مطعم
محدش من الجرسونات كان بيستحمل يخدم الملياردير اللي على ترابيزة رقم 11 لحد ما الجرسونة الهادية قالتله الحقيقة في وشه.
الطبق رجع للمطبخ للمرة التالتة.
والجرسونة التالتة رجعت بيه وهي بتعيط.
نورا كانت واقفة عند ركن التقديم، شايلة شوية أطباق عيش سخن على دراعها، وشافت كل حاجة.
المطعم كان هادي بشكل غريب الليلة دي.
نور خافت.
شموع.
ناس أغنيا بيتكلموا بصوت واطي.
لحد ما سارة دخلت من باب المطبخ وشها أصفر زي الدقيق، وشايلة طبق السمك اللي ماحدش لمس منه لقمة.
همست وهي بتحاول تسيطر على رعشة صوتها
رجّعه تاني.
محدش احتاج يسأل مين.
على الترابيزة رقم 11، في الركن اللي تحت الأباجورة النحاس، كان قاعد ياسين هلال.
رجل أعمال ملياردير.
صاحب سلسلة مطاعم وفنادق ضخمة.
والشخص الوحيد اللي كل العاملين في المكان بيخافوا منه أكتر من لجنة التفتيش.
كان عنده حوالي 35 سنة.
لابس بدلة فخمة.
وشه جامد.
وعينيه باردة.
وعمره ما كان بيعلي صوته.
المشكلة إنه ماكانش محتاج يعمل كده.
كان مجرد يبصلك
فتحس إنك خيبت أمله قبل حتى ما
تتكلم.
اتنين جرسونات اتفصلوا بسببه الشهر اللي فات.
واحدة اتناقشت معاه على درجة استواء الستيك.
والتانية عيطت قبل ما توصل للمطبخ.
مدير المطعم بص حواليه بيأس.
وبعدين عينه وقعت على نورا.
إنتِ ترابيزة 11.
نورا اتجمدت مكانها.
بقالها 8 شهور بتشتغل هنا.
وطول الفترة دي كانت بتتفادى الترابيزة دي بالمللي.
اللي بيخدم ياسين هلال بيتشاف.
واللي بيتشاف بيتفتكر.
ونورا كانت عايشة حياتها كلها بتحاول ماحدش يفتكرها.
دي مش منطقتي.
قالتها بهدوء.
المدير رد
من دلوقتي بقت منطقتك.
وبعدين قرب منها وقال
خدي الطبق. اعتذري. اسأليه عايز إيه. وإياكي يبان ليكي شخصية.
نورا سابت الأطباق ومشيت.
كل العيون كانت عليها وهي رايحة للترابيزة.
ياسين ما رفعش عينه لما وقفت قدامه.
قال بهدوء
السمك غلط.
نورا بصت للطبق.
وبعدين بصتله.
ولاحظت خاتم الجواز وهو بيلف ببطء في صباعه.
قالت
السمك مش غلط.
الخاتم وقف.
والمطعم كله سكت.
رفع عينه أخيرًا.
نورا حسّت قلبها خبط مرة قوية.
لكن ما رجعتش خطوة.
حضرتك حتى ما دوقتوش.
قالتها بهدوء.
ولا دوقت الأول ولا التاني. كل مرة بترجعه قبل البخار ما يطير منه.
الصمت بقى تقيل.
المدير في آخر الصالة كان على وشك يغمى عليه.
لكن نورا كملت
المشكلة مش في السمك يا فندم.
ياسين فضل باصصلها.
أمال في إيه؟
سألها لأول مرة.
قالت بصوت واطي
المشكلة إنك مستني حاجة عمرها ما هتيجي في طبق أكل.
كل اللي هنا خايفين يقولوا كده.
فبيفضلوا يطبخوا.
وحضرتك تفضل ترجّع الأكل.
وكلنا نمثل إن الموضوع عن العشا.
المكان كله وقف.
حتى المزيكا كأنها اختفت.
ياسين فضل باصص لها كام ثانية.
ولأول مرة
البرود اللي في عينيه اتكسر.
مش اختفى.
بس اتشقق.
زي تلج متجمد فوق بحر عميق.
سألها
اسمك إيه؟
نورا.
شيلي الطبق يا نورا.
مدت إيدها.
لكنه كمل
وهاتيلي الأكل اللي إنتِ هتاكليه لو كنتِ جعانة وحد تاني هو اللي هيدفع الحساب.
رجعت للمطبخ.
وكل الناس بصتلها.
الشيف سألها
عملتي إيه؟
قلتله السمك مش غلط.
ولسه شغالة؟
غالبًا.
ضحكوا بتوتر.
وبعدين سألوها
طيب طلب إيه؟
قالت
طلب الأكل اللي أنا باكله.
المطبخ كله سكت.
بعد خمس دقايق كانت شايلة طبق بسيط.
فاصوليا بيضا مطبوخة.
وخضار.
وثوم.
ورشّة زيت زيتون.
ورغيف عيش دافي.
أكل العاملين.
مش موجود في المنيو أصلًا.
حطته قدامه.
ومعه كباية مية بليمون.
بص للطبق فترة طويلة.
وبعدين أخد أول معلقة.
وأكل.
وأكل.
وأكل.
لحد ما خلص الطبق كله.
بعدها قام.
ظبط الجاكيت.
ومشي من غير كلمة.
المطعم كله رجع يتنفس.
ونورا افتكرت إن الموضوع خلص.
لكنها كانت غلطانة.
بعد يومين
ياسين هلال رجع.
وأول حاجة قالها للمضيفة كانت
نورا موجودة؟
قلبها اتقبض.
لأن آخر حاجة كانت نفسها فيها
إن راجل زي ده يفتكر اسمها.
وقفت قدامه تاني.
قال بهدوء
مساء الخير يا نورا.
مساء النور يا فندم.
حطت قدامه كباية مية بليمون.
لاحظ إنها فاكرة.
ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا.
وسأل
إيه أحسن حاجة عندكم النهارده؟
لكن المرة دي
كان واضح إنه ماكانش بيسأل
أكيد، دي خاتمة مناسبة للقصة من غير مبالغة ، وبنهاية فيها رسالة إنسانية
بصتله نورا ثواني قبل ما ترد.
وقالت بهدوء
أحسن حاجة عندنا النهارده؟ الشوربة.
رفع حاجبه باستغراب.
الشوربة؟
هزت راسها.
آه. الجو برد، والمطر ما وقفش من الصبح. والواحد ساعات بيحتاج حاجة تدفيه مش أكتر.
فضل باصصلها لحظة.
وبعدين قال
هاتيلي الشوربة.
ومن يومها بقى ييجي كل أسبوع تقريبًا.
مش كل مرة يطلب
لمحة نيوز
نفس الأكل.
لكن كل مرة كان يطلب نفس الترابيزة.
وترابيزة 11 بقت لأول مرة مكان هادي.
لا أطباق بترجع.
ولا جرسونات بتعيط.
ولا مدير مطعم بيستخبى ورا الأعمدة.
الغريب إن ياسين نفسه بدأ يتغير.
بقى يشكر العمال.
ويسأل على أحوال الناس.
ويسيب بقشيش محترم من غير استعراض.
لدرجة إن العاملين بقوا مستغربين.
وفي يوم، بعد حوالي شهرين، كان المطعم فاضي نسبيًا.
ونورا كانت بترتب الطاولات.
ناداها ياسين.
ممكن أقعد دقيقة؟
قعدت على الكرسي المقابل باحترام.
وسألته
تحت أمرك.
لف كوب المية بين صوابعه وقال
إنتِ يومها قولتي إن المشكلة
مش في الأكل.
سكت شوية.
كنتِ تقصدي إيه؟
تنهدت نورا.
وقالت
حضرتك كنت داخل كل يوم تدور على حاجة مش موجودة.
زي إيه؟
ابتسمت ابتسامة بسيطة.
راحة بال.
لأول مرة ضحك ضحكة حقيقي
مش ضحكة مجاملة.
وقال
يمكن.
وبعدين بص من الشباك للمطر.
وأضاف
مراتي كانت بتحب السمك.
اتجمدت نورا للحظة.
فكملت هي بهدوء
الله يرحمها.
هز راسه.
وعينيه سرحت بعيد.
ماتت من سنتين.
أول مرة قالها لحد في المطعم.
وأول مرة حد فهم سبب الطبق اللي كان بيرجعه كل مرة.
ماكانش السمك وحش.
كان مجرد بيفكره بحد فقده.
ولأنه ما عرفش يتعامل مع وجعه
كان بيطلع غضبه في أي حد حواليه.
سكتوا شوية.
وبعدين قال
الغريب إنك أول واحدة قالتلي الحقيقة.
ابتسمت نورا
يمكن علشان ماكانش عندي حاجة أخسرها.
هز راسه بإعجاب.
وبعدها بأيام قليلة حصل شيء محدش توقعه.
وصل إعلان رسمي لكل العاملين.
شركة ياسين هلال اشترت المطعم بالكامل.
الكل اتوتر.
وافتكروا إن أيام صعبة جاية.
لكن أول اجتماع كان مفاجأة.
ياسين وقف قدام الموظفين وقال
محدش هيتفصل.
بالعكس.
المرتبات هتزيد.
والتأمين الطبي هيبقى أفضل.
وأي حد عنده شكوى بابي مفتوح ليه.
الناس بصت لبعضها بعدم تصديق.
ثم أضاف
وفي شخص معين عايز أشكره.
وبص ناحية نورا.
هي اتوترت فورًا.
قال
الست دي فكرتني بحاجة مهمة جدًا.
إن الناس محتاجة حد يسمعها قبل ما يحكم عليها.
وإن الحقيقة أحيانًا بتتقال بهدوء أكتر ما بتتقال بالصوت العالي.
صفق العاملون كلهم.
أما نورا فاحمر وشها من الإحراج.
وبعد سنة كاملة
بقت مشرفة على فرع جديد من المطعم.
واتعلمت إدارة الأعمال.
وكملت دراستها اللي كانت مضطرة توقفها زمان.
أما ياسين
فبطل يقعد لوحده على ترابيزة 11.
وبقى يقعد وسط الناس.
ويطلب أكله ويخلصه كله.
وأحيانًا كان يرفع رأسه ناحية المطبخ ويبتسم.
لأنه افتكر الدرس اللي غير حياته
مش كل شخص غاضب محتاج حد يخاف منه.
بعض الناس محتاجة فقط حد يقول لها الحقيقة في الوقت المناسب.
النهايه
