فلوس مش ارث

عمري ما تخيلت إن جوزي هياخد مرتبي كل شهر… ويديه لحماتي كأنه حق مكتسب.
بس اليوم اللي الكارت فيه وقف، البيت كله اتقلب — وهو اقتحم الباب وهو بيزعق…

جوزي اقتحم البيت وهو بيزعق:
“ليه الكارت بيرفض؟ أمي ما استلمتش مرتبك!”

ابتسمت وقلت بهدوء:حكايات اميره محمد
“غريبة…”

اللي ما كانش يعرفه إن “مشكلة الكارت” دي كانت أول شرخ بس — والصدمة الحقيقية كانت على بُعد ثواني.

ليلي اتفزعت لما صوته دوّى في الممر. شيريل صحيت فورًا وبدأت تعيط.

“ليلي!”

خطوات أليكس خبطت الأرض وهو متجه ناحية أوضة الطفلة. ليلي شالت بنتها وخرجت، ضماها لصدرها.

“وطي صوتك… صحيتها.”

أليكس كان واقف في الصالة، صدره بيطلع وينزل ووشه محمر من العصبية.

“عملتي إيه في الكارت؟” قالها بعصبية، تقريبًا مش باصص للطفلة اللي بتعيط.
“أمي لسه مكلماني… ما عرفتش تسحب مرتبك.”

ليلي هزّت شيريل على كتفها بهدوء. كانت عارفة إن اللحظة دي هتيجي — بس مش بالشكل ده.

“اترقّيت,” قالت بهدوء.
“وليّا كارت جديد دلوقتي.”

أليكس بص لها كأنها بتقول كلام مش مفهوم.

“ترقية؟ ترقية إيه؟”

“بقيت مديرة حسابات رئيسية. مرتبي زاد ٣٠٪.”

ثانية وعدّت وهو ساكت… بعدين الشك ظهر على وشه.حكايات اميره محمد

“يعني خبّيتي الموضوع. كنتِ مخططة.”

“كنت عايزة أعملها مفاجأة,” قالت ليلي بنعومة، وهي بتهدي الطفلة.
“حاجة حلوة لينا كلنا.”

“مفاجأة؟” كرر وهو بيقرب.
“طب ليه أمي ما تعرفش تسحب الفلوس؟ ليه الكارت متقفل؟”

“قلتلك — عندي كارت جديد. القديم بطل يشتغل.”

“يبقى اديني الجديد,” قال بعصبية.
“هي بره وصاحباتها مستنيين.”

ليلي رجّعت شيريل للسرير واستنت لحد ما نامت، وقفلت الباب بالراحة. بعدين لفت لأليكس.

“الكارت الجديد معايا… ومش هديهولك.”

أليكس رمش مصدوم.

“يعني إيه مش هتديهولي؟ بتتكلمي بجد؟”

“إحنا طول عمرنا بنعمل كده,” قال.
“أمي بتدير مرتبك عشان العيلة.”

“عشان العيلة…” كررتها ليلي بهدوء.حكايات اميره محمد

“خلينا نكون صريحين يا أليكس — أمك بتصرف فلوسي على نفسها.”

“عناية بالبشرة، خروجات، هدوم… ولا حاجة من دي لينا.”

“أنا لابسة هدوم قديمة ومش عارفة حتى أشتري جزمة، عشان عمر ما بيفضل حاجة.”

“هي بتراعينا!” رد بسرعة.

“وأنا كمان,” قالت ليلي.
“بشتغل دوام كامل، بطبخ، بنضف، وبربي بنتنا.”

“بس مرتبي يبقى فلوس العيلة… ومرتبك إنت ملكك لوحدك.”

“ولا مرة بتقوللي فلوسك بتروح فين.”

وش أليكس اسود.

“أنا الراجل. أنا اللي بصرف.”

“لأ,” قالت ليلي، مستغربة هدوءها.
“أنا اللي بصرف.”

“دخلي أعلى من دخلك.”حكايات اميره محمد

“الإيجار، الأكل، الهدوم — كله من مرتبي.”

“وفلوسك؟ أنا أصلًا مش عارفة بتروح فين.”

“ده قلة احترام!” صرخ وهو بيقرب.
“نسيتي مقامك. هاتي الكارت. حالًا.”

“لأ.”

الكلمة فضلت معلقة في الهوا.

حتى ليلي نفسها اتفاجئت من ثباتها. حاجة اتغيرت جواها في الشهور اللي حاربت فيها عشان الترقية. ما بقتش الست اللي بتسلّم مرتبها لحماتها في هدوء.

أليكس ما كانش متعود يسمع “لأ”.

وشه اتلوى من الغضب.

مسك شعرها وشد بعنف. حكايات اميره محمد

“فينه؟” همس بغضب.

الألم ضربها، بس ما صرختش. فلتت نفسها، وسابت خصل شعر في إيده.

“ما تلمسنيش تاني,” قالت بصوت بارد.

نبرتها وقفته في نص الحركة.

قبل ما يستوعب، دخلت الحمام وقفلت الباب بالمفتاح.

قلبها كان بيدق بعنف.

هي عملت إيه دلوقتي؟

وإيه اللي هيحصل بعد كده

يتبع

قعدت ليلي على أرضية الحمّام، ضهرها لازق في الباب، وأنفاسها سريعة كأنها طالعة من سباق. بصّت في المراية… شافت عينين ما بقتش بتشبه اللي كانتهم من سنة.
سمعت صوته برا، أوطى، أخطر.
“افتحي الباب يا ليلي… ما كنتش أقصد.”
ضحكت ضحكة قصيرة، طالعة من غير صوت.
طبعًا… دايمًا ما يقصدش.
قامت، غسلت وشها، ولفّت شعرها اللي باين فيه الفراغ الصغير اللي سابه في إيده. لمّا لمست المكان، ما حسّتش وجع… حسّت إهانة.
“إنتي كده بتكبّري الموضوع.”
الكلمة دي خبطت فيها أكتر من الشدّة نفسها.
فتحت الباب ببطء. أليكس كان واقف بعيد شوية، ماسك موبايله، باين عليه التوتر بس عينه لسه فيها نفس السيطرة القديمة.
“خلّصينا من القرف ده,” قال. “أمي محتاجة الفلوس.”
ليلي سحبت نفس عميق.
“من اللحظة دي، فلوسي مش بتطلع من إيدي غير بإذني.”
“وإنتِ فاكرة نفسك مين؟”
“فاكرة نفسي أم,” ردّت. “وأم بنت، مش ماكينة فلوس.”
قرب خطوة.
“إنتي بتدمّري البيت.”
هزّت راسها.
“البيت اتدمّر يوم ما بقيت إنت وأمك شايفين تعبي حق مكتسب.”
سكت. أول مرة يسكت بالطريقة دي.
الموبايل رن. اسم أمه ظهر على الشاشة.
بصلها… وبعدين قفل المكالمة.
“إنتِ غيّرتيني,” قال بحدة. “مش دي الست اللي اتجوزتها.”
“أيوه,” ردّت بهدوء. “دي ست فهمت.”
راحت ناحية أوضة شيريل. بصّت عليها وهي نايمة، صدرها بيطلع وينزل بهدوء. اللحظة دي ثبتت القرار.
لفّت ليلي.
“من النهارده: – كل واحد حرّ في فلوسه
– مفيش إيد بترتفع
– ومفيش أم بتدير بيتنا”
ضحك بسخرية.
“ولو رفضت؟”
رفعت الموبايل.
“ساعتها هبتدي أحمي نفسي وبنتي.”
الهدوء اللي نزل على الصالة كان تقيل. أليكس فهم… مش تهديد. وعد.
عدّى ثواني، بعدين أخد مفاتيحه.
“أنا خارج.”
“خد وقتك,” قالت. “بس لما ترجع، يا نعيش باحترام… يا كل واحد في طريق.”
الباب اتقفل.
ليلي قعدت على الكنبة، إيديها بترتعش لأول مرة. الخوف جه متأخر… بس جنبه كان فيه حاجة جديدة.
راحة.
لأول مرة من سنين، مرتّبها في حسابها… وصوتها في حياتها.
والشرخ؟ ما بقاش شرخ.
بقى خط فاصل.

