صرخه بنتي

يا بابا.. والنبي تعالي خدني.. ضربني تاني.. وبعدها صرخة. حاجة اتكسرت بصوت عالي. وبعدين سكوت تام. بعد عشرين دقيقة، دخلت البيت ده ولقيت بنتي غرقانة في دمها على سجادة عجمي بيضا، وأمه واقفة جنبها وبتبتسم ببرود وقرف. قالت لي ارجع بيتك الصغير المقطوع ده.
مرديتش عليها. ولا حتى عليت صوتي. بصيت حواليا وبس.. وعملت مكالمة.
كانوا فاكرين إني مجرد راجل عجوز بعربية نص نقل قديمة. مكنوش يعرفوا إن المكالمة دي هي اللي هتقلب الدنيا فوق دماغهم.
المفروض كان يبقى يوم عيد قيامة هادي. مفيش حاجة غريبة، مجرد عصر يوم رايق في حياتي اللي استقريت فيها بعد المعاش. ريحة الأكل كانت مالية البيت، ونسمة الربيع داخلة من الشبابيك، وكل حاجة ماشية بالراحة زي ما بحب.
الساعة 104 الظهر، تليفوني رن.
كالي.
ابتسمت وأنا برد كل سنة وأنتي طيبة يا حبيبتي..
بس اللي سمعته مكنش تهنئة خالص.
بابا.. أرجوك.. يا رب الحقني..
صوتها كان مكسور. مش مجرد زعلانة، دي كانت منهارة تماماً، وكلامها ضايع في شهقات بكاء لدرجة إني بالعافية عرفت صوتها.
حاجة جوايا اتجمدت.
كالي؟ في إيه؟ إيه اللي حصل؟
ردت وهي بتنهج بالعافية تعال خدني.. هو.. هو ضربني تاني. المرة دي الموضوع أصعب بكتير..
وبعدين صرخة. عالية. عنيفة. مليانة وجع.
صوت خبطة.. حاجة معدن رزعت في حاجة ناشفة.
وبعدها سكون.

الخط قطع.
المج وقع من إيدي واتدشدش على الأرض، مخدتش بالي أصلاً. الراجل العجوز الهادي اللي كنت عليه من ثواني اختفى. وظهر مكانه حد قديم، ناشف، حد ملمستوش من سنين طويلة.
بعد عشرين دقيقة، كانت عربيتي النص نقل القديمة بتفرمل قدام بوابة قصر آل ثورن.
كل حاجة كانت زي ما هي. جناين مثالية. رخام بيلمع. الفلوس والسيطرة باينين في كل شبر. نوع المكان اللي ميتخيلش حد إن ممكن يحصل فيه حاجة وحشة.
كتبت الكود اللي كالي كانت قايلة لي عليه قبل كده.
البوابة فتحت.
وكل حاجة جوه كان تحس إنها غلط.
عيال بره بيضحكوا وبيلعبوا، ومزيكا في الجو. المنظر كان طبيعي..
طبيعي زيادة عن اللزوم.
ركنت العربية بسرعة وطلعت السلالم جري. باب البيت كان موارب.
وقبل ما أدخل، ميريديث خرجت، زي ما هي دايماً شيك ومنمقة، وماسكة كاس في إيدها وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
قالت ببرود أوه، سيد ميلر.. كالي مش كويسة شوية. هي بتستريح دلوقتي. ملوش لزوم تدخل وتعمل شوشرة.
إبعدي من طريقي.
مبعتش صوتي، بس نبرتي خلت ملامحها تتشد وتتوتر.
كملت وهي بتحط إيدها على صدري أحسن لك تمشي. روح بيتك. هي هتبقى تملكك بعدين.
وزقتني.
متحركتش من مكاني.
مسكت معصم إيدها ونحيته بعيد من غير تردد. الباب اتفتح وأنا داخل.
وهناك شفت المنظر.
الأوضة كانت غرقانة زينة العيد. ورق ملون وشوكولاتة وبيض
ملون.
وفي وسط كل ده..
كالي.
مكومة على السجادة البيضا، ومتحركتش.
الدم كان بيسيل من تحت راسها، وبيصبغ السجادة بلون غامق.
واللي واقف فوقيها.. سايمون.
كان هادي جداً. بيعدل زراير قميصه ببرود ولا كأن في حاجة حصلت.
إبعد عنها!
نزلت على الأرض جنبها، رفعتها براحة وإيدي كانت بتترعش.
وشها كان وارم، ومزرق. عين منها مقفولة تقريباً. وعلامات صوابع واضحة على رقبتها.
كانت بتتنفس.
بالعافية.
أنا هنا يا بنتي.. أنا جنبك..
صوابعها مسكت في قميصي بضعف، وجسمها كله كان بيترعش.
ورايا، سمعت صوت كاس بيتملي.
سايمون قال بمنتهى الاستهتار اهدأ.. هي مكبرة الموضوع. دي وقعت.
بصيت لعلامات الضرب اللي حوالين رقبتها.
قلت بهدوء وقعت؟ وهي وهي بتقع خنقت نفسها بالمرة؟
ميريديث قربت، وبصت للدم اللي السجادة شربته.
اتنهدت بضيق وقالت يا لهوي على المنظر البايخ. سايمون، أنا مش قلت لك تخلص الموضوع ده قبل العشا؟ الضيوف زمانهم على وصول.
بالنسبة لها، دي مش بني آدمة.
مش بنتي.
دي مجرد تعطيل أو منظر مش حلو.
وفي اللحظة دي، أي صبر أو سيطرة على نفسي كانت باقية.. طارت.
هما شافوا مجرد راجل عجوز بعربية متبهدلة.
مكناش عندهم أدنى فكرة هما هببوا إيه، ولا إيه اللي هيحصل فيهم دلوقتي.
شيلت كالي براحة، وشها كان ساند على كتفي، وجسمها كله بيترعش زي عصفور مبلول. سايمون كان
لسه واقف بيشرب، بيبصلي بنظرة كلها تعالي وقرف، كأني حشرة دخلت بيته بالغلط.
أنا هاخدها وأمشي، قلتها وأنا عيني في عينه. ومش عايز أشوف حد فيكم بيقرب منها تاني.
ضحك ضحكة صفرا وهو بيحط الكاس على الترابيزة تاخدها؟ إنت فاكرها لعبة؟ دي مراتي، والبيت ده بيتي. والدم اللي وسخ السجادة ده تمنه أغلى من حياتك وحياة بنتك.
مرديتش. الكلام معاهم خسارة. خرجت من الباب، وميريديث كانت لسه واقفة بتعدل في لبسها، وبصتلي بمنتهى الحقارة وقالت ابقى خليها تمضي على ورق الطلاق وهي بتعيط عندك، مش عايزين قرف.
نيمت كالي في الكرسي اللي جنبي في العربية، وربطت لها الحزام كأني بربطه لعيّلة صغيرة. طلعت تليفوني من جيبي. إيدي اللي كانت بتترعش من المنظر، دلوقتي بقت ثابتة زي الصخر.
طلبت الرقم. رد عليا صوت خشن، صوت أنا عارفه كويس من أيام الخدمة زمان.
يا فندم؟ بقالنا سنين مستنيين المكالمة دي.
افتحوا الملفات القديمة، قلتها وأنا عيني على القصر في المراية. عيلة ثورن. عايز كل مليم دخل جيبهم، كل صفقة مشبوهة، كل ورقة هربوا بيها من الضرائب.. تتقدم للمدعي العام النهاردة قبل بكرة.
سكتت ثانية وبصيت لكالي اللي بدأت تفتح عينها بالعافية، وبعدين كملت
وعايز سايمون يلمس الأسفلت. مش عايز حد يحميه. ارفعوا عنه الغطا.. دلوقتي.
تمام يا فندم. نعتبر ده أمر؟
ده مش أمر.
. ده مسح من على وش الأرض.
قفلت السكة ودست بنزين. هما كانوا فاكرين إن

لمحة نيوز

ميلر العجوز ده مجرد سواق نص نقل غلبان، ميعرفوش إن الراجل اللي استخبى ورا الهداوة دي، هو نفسه اللي كان بيحرك خيوط الأمن في البلد دي قبل ما يقرر يعتزل.
وأنا ماشي، شفت في المراية عربيات سودا بدأت تظهر من بعيد، متجهة ناحية القصر.
اللعب خلاص خلص.. والحساب بدأ.
وصلت كالي المستشفى، والدكاترة خدوها بسرعة على الطوارئ. قعدت بره في الممر، هدومي كان عليها بقع من دمها، وإيدي لسه حاسة برعشة جسمها وهي بين دراعاتي.
تليفوني رن. كان مازن، دراعي اليمين زمان.
كله تمام يا فندم. القوة وصلت القصر. سايمون كان بيحاول يقاوم، بس أول ما شافوا أمر الضبط والإحضار بتهمة غسيل أموال وضرب أفضى لعاهة مستديمة، وشه بقى أبيض زي الورقة.
وميريديث؟ سألت ببرود.
ميريديث هانم دلوقتي بتزعق في الممرضين في مكتب الأمن، بس ميعرفوش إن الحجز التحفظي نزل على كل أرصدة العيلة في البنوك. حرفياً، الكاس اللي كانت بتشرب فيه ده ملمستوش وهي مديونة للدولة.
قمت وقفت وبصيت من شباك المستشفى على أنوار المدينة.
مازن.. مش عايز محامين يدخلوا. اقفلوا عليهم كل المخارج. سايمون لازم يبات في زنزانة عمومي النهاردة. خليه يشوف العالم اللي كان بيتعالى عليه من ورا القضبان.
أوامرك يا فندم. وبالنسبة للصحافة؟
سرب الصور. صور السجادة،

وصور وش كالي.. خلّي الناس تعرف آل ثورن على حقيقتهم.
قفلت السكة ورحت وقفت قدام باب أوضة كالي. كانت نايمة، والمنور متعلق في إيدها. وشها اللي كان دايماً بيضحك، بقى مليان كدمات ووجع.
فجأة، الباب اتفتح ودخل سايمون.. بس مش سايمون اللي شفته من ساعة. كان متبهدل، قميصه مقطوع، والكلبشات في إيده، ووراه اتنين من رجالتي.
بص لي برعب، مكنش مصدق إن العجوز ده هو اللي عمل فيه كل ده في ساعة واحدة.
أرجوك.. يا حاج ميلر.. أنا مكنتش أعرف.. أنا هعمل أي حاجة.. هطلقها وهديها كل اللي هي عايزاه..
قربت منه خطوة واحدة، وصوتي كان واطي ومرعب
إنت مش هتديها حاجة.. إنت معندكش حاجة أصلاً. إنت دلوقتي ملكش غير الهدوم اللي عليك دي.. وحتى دي، الدولة هتاخدها منك تمن السنين اللي سرقت فيها ضرايب الناس.
بصيت لرجالة الأمن وقلت
خدوه من هنا. ريحته بتلوث المكان.
لما خرجوه، قعدت جنب كالي ومسكت إيدها. فتحت عينها براحة وبصت لي باستغراب
بابا.. إيه اللي حصل؟ هما فين؟
بست راسها وقلت لها
نامي يا حبيبتي.. الكابوس خلص. والبيت اللي كنتي خايفة منه.. أنا هديته فوق دماغهم.
النهار بدأ يطلع، وأنا عارف إن عيلة ثورن انتهت للأبد. مكنوش يعرفوا إن الأسد لما بيكبر بيفضل أسد، وإن بنتي خط أحمر.. مبيتلمسش.
فات أسبوع. كالي
بدأت تفوق وترجع لنفسها، الكدمات اللي على وشها بدأت تخف، بس النظرة اللي في عينها كانت لسه مكسورة. كنت قاعد جنبها في البيت، البيت الصغير اللي ميريديث كانت بتتمسخر عليه، بس المرة دي كان أمانها الوحيد.
تليفوني رن، كان المحامي بتاعي.
يا حاج ميلر، سايمون انهار تماماً في التحقيق. اعترف بكل حاجة، مش بس بضرب كالي، ده قرّ على صفقات أبوه القديمة كلها عشان يهرب من حكم المؤبد. العيلة حرفياً بتنهش في بعضها دلوقتي.
وميريديث؟ سألت وأنا بجهز لكالي كوباية شاي.
ميريديث محبوسة على ذمة التحقيق بتهمة التستر والمشاركة في تزوير أوراق رسمية. الفيلا اللي كانت فخورة بيها اتحجز عليها، والمزاد بتاعها الأسبوع الجاي.
بصيت لكالي وقلت للمحامي
اشتري الفيلا دي بالمزاد.. باسم كالي.
كالي رفعت راسها وبصت لي باستغراب، هزيت راسي وقلت لها البيت اللي اتهنتي فيه، هيبقى ملكك، وهتبيعي الأرض بتاعته وهتبني مكانها مستشفى أو ملجأ.. المهم إن اسمهم يتمسح من التاريخ.
فجأة، سمعت صوت عربية بتقف قدام البيت. طلعت بره، لقيت إدوارد ثورن، الأب، اللي كان مسافر ولسه واصل وعرف إن إمبراطوريته ضاعت. كان باين عليه الكبر والذل، نزل من عربيته اللي ملقاش غيرها وجري عليا.
أرجوك يا ميلر.. أنا مكنتش أعرف إن ابني غبي للدرجة
دي. دمرني أنا، بس سيب مراتي تخرج، هي ملهاش ذنب في صفقات الشركة.
بصيت له بمنتهى الهدوء، طلعت سيجارة وولعتها وقلت له
مراتك وقفت تتفرج على بنتي وهي بتموت، وقالت لي ارجع لبيتك الصغير. أهو بيتي الصغير ده هو اللي شال بنتي، وقصري أنا اللي إنت متعرفش مكانه هو اللي داس على رقابكم.
إدوارد وقع على ركبه عايز إيه عشان تسيبنا في حالنا؟
نفخت دخان السيجارة في الهوا وقلت له
عايزك تعيش اللي بنتي عاشته. تعيش وحيد، مكسور، ومن غير مليم. عايزك كل ما تمشي في الشارع وتشوف صورتك وصورة ابنك في الجرائد كأكبر نصابين في البلد، تفتكر إنك لمست حاجة مكنش ينفع تلمسها.
سيبته ورفعت التليفون يا مازن، خلص الإجراءات. مش عايز حد من العيلة دي يفضل برا السجن قبل الفجر.
دخلت لكالي، لقيتها واقفة عند الشباك، وشها لأول مرة فيه راحة. بصت لي وقالت شكراً يا بابا.. مكنتش أعرف إنك بكل القوة دي.
ابتسمت لها وبست إيدها يا بنتي، أنا كنت نايم بس عشان خاطرك.. لكن وقت اللزوم، مفيش حد بيعرف يصحيني غير الوجع اللي في عينك.
من يومها، مفيش حد في البلد دي بقى يجرؤ ينطق اسم آل ثورن.. والكل بقى يعمل ألف حساب للراجل العجوز اللي راكب عربية نص نقل قديمة، وبيدور في شوارع المدينة بكل هدوء.
مر شهر على اليوم اللي غير كل حاجة.

القصر اللي كان سايمون بيفتخر بيه، اتهدم

تماماً بأمر إزالة لمخالفات بناء قديمة أنا اللي كنت مطلعها من الدفاتر المنسية. الأرض دلوقت بقت مجرد تراب، وكأن عيلة ثورن مكنش ليها وجود في المكان ده أصلاً.
كنت قاعد في جنينة بيتي الصغير، وكالي كانت قاعدة جنبي بتشرب قهوتها، ملامحها رجعت تنور تاني، وبدأت تضحك من قلبها وهي بتلعب مع الكلب بتاعنا.
تليفوني رن، كان مازن.
يا فندم، سايمون انحكم عليه ب 15 سنة أشغال شاقة. وأمه خدت 7 سنين. وأبوه أعلن إفلاسه الرسمي النهاردة الصبح، وشوفته بعيني خارج من الفندق اللي كان سكن فيه بشنطة هدوم واحدة.
والباقي؟ سألت ببرود.
تم، كل اللي ساعدوهم أو غطوا على بلاويهم من أصغر موظف لأكبر مسؤول، كلهم دلوقتي في التحقيق. البلد نضفت منهم يا فندم.
قفلت السكة وبصيت للسما. كالي حست بيا، سابت اللي في إيدها وقربت مني، حطت راسها على كتفي وقالت
بابا.. أنا كنت فاكرة إن الفلوس والاسم هما اللي بيحموا الناس. بس اكتشفت إن الأمان الحقيقي هو إن يكون ورايا ضهر زيك.
ضحكت وقولتلها
الفلوس بتبني حيطان، لكن الحق هو اللي بيبني بيوت يا بنتي. هما بنوا حيطان من ورق، وأول ما الهوا خبطها.. وقعت فوق

دماغهم.
في اللحظة دي، وقفت عربية سودا قدام البيت. نزل منها راجل لابس بدلة رسمية، وكان باين عليه الهيبة. ده كان وزير الداخلية الأسبق، وصديق عمري اللي كان عارف حقيقتي من زمان.
قرب مني وسلم عليا بحرارة وقال
وحشتنا يا جنرال.. مش ناوي ترجع بقى؟ المكان لسه فاضي ومحتاجك.
بصيت لكالي، وبعدين بصيت لعربيتي النص نقل المركونة في الظل، وقولتله بابتسامة صافية
أنا خلاص سلمت العهدة من زمان يا صاحبي. أنا دلوقتي مجرد راجل عجوز، بيحب يقضي يومه مع بنته، ويصلح عربيات قديمة. العظمة مش في الكرسي، العظمة في إنك تقدر تنام وإنت عارف إن مفيش حد مظلوم نايم بيدعي عليك.
الراجل هز راسه باحترام، وركب عربيته ومشي.
كالي بصت لي بدهشة جنرال؟
غمزت لها وقولت انسي يا حبيبتي، ده لقب قديم.. المهم دلوقتي، تتغدي إيه؟ أنا النهاردة اللي هطبخ بنفسي.
مشيت وأنا حاسس بخفة في روحي. الانتقام مكنش الهدف، الهدف كان العدل. ودلوقتي، مفيش حد يقدر يلمس شعرة من كالي، لأن الكل عرف إن ورا البنت الرقيقة دي.. وحش نايم، مبيصحاش إلا لو حد فكر يكسر قلبها.
السنوات عدت، والهدوء رجع لبيتنا، وكأن العاصفة اللي شالت آل ثورن كانت مجرد حلم بايخ. كالي كملت دراستها وبقت تدير مؤسسة خيرية لمساعدة الستات اللي بيتعرضوا للعنف، وبقى اسمها لوحده كفيل يخلي أي حد يفكر ألف مرة قبل ما يظلم حد.
وفي يوم، وأنا قاعد قدام ورشتي الصغيرة، لقيت راجل مبهدل، هدومه قديمة ووشه عليه ذل السنين، واقف بعيد بيبص عليا. عرفته من عينيه.. كان سايمون. خرج من السجن بعفو صحي أو يمكن قضى مدته، بس خرج وهو ميت حي.
قرب مني بخطوات مرعوشة، ووقف قدامي وهو باصص للأرض
أنا مش جاي أطلب سماح.. أنا عارف إن ملوش مكان. أنا بس كنت عايز أسألك.. إنت مين؟ إنت إزاي عملت كل ده؟
نفخت دخان سيجارتي بهدوء وبصيت له من فوق لتحت
أنا أب.. ودي حاجة إنت وأهلك عمركم ما فهمتوها. إنت كنت فاكر إن القوة في البنك، والجاه في الاسم.. بس القوة الحقيقية في إنك تبقى مستعد تحرق العالم عشان خاطر ضحكة من بنتك.
طلع محفظة جلد مقطوعة، وطلع منها صورة قديمة لكالي وهي بتضحك، وقال بصوت مخنوق
دي الحاجة الوحيدة اللي فضلت معايا في الزنزانة.. كنت كل يوم بشوفها وأعرف إني خسرت أغلى حاجة ممكن إنسان يملكها.
سكت شوية وبعدين كمل أمي ماتت في السجن، وأبويا مات لوحده في ملجأ.. وأنا دلوقتي معيش تمن لقمة.
طلبت له كوباية شاي وسندوتش من القهوة اللي جنبي، وقولتله ببرود
كل الشاي ده وامشي.. ومتورنيش وشك تاني. مش عشان خايف منك، لا.. عشان بنتي مش لازم تشوف وشك وتفتكر يوم واحد من السواد اللي عيشتهولها.
خد الشاي وإيده بتترعش، ومشي وهو بيجر رجليه في التراب، وكأنه خيال لراجل كان في يوم فاكر نفسه ملك الزمان.
كالي خرجت من البيت، شافت منظره وهو ماشي بس مسألتش مين ده. بصت لي وابتسمت وهي ماسكة في إيدها بنتها الصغيرة، ليلى، اللي سميتها على اسم والدتها.
يا بابا، ليلى عايزة تروح معاك الورشة النهاردة، بتقول عايزة تتعلم إزاي بتصلح العربيات.
ضحكت وشيلت حفيدتي على كتفي، وقولت لها
تعالي يا ست البنات.. هعلمك إزاي تبقي قوية، وإزاي متخليش حد في الدنيا يكسرك.. وهعلمك أهم درس إن العيلة هي الحصن الوحيد اللي مبيتهدش.
دخلت الورشة وأنا حاسس إن مهمتي في الدنيا كملت. مشيت الجنرال ورجعت الجد، والمدينة كلها بقت تنام في أمان، لأنهم عارفين إن في راجل عجوز، بعربية نص نقل قديمة، لسه صاحي وحامي حماها.. مش بالرتبة، ولا بالفلوس، لكن بقلب أب محبش في الدنيا قد بنته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *