التسجيل الصادم

شيرين فضلت قاعدة مكانها، النفس طالع نازل بصعوبة وكأن الأكسجين اتمسح من الأوضة. الصوت اللي طالع من سماعة اللاب توب كان زي الخناجر اللي بتترشق في ضهرها. نيرمين، طليقة شريف، كانت بتقول لإياد بنبرة كلها غل وتخطيط: “بص يا إياد، الست دي فاكرة إنها بالفلوس واللبس والفسح هتاخدكم مني. اسمع اللي بقولك عليه.. كل حاجة تجيبها، خدها واطلب أكتر، بس حسسها دايماً إنها غريبة. اكسر عيالها قدامها، طفشهم. لما تلاقيك بتدير البيت وهي ملهاش كلمة، هتبدأ تخانق أبوك، وأبوك خلقوا ضيق، مش هيستحمل نكدها وهيرميها برة، وساعتها الشقة دي والفلوس اللي بتصرفها عليكم هترجع لنا إحنا.. هترجعوا لحضني والبيت ده هيبقى بتاعي وبتاعكم لوحدنا”.

الدموع اللي نزلت من عين شيرين مكانتش دموع ضعف، دي كانت دموع الصدمة في السنين اللي ضاعت من عمرها وهي بتقدم السبت والأحد والجمعة لناس كانت بتجهز لها المقبرة. شريف دخل الأوضة في اللحظة دي، وشه كان مخطوف بعد ما لقى بنته فريدة بتصرخ برة لأن خطها اتوقف والواي فاي اتقطع، وإياد واقف في الصالة وشه جايب ألوان مش فاهم إيه اللي بيحصل.

شريف دخل واندفاعه مالي المكان: “في إيه يا شيرين؟ إيه الجنان اللي بتعمليه ده؟ البنت والواد تليفوناتهم وقفت والنت فصل، والنجار اللي واقف على الباب برة ده جاي يعمل إيه؟ أنتِ اتجننتي؟”

شيرين مقفلتيش التسجيل. سابته شغال.. الصوت كان واضح ونقي، طالع من سماعات اللاب توب بقوة هزت جدران الأوضة. شريف أول ما سمع صوت نيرمين تنح، رجليه مالت ومبقاش قادر يقف على طوله. بص للشاشة وبص لشيرين اللي كانت قاعدة وحاطة رجل على رجل، بنظرة أقوى من ميت كلمة وعتاب.

“ده.. ده إيه؟” شريف سأل وصوته بيترعش، والكلمة طلعت بالعافية من حلقه الناشف.

شيرين قامت من على الكرسي بكل ثبات، مشيت لحد ما بقت في وش شريف مباشرة، وقالت بصوت واطي ومسموع، صوت يرعب أكتر من الزعيق: “ده اللي أنت مسميه طيش مراهقين يا شريف. ده اللي بقالي سنين بتبلع فيه وبقول معلش عشان خاطرك وعشان مركبنا تمشي. ابنك إياد، اللي أنا شارية له اللابتوب اللي بيسمع عليه التسجيلات دي، والكنسول اللي بيلعب بيه، واللبس اللي على جسمه، كان بينفذ خطة أمه بالحرف عشان يطفشني أنا وعيالي من هنا. النهاردة كسر طيارة يوسف، وقال لي في وشي إني مجرد كرت زيادة في البيت. بس هو صح.. أنا فعلاً زيادة، والزيادة لازم تتشال”.

شريف حاول يمسك إيدها وهو بيتأتأ: “شيرين.. أنا.. أنا مكنتش أعرف.. إياد لسه عيل وأمه بتلعب في دماغه، متخربيش البيت عشان غلطة عيل”.

شيرين نفضت إيدها منه بقوة: “البيت ده مخروب من يوم ما دخلته يا شريف، مخروب بالغل والحقد اللي أنت سمحت لمرأتك القديمة تزرعه في عيالك وضدي. النجار اللي برة ده جاي يغير كالون باب الشقة وباب المكتب، وعارف ليه؟ لأن الشقة دي باسمي أنا. أنا اللي شارياها بفلوس ورث أبويا قبل ما أتجوزك، وأنت وعيالك كنتوا عايشين هنا بجميلي. من اللحظة دي، مفيش مليم واحد هيتصرف في البيت ده غير على جاسمين ويوسف. عيالك؟ من بكرة الصبح تروح تنقلهم من المدرسة الإنترناشيونال وتوديهم مدرسة حكومة على قد مرتبك، واللبس والبراندات والموبايلات يروحوا لأمهم الغالية اللي بتخطط، تخليها هي تصرف عليهم من شطارتها”.

شريف انهار، قعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه. كان عارف كويس إن مرتبه من وظيفة المعماري في الشركة الحكومية يدوب يكفي أكله وشربه لوحده، وإن كل المظاهر الكدابة اللي عايش فيها هو وعياله كانت بفضل بيزنس شيرين الخاص وورثها.

برة في الصالة، إياد كان واقف ورا الباب وسامع كل كلمة. الوش البارد والمستفز اللي كان بيكلم بيه شيرين من شوية اتمسح، وحل مكانه رعب حقيقي. فريدة كانت واقفه جنبه بتعيط: “يعني إيه يا إياد؟ يعني مش هنروح الساحل الصيف ده؟ يعني صحابي في المدرسة هيعرفوا إننا مش هنكمل معاهم؟”

إياد زعق فيها بغل: “اسكتي أنتِ! أمنا مش ه تسيبنا، هتشوف لنا حل”. بس جوا نفسه، كان عارف إن أمه نيرمين متجوزة من راجل تاني ومبسوطة، وعمرها ما هترضى تاخدهم يعيشوا معاها ويوتروا حياتها الجديدة، هي بس كانت بتستخدمهم كأداة للانتقام من شريف وشيرين.

شيرين خرجت للصالة، كانت لامة كل حاجتها وحاجة عيالها الأساسية في شنطتين. بصت ليوسف وجاسمين وقالت لهم: “يلا يا حبايبي”.

شريف جري وراها: “رايحة فين يا شيرين في المطر ده؟ متعمليش فينا كده، إحنا ملناش غيرك”.

شيرين بصت له بقرف: “أنا رايحة أقعد في شقتي التانية اللي في التجمع، الشقة دي أنا هعرضها للإيجار من بكرة، وقدامك بالظبط أسبوع واحد تكون لميت عيالك وكراكيبك وفضيتوا المكان، وإلا هرفع قضية طرد، وإنت عارف إن القانون معايا والأوراق رسمي باسمي”.

شيرين أخدت عيالها ونزلت، سابت وراها بيت كان قايم على الكدب والاستغلال، سابت شريف وهو بيصرخ في إياد وبيلطم على وشه، وفريدة اللي بتعيط على الامتيازات اللي ضاعت في ثانية.

مرت الأيام وسير الأحداث كان سريع وصادم للكل. شيرين منفذتش تهديدها وبس، دي قفلت كل أبواب الرجوع. غيرت أرقام تليفوناتها، وكلفت المحامي بتاعها برفع دعوى طلاق للضرر، وبعتت إنذار رسمي لشريف بإخلاء الشقة. شريف حاول يكلم أخوانها، حاول يروح لها الشغل، بس كل محاولاته اتصدمت بحيطة سد. شيرين مكنتش بتنتقم لمجرد الكرامة، دي كانت بتحمي عيالها اللي عاشوا سنين حاسين بالدونية في بيت المفروض إنه بيتهم.

شريف لقى نفسه في موقف لا يحسد عليه. المرتب مش مكفي، العيال بقوا في البيت من غير إنترنت ولا تليفونات، وإياد بدأ يغيب من المدرسة ومستواه الدراسي انهار تماماً بعد ما حس بالذنب إنه كان السبب في ضياع “الجنة” اللي كانوا عايشين فيها.

في ليلة من الليالي، شريف ملقاش حل غير إنه يتصل بنيرمين. اتصل بيها وهو على آخره: “ارتاحي يا نيرمين، البيت اتهد، وشيرين طردتنا، وعيالك أهم هيترموا في الشارع، عاجبك كدة؟”

نيرمين ردت ببرود هز كيانه: “وإنا مالي يا شريف؟ أنت اللي مش عارف تمشي بيتك وتسيطر على مرأتك. أنا متجوزة وجوزي مش هيقبل عيالك في بيته، اتصرف أنت معاهم، مش أنت الراجل؟” وقفلت السكة في وشه.

إياد كان قاعد وسامع المكالمة دي. الصدمة كانت فوق استيعابه. أمه اللي كان فاكرها بتعمل كل ده عشان ترجع لهم، باعته في أول محطة وضحت بيه و بأخته عشان مصلحتها. الواد انهار تماماً، دخل أوضته وقفل على نفسه وفضل يعيط بحرقة وهو بيبص للابتوب المقفول اللي شيرين جابتهوله، وافتكر كل مرة كانت بتبتسم في وشه وبتقوله “شاطر يا إياد، رفعت راسي”، وهو كان بيرد عليها بنظرات غل وجفاء.

بعد مرور ست شهور..

الدنيا اتغيرت تماماً. شيرين كانت قاعدة في بيتها الجديد في التجمع، بيت هادي، مليان دفا وأمان. يوسف كان قاعد في الصالة، وبين ايديه طيارة خشبية جديدة، بس المرة دي كانت أكبر، وأقوى، ومتلونه بألوان مبهجة. جاسمين كانت قاعدة جنبه بترسم بلوحتها وألوانها الجديدة وهي بتضحك. شيرين كانت بتبص لهم وهي حاسة براحة نفسية منسيتهاش من سنين. أخدت حكم الطلاق، والشقة القديمة اتأجرت بمبلغ محترم، وشغلها كبر وبقى أفضل بكتير بعد ما الطاقة السلبية اتمسحت من حياتها.

في اللحظة دي، جرس الباب رن.

شيرين استغربت، مكانتش مستنية حد في الوقت ده. قامت فتحت الباب، ولما فتحت، اتسمرت في مكانها من المفاجأة.

اللي كان واقف على الباب مكنش شريف.. كان إياد.

بس مكنش إياد القديم، صاحب النظرات المستفزة والهدوم البراندات. كان واقف وشه دبلان، خاسس النص، لابس هدوم بسيطة جداً وقديمة، وفي إيديه كيس بلاستيك صغير.

شيرين وقفت وبصت له بجفاء: “عايز إيه يا إياد؟ وجيت هنا ازاي وعرفت العنوان منين؟”

إياد مكانش قادر يبص في عينيها. عيونه كانت في الأرض، وصوته بيترعش وهو بيتكلم وكأن الكلمات بتطلع بطلوع الروح: “طنط شيرين.. أنا عارف إن ماليش حق أجي هنا، وعارف إن اللي عملته ميتغفرش.. أنا عرفت العنوان من عمو محمد أخوكي، فضلت أترجاه أسبوع كامل لحد ما وافق يديني العنوان بعد ما حلفته بغلاوة ولاده”.

شيرين فضلت سكتة، ملامح وشها معبرتش عن أي تعاطف: “قولتلك عايز إيه؟ أظن مفيش بينا كلام”.

إياد رفع إيده اللي كانت بترتعش، ومد الكيس البلاستيك ليها. شيرين بصت للكيس، ولما فتحته شافت حاجة خليت قلبها يدق بسرعة. جوة الكيس كان فيه علبة ألوان ماركرز مستوردة غالية جداً، نفس النوع اللي فريدة بوظته لجاسمين، ومعاها علبة غرا خشب نضيف، ومجسم صغير لطيارة خشبية متقفل بالمسطرة وجاهز على التلوين.

إياد دموعه نزلت: “أنا اشتغلت الصيف ده كله في ورشة نجارة في السيدة زينب عشان أجمع تمن الحاجات دي.. أنا عارف إنها متجيش حاجة في اللي عملته، بس كنت عايز أرجع لجاسمين حاجتها، وأقول ليوسف إني أسف.. أسف بجد”.

شيرين بصت للحاجات وبصت لإياد. شافت في عينيه انكسار حقيقي، انكسار مراهق اتقرص من الدنيا بدري وعرف مين اللي كان بيحبه بجد ومين اللي كان بيستخدمه.

“بابا اتنقل شقة إيجار قانون جديد في منطقة شعبية، وفريدة سابت المدرسة الإنترناشيونال..” إياد كمل وهو بيمسح دموعه: “أنا مش جاي أطلب فلوس ولا جاي أطلب نرجع.. أنا بس كنت عايز أقولك إني عرفت قيمتك.. وعرفت إن الأم مش بالدم.. الأم هي اللي بتشيل وبتصرف وبتحمي، وأنتِ كنتِ بتعملي كدة وأنا كنت عمي”.

شيرين حسيت بوجع خفيف في قلبها، بس افتكرت اللحظة اللي يوسف كان قاعد فيها بيعيط على طيارته، وافتكرت كلمة “أنتِ كرت زيادة”. القسوة متمسحتش تماماً، بس الإنسانية اللي جواها خليتها تمد إيدها وتاخد الكيس منه.

“حاجتك هتوصل ليهم يا إياد” شيرين قالت بنبرة هادية بس حاسمة: “بس ده مش معناه إن اللي اتكسر هيتصلح في يوم وليلة. اللي بتزرعه بياخد وقت عقبال ما يطلع، وأنت زرعت غل كتير، وعشان يتنسى، محتاج وقت أطول بكتير”.

إياد هز رأسه بالموافقة وهو بيبكي: “أنا موافق.. موافق على أي حاجة، بس متكرهنيش”.

شيرين كانت لسه هتقفل الباب وتنهي الحوار، لما لقت يوسف خرج من الصالة ووقف جنبها. يوسف بص لإياد وبص للعلبة اللي في إيد شيرين. إياد لما شاف يوسف، استخبى وشه من الكسوف، وكان هيلف ويمشي، بس يوسف مسك إيد شيرين وقال بصوت طفولي نقي: “ماما.. خليه يدخل.. خليه يلون معايا الطيارة الجديدة”.

الكلمة نزلت على إياد زي الصاعقة. بصل ليوسف ومش مصدق كمية التسامح اللي في قلب الطفل ده. شيرين بصت لابنها وفهمت إنها ربت صح، إن قلب ابنها ملوش ذنب في قذارة الكبار.

شيرين بعدت عن الباب شوية وقالت لإياد: “ادخل.. بس رجلك مش هتعتب البيت ده تاني غير لو أثبت فعلاً إنك اتعلمت الدرس”.

إياد دخل وهو حاسس إنه اتولد من جديد، قعد في الأرض مع يوسف وبدأ يساعده بصوابعه اللي متبهدلة من شغل النجارة. شيرين وقفت تراقبهم من بعيد وهي حاسة بنوع من الانتصار، مش انتصار الانتقام، لكن انتصار الحق والتربية النضيفة.

دخلت مكتبها عشان تكمل شغلها، موبايلها رن برقم غريب. شيرين ردت: “ألو؟”

جالها صوت أنثوي مسمعتهوش من فترة، صوت كان فيه نبرة رعب وتوتر مش طبيعية. كانت نيرمين.

“شيرين.. أرجوكي اسمعيني..” صوت نيرمين كان بيترعش وبتنهج كأنها بتجري: “أنا عارفة إنك مش عايزة تسمعيني.. بس أنا في مصيبة.. شريف.. شريف اتجنن يا شيرين.. شريف عرف بكل حاجة، عرف بالتسجيلات وعرف إن إياد جالك.. شريف دلوقتي واقف تحت بيتي ومعاه سلاح وبيقول إنه هيقتلني ويقتل نفسه بعد ما حياته اتدمرت.. أرجوكي كلميه.. أنتِ الوحيدة اللي بيخاف منك وبيعملك حساب.. لو مكلمتهوش دلوقتي، هيحصل دم!”

شيرين حست ببرودة فجائية ضربت جسمها كله. بصت من شباك المكتب على الصالة، لقت إياد قاعد بيضحك مع يوسف لأول مرة من سنين، وصوت ضحكاتهم مالي المكان.

لو شريف عمل حاجة في نيرمين أو في نفسه، الحياة اللي بدأت تتصلح دي هتتهد تاني فوق دماغ الكل، وإياد وفريدة هيدفعوا التمن طول عمرهم.

شيرين وقفت للحظة، شاشة التليفون في إيدها بتنور، وصوت نيرمين الخايف لسه بيصرخ من الناحية التانية.. وفجأة، سمعت صوت ضرب نار عالي جاي من سماعة التليفون، والخط قطع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *