كذبه العمر
الصمت اللي نزل على الصالة في اللحظة دي كان أتقل من جبال الدنيا. صوت نفس مصطفى كان طالع بطلوع الروح، كأنه لسه طالع من تحت المية بعد غرق طال عشر سنين. بص للعيال اللي اتجمعوا حوالين أحمد، كلهم عينيهم على شاشة التليفون المكسورة اللي لسه منورة باللقطة الأخيرة من الفيديو. الست اللي في الفيديو اختفت، بس الوجع اللي سابته كان لسه صاحي، بياكل في جدران البيت وفي قلوبهم.
مصطفى وطى على الأرض بركب تيلانة، شال التليفون من وسط فتافيت الإزاز الزجاجية. صباعه كان بيرتعش وهو بيحاول يعيد الفيديو تاني، بس الشاشة فصلت تماماً، كأنها بتعلن إن الحقيقة المريرة دي مش هتتعرض ببلاش. بص لأحمد اللي كان واقف ساند ضهره على دولاب المطبخ الخشب القديم، ووشه أصفر زي الليمونة.
“أنت متأكد يا أحمد؟” مصطفى سأله، وصوته كان واطي ومشروخ، صوت راجل خايف من الإجابة. “متأكد إنها هي؟ محطة الرمل زحمة، والناس بتشبه على بعض يا ابني.”
أحمد مسح وشه بـ إيديه الناشفة من شقى الورشة هو كمان، ونزل على ركبه قصاد مصطفى: “يا بابا.. أنا عشت تسع سنين من عمري في حضن الست دي. أنا حافظ مشيتها، حافظ نزلة كم فستانها، وحافظ الخال الصغير اللي في رقبتها من ورا. الست اللي في الفيديو كانت هي، وكانت بتضحك.. بتضحك يا بابا ومفيش على وشها أي هم، كأنها مسابتش وراها ست عيال وراجل دمر حياته عشانهم!”
في الركن، كانت منة وحسن وحسين ملمومين حوالين ليلى اللي كانت لسه بتبكي بنشيج مقطوع، صوتها كان يقطع القلب. مريم، البنت الكبيرة اللي بقيت في مقام أمهم دلوقتي، قربت من مصطفى، عينيها كانت مليانة غضب ممزوج بكسرة نفس: “يعني إيه يا بابا؟ يعني أمي مأكلهاش السمك زي ما عيطنا عليها؟ يعني أمي سابتنا بإرادتها؟”
مصطفى مقدرش يبص في عينيها. لفه وشها الناحية التانية وهو بيحس بدم خفيف بيسيل من صباعه بسبب إزاز الشاشة المكسور. الوجع الجسدي مكنش يذكر جنب النار اللي شبت في صدره. افتكر أيام زمان، افتكر يوم ما وقف في المحكمة عشان يثبت وصايته عليهم كولي أمر طبيعي بعد ما الحكومة اعتبرت فادية “مفقودة”، افتكر كم الإهانات والشكوك اللي شافها من طوب الأرض. “أكيد وراك مصلحة”، “أكيد طمعان في معاش ولا شقة”، “أنت مش أبوهم عشان تخاف عليهم كدة”.. كلمات الناس كانت بتنهش في لحمه، وهو مكنش بيمشي غير بكلمة واحدة: “عشان خاطر فادية.” ودلوقتي؟ فادية بتتمشى في محطة الرمل!
وقف مصطفى على رجليه، حاول يظهر متماسك قدام العيال، مسح قميصه المبلول من الحنفية اللي كانت لسه بتنقط، وبص لأحمد: “ادخل اغسل وشك يا أحمد. منة، خدي ليلى جوة ونيميها. حسن وحسين، على أوضتكم مش عايز اسمع صوت. مريم.. اعمليلنا شاي.”
البيت كله تحول لمعسكر صامت. العيال نفذوا الأوامر وهم زي الآلات، مفيش في عيونهم غير الصدمة. في المطبخ، وقف مصطفى ومعه أحمد ومريم، وكوبايات الشاي السخنة بتطلع دخانها وسطهم، بس مكنش فيه أي دفا.
“حكيلي يا أحمد بالظبط، شوفتها فين وإزاي؟” مصطفى سأل وهو بيولع سيجارة، وإيده لسه بترتعش.
أحمد أخد نفس طويل: “أنا كنت في إسكندرية عشان شغل الورشة، الأسطى بعتني أجيب قطع غيار للمكنة السيور من السبع بنات. وأنا راجع، قولت أتمشى على الكورنيش شوية عند محطة الرمل أشرب حاجة. الدنيا كانت زحمة، وسمعت ضحكة.. ضحكة رنت في ودني زي الجرس. التفت، لقيتها خارجة من محل لبس ومعه راجل طويل، لابس بدلة شيك وساعة بتلمع، وباين عليه مرتاح أوي. هي كانت لابس فستان غالي، وشايلة أكياس في إيديها. أنا اتسمرت في مكاني، عقلي قالي أنت بتخرف، أمك ماتت من عشر سنين. مشيت وراهم من غير ما يحسوا، وقبل ما يركبوا عربية ملاكي سودا كبييييرة، صورت الحتة دي.. العربية طلعت نمرة القاهرة يا بابا.”
مريم ضغطت على كوباية الشاي لدرجة إن صوابعها ابيضت: “وليه منادتش عليها؟ ليه ممسكتش في خناقها وقولتلها تعالي شوفي عيالك اللي سيبتيهم بياكلوا عيش ناشف؟”
“خفت يا مريم!” أحمد صرخ فجأة، والدموع نزلت من عينيه أخيراً: “خفت تطلع مش هي وأطلع مجنون، وخفت تطلع هي وتقولي أنا معرفكش! خفت أشوف في عينيها إنها مش عايزانا!”
مصطفى حط إيده على كتف أحمد وهداه: “خلاص يا ابني.. خلاص. أنت عملت الصح.” بص مصطفى للفراغ. عقله الميكانيكي، اللي متعود يفك المواتير حتة حتة عشان يعرف العيب فين، بدأ يفكك العشر سنين اللي فاتوا. افتكر يوم المصيف في جمصة. فادية مكنتش بتحب البحر، كانت بتخاف منه. ولما قالها يلا نروح، كانت مترددة أوي. وافتكر إنها قبل السفر بيومين، كانت بتلم حجاة غريبة في شنطتها الصغيرة، ولما سألها قالت دي حاجات خاصة. وافتكر الهدوء المريب اللي كان في البيت قبل ما يسافروا.. كأنها كانت بتودع الحيطان.
“أنا لازم أعرف الحقيقة،” مصطفى قالها بحسم، وهو بيطفي السيجارة في طبق صغبر. “لو فادية عايشة، وباعت عيالها عشان راجل وعربية شيك، يبقى لازم تدفع ثمن العشر سنين دول. وثمن دمعة ليلى، وثمن صحتي اللي راحت في الورش.”
مريم بصتله: “هتعمل إيه يا بابا؟” (الكلمة دي لما تطلع من مريم بالذات كانت بتهز مصطفى، لأن مريم كانت أكتر واحدة فاكرة أبوها الحقيقي).
“أحمد.. أنت لقطت نمرة العربية في الفيديو؟”
أحمد هز رأسه: “الفيديو اتمسح مع الشاشة المكسورة، بس أنا حافظ النمرة في عقلي يا بابا.. كتبتها في نوتة صغيرة أول ما ركبت القطر وأنا راجع. النمرة اهي.” طلع أحمد ورقة مقطوعة من علبة سجاير، مكتوب عليها أرقام وحروف العربية.
مصطفى أخد الورقة، وبص لها كأنها مفتاح لغز مرعب. “أنا ليا واحد صاحبي، الأسطى عبده، أخوه شغال في المرور في الدراسة. هروحله بكرة الصبح. النمرة دي لازم تجيبلي اسم صاحب العربية وعنوانه.”
تاني يوم الصبح، الشمس طلعت فوق شوارع طنطا الضيقة، بس الشقة مكنش فيها الحركة المعتادة. العيال مصحوش يجروا ورا بعض عشان الحمام، ولا منة زعقت مع التوأم. الكل كان صاحي، بس كل واحد قاعد في ركن، مستنيين مصطفى هيعمل إيه.
مصطفى لبس قميصه الكحلي وبنطلونه الجينز، وأخد الورقة ونزل. راح للأسطى عبده في الورشة الكبيرة اللي على الطريق السريع. عبده أول ما شاف وش مصطفى المخطوف، عرف إن فيه مصيبة.
“خير يا مصطفى؟ وشك مش مبشر بالخير يا صاحبي، العيال فيهم حاجة؟” عبده سأل وهو بيمسح إيده بشحم.
مصطفى قعد على كرسي خشب مكسور: “عبده.. أنا محتاج خدمة رقبة. أخوك اللي في المرور، عايزه يكشفلي على النمرة دي بأسسرع وقت. الموضوع فيه حياة أو موت.”
عبده شاف الجدية والخوف في عين صاحبه، مأخرش عليه. مسك التليفون وكلم أخوه، واداله الأرقام والحروف. مصطفى كان قاعد على أعصابه، كل دقيقة بتعدي كأنها سنة. كان بيفتكر فادية وهي بتصحيه الفجر عشان يلحق شغله، ويفتكر طعم لقمة المش اللي كانوا بياكلوها سوا رضا وبساطة. “يا ترى كنتي بتضحكي كدة معاه يا فادية؟ يا ترى نسيتينا بالسرعة دي؟”
بعد حوالي ساعة، تليفون عبده رن. عبده رد وسكت شوية، وبدأ يكتب في ورقة بيضاء. قفل التليفون وبص لمصطفى بنظرة غريبة، نظرة شفقة واندهاش.
“إيه يا عبده؟ انطق!” مصطفى وقف من طوله.
عبده سلم مصطفى الورقة: “العربية باسم راجل اسمه ‘كامل بيه الهواري’. رجل أعمال، عنده شركات استيراد وتصدير ومصانع غزل ونسيج. عنوانه في الزمالك، يا مصطفى. شقة دور كامل مطلة على النيل.”
مصطفى قرأ الاسم والعنوان. الزمالك.. كامل الهواري. الاسم رن في ودنه، بس مكنش عارف يربطه بحاجة. “شكراً يا عبده، خدمتك دي مش هنسالها.”
“مصطفى،” عبده مسك إيده قبل ما يمشي: “أنت رايح فين؟ الراجل ده واصل أوي وحيتان الزمالك دول مش ساهلين، أنت هتعمل إيه؟”
مصطفى بصله بعيون جامدة كالإسمنت: “رايح أجيب حق عشر سنين ضاعوا من عمري وعمر عيال مش بتوعي.”
رجع مصطفى الشقة، لقى أحمد مستنيه عند الباب. “لقيت حاجة يا بابا؟”
“جهز نفسك يا أحمد. بكرة الصبح أنا وأنت مسافرين القاهرة. مريم، هتقعدي مع إخواتك، وتخلي بالك منهم. مفيش مخلوق في المنطقة يعرف إحنا رايحين فين ولا بنعمل إيه.”
في الليلة دي، مصطفى منامش. قضاها يبص على العيال وهم نايمين. دخل أوضة البنات، لقى ليلى نايمة ودموعها ناشفة على خدها، وشال أمها لسه تحت راسها. مريم كانت صاحية، بتبص للسقف. مصطفى قرب منها وحط إيده على راسها: “ماتخافيش يا مريم. طول ما أنا فيا نفس، مفيش كلب هيقدر يكسركم.”
مريم عيطت بصوت واطي: “أنا مش خايفة من الجاي يا بابا.. أنا خايفة من الماضي. خايفة نطلع كنا رخاص أوي عندها.”
الكلمة دي نزلت على قلب مصطفى زي مية النار. “نامي يا مريم.. نامي.”
الصبح بدري، ركب مصطفى وأحمد الميكروباص من موقف طنطا لرمسيس. الطريق كان طويل وممل، ومصطفى طول السكة بيبص من الشباك على الأراضي الزراعية اللي بتعدي بسرعة، وعقله شغال زي المكنة اللي مش راضية تقف.
لما وصلوا القاهرة، ركبوا مترو ومنه لتاكسي لحد الزمالك. المنطقة كانت هادية أوي، شجر عتيق على الجنبين، وعمارات شيك ببوابين لابسين لبس رسمي، مفيش أي شبه بين المكان ده وبين حارة مصطفى وشقته اللي سقفها بينقط مية.
وصلوا قدام العمارة المقصودة. عمارة قديمة من طراز أوروبي، تطل مباشرة على النيل. بواب العمارة، راجل صعيدي هيبته كبيرة، وقف لما شاف مصطفى وأحمد داخلين بملابسهم البسيطة اللي باين عليها أثر السفر والشغل.
“عايزين مين يا أستاذ؟” البواب سأل بنبرة جافة.
مصطفى وقف بثبات: “عايزين كامل بيه الهواري.”
البواب بصلهم من فوق لتحت بشك: “كامل بيه مش بيقابل حد من غير ميعاد، ومجاش المكتب بتاعه النهاردة، هو فوق في الشقة بتاعته. أقوله مين؟”
“قوله مصطفى.. مصطفى اللي جاي من طنطا، بخصوص الأمانة اللي سابها من عشر سنين.” مصطفى قال الجملة بثقة خلت البواب يقلق.
البواب دخل غرفته ورفع سماعة التليفون الداخلي. اتكلم بصوت واطي، وبص لمصطفى وأحمد كذا مرة. قفل السكة وبصلهم: “كامل بيه بيقولكم اتفضلوا.. الدور الخامس، الأسانسير على يمينك.”
أحمد بص لمصطفى وخوفه بدأ يزيد: “بابا.. تفتكر هنعمل إيه لو طلعت مش هي؟”
مصطفى محركش رمش: “لو مش هي، هنعتذر ونمشي. لو هي.. يبقى الحساب هيتفتح.”
طلعوا الأسانسير، الدور الخامس. الباب فتح على صالة استقبال واسعة برة الشقة، والباب الخشب الكبير للشقة كان موارب. مصطفى خبط خبطتين ودخل، وأحمد وراه.
الشقة كانت تحفة فنية؛ فرش كلاسيك، نجف كريستال ضخم، وسجاجيد عجمي على الأرض. وفي وسط الصالة، كان واقف راجل في أواخر الخمسينات، شعره شايب بشكل شيك، لابس روب من الحرير، وفي إيده سيجار. ده كامل الهواري.
كامل بصلهم بهدوء مريب، مكنش باين عليه المفاجأة تماماً. “اتفضلوا.. اقعدوا.”
مصطفى مقتعدش، فضل واقف: “إحنا مش جايين نضايف يا كامل بيه. إحنا جايين في مشوار محدد. أنا مصطفى، وده أحمد.. ابن فادية.”
كامل أخد نفس من السيجار ونفخ الدخان ببطء، وعينيه جت على أحمد، دقق في وشه شوية، وبعدين ابتسم ابتسامة باردة: “كبرت يا أحمد.. كنت عيل صغير لما سيبناك.”
أحمد جسمه كله انتفض، وكان هيقدم على كامل، بس مصطفى مسكه من دراعه وجره لورا. مصطفى خطى خطوة لقدام، وعينيه بقت زي الجمر: “يعني أنت عارف؟ عارف إنها عايشة؟ وعارف إنها سابت ست عيال وراها؟”
كامل حط السيجار في الطفاية وقعد على الكرسي الجلد: “عارف طبعاً. لأن فادية مكنتش مفقودة يا مصطفى.. فادية هربت. هربت مني أنا الأول، وبعدين هربت منكم.”
مصطفى حواجبة اتقفلت: “هربت منك؟ يعني إيه؟”
كامل سخر بضحكة مكتومة: “أنت فاكر فادية مين يا أسطى مصطفى؟ فاكرها الست الغلبانة اللي اتجوزت واحد وجابت منه ست عيال والراجل طلع عينيها؟ فادية دي كانت مراتي أنا! مراتي الأولى والوحيدة في وقتها.”
الصدمة الأولى ضربت مصطفى وأحمد مع بعض. أحمد صرخ: “أنت كداب! أبويا كان راجل بسيط ومات في حادثة، أمي قالتلنا كدة!”
كامل بص لأحمد بشفقة: “أمك كدبت عليكم في كل حاجة يا أحمد. أنا أبوك الحقيقي.. أنا أبو الست عيال كلهم!”
أحمد رجع لورا خطوتين، كأنه اتضرب برصاصة في صدره. بص لمصطفى بعيون تائهة: “بابا.. الراجل ده بيقول إيه؟ ده كداب صح؟”
مصطفى حس إن الدنيا بتلف بيه، بس مسك نفسه بالعافية. بص لكامل وقال: “لو أنت أبوهم، ولو أنت غني كدة، سيبتهم يعيشوا في فقر عشر سنين ليه؟ سيبتني أصرف عليهم وأشقى ليل ونهار ليه؟ وليه فادية اختفت في جمصة بالطريقة دي؟”
كامل وقف وتمشى لحد الشباك المطل على النيل، وضهره ليهم: “فادية كانت ست مريضة.. مريضة بالشهرة والفلوس، بس بطريقتها الخاصة. لما اتجوزتها، كانت بنت ناس بسيطة، غرتها الفلوس في الأول، وجبنا العيال ورا بعض. بس فادية كان عندها هوس غريب، كانت بتكره المسؤولية. في يوم، أخدت العيال كلهم وهربت، غيرت أسماءهم في ورق مزور بمساعدة ناس مرتشين، وعيشتهم في طنطا على أساس إنها هربانة من جوز قاسي ومات. أنا قعدت سنين أدور عليها وعلى عيالي، لحد ما عترت فيها في جمصة.. يوم المصيف.”
التفت كامل وبص لمصطفى: “يومها، أنا قفشتها على الشاطئ وأنت رايح تجيب الحاجة الساقعة وال فريسكا. رجالت حاصروا المكان. أنا مكنتش عايز العيال وقتها لأنها كانت مكرهاهم فيا ومفهماهم إني وحش، وكنت عايزها هي عشان انتقم لكرامتي وعشان الورق والملايين اللي سرقتها مني وهي بتهرب أول مرة. خيرتها: ترجع معايا وتسيب العيال يعيشوا حياتهم، أو أبلغ عنها البوليس بتهمة التزوير والسرقة وتتسجن وترمي العيال في ملجأ. هي اختارت إيه تفتكر؟ اختارت نفسها. سابت شبشبها وشنطتها على الرمل، وركبت معايا العربية وجينا هنا.”
مصطفى كان بيسمع والكلام بينزل عليه زي السكاكين. “وليه مأخدتش عيالك بعد كده؟ ليه سيبتهم معايا؟”
كامل ضحك بمرارة: “لأني لما رجعتها، اكتشفت إنها مابتتغيرش. عشنا مع بعض سنتين في نكد، لحد ما طلقتها واديتها قرشين وسافرت برة وعاشت حياتها. وأما العيال.. أنا كنت بمراقبكم يا مصطفى. كنت بشوفك وأنت بتشقى عشانهم. عرفت إنك أصلح ليهم مني ومن أمهم. أنا راجل شغل وسفر، ومكنتش هعرف أربي ست عيال كرهوني بسبب كلام أمهم. قولت أسيبهم مع الراجل اللي حبهم بجد.. وكنت ببعتلك فلوس بطريقة غير مباشرة، فاكر المساعدات اللي كانت بتجيلك من جمعية رسالة ومن فاعل خير كل شهرين؟ دي كانت فلوسي أنا.”
مصطفى حس بإهانة مابعدها إهانة. الفلوس اللي كان فاكرها كرم من ربنا، كانت صدقة من الراجل اللي دمر حياته وحياة العيال! “أنت بني آدم معندكش قلب.. أنت وأمهم زبالة!” مصطفى صرخ وبدأت عروق رقبته تظهر.
وفي اللحظة دي، ومن باب الغرفة الداخلية للشقة، ظهر صوت كعب عالي بيتحرك على الأرض الباركيه.
الباب انفتح بالكامل، ودخلت ست.. هي فادية.
نفس الملامح، بس بوش مشدود بعمليات تجميل، ولابسة مجوهرات تمنها يبني ورش ميكانيكا بحالها. بصلتهم برود غريب، مكنش فيه في عينيها دمعة واحدة ولا لهفة أم.
“أنت إيه اللي جابك هنا يا مصطفى؟ وجايب أحمد معاك ليه؟” فادية قالتها بصوت حاد، خالٍ من أي حنان.
أحمد أول ما شافها، دموعه وقفت. النظرة اللي في عينيه تحولت من صدمة لغل ملوش آخر: “أمي؟ أنتِ أمي اللي كنت بصلي كل ليلة وأدعي ربنا يرحمك في تربتك؟ أنتِ عايشة هنا في العز ده وسيبانا ناكل في بعض؟”
قربت فادية وحطت إيديها في وسطها: “أنا سيبتكم مع راجل بيحبكم! كامل كان هيسجنني يا أحمد! أنا ضحيت بنفسي عشان مروحش السجن والناس تقول أمكم حرامية ومزورة!”
“كدابة!” مصطفى اللي نطق المرة دي، صوت زلزل الصالة الكبيرة. قرب منها لحد ما بقى وشها في وشه: “أنتِ محبتهومش ولا يوم. أنتِ هربتي من كامل عشان الفلوس، وهربتي من العيال عشان الفلوس، وعايشة دلوقتي بالفلوس. العشر سنين اللي أنا عشتهم في الشقى، كنت بشوف ضحكتك في وشوشهم، كنت فاكرك ست شريفة والبحر غدر بيها.. طلعتي أنتِ الغدارة والبحر أنضف منك بكتير!”
كامل تدخل وقف بين مصطفى وفادية: “جرى إيه يا أسطى؟ اهدى ولِم لسانك، أنت في بيتي. وأنا مش هسمحلك تغلط هنا. المشهد ده لازم ينتهي. العيال كبروا، وأحمد أهو بقى طول الباب. أنا مستعد أعوضك عن العشر سنين دول.. شيك بمبلغ يخليك تقفل الورشة وتعيش برنس طول عمرك، بس بشرط.. العيال ييجوا يعيشوا معايا هنا، وياخدوا اسمي الحقيقي في الورق، وأنت تطلع من حياتهم تماماً.”
مصطفى بص لكامل، وبعدين بص لفادية اللي كانت بتبص على ضوافرها ببرود، وبعدين بص لأحمد. أحمد كان واقف، جسمه بيبترعش، باصص للأرض، وعقله مشحون بأفكار مرعبة.
“تعوضني؟” مصطفى قالها وهو بيضحك بوجع وعينيه مليانة دموع: “تعوضني عن سهر الليالي؟ عن ضفاير منة وليلى؟ عن حسن وحسين لما كانوا بيجوا يعيطوا في حضني عشان العيال في المدرسة بيقولولهم يا يتامى؟ الفلوس بتاعتك دي تدوس عليها بجزمتي يا كامل بيه.”
التفت مصطفى لأحمد: “يلا بينا يا أحمد. يلا نرجع طنطا.”
كامل صرخ وراهم: “أحمد مش هيمشي! أحمد هيفضل هنا مع أمه وأبوه الحقيقيين، ومع العز اللي يستاهله. أحمد.. أنت هترضى ترجع لفقر الورش وشقى طنطا، وتسيب ملايين أبوك؟”
مصطفى وقف عند الباب، مألتفتش. ساب القرار لأحمد. كان حاسس إن روحه بتتسحب، لو أحمد اختار الملايين، يبقى كل اللي بناه في عشر سنين انهار.
أحمد بص لكامل، وبص لفادية، وبعدين بص لضهر مصطفى.. الضهر المحني من شقى الورش عشان يربيهم. أحمد خطى خطوة ناحية كامل، وفادية ابتسمت بالنصر. كامل طلع دفتر الشيكات: “عفارم عليك يا ابني.. أنت طلعت ذكي.”
أحمد قرب من كامل، وفجأة.. تف في وشه!
“أنت مش أبويا.. والأشكال دي متلزمنيش.” أحمد قالها بصوت مليان قرف، والتفت وجري ناحية مصطفى، مسك في دراعه جامد: “يلا بينا يا بابا.. يلا نرجع لبيتنا.”
مصطفى خد أحمد في حضنه، وبص لكامل وفادية للمرة الأخيرة: “الفلوس بتعمل كل حاجة يا كامل بيه.. بس مابتجيبش شرف، ومابتجيبش عيال.”
خرجوا من العمارة، ونزلوا على الكورنيش. أحمد كان بيبكي بحرقة، ومصطفى ماسك إيده بيشدد عليها. “أنا أسف يا بابا.. أنا أسف إني شكيت فيك، وأسف إني جبتك هنا.”
“ماتتأسفش يا ابني.. كان لازم نعرف الحقيقة عشان ندفن الماضي ونعيش الحاضر.”
ركبوا القطر وراجعين طنطا. طول السكة، مصطفى كان بيفكر في مريم ومنة والتوأم وليلى. “هنقولهم إيه؟” أحمد سأله بصوت واطي.
مصطفى أخد نفس طويل: “هنقولهم إن أمهم ماتت النهاردة.. ماتت بجد. ومفيش داعي يعرفوا القذارة دي. سيبهم فاكرينها الست الطيبة اللي في الجنة، عشان يفضلوا نضاف من جوة.”
وصلوا الشقة بالليل. أول ما فتحوا الباب، لقوا العيال كلهم صاحيين، قاعدين في الصالة ومستنيين. مريم وقفت بسرعة: “عملتوا إيه يا بابا؟ شوفتوها؟”
ليلى قربت وعينيها مليانة رجاء: “هي عايشة يا بابا؟ هتيجي تاخدنا؟”
مصطفى بص لأحمد، وأحمد هز راسه بأسى. مصطفى قعد على الكنبة، وخد ليلى في حضنه، وجمع العيال كلهم حواليه: “يا أولاد.. أحمد اتهيأله. الشبه بيخلق من الشبه أربعين زي ما قولتلكوا. الست اللي في الفيديو طلعت واحدة تانية خالص، وأمكم.. أمكم في الجنة، وشايفاكم دلوقتي.”
العيال كلهم عيطوا، بس المرة دي كانت دموع راحة، دموع نهاية الشك. مريم بصت في عين مصطفى، وعرفت من نظرته إن فيه سر كبير ومخيف اتدفن، بس احترمت صمته وقربت باست إيده: “الحمد لله يا بابا.. ربنا يخليك لينا.”
مرت تلات أيام، والبيت بدأ يرجع لطبيعته بالتدريج. مصطفى رجع الورشة، وأحمد بقى بيشتغل معاه بجهد أكبر، كأنه بيحاول يعوض أبوه عن كل نقطة عرق نزلها عشانهم.
وفي اليوم الرابع، العصر، مصطفى كان شغال تحت عربية بيصلح الفتيس، لما لقى رجلين واقفة قدام العربية. طلع من تحت العربية وهو بيمسح وشه بالشحم.
لقى راجل لابس بدلة سمرا، ومعاه شنطة دبلوماسية سودا شيك.
“أنت الأسطى مصطفى؟” الراجل سأل برسمية.
“آه أنا.. خير؟”
الراجل فتح الشنطة وطلع منها ملف كبير وورقة رسمية: “أنا المحامي سمير رفعت، موكل من قِبل كامل بيه الهواري وفادية هانم.”
مصطفى عروقه اتشدت: “قولت لاسيادك مفيش لينا كلام معاهم، وإلا هطلبلكوا البوليس!”
المحامي ابتسم ابتسامة باردة ولطيفة في نفس الوقت: “كامل بيه وفادية هانم عملوا حادثة صعبة جداً أول إمبارح بالليل على طريق الإسكندرية الصحراوي.. العربية اتقلبت بيهم، وماتوا هما الاتنين في الحال.”
مصطفى اتسمر مكانه، والمفتاح الإنجليزي وقع من إيده للمرة التانية في الأسبوع ده. “ماتوا؟”
المحامي هز راسه: “البقاء لله. وبصفتي المحامي القانوني للعائلة، وبما إن فادية هانم مكنش ليها أي وريث شرعي مسجل غير أولادها الستة، وبما إن كامل بيه برضه ملوش وريث بعد ما ثبتت بنوة الأولاد في تحقيقات النيابة الأخيرة قبل الوفاة بيوم بناء على طلب كامل بيه.. فأنا جاي أبلغك إن العيال الستة دلوقتي هما الورثة الوحيدين لثروة كامل الهواري وفادية، والتي تقدر بحوالي 450 مليون جنيه، بالإضافة للمصانع والشركات وشقة الزمالك.”
مصطفى جاله ذهول، مش عارف يفرح ولا يزعل، الملايين دي هتنقذ العيال من الفقر، بس هتدخلهم في دوامة تانية خالص.
المحامي كمل كلامه، ونبرته صوت تحولت لجدية مخيفة: “بس فيه مشكلة صغيرة يا أسطى مصطفى.. وفاتهم مكنتش حادثة عادية. تقرير المعاينة المبدئي بيقول إن فرامل العربية الملاكي السودا اتقطعت بفعل فاعل.. حد فك صامولة الفتيس وقطع خراطيم الزيت باحترافية ميكانيكي عالي المستوى.”
المحامي قرب من مصطفى وهمس بصوت واطي وهو بيبص على أحمد اللي كان واقف بعيد في الورشة وعينيه عليهم: “والبوليس دلوقتي بيدور على الجاني.. والشكوك كلها حوم حوالين اللي زاروا الشقة في الزمالك قبل الحادثة بيوم واحد.. تحب أسلّم الملف ده للنيابة، ولا عندك أقوال تانية؟”
مصطفى التفت وبص لأحمد.. أحمد كان باصص لـ مصطفى بنظرة غامضة، غريبة، مفيهاش أي خوف، وابتسامة صغيرة جداً مرسومة على وشه!
