله يا تيتا.. الدكتور طمنا عليكي.”
الجدة بتعب وحنان: “الحمد لله يا بنتي.. بس أنا شايفة جوزك يا سولاف.. الراجل باين عليه ناشف وعصبي، بيعاملك إزاي يا بنتي؟ مطلعش عليكي عصبية الشغل دي؟”
سولاف بلعت غصتها وحاولت تبتسم: “لا يا تيتا.. ده طيب أوي، وبيعمل كل حاجة عشاننا، متشيليش هم خالص.”
سالم كان راجع الأوضة عشان ياخد الروشتة اللي نسيها، وسمع جملة سولاف: “ده طيب أوي وبيعمل كل حاجة عشاننا”.. وقف مكانه خطوة لورا، الكلمة هزته من جوة.. هي بتدافع عنه قدام جدتها رغم قسوته وجفافه معاها ومسكتة ليها بالأمس؟!
دخل الأوضة فجأة، فسولاف اتخضت وقامت وقفت بسرعة. سالم بص لها بنظرة غامضة، نظرة طويلة مبهمة مفيهاش الغضب الأعمى بتاع كل مرة، وقال بصوت رخيم وهادي هدوء ما قبل العاصفة: “رنا.. خدي الحاجة واديلها دواها.. وأنتي يا سولاف، تعالي ورايا على مكتب الصالة.. عايزك.”
سولاف حست إن ركبها سابت، وبصت لرنا بـ رعب، ورنا شاورت لها بـ راسها بمعنى “روحي متخافيش”.. مشت سولاف وراه بخطوات مرتعشة، ودخلت وراه الصالة.. وقف سالم ودار ليها، وقفل باب الصالة، وبقت هي وهو.. وجهاً لوجه في تحدي جديد!
سالم قعد على الكرسي الخشب ورا مكتبه، وسند ضهره لورا بكل هيبته، وفضل يبص لها بنظرات حادة ومركّزة، وعيونه السودا بتفحص كل حتة في وشها المخطوف.
سولاف كانت واقفة قدامه، ضامة إيدها الاتنين لبعض وبتفرك في صوابعها برعب، وعينها في الأرض مش قادرة ترفعها تيجى في عينه.. أنفاسها كانت سريعة لدرجة إن صدرها كان بيعلو ويهبط بنعومة، ومن كتر التوتر، كانت بتضغط بـ سنانها على شفايفها الوردية لحد ما بقوا حُمر.
سالم نزل عينه على إيدها المرتعشة، وبعدين اتنهد نَفَس طويل ومكتوم وقال بصوت رخيم وهادي، بس يحمل سلطة الظابط: “أنا سمعت كلامك مع جدتك جوة.. بتخبي عليها ليه؟ ومش قايلة لها الحقيقة ليه إني مغصوب عليكي وبعاملك جاف؟”
سولاف بلعت ريقها بالعافية، وحست إن صوتها هيطلع مخنوق.. رفعت عيونها الزرقا الدبلانة وبصت له بنظرة كلها براءة وكسرة نفس تقطع القلب وقالت بصوت رقيق ومبحوح: “عشان تيتا عيانة يا أبيه.. الدكتور قال زعلها خطر عليها، وهي عايشة عشان تشوفني مستورة.. لو عرفت إنك واخدني شفقة أو إني تقيلة عليك، هتموت فيها.. أنا مقدرة جمايلك والله، ومش عايزة أعمل لك مشاكل.”
كلمة “جمايلك” و”مش عايزة أعمل لك مشاكل” خبطت في كبرياء سالم.. الراجل اللي جواه اتهز، حس بنغزة غريبة.. البنت دي رقيقة وهشة زي الزجاج فعلاً، بس جواها عزة نفس وكبرياء يوزن بلد.. مابتتمسكنش ولا بتستغل الموقف زي ما كان متوقع من صنف الستات.
سالم قام وقف فجأة، وطوله الفارع وعرض كتافه غطى على النور اللي في الصالة، قرب منها بخطوات بطيئة ومنتظمة لحد ما بقى وافق قدامها مباشرة.. يفصل بينهم خطوة واحدة.
سولاف رجعت لورا خطوة تلقائياً من الخوف، وضهرها لمس الحيطة.. حست بـ حصار هيبته وريحة برفانه الرجالي القوية اللي خطفت أنفاسها.
سالم حط إيده على الحيطة فوق راسها، وبص لوشها البريء عن قرب، وصوته طلع منخفض وخشن وفيه نبرة غامضة: “أنا مبحبش حد يعيش دور الضحية قدامي.. ومحبش حد يشوفني طيب يا سولاف، أنا راجل ناشف، وشغلي وحياتي مخليني معنديش خلق للدلع.. بس دراعك اللي وجعك امبارح.. لسه بيوجعك؟”
سولاف وسعت عيونها بصدمة من سؤاله.. مكنتش متوقعة إنه يفتكر أو يهتم! هزت راسها بسرعة ونعومة ووشها بقى أحمر زي الطماطم من الكسوف: “لا.. لا يا أبيه، بقا كويس والله.. شكراً.”
سالم عينيه نزلت على شعرها اللي كان مستخبي تحت الطرحة، وافتكر مظهرها بالليل وشعرها السايب اللي جنن تفكيره.. ضغط على سنانه وعروق جبهته برزت وهو بيحاول يسيطر على الصراع اللي جواه، وقال بنبرة جافة بيحاول يداري بيها إعجابه اللي بيكبر غصب عنه: “تمام.. طالما كويس يبقى تسمعي اللي هقوله.. من بكرة، رنا هتنزل معاكي تشتري لك لبس جديد وحاجات تليق بـ قعدتك في بيتي، مش عايز مراتي تتحرك بـ هدوم بالية.. ومصروفك زاد الضعف عشان لو عوزتي حاجة لـ جدتك.. وملمحكيش تطلبي من رنا حاجة، أي حاجة تعوزيها، تجيلي أنا شخصياً تقوليها لي.. مفهوم؟”
سولاف هزت راسها وهي مش فاهمة التناقض اللي فيه.. قاسي وعصبي بس بيحميها وبيدور على راحتها وكرامتها! وقالت بصوت واطي: “مفهوم يا أبيه.”
سالم سحب إيده من على الحيطة ودار ضهره ليها وهو حاسس إنه لو فضل واقف قدام عيونها دي ثانية كمان، هينسى كل وعوده وعقدته القديمة.. قال بجمود: “يلا.. غوري على أوضتك، وشوفي جدتك.”
سولاف جرت بسرعة من قدامه وقلبها بيدق زي الطبل.. دخلت أوضتها وقفتلت الباب، وحطت إيدها على قلبها وهي مش فاهمة إيه الإحساس الجديد ده.. الراجل ده بيرعبها، بس في نفس الوقت بيخليها تحس إنها ملكة ومحمية في ضهره.
وتاني يوم.. نزلوا فعلاً ورنا جابت لها لبس شيك جداً ورقيق شبه شخصيتها، وسولاف بدأت تلتزم بأوامره.. مبتخرجش من أوضتها طول ما هو موجود، بس سالم بقى يرجع البيت بدري عن الأول! بقى يتحجج بـ أي حاجة عشان يرجع ويشوف أثر وجودها في الشقة.. ريحة الأكل، النظافة، وطرف طرحتها اللي بيلمحه وهي بتجري تستخبى منه.
وفي ليلة ممطرة وصعبة جداً.. الهوا كان بيخبط في شبابيك الشقة بعنف، والرعد كان صوته يرعب.. سالم كان قاعد في الصالة بيراجع قضية مهمة ومندمج جداً.
فجأة، النور انقطع تماماً والشقة بقت كحل!
وفي نفس الثاينة، انطلق صوت صرخة رعب قوية ومهزوزة من أوضة سولاف: “آاااااه!! أبيه سالمممم!!”
سالم ساب الورق من إيده وقام وقف في الضلمة، وقلبه دقاته تسارعت بشكل مش طبيعي.. جرى بـ غريزة الحماية نحو أوضتها وهو بيفتح كشاف تليفونه.. وأول ما فتح باب الأوضة، اتفاجأ بـ سولاف جارية عليه ودموعها نازلة من الرعب، ومن غير ما تحس ولا تفكر، رمت نفسها في حضنه وعيتشت في كتافه العريضة وهي بتترعش زي العصفورة المبلولة في المطر!
سالم جسمه كله اتخشب.. أنفاسها السخنة كانت في رقبته، وإيدها الصغيرة ماسكة في قميصه بـ غل وتشبث كأنها بتمسك في طوق النجاة الوحيد ليها في الدنيا.. ريحة برائتها ونعومتها هزت كيانه بالكامل، ولقى نفسه غصب عنه، وبـ رغبة تملّك مرعبة، بيلف إيديه الطويلة والقوية حوالين وسطها الرقيق وبيضمرها لصدره بكل قوته.. والتحدي الأسود في اللحظة دي اتحول لـ نار هتحرق كل القيود اللي بانوها!
دقات قلب سالم كانت بتدب في صدره زي الطبول، وصوت الرعد برة العمارة مكنش أعلى من صوت الصراع اللي شغال جواه. كان مغمض عينه وهو دافن وشه في شعرها اللي انفك من الطرحة من كتر الخضة، ريحة الياسمين والنظافة اللي طالعة منها كانت بتخترق كل حصونه وجفافه.
سولاف كانت بتترعش بين إيديه، ضامة نفسها ليه وكل ما الرعد يضرب، كانت بتزيد في مسكتها لقميصه وتستخبى في كتافه أكتر.. بالنسبة ليها، في اللحظة دي، سالم مكنش الراجل القاسي المخيف، كان الحصن والضهر والوحيد اللي يقدر يحميها من الضلمة ومن الدنيا كلها.
فجأة، سالم استوعب الوضع.. استوعب إنه ضاممها لقلبه بكل قوته، وإنه نسى كل وعوده وكرهه للستات. ضغط على سنانه بقوة وزجر نفسه داخلياً، وببطء وبإيدين بتترعش من الأثر اللي عملته فيه، بدأ يبعدها عنه واحدة واحدة.
مسكها من كتافها وبص لوشها في ضوء كشاف التليفون.. عيونها الزرقا كانت واسعة ومرعوبة، والدموع مغرقة خدودها الناعمة، وشفايفها بتترعش.
سالم صوته طلع مخنوق ومبحوح، وحاول يخليه حاد عشان يداري لغبطته: “أنتي اتهبلتي يا سولاف؟! إيه اللي عملتيه ده؟!”
سولاف شهقت وبصت له بصدمة، ووعيت على نفسها وعلى اللي عملته.. رجعت خطوتين لورا بسرعة وهي بتترعش، وحطت إيدها على بؤها بكسوف ورعب من رد فعله، وصوتها طلع متقطع ومكسور: “أنا.. أنا أسفة يا أبيه.. والله العظيم غصب عني.. أنا عندي فوبيا من الضلمة ومن الصوت العالي.. من وقت.. من وقت اللي حصلي وأنا بترعب لو لوحدي في الضلمة.. والله ما قصدت!”
كلمة “من وقت اللي حصلي” نزلت على سالم زي المية الساقعة، طفت غضبه وعصبيته وحل مكانها وجع وضيق في صدره.. افتكر إن البنت دي عاشت كابوس حقيقي، وإن خوفها ده مش دلع بنات، ده رعب حقيقي متأصل جواها.
سالم نفخ بضيق وهدى صوته شوية بس فضِل جاد: “خلاص.. اهدى وماتعيطيش، أنا واقف برة في الصالة.. والنور زمانه راجع، اقعدي على السرير وماتتحركيش.”
سولاف قعدت على السرير وهي بتلم رجليها لصدفها وبتعيط بصوت مكتوم وتترعش من البرد والخوف. سالم بص لها، ولقى رجله مش طاوعاه يسيبها في الحالة دي ويخرج.
اتنفس بضيق، وشد الكرسي الخشب اللي في الأوضة وقعد عليه، وحط التليفون على الكومودينو بحيث الكشاف ينور السقف ويملى الأوضة ضوء هادي.
سولاف بصت له باستغراب وهي بتمسح دموعها بـ كم البيجامة، وسالم ربع إيده وسند ضهره وقال بجمود: “أنا قاعد هنا لحد ما النور ييجي.. عشان مسمعش صوت صريخك تاني ويصحي جدتك ورنا.. اتخمدي ونامي.”
سولاف حست بـ غصة في قلبها من كلمته “اتخمدي”، بس في نفس الوقت حست بـ دفا وأمان ملهمش حدود لمجرد إنه قاعد معاها في نفس الأوضة.. حست إن وجوده الطاغي ده طرد كل الخوف من قلبها.
نامت على جنبها وضمت الغطا لرقبتها، وفضلت عيونها الزرقا مراقباه في الضلمة.. ملامحه الرجولية الحادة، دقنه الخفيفة، وعيونه السرحانة في السقف.. كانت بتفكر: “يا ترى أنت مين يا سالم؟ إيه اللي خلاك بالقسوة دي وأنت جواك كل الحماية دي؟”
سالم كان حاسس بـ نظراتها اللي زي السهام بتخترق جموده، كان بيمثل البرود بس من جوا كان قايد نار.. البنت دي بتلعب بـ عداد عمره، وبرائتها دي هتوصله لـ طريق مسدود مع نفسه.
بعد حوالي ساعة، أنفاس سولاف انتظمت وراحت في النوم من كتر التعب والخوف. سالم قام ببطء وقرب من السرير، بص لوشها الملاك وهي نايمة، وشعرها الأسود المفرود على المخدة.. مد إيده ببطء شديد، ورفع الغطا لحد كتافها عشان تدفى، وصوابعه لمست بشرة وشها الناعمة غصب عنه.. اتنهد بتعب وقال بصوت مش مسموع: “أنتي هديتي كل شروطي في ثانية يا سولاف.. وخلتيني أندم على كل كلمة قولتها.”
في اللحظة دي، النور جه فجأة، وسالم رجع خطوة لورا بسرعة كأنه اتمسك بيعمل جريمة.. طفى كشاف تليفونه وخرج من الأوضة وقفل الباب براحة، ودخل أوضته وهو مش عارف هيداري إعجابه ومشاعره اللي بتكبر دي إزاي.
وتاني يوم العصر.. سالم كان في المديرية، وقاعد في مكتبه بيراجع ورق، وفجأة تليفونه رن.. بص في الشاشة لقى الرقم الأرضي بتاع البيت، قلبه دق بسرعة وفتح الخط فوراً: “ألو.. رنا؟”
جاله الصوت الرقيق والمبحوح اللي بقى يحفظه أكتر من اسمه، صوت سولاف وهي بتتكلم بتوتر وخوف: “أبيه سالم.. أنا.. أنا سولاف.”
سالم وقف فجأة من على الكرسي وعروق جبهته برزت: “سولاف؟! بتتصلِي من الأرضي ليه؟ في إيه؟ جدتك جرى لها حاجة؟!”
سولاف بسرعة وعياط بدأ يظهر في صوتها: “لا لا تيتا كويسة.. بس.. بس في ناس تحت البيت القديم بتاعنا.. الجيران اتصلوا بيا وقالوا لي إن في رجالة شكلهم غريب ومسلحين بيسألوا عليا وعلى تيتا وبيدوروا علينا في كل حتة.. أنا خايفة أوي يا أبيه.. خايفة يوصلوا لنا هنا!”
سالم أول ما سمع الجملة دي، عيونه اسودت تماماً وتحول لـ وحش كاسر.. عرف إن الكلاب اللي اعتدوا عليها بيدوروا عليها عشان يخلصوا منها أو يهددوها.. ضغط على التليفون بغل وقال بصوت جهوري هز مكتب المديرية: “اقفلي الأبواب والشبابيك بالترابيس وماتتحركيش من الشقة أنتي ورنا وجدتك!! دقيقة واحدة وهكون عندك.. وماتخافيش، طول ما أنا عايش على وش الدنيا مفيش مخلوق هيلمس شعرة منك!”
قفل السكة، وسحب سلاحه الميري وحطه في جنبه، ونزل يجري على السلم وعيونه بتطق شرار.. التحدي الأسود خلاص مابقاش مجرد جوازة على الورق، بقى معركة دم وحياة، وسالم المنشاوي ناوي يحرق الدنيا عشان يحمي مراته!
سالم ركب عربيته وداس بنزين لأقصى سرعة، بيخترق شوارع القاهرة وصوت السرينة بتاعة الشرطة اللي ركبها فوق العربية بيجبر كل العربيات توسع له. إيده كانت بتضغط على الدريكسيون بقوة لدرجة إن عروقه كانت بارزة ووشه اتحول لكتلة من الغضب الأعمى. فكرة إن في كلاب بيفكروا مجرد تفكير إنهم يقربوا من “سولاف” أو يلمسوا طرف طرحتها كانت بتخلي الدم يغلي في عروقه. لأول مرة يستوعب إن البنت دي م بقتش مجرد واجب؛ البنت دي بقت شرفه، وحتة من قلبه اللي كان فاكره مات.
في الشقة، سولاف كانت واقفة ورا الباب بتترعش، وضامة رنا ليها اللي هي كمان كانت خايفة من نبرة أخوها في التليفون. الجدة كانت قاعدة على السرير بتدعي بصوت عالي ودموع: “يارب استرها على بناتي.. يارب احميهم.”
مرت ربع ساعة كأنها سنة، لحد ما سمعوا صوت فرملة عربية سالم العنيفة تحت العمارة. بعدها بـ دقيقة، الباب اتفتح وسالم دخل زي الإعصار. ملامحه كانت ترعب، وسلاحه كان باين في جنبه، وعيونه الحادة لفت في الصالة لحد ما ثبتت على سولاف. حكايات مايا خالد
جرى عليها ومسكها من كتافها وهو بيبص في عيونها بلهفة وغضب مكتوم: “أنتي كويسة؟! حد كلمك؟ حد جه هنا؟! انطقي!”
سولاف هزت راسها بنعومة ودموعها نازلة: “لا.. لا يا أبيه محدش جه هنا، الجيران من الحارة هما اللي اتصلوا بيا وقالوا لي الرجالة دي هناك.. أنا خايفة أوي عليك وعلى تيتا.”
سالم لما شاف دموعها وخوفها عليه هو شخصياً، حتة جوا صدره اتهزت. شدها عليه وضغط على كتافها بنبرة صوت رجولية، مرعبة بس مليانة أمان: “ماتخافيش.. طول ما أنا نفسى طالع ونازل، مفيش كلب يقدر يهوب ناحيتك.. رنا! خدي بالك من سولاف ومن الحاجة وقفلوا الباب ورايا وم تفتحوش لمخلوق!”
سولاف مسكت في قميصه بلهفة وعيونها الزرقا مليانة رجاء: “أنت رايح فين يا أبيه؟ أرجوك بلاش خطر.. هما معاهم سلاح!”
سالم بص لإيدها المتشبثة بقميصه، وابتسم ابتسامة ثقة حادة وهو بيمشي إيده على وشها بلمسة حنينة فاجأتها وفاجأته هو نفسه: “أنا الرائد سالم المنشاوي يا سولاف.. أنا الخطر اللي هما لازم يخافوا منه. اقعدي جوة وادعي لي.”
سابها ونزل، وركب عربيته وطار بيها على الحارة القديمة.
وصل هناك في وقت قياسي، ونزل من العربية بهيبته وطوله الفارع، وجاكتته الجلد السودا وعيونه اللي بتطلق شرار. لمح تلات رجالة واقفين على أول الحارة، أشكالهم رد سجون، وبيتكلموا مع حد من الجيران وبيسألوا بـ بلطجة.
سالم قرب منهم بخطوات منتظمة وثابتة، وحط إيده في جيبه جنب سلاحه، وقال بصوت جهوري ورخيم هز الحارة كلها: “بتدوروا على مين يا روح أمك منك له؟!”
الرجالة لفوا ليه، وواحد منهم قرب بـ قلة أدب: “وأنت مالك يا كابتن؟ إحنا بندور على حريم ساكنين هنا.. وسع من طريقنا بدل ما…”
قبل ما يكمل كلمته، سالم كان طبق في زمارة رقبته، وضربه بـ بونية عمياء في وشه جابت دمه ونيمته في الأرض. الاتنين التانيين طلعوا مطاوي وجروا عليه، بس سالم بـ مهارة ظابط العمليات الخاصة، تفادى الأولاني وكسر إيده، وشاط التاني في صدره رماه على الـ عربية.
سحب سلاحه الميري وفك الأمان، وحطه في دماغ الكبير بتاعهم اللي غرقان في دمه على الأرض، وزعق بفحيح مرعب: “أنا الرائد سالم المنشاوي! والست اللي بتدوروا عليها دي تبقا مراتي.. حرم الرائد سالم المنشاوي! ورحمة أمي اللي هيلمح طرفها بس، هكون دافنه صاحي.. انطق يا روح أمك! مين اللي باعتكم؟! الباشا الكبير بتاعكم فين؟!”
البلطجي كان بيتنفض تحت رجله ومن شكل مسدسه وصوته: “يا باشا والله ما نعرف.. ده واحد دفع لنا قرشين وقال لنا اعرفوا البنت وجدتها راحوا فين، إحنا ملناش ذنب!”
سالم ضربه بالطبنجة على دماغه أفصده الوعي، وطلع تليفونه واتصل بالمديرية: “ابعتوا لي بوكس على الحارة القديمة.. معايا تلاتة كلاب عايزهم في حجز الانفرادي، وهاتوا لى رئيس المباحث حالا!”
بعد ما سلمهم، رجع سالم الشقة بليل. كان قميصه متبهدل، وإيده عليها علامات الضرب. أول ما فتح الباب، لقى سولاف واقفة مستنياه، وشها باهت وعيونها مدمعة.
أول ما شافته، جرت عليه من غير ما تفكر، وبصت لإيده المجروحة وبكت بحرقة: “أبيه!.. إيدك بتنزف.. أنت كويس؟ عملوا فيك إيه؟”
سالم بص لدموعها الخالصة ورقتها، وحس إن كل غضبه وعقدته من الستات دابت في ثانية واحدة قدام براءتها وخوفها عليه. مسك إيدها الرقيقة وصوته طلع واطي وخشن، بس مليان مشاعر لأول مرة تظهر: “أنا كويس يا سولاف.. الكلاب دول خلاص مش هتشوفيهم تاني، وحقك اللي ضاع.. أنا هجيبه بـ إيدي دي، وهندمهم على اليوم اللي اتولدوا فيه.”
سولاف رفعت عيونها الزرقا وبصت في عيونه السودا، ولأول مرة تلمح فيهم نظرة حب وتملك جارف.. التحدي الأسود خلاص اتحول لنار عشق، وسالم المنشاوي بقا مستعد يهد الدنيا عشان العيلة المكسورة اللي ملكت قلبه!
سالم فضل باصص لعيونها الزرقا اللي بتلمع بالدموع، وإيدها الصغيرة لسه لمسة جرح إيده برقة ونعومة. النفس الحامي اللي خارج منها كان بيخبط في صدره، وفي اللحظة دي بالذات، حس إن كل الحصون والسدود اللي بناها حوالين قلبه سنين طويلة اتهدت تماماً.. مابقاش شايف قدامه غير البنت دي، البنت اللي دخلت حياته كـ “واجب” وبقت هي حياته كلها.
سحب إيده براحة من بين إيديها، وقال بنبرة هادية بس فيها بحة غريبة: “ادخلي أوضتك يا سولاف.. هاتي علبة الإسعافات وتعالي على المكتب.”
سولاف هزت راسها بطاعة ونعومة، وجرت جابت العلبة وراحت وراه على المكتب. كان قاعد على الكرسي، فك أول زرارين من قميصه وراجع ضهره لورا بتعب. قربت منه بخطوات بطيئة، وقعدت على ركبها في الأرض جنبه وبدأت تطلع القطن والمطهر وإيدها بتترعش.
سالم كان بيراقب كل حركة بتعملها، شعرها اللي نازل على وشها، رموشها الطويلة، ورقتها اللي بتخليه يحس إنه كتلة من النار وهي النسمة اللي بتهديه.
سولاف حطت المطهر على القطنة وقربت من الجرح اللي في إيده وبست عليه براحة وهي بتنفخ فيه بشفايفها عشان ميتوجعش.. الحركة دي خلت جسم سالم كله يتنفض، ضغط على سنانه وعروق رقبته برزت، وصوته طلع واطي ومبحوح كأنه فحيح: “سولاف..”
سولاف رفعت عيونها الزرقا وبصت له ببراءة: “نعم يا أبيه؟ وجعتك؟ أنا أسفة والله بعمل براحة…”
قبل ما تكمل كلمتها، كان سالم مد إيده التانية ومسكها من وسطها وبحركة واحدة سريعة وقوية شالها وقعدها على المكتب قدامه مباشرة، بحيث بقت عيونها في نفس مستوى عيونه.. يفصل بينهم أنفاسهم بس.
سولاف اتخضت وحطت إيدها على كتافه العريضة بتلقائية، ونفسها بقى سريع وضيق من القرب المفاجئ ده، وهمست بخوف ورعشة: “أبيه.. في إيه؟”
سالم ضيق عيونه السودا الحادة، ونظراته بقت مليانة تملك وعشق أسود جارف، وقال بصوت رخيم وهامس هز كيانها: “كلمة أبيه دي مسمعهاش منك تاني.. سامعة؟ أنا مش أخوكي، ولا عمري هكون أخوكي يا سولاف.”
سولاف بلعت ريقها والكسوف غطى وشها كله اللي بقى أحمر زي الورد: “أومال.. أقول لك إيه؟”
سالم قرب من وشها أكتر، لدرجة إن ريحة برائتها والياسمين اللي فيها سكرت عقله، وقال بنبرة سلطوية بس دافية: “اسمي سالم.. تنطقي اسمي وبس.. الجوازة دي م بقتش على الورق يا بنت الناس.. أنتي دخلتي بيتي ودخلتي عقلي، والكلاب اللي حاولوا يكسروكي أنا هفرمهم تحت رجلي، بس أنتي.. أنتي بقيتي تخصيني، ملكي أنا وبس.. فاهمة يعني إيه ملك سالم المنشاوي؟”
سولاف دموعها نزلت من كتر المشاعر اللي حست بيها.. لأول مرة تحس إنها غالية، وإن في راجل زي الأسد واقف بظهره بيحميها ومش همّه أي حاجة في الدنيا غيرها. هزت راسها بنعومة وصوت رقيق: “فاهمة يا.. يا سالم.”
الاسم لما طلع من شفايفها الرقيقة خلا ضربات قلبه تتجنن. ضمرها لصدره بالراحة وضغط عليها كأنه بيدخلها جوا ضلوعه عشان يخبيها من الدنيا كلها، وهس في شعرها: “وعد مني يا سولاف.. حقك هييجي، واللي لمس شعرة منك هخليه يتمنى الموت وميلاقيهوش.”
وفي نفس الليلة.. بعد ما سولاف دخلت نامت وقلبها مطمن لأول مرة، سالم كان قاعد في الصالة وعيونه فيها شرار الموت.. تليفونه رن، وكان رئيس المباحث من المديرية: “يا فندم.. البلاطجة اعترفوا.. اللي باعتهم يبقا (عاصم الغول).. ابن رجل الأعمال المعروف، وهو نفسه الشخص اللي سولاف بلغت عنه في قضية الاعتداء قبل ما تختفي!”
سالم أول ما سمع الاسم، ضحك ضحكة قوية ومرعبة.. ضحكة أسد شاف فريسته خلاص بقت تحت رجله. قام وقف وسحب سلاحه وحطه في جنبه، وعيونه اسودت تماماً.. المعركة الكبيرة بدأت، وعاصم الغول ميعرفش إنه وقع في سكة الرائد سالم المنشاوي، والنهاردة هتكون نهايته!
سالم قفل السكة، وحط التليفون في جيبه وعيونه بقت زي الجمر المنقاد. عاصم الغول.. ابن المليونير اللي فاكر إن فلوس أبيه ونفوذه هتحميه من حبل المشنقة، وفاكر إن البنت اليتيمة المكسورة ملهاش ضهر.. ميعرفش إن ضهرها بقا الرائد سالم المنشاوي اللي مبيعملش حساب لمخلوق على الأرض.
سالم مشى بخطوات سريعة ومرعبة نحو الباب، بس قبل ما يفتح المقبض، لمح خيال رقيق واقف عند طرقة الأوض. لف وشه بسرعة لقى سولاف واقفة، لابسة عباية بيتي رقيقة وحاطة طرحتها على كتفها، وعيونها الزرقا مليانة قلق وخوف حقيقي عليه.
سولاف قربت منه بخطوات بطيئة وصوتها المبحوح طلع مرعوب: “سالم.. أنت خارج تاني؟ الوقت متأخر.. وعيونك دي بتخوفني، أرجوك بلاش تروح في حتة.”
سالم وقف مكانه، وبص لوشها الملاك البريء. حس إن نيران الغضب اللي جوا صدره بتهدى أول ما بتنطق اسمه بشفايفها. قرب منها خطوة، ومد إيده الطويلة ومسح على شعرها من فوق الطرحة بحنان لأول مرة يظهره، وقال بصوت رخيم وهادي جداً: “ادخلي نامي يا سولاف.. وماتخافيش، قولت لك أنا الخطر اللي هما لازم يخافوا منه.. أنا رايح أجيب لك حقك اللي اتكسر، ورايح أثبت للدنيا كلها إنك بقيتي مراتي وشرفي.”
سولاف دموعها نزلت بسرعة ومسكت في كم جاكتته بقوة: “أنا مش عايزة حاجة.. أنا حقّي رجع لما بقيت في بيتك ومحمية بيك.. بلاش تروح لهناك، عاصم الغول ده راجل مؤذي وناس واصلين أوي، أنا خايفة عليك!”
سالم ابتسم ابتسامة ثقة حادة وعيونه اسودت: “واصلين على نفسهم يا بنت الناس.. مش على سالم المنشاوي. ادخلي اقفلي الباب وادعي لي.. دقيقة كمان ورا جدران البيت ده وخوفي عليكي هيخليني مش قادر أمشي.. يلا يا سولاف.”
سولاف لقت نفسها بتطاوعه غصب عنها من الهيبة والرجولة اللي طالعة منه، هزت راسها ودخلت وهي بتدعي له من كل قلبها.
سالم نزل يجري على السلم، وركب عربيتو السودا الفخمة وطار بيها في شوارع القاهرة بسرعة جنونية، ووراه قوتين من الأمن المركزي ورجال المباحث اللي اتحركوا بأمر مباشر منه بعد ما عمل محضر رسمي بالاعترافات الجديدة.
في نفس الوقت، في فيلا فخمة جداً في التجمع الخامس.. كان عاصم الغول قاعد مع أصحابه، بيشرب وبيضحك بـ خسة وثقة: “البنت وجدتها اختفوا تماماً من الحارة.. بس أنا بعت رجالة يقلبوا الدنيا عليهم، ومستحيل هسيبها لحد ما أخلص منها ومن القضية دي خالص عشان متبقاش لطة في اسمي.”
واحد من أصحابه قال بقلق: “يا عاصم البنت دي غلبانة ويتيمة، سيبها في حالها بقا.. وكفاية اللي جرالها منك!”
عاصم ضحك بشر: “تغور في داهية.. أنا عاصم الغول، ومفيش حتة عيلة جربوعة تلوّي دراعي!” حكايات مايا خالد
وفجأة.. ومن غير أي إنذار.. انطلق صوت تكسير عنيف لباب الفيلا الخارجي، وصوت سرينات الشرطة ملى المكان والنور الأحمر والأزرق عكس على الحيطان.
الباب الداخلي للفيلا اتهد تماماً تحت رجلين عساكر الأمن، ودخل سالم المنشاوي وزي الإعصار المدمر. كان ماسك سلاحه الميري في إيده، وعيونه بتدور في الصالة زي الصقر اللي لقى فريسته.
عاصم وقف بصدمة ورعب، وصاح بـ زعاق: “أنت مين يا جدع أنت؟! إزاي تدخل بيتي كده؟! أنت مش عارف أنا ابن مين؟!”
سالم قرب منه بخطوات بطيئة ومنتظمة، وع وشه ابتسامة مرعبة.. أول ما بقى قدامه، نزل بسلاحه على دماغ عاصم ضربة قوية عمياء خلته يقع على الركبه وهو بيصرخ وبينزف دم.
سالم وطى عليه، ومسكه من ياقة قميصه الغالي ورفعه لفوق، وفحيحه طلع مرعب هز أركان الفيلا: “أنا الرائد سالم المنشاوي.. والرجل اللي أنت باعت كلابك يدوروا عليها في الحارة، تبقا مراتي.. حرم الرائد سالم المنشاوي يا روح أمك!”
عاصم عيونه وسعت برعب حقيقي وجسمه كله بدأ يترعش لما سمع الاسم والموقع: “الرائد.. سالم المنشاوي؟! أنا.. أنا مكنتش أعرف والله يا فندم.. مكنتش أعرف إنها تخصك!”
سالم ضربه بـ بونية قوية في وشه رمت الجدار، وقال بغضب أعمى: “وحتى لو ماتخصنيش.. حتة عيلة بريئة يتيمة يحصل فيها كده من قذر زيك؟! ارموا الكلب ده في البوكس!! واقفلوا الفيلا دي بالشمع الأحمر.. وقسماً بالله يا عاصم، لأخليك تتمنى الموت في حجز المديرية وم تلاقيهوش.. حق مراتي هتاخده عذاب ثانية بثانية!”
الشرطة خدت عاصم وهو بيصرخ ويستنجد بأبوه، وسالم وقف وسط الصالة، أخد نَفَس طويل ومسح عرق جبينه.. حس إن الهم اللي كان كاتم على صدره وعلى صدر سولاف بدأ ينزاح.
رجع البيت على الفجر.. الشقة كانت هادية، فتح الباب براحة ودخل الصالة. لقى سولاف قاعدة على الكنبة، مغمضة عيونها ومطبقة إيدها على صدرها كأنها كانت بتدعي ونامت من كتر التعب والانتظار.. وطرحتها كانت نازلة على كتافها وشعرها الأسود مفرود في منظر يسحر العين.
سالم قرب منها بخطوات بطيئة جداً، وقعد على ركبه في الأرض قدامها وبص لوشها الملاك البريء. مد إيده وبلمسة حنينة ودافية مسح على خدها الناعم.
سولاف اتفضت وفتحت عيونها الزرقا بسرعة، وأول ما شافته قدامها، دموع الفرحة نزلت وجسمها ارتاح: “سالم!.. أنت رجعت؟ أنت كويس؟”
سالم ابتسم ابتسامة دافية وصافية لأول مرة تظهر على وشه، ومسك إيدها وباسها برقة وامتلاك: “رجعت يا قلب سالم.. وعاصم الغول خلاص بقا تحت رجلي وفي السجن، وحقك جه لحد عندك.. مفيش خوف تاني بعد النهاردة، أنتي بقيتي في حمايتي وفي قلبي.. ومستحيل هسيبك طول ما فيا نَفَس.”
سولاف رمت نفسها في حضنه وعيطت بحرقة بس المرة دي دموع راحة وأمان.. وسالم لف إيديه القوية حوالين وسطها وضمها ليه بكل قوته.. التحدي الأسود خلاص انتهى، وبدأ مكانه عشق جارف ونور هيملى حياتهم الاتنين!
سالم فضل ضاممها لقلبه، حاسس بـ شهقاتها اللي بدأت تهدى واحدة واحدة على صدره، وكأن كل الوجع والخوف اللي عاشتهم سنين دابوا في حضنه. كان بيملس على شعرها الأسود الطويل بحنان مكنش يتخيل إنه جواه، وبيتنفَس ريحة برائتها اللي بقت هي الأوكسجين بتاعه.
بعد دقائق، بدأ يرفع راسها براحة وبص في عيونها الزرقا اللي لسه لمعة بالدموع، ومسح خدودها بـ صوابعه وقال بصوت رجولي دافي وخشن: “خلاص يا سولاف.. الكابوس انتهى والصفحة دي اتقفلت تماماً.. طول ما أنا معاكي مش عايز أشوف دموعك دي تاني غير في الفرح، مفهوم؟”
سولاف هزت راسها بنعومة وهي بتبتسم من بين دموعها، وصوتها الرقيق طلع واطي ومكسوف: “مفهوم يا سالم.. أنا بجد مش عارفة أشكرك إزاي، أنت رجعت لي روحي اللي كانت ميتة.”
سالم ضيق عينه بحب وتملك وقال وهو بيقرص خدها براحة: “تاني هتقولي شكر وجمايل؟ أنا قولت لك أنتي بقيتي تخصيني.. يعني حقك هو حقي، وراحتك هي راحتي.. يلا امسحي وشك ده وادخلي ارتاحي، الفجر بيدن.”
سولاف قامت وقفت بكسوف، ولمت شعرها ورا ضهرها وبصت له بنظرة كلها عشق وبراءة: “حاضر.. وأنت كمان لازم ترتاح، باين على عيونك التعب.”
سالم ابتسم لها وثبت نظراته عليها لحد ما دخلت أوضتها وقفلت الباب. اتنفس براحة كبيرة، ولأول مرة يحس إن الشقة دي بقت “بيت” بجد، وإن عقدته القديمة وكرهه للستات انمخوا تماماً بسبب ملاك بريء عنده 18 سنة.
وتاني يوم الصبح.. الشمس طلعت منورة الشقة، والجو كان هادي وجميل. الجدة كانت قاعدة في الصالة وساندة على المخدات، ووشها راجع له الدم وفرحانة بعد ما رنا وسولاف حكوا لها إن عاصم الغول اتقبض عليه وإن حق سولاف رجع.
سالم خرج من أوضته، لابس قميص كحلي شيك جداً ومسرح شعره، وهيبته الطاغية منورة المكان، بس المرة دي ملامحه مكنتش جامدة ولا سودا.. كان وشه سمح ومبتسم.
الجدة أول ما شافته، رفعت إيدها بالدعاء والدموع في عينها: “تعال يا ابني.. تعال يا سيادة الرائد يا ابن الأصول.. ربنا يبارك لك في شبابك ويحميك لشبابك، أنت صنت الأمانة وسترت على البنت اليتيمة وجبت لها حقها.. ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا رب.”
سالم قرب من الجدة، وقعد جنبها على الكنبة وباس إيدها بوقار واحترام: “تسلمي يا أمي.. ده واجبي، وسولاف م بقتش أمانة وبس.. سولاف بقت مراتي وحبيبتي، ومش عايزك تشيلي هم أي حاجة واصل طول ما أنا عايش.”
سولاف كانت خارجة من المطبخ شايلة صينية الفطار، وأول ما سمعت كلمة “حبيبتي” من بؤه، صباعها اتهز والصينية كانت هتقع من إيدها من كتر الكسوف.. وشها احمر تماماً وبصت في الأرض.
رنا خرجت وراها وهي بتضحك بزغروطة وتصفق: “أيوة بقا يا سيادة الرائد! هو ده أبيه سالم اللي أنا عارفاها.. الرومانسية بدأت تظهر أهو!”
سالم بص لرنا بـ نص عين وضحك: “اتلمي يا زفتة واقعدي كلي.. وملمحش حسك طول اليوم.”
قعدوا كلهم يفطروا في جو مليان فرحة وضحك لأول مرة، وسالم عينه مكنتش بتنزل من على سولاف.. كان بياكل وعينه بتراقب كسوفها ورقتها وحركاتها الإيجابية في البيت.
بعد الفطار، سالم قام وقف وبص لسولاف وقال بنبرة هادية وسلطوية: “سولاف.. تعالي ورايا على الأوضة هقولك كلمة.”
سولاف قامت وراه ودخلت الأوضة، وقف سالم ودار ليها، وطلع من جيبه علبة قطيفة حمراء شيك جداً.. فتحها، ولقت جواها طقم دهب رقيق جداً وفيه فص أزرق شبه لون عيونها تماماً.
سولاف وسعت عيونها بصدمة وانباهار: “إيه ده يا سالم؟”
سالم قرب منها، وأخد السلسلة من العلبة، ولف وراها وبدأ يلبسهالها برقبتها.. أنفاسه السخنة ولمسة إيده الطويلة لرقبتها خلت جسمها كله يقشعر من المشاعر.
لفها ليه وبص في عيونها وقال وهو ماسك الفص الأزرق: “ده طقم شبكتك يا مدام سالم المنشاوي.. الجوازة اللي تمت في السر وعلى الورق دي انتهت.. من بكرة هعمل لك أحلى فرح في مصر كلها، والكل هيعرف إنك مراتي وشرفي.. مش هعيشك في الضلمة تاني يا سولاف.”
سولاف رمت نفسها في حضنه وهي بتبكي من الفرحة، وضمت وسط العريض بقوة: “أنا مش عايزة فرح ولا عايزة حاجة من الدنيا.. أنا كفاية عليا حضنك ده، أنت أحلى حاجة حصلت في حياتي يا سالم.”
سالم ضمها ليه بكل قوته ودفن وشه في شعرها وهو بيبتسم بثقة.. التحدي الأسود اللي بدأ بـ غضب وكُره وانكسار، اتقلب وبقى أجمل قصة عشق ونور ملى حياتهم، والأسد القاسي لقى مأمنه وأمانه في حضن العيلة الهشة الرقيقة اللي بقيت ملكه لوحده!
مرت الأيام بسرعة، والبيت كله كان خليه نحل.. رنا وسولاف مكنوش بيبطلوا تدوير على فستان الفرح، وسالم كان قالب الدنيا عشان يجهز قاعة فخمة على النيل، تليق بـ مراته وحبيبته، وعشان يثبت للكل إن “سولاف” بقيت شرف الرائد سالم المنشاوي والكل يعمل لها ألف حساب.
وجاء يوم الفرح المنتظر..
في الجناح الفخم في الأوتيل، كانت سولاف واقفة قدام المراية زي الملاك الصافي.. لابسة فستان أبيض ملكي، منفوش ورقيق جداً مطرز بفصوص خفيفة بتلمع، وحاطة طرحة الطويلة مفرودة وراها، ولمسات المكياج الهادية برزت عيونها الزرقا الساحرة اللي م بقاش فيها خوف، بقا فيها لمعة حب وأمل.
رنا كانت واقفة جنبها والدموع في عينها من الفرحة: “بسم الله ما شاء الله يا سولاف.. أنتي قمر، مش قمر بس، أنتي خطفتي قلبي أنا شخصياً.. أبيه سالم هيروح فيها لما يشوفك النهاردة!”
سولاف ابتسمت بكسوف ورقة، وإيدها راحت على السلسلة الدهب اللي سالم لبهسالها وفصها الأزرق منور في رقبتها: “أنا متوترة أوي يا رنا.. حاسة إني في حلم وخايفة أصحى منه.”
رنا حطت إيدها على كتفها: “لا يا قلبي مش حلم.. ده حقيقة، وأنتي تستاهلي كل الفرح ده.”
وفجأة، الباب خبط ودخل سالم..
أول ما دخل، الصمت حل في الأوضة.. سالم كان لابس بدلة الفرح السودا الشيك جداً، بقميص أبيض وربطة عنق، وشعره متسرح بهيبته الطاغية اللي بتخطف العين، بس عيونه أول ما وقعت على سولاف.. وقف مكانه مشلول!
نظراته الحادة اسودت أكتر بس المرة دي من كتر الإعجاب والتملك.. فضل يبص لها من فوق لتحت، مش مصدق إن الملاك البريء ده بقا ملكه وبتاعه هو وبس.
رنا ضحكت وانسحبت براحة وقفلت الباب وراها عشان تسيبهم مع بعض.
سالم قرب من سولاف بخطوات بطيئة ورزينة، وكل خطوة كان قلبه بيدق فيها بعنف.. وقف قدامها مباشرة، وطوله الفارع كان مغطي عليها، رفع إيديه الاتنين وبكل حنان الدنيا مسك وشها بين كفيه، وباس راسها بوسة طويلة ودافية أوي.
سولاف غمضت عينها ودموع الفرحة لمعت في رموشها، ولمست إيديه الرقيقة اللي محاوطاها.
سالم نزل عينه في عيونها وصوته طلع خشن ومبحوح من كتر المشاعر: “أنا قولت إيه عن الدموع دي؟ مش قولت ملمحهاش تاني؟”
سولاف ابتسمت بنعومة وتلقائية: “دي دموع الفرحة يا سالم.. أنا بجد حاسة إني ملكة النهاردة.”
سالم ابتسم ابتسامة دافية وصافية، وعدل لها طرحتها وقال بنبرة مليانة رجولة وتحدي: “أنتي ملكة قلبي وعمري كله يا سولاف.. يلا بينا، عشان أوري الدنيا كلها الرائد سالم المنشاوي اتجوز مين.. يلا يا قلب سالم.”
أخد إيدها الصغيرة وحطها في دراعه العريض، وخرجوا مع بعض..
وقاعة الفرح كانت مقلوبة، زمايله من المديرية، ورجال الأعمال الكبار، والكل واقف بيسقف وبيبص بـ انبهار لجمال وبرائة العروسة ولـ هيبة وفرحة العريس اللي كان ماشي وكأنه مالك الدنيا بإيديه.
الجدة كانت قاعدة في أول طربيزة، لابسة عباية شيك وبتعيط وتدعي لهم من قلبها، ورنا جنبها بتزغرط وتضحك.
اشتغلت أغنية سلو هادية، وسالم أخد سولاف في وسط القاعة وضمرها لصدره بالراحة ولف إيديه حوالين وسطها الرقيق، وهي حطت راسها على صدره وغمضت عينها وهي بتسمع دقات قلبه السريعة اللي بتعلن عشقها.. دقات كانت بتقول لها إنها خلاص في أمان، وإن التحدي الأسود اتدمر تماماً وبدأ مكانه عمر جديد كله نور ودفا في حضن الأسد اللي حماها وصانها.
(تمت الرواية)