عدّى نص الليل، والبيت ساكت سكات غريب. ليلي كانت قاعدة في الصالة، النور مطفي إلا أباجورة صغيرة. كل شوية تبص على باب الشقة… لا مستنياه يرجع، ولا مطمّنة إنه مش هييجي.
موبايلها نور.
رسالة واحدة. من رقم أليكس.
“إنتِ غلطانة. وأمي مش هتسيب الموضوع.”
قريتها، وما ردّتش.
قفلت الموبايل، وحطته جنبها، وحضنت ركبتها.
اللحظة دي افتكرت كل مرة قالت لنفسها “استحملي عشان البيت”
وكل مرة كانت بتعدّي وهي ساكتة.
الباب خبط.
مش خبط… دقّ تقيل.
قلبها نزل في رجلها.
قامت بهدوء، قربت من الباب، بصّت من العين السحرية.
حماتها.
واقفة لوحدها. شيلتها متشدّة على راسها، ووشها مش وش زيارة.
ليلي ما فتحتش.
“افتحي يا ليلي… إحنا عيلة.”
صوتها كان هادي، بس فيه سم.
“مش دلوقتي.”
“إنتِ حبستي ابني برا؟”
“ابنك اختار يمشي.”
سكتت ثانيتين… وبعدين نبرة الصوت اتغيرت.
“إنتي نسيتي نفسك. فلوسك دي حقنا. من يوم ما دخلتي بيتنا.”
ليلي حطّت إيدها على الباب.
صوتها طلع ثابت، رغم رجفة قلبها.
“الفلوس دي تعبي.
وأنا سمحت كتير… بس خلص.”
“إنتي هتطلعي من البيت ده.”
“البيت ده إيجاره باسمي.”
الصمت اللي جه بعدها كان تقيل.
بعدين سمعت الحمات تتمتم بكلام مش مفهوم، وخطواتها وهي بتمشي.
ليلي رجعت قعدت.
إيديها كانت بتترعش… بس عقلها كان صاحي لأول مرة.
بعد ساعة، أليكس رجع.
دخل من غير كلام.
وشه مرهق، عينه محمرة، بس صوته واطي.
“كلمتها.”
ليلي ما ردّتش.
“قالتلي تختاري… يا أمي، يا إنتِ.”
رفعت عينيها ببطء.
“وإنت اخترت إيه؟”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“ما اخترتش.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، موجوعة.
“يبقى أنا اللي هختار.”
قامت، دخلت الأوضة، طلعت شنطة صغيرة كانت مجهزاها من غير ما تحس.
حطّت فيها ورقها، كارتها الجديد، وحاجات شيريل.
أليكس بص لها مصدوم.
“إنتِ رايحة فين؟”
“ولا حتة… بس بعمل حسابي.”
قرب، صوته انكسر لأول مرة.
“إنتِ هتسيبيني؟”
بصّت له، بهدوء مرعب.
“أنا سبت نفسي زمان…
ودلوقتي برجعها.”
شالت شنطة بنتها، وبصّت عليها نايمة.
“قدّامك اختيار حقيقي يا أليكس.
مش كلام، مش وعود.”
“يا نعيش بحدود واحترام…
يا كل واحد يتحاسب لوحده.”
سيبته واقف.
ولا قفلت الباب وراها.
ولا مشت.
بس من اللحظة دي…
البيت بقى شاهد،
مش سجن.

قعدوا قدّام بعض من غير ولا كلمة.
الشنطة جنب رجل ليلي، مش متهدّدة بيها… موجودة. وده كان أخطر.
أليكس هو اللي اتكلم الأول.
“يعني إيه أتحاسب لوحدي؟”
ليلي ردّت من غير ما ترفع صوتها:
“يعني مفيش فلوس تخرج من حسابي إلا بإيدي.
يعني مفيش أم تدخل بينا.
يعني إيدك ما تتلمسش تاني.”
شد نفس طويل.
“وهي؟”
ما قالش اسمها. مش محتاج.
“هي مالهاش دعوة بينا.”
ضحك ضحكة قصيرة.
“أمي عمرها ما هتقبل كده.”
ليلي بصّت له، نظرة ثابتة، خالية من أي رجاء.
“ولا أنا هقبل أعيش تاني بالشكل ده.”
سكت.
السكات المرة دي كان مختلف… مش غضب، خسارة.
“إنتِ بتهدديني.”
“لا.”
هزّت راسها.
“أنا بحدّد.”
قام، لف في الصالة كذا مرة، وبعدين وقف قدّامها.
“ولو قلتلك ما ينفعش؟”
وقفت.
مسكت الشنطة، وحطتها على كتفها.
“يبقى كده خلصنا كلام.”
مدّ إيده، وقف في نص الطريق.
بس ما لمسهاش.
“استني.”
استنت.
“أنا… ما كنتش شايف غير اللي اتعودت عليه.”
ابتسمت ابتسامة باهتة.
“وده السبب.”
بصّ ناحية أوضة شيريل.
صوته وطي.
“مش عايز بنتي تكبر في بيت مكسور.”
ليلي قربت خطوة.
“ولا أنا.”
سكتوا شوية.
وبعدين قال:
“هكلم أمي.
وأقولها توقف.”
نظرت له.
مش مصدّقة، ولا مكذّبة.
“والفلوس؟”
“كل واحد في حسابه.”
“واللي حصل؟”
لمست شعرها بخفة.
بلع ريقه.
“غلط.
ومش هيتكرر.”
خدت نفس.
الشنطة لسه على كتفها.
“الكلام سهل يا أليكس.”
“عارف.”
بصّ في الأرض.
“عشان كده لو رجعت غلط…
ما تستنيش تكلّمي.
امشي.”
البيت كان ساكت.
شيريل اتحرّكت في السرير، وبعدين نامت تاني.
ليلي شالت الشنطة من على كتفها… وحطّتها جنب الكنبة.
مش علامة انتصار.
فرصة واحدة.
“أنا مش راجعة زي الأول.”
“وأنا مش عايزك.”
قالها بسرعة، كأنه خاف يتراجع.
عدّى أسبوع.
الأم ما جتش.
الفلوس ما خرجتش.
وأليكس اتغيّر… مش حب، خوف من الخسارة.
لكن ليلي؟
ما رجعتش.
فضلت واقفة على رجليها…
وعارفة إن الباب ده،
لو اتفتح غلط تاني،
هي هتمشي من غير شنطة.

تمت

حكايات اميره محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *