الرولكس

نمت الليلة دي نومة عمري ما دقتها من سنين. نمت وأنا حاسة إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. صحيت الصبح على صوت منبه الأوتيل الفخم اللي حجزت فيه في الزمالك، فتحت عيني وبصيت للسقف.. مفيش ريحة شـ . ـريف في المكان، مفيش قمصانه المرمية، مفيش النظرة اللي كلها تعالي وكأني حتة ديكور في بيته.

​قمت، طلبت فطار غالي جداً ونزلت قعدت في البلكونة اللي باصة على النيل. الهوا كان ساقع ونضيف، والقهوة كان طعمها مضبوط لأول مرة من وقت طويل. مسكت تليفوني، فتحت الطيران، وحجزت تذكرة ذهاب بلا عودة لـ “لندن”. المكان اللي طول عمري نفسي أعيش فيه وأعمل الماجستير بتاعي اللي شـ . ـريف كان دايماً يقولي عليه: “بلا ماجستير بلا كلام فارغ، أنتِ أخرك تديري الشغالين في البيت وتجهزي العشا لشـ . ـركائي”.

​في نفس الوقت ده، كان حازم الشناوي، السـ . ـمسار، شغال زي البلدوزر. الراجل اللي اشترى الشقة كان رجل أعمال خليجي تقيل، من نوعية الناس اللي مابتضيعش وقت. دفع الفلوس كاش، والتوكيلات اتعملت في الشهر العقاري في ثواني، وبقى معاه مفاتيح الدوبلكس. حازم كلمني الساعة اتنين الظهر وقالي: “يا مريم هانم، العفش كله والهدوم اللي في أكياس الزبالة نزلوا المخازن بتاعة المشتري الجديد بناءً على طلبه، وهو باعت رجالة يغيروا كوالين الأبواب كلها، والشفرات الإلكترونية بتاعة الأسانسير الخاص بالدور التلاتين اتلغت وبقت بشفرة جديدة تماماً.. شـ . ـريف بيه لو جه يدخل، مش هيعرف يعدي من بوابات الأمن تحت اصلاً”.

​ضحكت من قلبي وقولتله: “الله ينور عليك يا حازم، عمولتك محولة على حسابك”.

​سافرت. سبت القاهرة كلها ورايا. طرت لـ لندن، أجرت شقة صغيرة دافية في منطقة “كينسينجتون”، وبدأت أرتب حياتي الجديدة. سحبت كل قرش ليا من الحسابات المشتركة اللي كانت بينا —واللي كانت أصلاً بفلوس ورثي أنا اللي كان بيشغـ . ـلها— وسبت له الحساب اللي عليه ديون شـ . ـركته الشخصية ومصاريف القروض اللي كان واخدها بضمان “برستيجه” كـ زوج لصاحبة الدوبلكس، من غير ما البنوك تاخد بالها إن الدوبلكس مش بتاعه.

​عشـ . ـر أيام عشتهـ . ـم في جـ . ـنة حقيقية، كنت بتمشى في الشوارع، بشتري لبس ومابفكرش هو هيعجبه ولا لأ، باكل في المطاعم اللي بحبها، ورجعت مريم البنت الذكية الطموحة بتاعة زمان. بس عقلي وعيني ماكنوش بيفارقوا شاشة الموبايل. كنت مستنية اليوم الحاسـ . ـم. يوم وصول طيارة “المالدييف”.

​طبعاً شـ . ـريف ورنا ماكنوش مخبيين حاجة. رنا كانت منزلة ستوريز على إنستجرام وفيس بوك كل خمس دقايق. صور وهما بيشـ . ـربوا عصير على البحر، صور لرجليها وهي حطاها فوق رجله، وصورة لـ إيديه وهو ماسك إيدها ولابس الساعة “الرولكس” اللي أنا كنت شارياها له في عيد ميلاده اللي فات، ومكتوب تحتها: “مع حوت حياتي في الجـ . ـنة”. كنت بشوف الستوريز دي وأنا باكل فشار وبضحك، لدرجة إن أصحابي اللي شافوا الاستوريز كلموني وهما مرعـ . ـوبين عليا ومكسوفين يقولولي، فكنت برد عليهم ببرود: “يا جماعة سيبوهم ينبسطوا، الجو هناك حلو قوي”.

​اليوم الحـ . ـادي عشـ . ـر. الساعة كانت خمسة العصر بتوقيت القاهرة.

​الطيارة نزلت مطار القاهرة. شـ . ـريف ورنا نزلوا، ملوحين من الشمس، شايلين شنط “براندات” شارينها من السوق الحرة، وحاطين نظارات الشمس السودا كأنهم نجوم هوليوود. شـ . ـريف كان مقتنع إنه راجع لبيته، للـ “خدامة” مريم اللي سايبها تنظف وراه، عشان يدخل يرمي لها الشنط ويقولها: “اغسلي دول واكوي البدلة عشان عندي اجتماع الصبح”.

​أنا كنت قاعدة في كافيه في لندن، اللاب توب قدامي، وفاتحة سيستم الكاميرات الذكية اللي كنت مركباها في الشقة من وراه، واللي نسيت تماماً أفصلها أو أتنازل عنها للمشتري الجديد قبل ما أمشي، وكنت مخلية المشتري عارف إني هتابع لحد ما شـ . ـريف يرجع وياخد صدمته.

​العرض بدأ.

​شـ . ـريف ورنا وصلوا قدام برج جامعة الدول العربية بسيارة مرسيدس سودا تابعة للمطار. شـ . ـريف نزل بثقة، لابس قميص كتان أبيض مفتوح لحد نص صدره، وشورت، وساعة بتلمع. رنا نازلة وراه بتتمخـ . ـطر، وماسكة في إيده. شـ . ـريف شاور لعم أحمد، فرد الأمن اللي واقف على البوابة بقاله عشـ . ـر سنين، وقاله بغـ . ـرور:

— “يا أحمد، اطلع هات الشنط دي وطلعها ورايا على الدوبلكس.”

​عم أحمد بص للأرض، فرك إيديه بقلة حيلة، وقال بصوت واطي ومحرج:

— “حمد الله على السلامة يا شـ . ـريف بيه.. بس.. بس حضرتك مش هينفع تطلع.”

​شـ . ـريف وقف مكانه، ملامحه اتغيرت من الابتسامة للبرود، وقلع النظارة الشمس وقال بزعيق:

— “أنت بتقول إيه يا راجل أنت؟ أنت اتجـ . ـننت؟ مش هينفع أطلع فين؟ ده بيتي!”

​في اللحظة دي، نزل مدير أمن البرج، لواء سابق، راجل حسـ . ـم وجاد جداً. وقف بين شـ . ـريف والباب وقال بلهجة حاسـ . ـمة:

— “شـ . ـريف بيه، أهلاً بحضرتك. بس للأسف، إحنا عندنا تعليمـ . ـات مشددة من المالك الجديد للعين رقم 30 —الدوبلكس— بمنع دخولك نهائياً. الشقة اتباعت برخصتها وحصتها في الأرض، والأسانسير الخاص بحضرتك تم إلغاء شفرته.”

​شـ . ـريف وشه جاب ألوان. رنا اتصدمت وبصت له وهي مش فاهمة حاجة. شـ . ـريف ضحك بـ هستيريا وزعق:

— “مالك جديد إيه وشقة مين اللي اتباعت؟ أنت عارف أنت بتكلم مين؟ الشقة دي بتاعتي! بتاعة مراتي! مريم جوة.. أنا هوريكوا.”

​طلع موبايله وبدأ يتصل بيا. طبعاً تليفوني المصري كان مقفول، فـ بيعطي له “الهاتف الذي طلبته غير متاح”. بدأ يعرق، العرق نزل على قميصه الكتان الأبيض وبـ . ـوظ منظره “الفخم”. رنا بدأت تتوتـ . ـر وقالت بصوت واطي:

— “في إيه يا شـ . ـريف؟ إيه المـ . ـسخـ . ـرة دي؟ إحنا هنقعد في الشارع بالشنط؟”

​— “اسكتي خالص يا رنا مش ناقصك!”.. زعق فيها شـ . ـريف وهو بيحاول يتصل بحازم السـ . ـمسار. حازم رد عليه من أول رنة:

— “أيوة يا شـ . ـريف بيه، حمد الله على السلامة.”

— “حازم! إيه الخرا اللي بيحصل في البرج ده؟ الأمن بيقولوا الشقة اتباعت! أنت ليك يد في اللعبة دي؟”

— “يا فنـ . ـدم أنا عبد المأمور. مريم هانم هي المالك الوحيد لأسهم الشـ . ـركة اللي تملك العقار، وبعتتلي تفويض رسـ . ـمي بالبيع، والبيعة تمت كاش والفلوس اتحولت، والمشتري استلم الورق والمفاتيح والمخالصات من يومين. حضرتك مفيش ليك أي صفة قانونية في المكان.”

​شـ . ـريف حس إن الأرض بتلف بيه. التليفون كان هيقع من إيده. زعق بأعلى صوته في نص الشارع:

— “ومريم فين؟ مريم فين يا حازم؟”

— “مريم هانم بره مصر يا فنـ . ـدم.. وقالتلي أبلغك إن حاجتك كلها موجودة في مخازن المشتري الجديد في أكتوبر، وتقدر تروح تستلمها بأوراق بطاقتك.”

​شـ . ـريف قفل السكة وهو بيتنفس زي التور الهائج. رنا بدأت تصوت:

— “يعني إيه؟ يعني الشقة مش بتاعتك؟ أنت مش قايل لي إنك حوت العقارات وإن البرج ده كله بتاعك؟ أنا هقعد فين دلوقتي؟”

— “اخرسي بقولك!”.. شـ . ـريف شال الشنط بنفسه ورماها في الشارع وهو بيدور على أي حد يصب عليه غضـ . ـبه.

​طبعاً شـ . ـريف مروان مش الراجل اللي يستسلم بسهولة. هو “تعـ . ـبان” سوق، وعارف المداخل والمخارج. ركب تاكسي هو ورنا، وطلعوا على أوتيل خمس نجوم في جاردن سيتي. دخل مكشـ . ـر، رمى الكريدت كارد بتاعه لموظف الاستقبال وقاله: “احجز لي جـ . ـناح ملكي فوراً”.

​الموظف أخد الكارت، مرره على الماكينة.. الماكينة طلعت صوت “مرفوض”. الموظف جرب تاني وتالت.. نفس الصوت. بص لشـ . ـريف باعتذار وقال:

— “فنـ . ـدم، الكارت مرفوض.. مفيش رصيد كافي، وواضح إن الحساب عليه حجز تحفظي أو إيقاف من البنك.”

​شـ . ـريف ضـ . ـرب المكتب بإيده: “أنت حمار؟ كارت إيه اللي مفيش فيه رصيد؟ أنا شـ . ـريف مروان!”

— “يا فنـ . ـدم جرب كارت تاني لو سـ . ـمحت.”

​جرب الكارت التاني والتالت.. كلهم واقفين. أنا كنت سحبت كل السيولة اللي في الحسابات المشتركة، وقدمت ورق رسـ . ـمي للمحكمة وبنك مركزي يثبت إن الحسابات دي كان بيتم تغذيتها من ريع أراضي ورثي أنا، وبناءً على قض..ية “تبديد أموال” اللي رفعها المحامي بتاعي الصبح بدري، البنك جمد كل حاجة بشـ . ـكل مؤقت لحد البت في القض..ية.

​رنا بصت له باحتقار وقالت:

— “أنت ممعاكش فلوس تدفع للأوتيل؟ هو أنا سايبة بيتي وأهلي وجاية معاك عشان نتبهدل في الشوارع؟”

شـ . ـريف بص لها بغـ . ـل:

— “أنتِ جاية عشان فلوسي يا زبالة؟ مش كنتِ بتقولي لي ‘أنت حوت حياتي’ في المالدييف؟”

— “كنت حوت لما كان معاك قرشين! إنما دلوقتي أنت مش لاقي تاكل! أنا ماشية!”

​رنا سابته في صالة الأوتيل، أخدت شنطها ومشيت، وسابته بطوله. الراجل اللي كان مالي عينه من كام ساعة، بقى واقف في صالة الأوتيل مش عِارف يدفع ثمن ليلة واحدة، وهدومه كلها في أكياس زبالة في مخزن في أكتوبر.

​عدى شهرين.

​أنا في لندن، بدأت دراستي، وشـ . ـكلي اتغير تماماً. خسيت، ورجعت لي حيويتي، وبقيت بضحك من قلبي. وفي يوم، وأنا قاعدة في مكتبة الجامعة، جالي إيميل من المحامي بتاعي في مصر. الإيميل كان فيه تفاصيل اللي حصل لشـ . ـريف بعد ما مشيت.

​شـ . ـريف حاول يرفع قضايا كتير عشان يرجع الشقة أو ياخد تعويض، بس القانون كان واضح وصريح: “انفصال الذمة المالية” اللي هو وقع عليه وهو بيتمسخـ . ـر، والشـ . ـركة العائلية اللي خالتي عملتها، كانوا حيطة خـ .ـرسانة خبط فيها ودماغه اتفتحت. شـ . ـركته العقارية بدأت تنهار لأن السوق عرف إنه “فلس” وإنه مكنش بيملك الشقة الفخمة اللي كان بيعمل فيها اجتماعاته، والمـ . ـستثمرين سحبوا فلوسهم منه.

​المحامي كتب لي في آخر الإيميل: “شـ . ـريف مروان أعلن إفلاسه رسـ . ـمي من أسبوع، وشغال دلوقتي سـ . ـمسار صغير في مكتب عقارات في منطقة شعبية، وعايش في شقة إيجار قانون جديد في أطراف الجيزة.. وبيحاول يوصل لك بأي طريقة عشان يطلب السـ . ـماح”.

​قفلت اللاب توب وأنا حاسة بنشوة انتصار لا توصف. نزلت اتمشى في شوارع لندن وهي بتمطر، وكنت حاسة إن العدالة الأرضية ساعات بتكون منصفة جداً.

​فات سنة كاملة.

​كنت نسيت شـ . ـريف، ونسيت مصر، ونسيت كل الوجـ . ـع. وفي يوم، كنت نازلة مصر زيارة قصيرة عشان أصفي شوية شغـ . ـل تانين وأزور قبـ . ـر خالتي حكمت اللي كانت السبب في إنقاذي. كنت لابسة فستان أسود شيك، ونظارة شمس، وماشية في مول كبير في الشيخ زايد بشتري حاجات.

​وأنا واقفة قدام محل ساعات فخم، سـ . ـمعت صوت مألوف جداً.. صوت كان بيخليني أترعش زمان، بس المرة دي خلاني أبتسـ . ـم بـ سخـ . ـرية.

​— “يا فنـ . ـدم الساعات دي أصلية مية في المية، وإحنا عندنا تسهيلات في الدفع، ولو حضرتك حابب أشوف لك موديل تاني من المخزن..”

​لفيت وشي ببطء.

​كان هو. شـ . ـريف مروان.

بس مكنش شـ . ـريف بتاع زمان. كان خاسس جداً، وشعره الأبيض مغطي راسه، ولابس بدلة قديمة ومستهلكة، جزمتها مقشـ . ـرة، واقف بيقنع زبون غني يشتري ساعة. الراجل اللي كان بيلبس الرولكس كأنه بيلبس دبلة، بقى واقف يبيعها عشان ياخد عمولة ألف ولا ألفين جـ . ـنيه.

​أول ما عينه جت في عيني، تجمد في مكانه. الزبون كان بيكلمه وهو مبردش، عينه كانت مركزة عليا، ملامحه اتخطفت، والنـ . ـدم والخزي كانوا باينين في عينه بشـ . ـكل يصعب على الكافر.

​مشيت خطوتين ناحيته بثقة، وقفت قدامه، قلعت النظارة الشمس وبصيت له من فوق لتحت. هو بلع ريقه وصوته كان بيترعش وهو بيقول:

— “مريم..؟”

​أنا ماردتش عليه بكلام. بصيت لـ إيده، مكنش لابس الساعة الرولكس بتاعتي. ابتسـ . ـمت له ابتسامة باردة جداً، طلعت من شنطتي “منديل ورق”، حطيته في إيده وقولتله بصوت واطي ومسـ . ـموع:

​— “امسح عرقك يا شـ . ـريف.. الشغـ . ـل في المحلات بيرهق، وأنت لازم تتعـ . ـب عشان تستاهل لقمة عيشـ . ـك.. أصل النضافة دي.. هي الشيء الوحيد اللي بتعرف تعمله كويس دلوقتي.”

​سبته واقف مكانه زي الصنم، والدمـ . ـوع مالية عينه، ولفيت ضهري ومشيت وأنا كعب جزمتي بيعمل صوت ثقة وقوة في الأرض. وأنا خارجة من المول، تليفوني رن برقم دولي غريب. رديت:

​— “ألو، مريم هانم؟”

— “أيوة، مين معايا؟”

— “أنا حازم الشناوي السـ . ـمسار.. أنا عارف إنك مش عايزة تسـ . ـمعي حاجة عن البلد، بس في مصيبـ . ـة حصلت ولازم تعرفيها.. رنا، السكرتيرة القديمة بتاعة شـ . ـريف، اتقبـ . ـض عليها النهاردة الصبح في المطار وهي راجعة من دبي.. ومعاها أوراق وعقود تثبت إن كل الفلوس اللي شـ . ـريف هربها بره مصر قبل إفلاسه.. كانت محطوطة باسـ . ـمها هي.. وهي دلوقتي اعترفت بكل حاجة وقالت إن شـ . ـريف هو اللي مخطط لكل ده عشان يهرب من الديون، والشـ . ـرطة بتدور عليه في كل مكان بتهـ . ـمـ . ـة غسيل الأموال والنصب الدولي.. وهو ميعرفش إنها بلغت عنه!”

​وقفت في مكاني، وبصيت ورايا للمول اللي سبت فيه شـ . ـريف من دقيقة واحدة، وسـ . ـمعت صوت سارينات عربيات الشـ . ـرطة وهي بتقرب من المكان بسرعة رهيبة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *