تربت في بيت جدها
يتيمة منذ طفولتها، عاشت “ليلى” في بيت جدها القاسي الذي لا يعرف سوى النظام والقيود. كانت تراه بيتًا بلا دفء، حتى عاد “عمر” ابن عمها من السفر… ليكون هو الضوء الوحيد في عالمها الرمادي.
بابتسامته الهادئة وحنانه المفاجئ، سرق قلبها دون أن تشعر. لكن ما لم تكن تعلمه، أن قلبه لم يكن فارغًا… فقد كان يحب فتاة أخرى منذ سنوات، حبًّا لم يندثر رغم المسافات.
بين واجب العائلة، وغدر القدر، ستجد ليلى نفسها في دوامة من المشاعر، لا تدري فيها أين ينتهي الحب وأين يبدأ الوجع
.”أنا اسمي ليلى، يتيمة من وأنا عندي خمس سنين. أمي ماتت بعد ما خلفتني، وأبويا لحقها بعدها بسنة في حـ,ـادث. من يومها وأنا عايشة في بيت جدي في القرية، بيت كبير أوي… بس بارد.
الناس كلها كانت شايفاه بيت عز، وأنا كنت شايفاه سجن متزيّن بالذكريات القديمة.
جدّي كان راجل صارم، صوته يملأ البيت هيبة، وكلمته ما تتراجعش. عايش معانا عمّي ومراته وولادهم، وأنا كنت دايمًا “البنت اليتيمة اللي جايّة تعيش على حسّهم”.
ما كنتش بلاقي حـ,ـضن، غير حـ,ـضن سعاد — الشغالة القديمة اللي ربتني من وأنا صغيرة. كانت دايمًا تقولّي:
“اصبري يا بنتي، الدنيا بتدّي اللي بيستاهل.”
وأنا كنت بصدقها… لحد ما رجع عمر من السفر.
عمر ابن عمي الكبير. سافر وهو عنده ١٨ سنة، ورجع بعد سبع سنين متغير، راجل بقى، مش الولد اللي كنت بلعب معاه في الجنينة.
يوم ما رجع، كنت واقفة على باب البيت، بشوفه وهو داخل شايل شنطته، ضحكته لسه زي زمان، بس عينيه بقت فيها وجع غريب.
قالّي بابتسامة خفيفة:
– إيه يا ليلى، كبرتي ولا إيه؟
ضحكت وأنا مش قادرة أبصّله في عينه:
– وأنت نسيتني يعني؟
– أنساكي إزاي؟ دي ليلى بتاعة زمان.
الكلمة دي خبطت جوايا جامد. من يومها وأنا بقيت بستناه ينادي اسمي، يستفسر عني، يضحكلي… أي حاجة.
كنت بحاول أخبي إحساسي، بس عينيّ فضحتني قبل لساني.
مع الأيام، بقيت كل لحظة معاه فرحة صغيرة. لما ينده عليا، قلبي يدق. لما يضحك، الدنيا تنوّر.
كنت بشوف فيه الأمان اللي عمره ما كان في بيت جدي.
في يوم، وهو قاعد في الجنينة بيشرب شاي، قالّي فجأة:
– ليلى، تفتكري الحب ممكن يعيش بعد البُعد؟
سكت شوية، قلبي اتشل، بس سألته وأنا بحاول أضحك:
– قصدك إيه؟
– يعني… لو في اتنين بيحبوا بعض، وافترقوا سنين… تفتكري لما يشوفوا بعض تاني، كل حاجة ترجع زي الأول؟
قلت بخوف:
– لو الحب حقيقي، يمكن آه.
ابتسم وقال:
– كنت حاسس كده بردو.
ما فهمتش وقتها هو بيكلم عن مين… بس بعد أيام، عرفت الحقيقة.
جات لنا نرمين، بنت خاله، تزور جدّي. بنت شيك، شعرها طويل، ضحكتها فيها ثقة مش عندي. كانت بتتعامل مع عمر كأنهم أصحاب من زمان.
وفي ليلة، وأنا معدية على أوضة المكتب، سمعت صوتهم.
هي كانت بتقول له:
– مش مصدقة إنك رجعت، كنت فاكرة خلاص نسيتني.
وردّ هو:
– أنساكي إزاي يا نرمين؟ ده كل اللي عملته كان علشانك.
كأن الدنيا وقفت.
الكلمات دي خبطتني زي حجر. وقفت ورا الباب، دموعي نزلت من غير صوت.
كنت فاكرة إنّي الوحيدة اللي شايفاه كده، بس طلع قلبه متعلق بحد تاني من سنين.
من بعدها، بقيت بحاول أتجنبّه.
هو لاحظ، طبعًا. جهلي يوم وقال:
– مالك يا ليلى؟ اتغيرتي ليه؟
قلتله وأنا بحاول أثبت صوتي:
– مفيش، بس يمكن كنت متعلقة بحاجة غلط.
قال بهدوء:
– قصدك إيه؟
– قصدي إن في حاجات بنحبها وهي مش لينا.
سكت، وفضل يبصّلي بنظرة طويلة كأنه فاهم كل حاجة.
بس ولا كلمة طلعت منه بعدها.
مرت أسابيع، وابتدى جدي يلمّح إن عمر لازم يتجوّز.
وما كنتش مستغربة لما قال إن نرمين هي العروسة المناسبة.
في ليلة الخطوبة، البيت كله منوّر، الناس بتضحك، والمزيكا شغالة.
وأنا واقفة في آخر القاعة، لابسة فستان هادي، ماسكة كوباية عصير بإيدي المرتعشة، وببصّله وهو واقف جنبها.
ضحكته زي دايمًا، بس أنا كنت حاسة إن قلبي بيتكسر.
سعاد قربت مني وقالت:
– يا بنتي، ما تزعلش، ربنا هيعوّضك.
ابتسمت بالعافية وقلت:
– يمكن هو التعويض إنّي عرفته، حتى لو ماكنش ليا.
بعد الجوازة، عمر سافر تاني.
ونرمين كانت دايمًا تبعت صورها معاها على الجروب العائلي، وأنا كنت بشوفهم وأعمل نفسي مبسوطة.
بس في يوم، وصلت لنا رسالة منه لجدي.
كان بيقول إنه هيقعد في الخارج فترة طويلة، وإنه مش عايز حد يقلق عليه.
جدّي زعل، وقال:
– الولد اتغير بعد الجوازة دي.
وأنا في سري قلت: “يمكن اتغير لأنه اكتشف إنها مش زيه”.
الليل بعدها بقي صاحبي. كنت بكتب له رسايل في خيالي، أحكيله فيها كل اللي وجعني.
كنت دايمًا بفتكر أول يوم رجع فيه… وضحكته اللي دخلت قلبي من غير استئذان.
يمكن لو كان شافني بدري، لو كنت بنت غير اليتيمة اللي مالهاش حد، كان حبني.
بس الواقع غير الحلم.
دلوقتي عدّى تلات سنين.
أنا بقيت أشتغل مدرسة في مدرسة صغيرة، وحياتي هادية.
الناس بتقول عليا “ليلى الجدعة” — بس محدش يعرف إن جوايا لسه بنت صغيرة مستنية ضحكته.
ولما بروّح بيت جدي القديم، بمرّ من قدام الجنينة اللي كنا بنقعد فيها، وأقول لنفسي:
“في ناس بتعدي في حياتنا علشان تعلّمنا يعني إيه نحب… مش علشان نعيش معاهم.”
وبعدها أكمّل طريقي، بابتسامة صغيرة، شايلة الوجع جوّاي، ومكملة…
يمكن لسه الأمل جاي، ويمكن الحب الحقيقي لسه مستنّي دوره.
عدّى سبع سنين من يوم ما عمر سافر، وبيت جدي خلاص بقى شبه مهجور.
جدي مات، وعمّي نقل للمدينة، وأنا بقيت الوحدي تقريبًا.
البيت الكبير اللي كان دايمًا مليان أصوات وضحك، بقى فيه صدى خطواتي بس.
كنت كل يوم بعد الشغل أرجع أشرب شاي على البلكونة، أراجع حصص الأطفال في الكشكول، وأبصّ على السما.
يمكن لأن السما الوحيدة اللي ما خذلتنيش.
وفي يوم عادي جدًا، وأنا خارجة من المدرسة، شُفت عربية سودة فخمة واقفة قدّام الباب.
السواق نزل وقاللي:
– آنسة ليلى؟
– أيوه؟
– في حد عايز يقابلك.
– مين؟
– هتعرفي لما تركبي.
قلبي دق جامد، بس ركبت.
العربية مشيت، وأنا مش عارفة رايحة فين.
بعد ربع ساعة تقريبًا، وقفنا قدام كافيه على النيل.
دخلت، ولقيته قاعد… عمر.
نفس الضحكة، بس الملامح فيها تعب سنين.
قام لما شافني وقال:
– إزايك يا ليلى؟
– بخير… وإنت؟
– الحمد لله… شكلك اتغيرتي.
ضحكت بخفوت:
– طبيعي، سبع سنين مش شوية.
سكت لحظة، وبصّلي وقال:
– كنت بدوّر عليكي من فترة.
– عليّ أنا؟ ليه؟
– علشان أعتذر.
الاعتذار ده وقع عليا زي صاعقة.
قلت وأنا بحاول أهرب بعيني:
– مفيش داعي، اللي حصل زمان خلّص.
– لأ، ما خلصش.
قعد تاني وقال:
– نرمين سابتني من سنتين. الجواز ما استمرش. كل حاجة كانت غلط من الأول.
سكت، وبعدها بصّ في النيل وقال:
– يمكن كنت فاكر إني بحبها… بس كنت بهرب من نفسي.
الكلمات دي حرّكت حاجة جوايا كنت فاكراها ماتت.
بس ما حبيتش أظهر ده، قلتله بهدوء:
– المهم إنك كويس دلوقتي.
– كويس؟ لأ. بس يمكن مرتاح إني بشوفك.
– ليه يا عمر؟
– لأنك الوحيدة اللي كنتِ حقيقية.
حسّيت قلبي بيناديه، بس العقل شدّني.
قلت وأنا بلملم نفسي:
– الحقيقية دي اتعلمت تكون قوية.
ابتسم وقال:
– وأنا اتعلمت إن القوة مش إنك تمشي وتسيب… القوة إنك ترجع وتواجه.
قعدنا نتكلم ساعات، عن كل حاجة فاتت، عن الناس اللي راحت، والذكريات اللي فضلت.
وفي لحظة سكون، سألني:
– اتجوزتي؟
ضحكت وقالت:
– لأ، ما جاش النصيب.
– يمكن النصيب جه متأخر شوية.
نظرت له باستغراب:
– قصدك إيه؟
قالها ببساطة:
– قصدي إني لسه بحبك، يا ليلى.
الوقت وقف.
الكلمة دي كانت حلم زمان، ولما اتحققت… ما عرفتش أفرح ولا أزعل.
قلتله بعد لحظة طويلة:
– الحب مش دايمًا كفاية يا عمر.
– بس يمكن المرة دي نبدأ صح.
– وإنت فاكر الماضي هينتهي بكلمة “نبدأ من جديد”؟
قرب مني وقال بصوت واطي:
– لا… بس فاكر إن اللي بينا ما ماتش.
سكتنا، والنيل قدامنا هادي، والهوا بارد.
كنت عايزة أصرخ وأقوله قد إيه وجعتني، قد إيه كنت بحبه ولسه بحبه.
بس اكتفيت بنظرة طويلة، ونزلت دمعة خفيفة على خدي.
هو مدّ إيده ومسحها بلُطف وقال:
– المرة دي مش هسيبك تاني.
ردّيت وأنا بابتسامة حزينة:
– المرة دي، سيبها على ربنا.
—
الأيام بعدها بقت غريبة.
بقى بيكلّمني كل يوم، يسألني عن شغلي، عن حياتي، عن نفسي.
رجع زي زمان، بس أكتر نضج، أكتر هدوء.
وأنا… كنت واقفة بين عقلي وقلبي.
سعاد، اللي لسه معايا، قالتلي يومها:
– يا بنتي، يمكن ربنا رجّعه علشانك.
– ولا رجّعه علشان أتعلم الدرس للمرة التانية؟
– ساعات الدروس القديمة بتتحوّل لفرص جديدة.
وفعلاً… بعد شهور، عمر جه بيت جدي القديم.
وقف في نص الجنينة اللي شهدت أول نظرة بينا وقال:
– ليلى، أنا مش هطلب منك تنسي. أنا عايزك تفتكري، بس المرة دي بطريقة تانية.
– طريقة إيه؟
– إن الذكرى تبقى بداية، مش نهاية.
بصيت في عينيه… لقيت فيها صدق غريب.
كنت خايفة أصدق، بس قلبي قالّي “جربي”.
ابتسمت بخجل، وهو مدّ إيده وقال:
– نبدأ؟
مدّيت إيدي وأنا همسّة:
– نبدأ… بس على مهل.
النهارده، بعد سنة من اللحظة دي، أنا وعمر متجوزين.
مش قصة مثالية، بس حقيقية.
لسه بنتخانق، ولسه بنفتكر اللي وجّعنا،
بس المرة دي بنكمّل مع بعض، مش ضد بعض.
وأنا كل ليلة قبل ما أنام، ببصّ عليه وهو نايم جنبي وأقول لنفسي:
“يمكن اتأخر، بس جه.
يمكن الحب استنّى، بس ما ماتش.”
الجزء التالت: لما الماضي رجع
عدّى على جوازنا سنتين.
كنت فاكرة إن الوجع خلص، وإن اللي بيني وبين عمر خلاص استقر، بس الظاهر إن القدر لسه ما خلصش لعبه.
حياتنا كانت هادية، فيها تفاصيل بسيطة حلوة.
هو بيصحى بدري، يسيبلي قهوة على الترابيزة قبل ما يروح شغله، وأنا ببعتله كل يوم رسالة صغيرة أقول فيها “خلي بالك من نفسك”.
الناس كانت شايفانا زوجين مثاليين…
بس جوايا كنت حاسة إن في حاجة ناقصة، حاجة عمره ما اتكلم عنها.
في ليلة، كنا قاعدين على البلكونة، والجو كان بارد.
قلتله وأنا بشرب الشاي:
– فاكر أول مرة اتقابلنا بعد السنين؟
ضحك وقال:
– أنسى إزاي؟ كنت خايف تبصريلي زي الغريبة.
– كنت زعلانة، مش غريبة.
– وأنا كنت غبي.
ضحكنا، لكن بعد لحظة سكت وقال:
– ليلى، في حاجة لازم تعرفيها.
بصيت له بقلق:
– خير؟
– نرمين رجعت مصر.
الدنيا سكتت، زي ما لو الوقت وقف.
حسيت إن اسمها لسه بيكهرب الهوا بينا.
قلت وأنا بحاول أضحك:
– طيب؟ هي حرة، مش كده؟
– أيوه، بس هي كلّمتني.
– وكلّمتك ليه؟
ابتسم بخجل وقال:
– قالت إنها عايزة تتأسف… وإنها غلطت.
سكت، وأنا قلبي بيولع جوا صدري.
مش عشان هي رجعت، لكن عشان هو لسه بيتأثر بصوتها.
قلت له ببرود:
– وإنت ناوي تعمل إيه؟
– مش عارف، حسيت إن لازم أقولك الأول.
– تمام… قولتلي.
قمت ودخلت الأوضة من غير ما أبصّ ورايا.
هو ما لحقنيش.
يمكن لأنه عارف إن في نار هادية بتولع جوايا، بس لسه ما انفجرتش.
—
تاني يوم، وهو في الشغل، جالي ظرف على البيت، عليه اسمي بخط ناعم.
فتحت الجواب، لقيت مكتوب:
> “أنا آسفة يا ليلى، يمكن تكرّهيني، بس لازم تعرفي إن عمر كان بيكلّمني قبل ما يتجوّزك، وكنت أنا السبب إنه يتأخر في قراره. ماكنتش عارفة إنه لسه بيحبك ساعتها. سامحيني.”
الجواب ده وقع عليا زي السكينة.
مش لأن فيه خـ,ـيانة، بس لأن فيه وجع قديم اتفتح تاني.
كل اللي كنت فاكرة إني تجاوزته رجع دفعة واحدة.
استنيته لحد ما رجع البيت.
كان شكلي باين عليا، بصلي وقال بخوف:
– مالك؟
– هي دي كانت أول مرة تكلمها من سبع سنين؟
وشه اتغيّر:
– ليلى، اسمعيني…
– جاوبني بس.
– لأ، كلمتها مرة قبل ما نرجع لبعض. كنت محتار، وكنت محتاج أقفل الباب اللي بينا.
– وأنت فعلاً قفلته؟
– أيوه. يوم ما رجعت لك كنت متأكد إني خلصت منها.
دموعي نزلت غصب عني:
– طب ليه ما قولتش؟
– كنت خايف تفتكري إني لسه بفكر فيها.
– بس كده خلتني أعيش في كدبة، عمر.
قعدت على الكنبة وأنا مش قادرة أبصله.
هو قرب مني وقال بهدوء:
– ليلى، إنتِ حياتي دلوقتي، أنا رجعتلك بإرادتي، مش هسيبك عشان ماضي.
– بس الماضي ما سابناش، يا عمر… هو اللي رجع لنا.
—
مرت أيام، والسكوت بقى لغة جديدة بينا.
هو بيحاول يقرب، وأنا كنت بردّ ببرود.
بس جوايا كنت بتقطع.
وفي يوم، وأنا في الشغل، جالي تليفون منه:
– ليلى، ممكن تيجي المستشفى بسرعة؟
قلبي وقع.
روحت أجري، لقيته نايم على السرير، وشه شاحب، وعلى إيده محاليل.
صرخت:
– إيه اللي حصل؟
– كان عندي دوخة وأنا سايق… طلع عندي أنيميا شديدة وضغط.
مسكت إيده وعيوني دمعت:
– ليه ما قلتليش إنك تعبان؟
ضحك وقال:
– خفت أقول فتزعلي أكتر.
– يا غبي، أنا زعلانة عشان بحبك.
اللحظة دي كسرت الحاجز اللي بينا.
دموعي نزلت، وهو مسك إيدي وقال:
– كنت خايف أخسرك تاني، يا ليلى.
– وإنت فاكرني ممكن أسيبك؟
– بعد الجواب… خفت.
– الجواب خلاني أفتكر الوجع، بس وجودك فكرني ليه استحملت الوجع ده من الأول.
—
بعدها بأيام، رجعنا البيت، وكل حاجة اتبدّلت.
بقينا بنتكلم أكتر، بنضحك على الحاجات الصغيرة اللي نسيناها.
وهو وعدني وعد واحد:
– أي سر تاني، هتعرفيه مني قبل أي حد.
ومرّت الشهور، وجا يوم عيد جوازنا التالت.
دخلت البيت لقيت الجنينة منوّرة، والورود اللي كنت بحبها مليّة المكان.
عمر كان واقف، شايل بوكيه ورد، وقال:
– فاكرة لما قلتلي إن الحب مش دايمًا كفاية؟
– أيوه، فاكرة.
– دلوقتي أنا شايف إن الحب لما يكون صادق، بيكفي ويزيد.
ضحكت، وهو قرب مني وقال:
– اتجوزتك مرتين يا ليلى… مرة قدام الناس، ومرة قدام الحياة كلها.
– والتانية دي إمتى؟
– النهارده… لما اخترتك رغم الماضي، رغم الوجع، رغم كل حاجة.
حضـ,ـنته وأنا حاسة إن الدنيا كلها سكتت.
مكنش في صوت غير دق قلبه، اللي كان بيقوللي من غير كلام:
“الماضي خلص، والحب أخيرًا استقر.”
—
بعدها بسنين، لما بحكي لأولادي الحكاية، بقولهم دايمًا:
“في ناس بتدخل حياتنا علشان تسيب وجع، وناس تانية بترجع علشان تمسحه.”
وعمر… كان الاتنين.
هو اللي وجعني، وهو اللي علّمني يعني إيه الغفران.
ولو الزمن رجع بيا، كنت هختاره تاني.
مش لأنه مثالي، لكن لأنه حقيقي.
