كان اللقاء
الفصل الأول
من أنتى أيتها الجميلة الرقيقة الخجولة الشقية؟
تبلبلين عقلى وتشغلين قلبى وأحلامى الوردية
لم أعد أنا كما كنت.. جبارا قويا
ولم أعد وحيدا..حزينا..أو قلبا شقيا
أنتظر الليل فقط كي تأتينى وتأتى معك بسعادتى الأبدية
*****************
كانت تجرى فى هذا الوادى العشبي الجميل..تنطلق ضحكاتها الصاخبة التى تطرب قلبه وتزيد من دقاته ليبتسم رغما عنه وهو يحاول اللحاق بها..لتلتفت بجانب وجهها يكاد يراها لأول مرة منذ أن بدأت تطارده وتشغل عقله وقلبه وأفكاره..ولكنها عادت تنظر إلى الأمام..تزيد من غموضها وتنطلق ضحكاتها المشاغبة..يتمايل شعرها البني اللون و المتهادى على أكتافها مع الهواء..ليخطف سحره لبه..يتوه فى ذلك الشعر الحريري المسترسل..يتمنى فقط لو إستطاع أن يلمسه ويمرر أصابعه فى خصلاته..يتمنى فقط لو كفت عن الهرب منه ونظرت إليه ليرى ملامحها التى يثق بأنها رائعة تماما كضحكاتها.. فقط لو رآها وأثلج قلبه المشتاق لرؤيتها..فقط لو إستطاع اللحاق بها..ولكنه دوما ورغم ركضه بأقصى سرعته وأنفاسه اللاهثة ..ورغم كل شئ يبذله..تستطيع هي بكل سهولة ان تسبقه دائما ..فلم يستطع ولو لمرة واحدة اللحاق بها أو إيقافها ..كاد أن ييأس.. لتتوقف فجأة وتبدأ بالإستدارة ليتجمد مكانه وتتسارع دقات قلبه وهو ينتظر الكشف عن ملامحها……
فجأة تلاشى كل شئ ليفتح عينيه على يد رقيقة تهز كتفه..نظر إلى صاحبتها التى مالت عليه تنادى بإسمه هامسة..لثوان أحس بالضيق منها فقد كان قاب قوسين أو أدنى من الكشف عن تلك الغامضة الرائعة التى تغزو أحلامه دوما وتقلق منامه وأفكاره..ولكن إيقاظها له أضاع كل شئ..لتنفرج أساريره قليلا وهو يلاحظ قلق تلك الجميلة عليه..والذى ظهر على ملامحها الرقيقة الشفافة ..وهو إن كان قاسى القلب..صلد بارد مع الجميع.. فأمامها هي بالذات لا يستطيع أن يفعل شيئا سوى أن يكون هذا الأخ الحنون الذى لطالما كانه لها وسيكون دائما..فهي ليلته الجميلة الرقيقة التى توفي والدها وهي مازالت بعد صغيرة..ثم توفيت والدتها بعدها ليكون لها ولأختهم لين الأب والأم والأخ..ربما يميل قليلا لليلته..لأنه يشعر بضعفها ورقتها وطبيعتها الحساسة الهشة..بينما لين تملك شخصية قوية لا تحتاج إليه البتة ..ولكنه ورغم قربه من لين بالماضى مع إستقلاليتها تلك.. إلا أنها فى الوقت الحاضر ..ومنذ طلاقها لم تعد أبدا كما كانت..إنغلقت على نفسها وأقامت بينهما الحواجز والسدود..و التى أقسم على إزالتها ..فقط يحتاج لبعض الصبر والوقت واللذان فى الوقت الحالى لا يملك أيا منهما..ولكنه يضعها تحت ناظريه حتى يجد الوقت المناسب لإخراجها من تلك الحالة الغريبة التى إعترتها وتقوقعها حول نفسها..لتنغمس فى العمل نهارا والحفلات ليلا ..تماما كزوجته شاهيناز..لقد أصبحت تقريبا نسخة طبق الأصل منها..
أفاق من أفكاره على صوت ليلة القلق وهي تهمس بإسمه قائلة:
خالد.
نظر إليها لتستطرد قائلة فى قلق:
إيه بس اللى منيمك فى أوضة المكتب؟إنت إتشاكلت مع شاهيناز تانى؟
هز رأسه نفيا قائلا:
لأ ..متخانقناش..أنا بس كنت براجع شوية أوراق والظاهر نمت من غير ما أحس.
إبتسمت قائلة:
ربنا يعينك ياحبيبى..طب قوم يلا كمل نوم فى أوضتك..وإرتاح حبة.
فرك بأصابعه ذلك الجسر بين عينيه ثم نهض وهو يتمطى بكسل قائلا:
انا فعلا هعمل كدة..تصبحى على خير.
إبتسمت قائلة :
تلاقى الخير.
توجه إلى الباب ولكنه لم يلبث أن توقف وهو يلتفت إلى ليلة ينظر إليها وهي تجلس مكانه وتفتح كتابا بيدها..ليقول بإبتسامة:
رومانسى برده؟
رفعت بيدها الكتاب وهي تبتسم قائلة :
إنت عارفنى..مقدرش يومى يمر من غير ما أقرا رواية رومانسية.
قال بمزاح ساخر:
يابنتى فكك من الهبل ده..كلام الروايات ده مش حقيقى..واللى بيكتبوه ناس فاضية عندهم إحباط عاطفى.
قالت فى غيظ:
ملكش دعوة بالروايات.. واللى بيكتبوا الروايات .
لتشير إلى نفسها قائلة:
واللى بيقروا الروايات..خليك إنت فى عالم البيزنس بتاعك ، وخلينا إحنا جوة العالم بتاعنا..ماشى.
إبتسم قائلا:
ماشى ياستى..سلام يا دكتورة.
إبتسمت ليلة قائلة :
سلام ياسيدى.
ليغادر خالد بهدء تتبعه ليلة بعينيها..قبل أن تعود لروايتها ..تجرى عيناها على سطورها..تعيش بين جنباتها سعادة لا تعيشها سوى فى تلك الروايات..عالمها الخيالي الرائع.
************************
تقدمت جورية بإتجاه مكتب فراس بخطوات رقيقة لتضع على مكتبه فلاشة حمراء وهي تزفر قائلة براحة:
وأخيرا خلصت الرواية..يادوب تلحق تطبعها عشان تنزل بيها المعرض السنة دى.
إبتسم فراس وهو يتناول الفلاشة ويضمها بأصابعه ناظرا إلى جورية وهو يقول:
كنت عارف إنك أدها على فكرة.
جلست على المقعد المواجه لمكتبه وهي تتنهد قائلة:
والله النهاية تعبتنى أوى يافراس..كتبتها ومسحتها ييجى عشر مرات كدة..بس الحمد لله ..خلصتها وراضية أوى بالخاتمة دى.
تفحص ملامحها الشاحبة ليدرك أنها لم تأكل ولم تشرب ولم تنام بل إنغمست كلية فى كتابة الخاتمة حتى أنهتها بتلك الصورة التى أرضت خيالها..هكذا هي منذ أن تعرف إليها وأقنعها بالنشر لديه فى دار المبدعون للنشر والتوزيع..لديها موهبة رائعة وكاتبة مجتهدة..تبغى الكمال حتى فى كتاباتها..لقد رأي منذ اللحظة الأولى موهبتها تلك التى تحتاج فقط إلى من يرعاها ويوجهها توجيها صحيحا..وبالفعل إستطاع هو القيام بذلك..لينشر لها أول رواية بعنوان(أحببتك وإنتهى الأمر)..لتحصد نجاحا كبيرا..لتليها روايتها الرائعة والتى أحبها هو بشكل خاص بعنوان(أنفاس حياة)والتى حققت بدورها نجاحا منقطع النظير..وحصلت على أعلى نسبة مبيعات فى تاريخ الدار..حقا إنها فتاة رائعة تلك الجورية..فرغم رقة ملامحها ..إلا أنها تحمل شخصية هي مزيج رائع من الرومانسية والرقة والعقل والقوة..ولولا أنه يعلم منذ البداية بماضيها والذى لا يدع له أي مجال للدلوف إلى قلبها لكان أحبها على الفور ولكنه أعدها بمثابة أخته منذ أن أخبرته بقصتها ..وعاملها على هذا الأساس.
أفاق من أفكاره على حمحمة رقيقة من جورية وهي تقول:
إحم..فراس..سرحان فى إيه؟
إبتسم قائلا:
مفيش ياجورى..قوليلى بقى لسة مصممة يكون بطل غلافك بنفس الملامح؟
ظهرت لمحة من الحزن مرت عبر عينيها وإلتقطها فراس..ليلوم نفسه بشدة على سؤالها..ولكنها مالبثت أن قالت بهدوء يخالف ذلك الألم القابع فى عمق عينيها:
أنا سلمت الغلاف للمطبعة وهم هيعدلوه..والرواية عندك أهي .. مكنش فاضل غير الخاتمة..إقراها وإبقى قوللى رأيك؟
أومأ برأسه لتنهض قائلة:
أنا هقوم أمشى بقى عشان ألحق أكلم جدى عزيز..لإنه وحشنى جدا..بقالى يومين مكلمتوش بسبب الرواية دى وأكيد زعلان منى.
قال فراس :
هتروحيله ؟
لعن فراس لسانه الزالف والذى يتسبب بإيلامها دون قصد منه فقد ظهر الحزن على وجهها على الفور فور نطقه لسؤاله..ليظهر فى صوتها الذى تهدج ألما وهي تقول:
إنت عارف إنى مبروحش هناك من ساعة…..
وصمتت ولكنه أدرك ما عجزت عن النطق به..ليحاول أن يغير ذلك الموضوع الشائك ..وهو يقول:
طيب أول ما ييجى عرفينى..عشان حابب أشوفه وأسلم عليه لإنه وحشنى أنا كمان.
إبتسمت إبتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها وهي تقول:
اكيد هقولك..سلام.
لتلتفت مغادرة ولكنه إستوقفها قائلا:
مقلتليش..فى الخاتمة..مين كان المعجب الغامض بحنان ؟
شعت عيونها فجأة بالحياة ..فالقصص والروايات هما الشيئان الوحيدان اللذان يشعلان روحها بعد ان ظنت بأنها أصبحت روح باهتة لا حياة فيها..لتبتسم قائلة:
مفاجأة.
ليبتسم بدوره وتغادر هي بهدوء..ليفتح قبضة يده وينظر إلى الفلاشة بعيون مبتسمة..ثم يضعها على الفور باللاب توب خاصته..ليفتح الملف والمكتوب عليه الخاتمة..تجرى عيناه على سطورها ..لتتسع مع مرورها على الكلمات إنبهارا….وإعجابا.
********************
إستيقظ نبيل على صوت تحطم شديد ..ليندفع بإتجاه حجرة مؤيد حيث يأتى منها الصوت ..ليدلف إلى الحجرة ويرى مؤيد يقف فى منتصف الحجرة لاهثا بقوة بينما تحطم كل شئ بالداخل..المرايا والأثاث..لم يعد هناك شيئا سليما بالمرة..ليقترب من صديقه الذى أطرق بوجهه أرضا قائلا بقلق:
مالك يامؤيد؟حصل إيه؟وإيه اللى خلى الأوضة بالشكل ده؟
رفع مؤيد وجهه إلى نبيل لينتاب نبيل الجزع وهو يرى تلك الدموع التى غشيت عيون صديقه..والتى لم يراها فى عين صديقه حين مات والد مؤيد فى حادث سيارة أليم ..ولم يراها حتى فى يوم طلاقه من زوجته السابقة والتى يدرك نبيل أنها كانت حب مؤيد الأول والأخير..عشقه الوحيد..فما السبب الجلل والذى كان ورائها اليوم؟ليقول نبيل وهو يمسك كتفي صديقه بيديه:
فيه إيه ياصاحبى مالك؟طمنى عليك.
إبتعد مؤيد عن محيط ذراعي صديقه وهو يستدير مانحا إياه ظهره قائلا بصوت مختنق:
أنا تعبان يانبيل..تعبان.
ليتنهد مستطردا:
يوم ما طلبت منى الطلاق كانت صدمتى كبيرة.
أدرك نبيل أن السبب فى ألم صديقه هي زوجته السابقة وعشقه لها..ربما هناك جديد بخصوصها..أفاق من أفكاره على صوت مؤيد وهو يقول:
مقدرتش أتناقش معاها او أقنعها..وخصوصا إنها قالتلى إن نفسها تخلف وإنى مش قادر أسعدها بطفل يملى عليها حياتها ورغم إن لا أنا ولا هي فينا عيب يمنعنا من الإنجاب..وإن التأخير مش ذنبنا.. دى حكمة ربنا وقدرنا..بس كرامتى كراجل خليتنى أرفض اعيش مع واحدة غصب عنها حتى ولو كانت روحى فيها..طلقتها وأنا قلبى بينزف..بيموت بالبطئ..ماهو حبها كان النفس اللى بعيش بيه…ساعتها بجد قلبى مات..وإفتكرت إنى كرهتها..وعشان كدة سافرت على هنا..كنت بهرب من ذكرياتى معاها اللى كنت بشوفها فى شقتنا وفى كل مكان بروحه..كنت بهرب من شبح عشقها الساكن جوايا ..واللى حتى فى أنفاسي كنت بلاقيه.
كان نبيل صامتا تماما..تاركا لصديقه الفرصة ليعبر عن مكنون قلبه ربما للمرة الأولى..فلم يتحدث مؤيد عن إنفصاله من زوجته قبل ذلك ابدا..فلربما أراحه ذلك من عذاب يدركه فى كل حرف من حروف كلمات مؤيد والتى تنطق بحزنه ومرارته..أفاق مجددا من أفكاره على صوت مؤيد وهو يقول:
تلات سنين بحالهم وأنا هنا فى غربتى بعيد عنها..فكرت نفسى قدرت أنساها وأنسى عشقها اللى كان بيجرى فى دمى..بطلت أحب القهوة لإنها بتحبها..بطلت أسمع فرانك سيناترا لإنها بتحبه..كل حاجة ميزتها فى نظرى بعدت عنها عشان متفكرنيش بيها..بطلت حتى أفتح النت و صفحتى الشخصية عشان مدورش عليها وعلى أخبارها..بس غصب عنى لقيتنى بفتح النت النهاردة وبدور عليها ..تعرف لقيت إيه؟
إستدار ليواجه عينا صديقه القلقتين بعينيه المتألمتين وهو يقول بسخرية مريرة:
لقيت خبر عنها فى الجريدة الوطنية..صورة ليها مع محمود عزمى.. المليونير المعروف صاحب أكبر قرية سياحية فى مصر..وعنوان تحتها عريض عن قرب سماع خبر سعيد هيفرح كل المقربين من العيلتين..عارف ده معناه إيه؟
أدرك نبيل بالطبع معنى تلك الكلمات ولكنه آثر الصمت ومؤيد يقول بمرارة:
معناه إن الهانم خلاص هتتجوز واحد غيرى..حبت تحقق حلمها بالطفل اللى أنا كمان إتمنيته..بس إتمنيته معاها هي وبس ..الهانم خلاص نسيتنى ومبقتش أفرق معاها خلاص..كملت حياتها من بعدى..بس أنا اللى مقدرتش أكمل..وقفت فى مكانى عاجز عن إنى أخرج من محراب حبها اللى سجنت قلبى وحياتى جواه..هي عايشة ومبسوطة وأنا بتقطع كل يوم من سكي..نة جرحها ونزيف قلبى فى بعدها..واللى كانت هي السبب فيه.
ليغمض عينيه لثوان شعر فيهم نبيل أن مؤيد يحاول أن يحتوى ألمه النابض بعروقه..ليفتح مؤيد عينيه فجأة ليتأكد نبيل من ظنه ..يرى قسوة إحتلت عينا صديقه وهو يقول:
بس وحياة ليالى مدقتش فيها النوم عشان حرمتنى حضنها..وحياة أيام كنت بتعذب فيها كل أما اغمض عينى وأشوف صورتها أو أسمع إسمها..وحياة دقات قلبى اللى كانت بتزحف من الألم وبتبهت فى كل ثانية مرت وهي مش جنبى..لأدفعها التمن غالى..وأخليها تعرف إن مش مؤيد الحسينى اللى تلعب بيه وبمشاعره وتعتبره لعبة فى إيديها ممكن تلعب بيها شوية وتكسرها وبعدين تدور على لعبة غيرها..لأ..مبقاش أنا إن ما خليتها تركع على رجليها أدامى..تتمنى منى السماح وساعتها بس همسح صورتها من قلبى وإسمها من عقلى وحبها من تكوينى..ساعتها بس هنساها..للأبد.
قال نبيل بقلق:
هتعمل إيه يامؤيد؟
قال مؤيد فى صرامة:
هرجع مصر ..بكرة الصبح.
********************
كان خالد يلاعب طفلته الصغيرة ..يبتسم بحنان على طفوليتها وضحكاتها البريئة العفوية..ليتذكر صاحبة الضحكات التى تماثلها عفوية وسحرا..تلك التى سلبته راحة البال وأصبحت تشغل عقله..يتساءل عن سبب غزوها لأحلامه التى تقض مضجعه ولكنها فى الوقت نفسه تمنحه شعورا رائعا بالحياة..أفاق من أفكاره على يد تلك الصغيرة التى قرصته بخفة فى وجنته ليقول بحنان:
بتقرصى بابى ليه ياريمو؟
قالت ريم بشقاوة محببة:
عشان تبطل تسرح وأنا جنبك يا بابى..حتى لو كنت بتفكر فى مامى..مش مسموح طول ما إنت معايا..مفهوم؟
إتسعت إبتسامته وهو يقول:
حبيبتى الصغيرة كبرت وبقت بتغير على بابى.
قالت ريم ببراءة :
عشان بحبك لازم أغير عليك..عادل قاللى كدة.
إتسعت عينا خالد بدهشة قائلا:
عادل ده مين ياريم؟
قالت ريم :
زميلى فى المدرسة يابابى..بيحبنى وأنا بحبه..بس هو كان زعلان منى عشان انا مبغيرش عليه من ساندى ..وقاللى عشان أكون بحبه لازم اكون بغير عليه.
قال خالد بحنق:
حب إيه وغيرة إيه فى سنكم ده..انتى قلتى الكلام ده لمامى ياريم؟
قالت ريم ببراءة:
قلتلها يابابى..
قال خالد :
وقالتلك إيه؟
قالت ريم:
ضحكت هي وطنط ماهى .
قال خالد بحنق هامس:
ضحكت ! دى أم بتربى دى؟..حاجة تعلى الضغط.
ليقول بتروى موجها حديثه إلى ريم :
بصى ياريم..إنتى عندك ٧ سنين..يعنى لسة صغيرة أوى على موضوع الحب ده..عادل زميلك وبس..وإنتى كمان زميلته وبس..لما تبقى أد مامى..هتحبى وتنحبى..ومن هنا ورايح متقعديش مع عادل ده ولا تكلميه أصلا..اقولك..أنا بكرة هنقلك من المدرسة دى خالص.
قالت ريم بحزن:
ليه بس يابابى؟..سيبنى فى مدرستى دى ..انا بحبها وبحب المدرسين اللى فيها.
قال خالد بحزم:
معلش ياقلبى..عشان أنا بحب ريمو وخايف عليها..لازم أعمل كدة..إتفقنا؟
اومأت برأسها وهي تطرقه بحزن..ليقبلها فى رأسها قائلا:
تصبحى على خير ياحبيبتى.
همست ريم قائلة:
تلاقى الخير يابابى.
قال خالد:
فين بوسة بابى.
قبلته ريم فى وجنته قبل أن تتجه إلى السرير تتضجع عليه ليدثرها خالد برفق ويقبلها فى جبهتها ثم يغادر الحجرة مغلقا الباب خلفه ..ليتجه إلى حجرته حيث توجد زوجته المستهترة..والتى يدرك أنها فى أعماقها تحب طفلتها ولكنها فقط لا تجد الوقت مابين عملها وحفلاتها لرعايتها..لتتركها هكذا..وحيدة..وتقريبا….بلا أم.
الفصل الثانى
لا تسخروا منى وتقولون فتاة خيالها واسع
تريد بطلا كأبطال رواياتها ..رومانسي رائع
الكون خال منهم..وليس هناك حقا نجم ساطع
كلا …..بل يوجد فى هذا الكون نجمي اللامع
فقط سأنتظره أو أبحث عنه..لن أيأس ولن أتراجع
*************
دلف خالد إلى حجرته ليجد شاهيناز جالسة أمام المرآه تضع بعض الكريمات على يديها وقدميها..إتجه إلى سريره بصمت وخلع عنه تيشيرته ثم إضجع عليه بهدوء..يضع يديه تحت رأسه ناظرا إلى سقف الحجرة لثوان ثم مغمضا عينيه ..شعر بها تقترب من السرير..يسمع حفيف ثوبها..لتتمدد بجواره..ثم تمرر أظافرها الطويلة على طول صدره العارى..جز على أسنانه بقوة..فهو اليوم لا رغبة له مطلقا فى أن يقترب منها أو حتى يلمسها..ليتساءل فى نفسه……
منذ متى كانت لديه تلك الرغبة الجامحة بها؟رغبة العاشق بمعشوقته؟ربما أبدا لم تكن لديه تجاهها..أفاق من شروده على صوتها الهامس بإسمه فى إغراء قائلة:
خالد.
فتح عيناه يطالعها ..فإقتربت منه تود تقبيله ليشيح بوجهه عنها ثم ينهض فجأة..لتعتدل عاقدة حاجبيها وهي تقول:
مالك ياخالد؟
نظر إليها فى حيرة لايدرى بما يجيبها..أيخبرها أنه فقد الرغبة بها منذ زمن طويل؟.. ربما منذ أن أدرك أنه تزوجها دون إرادة منه حقا..وأنه كان غرا ساذجا عندما ظن أنه ربما أحبها بعد الزواج..وأنه لا بأس بزواج المصلحة هذا..أم يخبرها أن فتاة أحلامه قد شغلت عقله وقلبه ولم تدع فيهما مكانا آخر لغيرها؟..ستظنه حتما مجنون..
أم يخبرها أنه ينفر منها لإنه يستشيط منها غضبا بسبب إهتمامها بعملها وحفلاتها وصديقاتها..وإهمالها إبنتها؟لا يدرى حقا ماذا يقول لها..ليفضل أن يخبرها بشعوره الأخير.. يهاجم ذاتها الأنانية المستهترة والتى لاتكترث بأحد ..ليعقد حاجبيه وهو يقول بحدة:
لما ريم جتلك وقالتلك على موضوع عادل..ليه محكيتليش؟ وإزاي تضحكى إنتى وماهينار على حاجة زي دى؟..مش المفروض كنتى إتكلمتى معاها وفهمتيها بالراحة إن ده غلط وإنها لسة صغيرة على الكلام ده؟
نهضت شاهيناز وهي تقول بعصبية:
فيه إيه بس ياخالد؟الموضوع ميستاهلش كل الكلام ده..دول أطفال..يعنى كل ده لعب عيال على فكرة.
نظر إليها قائلا ببرود:
إنتى شايفة الموضوع ميستاهلش..بس أنا شايفه يستاهل..بنتك لازم تاخدى بالك منها..هي صحيح عندها ٧ سنين بس اللى هتتربى عليه دلوقتى هو اللى هتكبر عليه..ومفاهيمها دلوقتى بتتكون..يعنى لازم تعرف إيه الصح وإيه الغلط..مفهوم؟
نظرت إليه بحنق..ليردد بصرامة:
مفهوم ياشاهيناز؟
قالت شاهيناز فى ضجر:
مفهوم.
تأملها للحظة قبل أن يأخذ تيشيرته ويلتفت مغادرا الحجرة لتستوقفه قائلة:
رايح فين؟
توقف وهو ينظر إليها بجانب وجهه قائلا:
نازل الجنينة أشم شوية هوا.
ثم أكمل سيره مغادرا الحجرة بهدوء..لتجلس شاهيناز على السرير..زافرة أنفاسها بغيظ..قائلة:
الوضع كدة مبقاش مريحنى ياخالد ..ولازم أشوف حل قبل ما تضيع منى وتضيع معاك فلوس عيلة نصار..وده مش ممكن يحصل…..أبدا.
********************
…..بعد مرور عدة أياااام.
كانت ليلة تجلس مع صديقتها لبنى فى كافيتريا الجامعة..ينتظران موعد المحاضرة القادمة..حين زفرت ليلة بقوة قائلة:
على فكرة يا لبنى ..الرواية اللى قلتيلى عليها معجبتنيش خالص..بصراحة مقتنعتش بشخصية أبطالها..إزاي بس ظابط فى المخابرات ويطلع بالشخصية الضعيفة الهشة دى؟
إبتسمت لبنى قائلة:
كنت عارفة إن ده هيكون رأيك..على فكرة أنا كمان لما قريتها إنبارح حسيت نفس الإحساس..وإتصلت بسوسن وبهدلتها ..وقلتلها ياتقوللى على رواية كويسة ..ياتقطع علاقتها بية نهائى.
ضحكت ليلة برقة قائلة:
بالذمة مش عيب علينا..نبقى إتنين محترمين فى آخر سنة فى كلية طب ويبقى ده حالنا؟..مجانين روايات.
شاركتها لبنى ضحكاتها وهي تقول:
لأ ومش بس كدة..سايبين أبطال الواقع وغرقانين فى حب أبطال الروايات..أهو ده الجنان الرسمى.
إبتسمت ليلة قائلة:
نعمل إيه بس إذا كان أبطال الروايات أحلى كتير من الحقيقة..زي ما بنحلم يكون فارس أحلامنا بالظبط..وسيم..رزين..رومانسى..وبيعشق البطلة من أول نظرة.
قالت لبنى بلهجة ذات مغزى:
ما انتى عندك بطل فى الحقيقة كدة..دكتور وليد..وسيم وغنى وبيعشقك من أول مرة شافك فيها.
ظهر الإستنكار على وجه ليلة وهي تقول:
وليدإيه بس..إنتى بتقارنى وليد بأبطال الروايات؟ لأ طبعا..مفيش مقارنة..وليد بتاع بنات وخفيف كمان..أنا بطل أحلامى غير.
هزت لبنى شفتيها يمنة ويسارا قائلة:
خلينا كدة بنتأمر على خلق الله لما هنعنس.
إبتسمت ليلة ولم تعلق..لتقول لبنى:
المهم..مقلتلكيش بقى..سوسن وكتعويض منها لينا على اللى حصل..قالتلى على إسم كاتبة أقل حاجة تتقال عنها إنها رائعة..وده كلام سوسن طبعا..اللى قريتلها رواياتها كلها (أحببتك وإنتهى الأمر)و(أنفاس حياة)وكانت بتقرالها (أقدار الحب)روايتها الجديدة واللى لسة نازلة السوق إنبارح فى المعرض .
مطت ليلة شفتيها الجميلتين قائلة:
هي أسماء القصص تشد الصراحة..بس مبقاش عندى ثقة فى إختيارات سوسن نهائي يا لبنى.
هزت لبنى كتفيها قائلة:
ولا أنا.. بس هقولك حاجة ودى بقى انا واثقة منها..سوسن مش ممكن تدفع فلوس فى ٣ روايات لكاتبة إلا لو كانت بجد تجنن.
نظرت إليها ليلة قائلة فى حماس:
طب وإحنا مستنيين إيه؟قومى بينا؟
عقدت لبنى حاجبيها قائلة:
على فين؟
قالت ليلة:
على المكتبة طبعا نجيب الروايات.
قالت لبنى :
طب والمحاضرة؟
قالت ليلة بلهفة:
إعتبرى إن الدكتور إعتذر..قومى بقى.
لتبتعد بإتجاه سيارتها بخطوات سريعة..لتنهض لبنى تتبعها وهي تقول بإبتسامة:
صاحبتى ومجنونة..زيي بالظبط..هنعمل إيه بس؟
لتتجه بخطوات سريعة إلى حيث سيارة صديقتها ..وبداخلها شغف مثلها تماما لرؤية تلك الروايات التى تحكى عنهم صديقتها سوسن..تتمنى أن تكون تلك الروايات حقا…..رائعة.
********************
دلفت سها إلى حجرة مكتب لين قائلة بعصبية:
إنتى تشوفيلك حل فى مرات أخوكى دى يالين..ياهقدم إستقالتى وحالا.
نهضت لين من على كرسيها وهي تقول:
طب إهدى بس وأقعدى وفهمينى بالراحة..إيه اللى حصل؟
جلست سها وهي تزفر قائلة:
الهانم ياستى مفكرانى مديرة مكتبها هي.. مش مديرة مكتبك إنتى..وكل شوية تبعتلى أخلصلها شغل..مع إن معاها مروة ومروة شاطرة جدا فى شغلها زي ماإنتى عارفة..بس كبرت دماغى.. وكل ماتبعتلى شغل كنت بخلصه.
لتأخذ نفسا عميقا قبل أن تستطرد:
بعتتلى شغل إنبارح وطبعا بسبب ضغط الشغل بتاعنا مقدرتش أخلصه..لقيتها بتكلمنى دلوقتى فى التليفون وبتزعق..أنا مسكت أعصابى بالعافية ..أولا لإنها مرات أخوكى فعملتلك حساب..ثانيا لإنى مش هنزل فى حوار لمستوى مش حباه..بس أنا مش شغالة عندها وهي ملهاش حق تكلمنى بالشكل ده أبدا.
جلست لين أمامها وربتت على يدها قائلة:
معاكى حق وحقك علية أنا..أنا هكلمها ومش هخليها تبعتلك شغل تانى ولا تضايقك..روقى بقى لإنى مش حابة أشوفك بالشكل ده.
تنهدت سها قائلة:
أنا آسفة لو إتعصبت يالين..بس الست دى مستفزة أوى..مغرورة كدة وفاكرة الكل شغال عندها ..أنا مش عارفة أخوكى بس مستحملها إزاي ولو إنه كتير بيشبهها.
تراجعت لين فى مكانها لتستند على ظهر مقعدها قائلة:
ده اللى بيحاول خالد يظهره للى حواليه..بس خالد من جواه طيب أوى..مش بالبرود ولا القسوة اللى بيتعامل بيها مع الكل..حنيته وطيبته بتظهر بس مع الناس اللى بيحبهم.
قالت سها:
زيك كدة يالين..بتحاولى تظهرى للكل قوية وباردة و self independent woman..مع إنك من جوة أرق من النسمة وأضعف من هالة القوة اللى رسمتيها حواليكى دى.
زفرت لين قائلة:
يمكن انا كنت كدة زمان ..بس دلوقتى بحس إن من جوايا فراغ بارد..وقسوة اتغلغلت لقلبى وسكنت فيه..قسوة كان سببها حاجات كتير مريت بيها علمتنى مآمنش لمخلوق ولا أظهر ضعفى أدامه لإنه ساعتها هيبقى سهل عليه أوى يجرحنى..وأنا قلبى مبقاش حمل جرح جديد.
أدركت سها أن لين تتحدث عن زوجها السابق..فقد ترك بداخلها جرح جعلها تتحول بنسبة ١٨٠ درجة .. تشعر بأن صديقتها ممزقة المشاعر بين عشقه الذى ينبض به قلبها وكرهه لما فعله بها..ولكنها قررت أن تستمر فى حياتها رافضة أن تخضع لمشاعرها.. بل نحتها كلية من حياتها وإنغمست فى العمل نهار والحفلات ليلا..حتى لاتدع لنفسنا فرصة للتفكير بماضيها الأليم.
أفاقت من أفكارها على صوت لين وهي تقول بهدوء:
مش هتيجى معايا حفلة عيد ميلاد نور النهاردة؟
قالت سها:
انتى عارفة إنى مليش فى الحفلات دى يالين..روحى انتى وإبقى سلميلى عليها.
قالت لين برجاء:
طيب وإن قلتلك عشان خاطرى..أنا ببقى لوحدى ومحتاجاكى معايا ياسووو.
نظرت إليها سها وأمام نظرات الرجاء فى عينيها لم تجد أمامها حل سوى قبول الدعوة..لتقول بهدوء:
هاجى بس مش هلبس فساتين سواريه..أنا هلبس لبسى العادى ..موافقة؟
اومأت لين برأسها فى سعادة وهي تقول :
طبعا موافقة..انتى فى أي حاجة بتجننى ياسو.
إبتسمت سها وهي تنظر إلى صديقتها لين والسعادة البادية على وجهها..لتطمئن إلى قرارها بالذهاب معها إلى الحفل رغم نفورها من تلك الحفلات..فيبدو أن صديقتها تشعر بالوحدة وتحتاج إلى من يؤازرها ويؤنس وحدتها..وهي خير كفيل بذلك.
********************
كانت ليلة تتنقل بين أروقة المكتبة ..تقرأ عناوين الروايات الرومانسية..وهي تنتظر صديقتها لبنى التى تشترى تلك الروايات اللاتى سمعا عنها.. حتى إستقرت عيناها على قصة بعنوان (قلب بلا مرسى)..أعجبها العنوان والغلاف فمدت يدها كي تأخذها..ولكن يدها توقفت فى الهواء وهي تستمع إلى صوت صديقتها القلق وهي تنادى بإسمها..إلتفتت إليها تنظر إلى ملامحها المتوترة وهي تمسك بالروايات فى يدها..لتعقد ليلة حاجبيها قائلة فى حيرة:
مالك يا لبنى ..فيه إيه؟
رفعت لبنى تلك الروايات التى تمسكها أمام ليلة ليظهر غلافهم جميعا..وتتسع عينا ليلة فى صدمة.
….ظلت هكذا لمدة دقيقتين جامدة السكنات..عاجزة عن إبداء أي رد فعل..قبل أن تقترب من صديقتها تأخذ منها تلك الروايات تتأمل غلافهم فى ذهول تام..فعلى غلاف كل منهم قبعت صورة لأخيها كبطل للقصة..مرة كفارس روماني ومرة كضابط فى الجيش..أما هذا الأخير فصورة طبق الأصل منه فى بذلة سوداء أنيقة..تكاد تقسم أن لديه شبيهتها ..ويرتدى عليها ربطة عنق رمادية كتلك التى فى الصورة تماما..لترفع عينيها إلى عيني صديقتها القلقتين..تقول فى دهشة:
ده أخويا مش كدة؟
أومأت لبنى برأسها دون أن تنطق بكلمة..لتقف ليلة بجوارها تنظر إلى الأغلفة مستطردة بدهشة:
وإيه اللى خلاه موجود على غلاف كل الروايات دى؟
هزت لبنى رأسها فى حيرة قائلة:
مش عارفة..جايز الدار شافت إن أخوكى وجه سينمائى فحطت صوره على رواياتها..وبصراحة أخوكى وسيم أوى ومنور الأغلفة.
لتبتسم مستطردة فى مزاح:
أخوكى أصلا بينور فى الضلمة ياليلة.
وكزتها ليلة قائلة فى حنق:
وده وقت هزار يالبنى ؟
لتنظر إلى الروايات قائلة فى حيرة:
إزاي بس دار النشر دى عملت كدة من غير ماتستأذنه..إنتى عارفة لو أخويا شاف الأغلفة دى هيعمل إيه؟
قالت لبنى:
عارفة طبعا..هيطربقها على دماغهم.
لتستطرد فى حيرة قائلة:
طيب وهتعملى إيه دلوقتى؟هتقوليله؟
زفرت ليلة قائلة:
مش عارفة بس لازم أقوله..الموضوع مش سهل على فكرة..ده يأثر على شغله طبعا..ولازم يعرف.
قالت لبنى:
ربنا يستر بقى.
تنهدت ليلة وهي تنظر إلى غلاف الرواية والتى يطالعها فيه رسم لأخيها ببذلته السوداء الرائعة.. تحمل عيناه نفس نظرته الصارمة..لتقرأ ماكتب تحتها(أقدار الحب..للكاتبة جورية..دار المبدعون للنشر والتوزيع)..لتغمض عينيها قبل أن تفتحهما وقد ظهر فيهما الحزم..لقد إتخذت قرارها.. ستخبر أخاها بالأمر..وليكن ما يكون.
********************
قال خالد بعصبية:
قلتلك مليون مرة ياشاهى..قبل ما تاخدى أي قرار لازم ترجعيلى..لكن انتى مبتسمعيش إلا كلام نفسك وبس..مش كدة ؟..وآدى النتيجة..هنضطر نلغى العرض بتاعنا ونتحمل شرط الجزاء كمان.
قالت شاهيناز بحدة:
كنت هعمل إيه يعنى ياخالد؟..دبسونى وخلونى أمضى..عارفة إنى مراجعتش العقود كويس بس مكنتش أتوقع يعملوا كدة خالص..هم إتعاملوا بشكل شيك أوى..يخلى أي حد ينخدع فيهم.
قال خالد بصرامة:
مفيش حاجة فى شغلنا إسمها مكنتش أتوقع..فيه إن إمضتك متكونش على ورقة مش مدروسة كويس من المحاميين بتوعنا..إنتى جرالك إيه بس؟اللى أعرفه إنك أذكى من كدة.
قالت شاهيناز فى ضجر:
أووف ياخالد..خلاص بقى..مكنش ديل ووقع منى..المرة الجاية هاخد بالى.
قال خالد بحنق:
مفيش مرة تانية خلاص ..أنا هسحب توقيعك من على العقود.
إتسعت عينا شاهيناز وهي تقول بصدمة:
إنت بتقول إيه؟..مستحيل تعمل كدة.
قال خالد بصرامة:
أنا مبقلش حاجة مقدرش اعملها ..شوفينى وأنا بنفذ كلامى ياشاهى..أنا مش مستعد كل يوم والتانى أخرجك من مشكلة وأخسر فلوس..ده قرار نهائي ..مفهوم؟
كادت شاهيناز أن تتحدث حين قاطعها صوت طرقات على الباب..ثم دلوف ليلة أخت خالد..والذى ما إن رآها حتى إنفرجت أساريره المتجهمة وهو يقول:
إدخلى ياليلة ..واقفة عندك ليه؟
نقلت ليلة نظراتها بين شاهيناز الحانقة ملامحها..وبين أخاها خالد لتدرك بوجود خطب ما بينهما..لتقول بقلق:
هو أنا جيت فى وقت مش مناسب؟
قال لها خالد :
لأ طبعا ..بتقولى إيه..إنتى تيجى فى أي وقت.
إقتربت ليلة من المكتب قائلة:
إزيك ياشاهى؟
جلست شاهى على المقعد تضع قدما فوق الأخرى قائلة بضيق:
كويسة.
إبتلعت ليلة ريقها بصعوبة..فإستدار خالد حول المكتب وهو يشعر بتوتر ليلة وقلقها البادى على ملامحها ليقترب منها قائلا بحنان:
خير ياحبيبتى..إيه سبب الزيارة الحلوة دى؟
إبتلعت ريقها مجددا وهي تنظر إلى شاهيناز تتمنى خروجها ولكن يبدو من ملامحها أنها تنوى البقاء لتقول ليلة بإرتباك وهي تنظر لأخيها:
الحقيقة ..أنا كنت فى المكتبة من شوية مع لبنى ..بنشترى روايات زي ماإنت عارف.
أومأ برأسه وهو يقول مستحثا إياها على الحديث:
وبعدين؟إحتجتى فلوس؟
هزت رأسها نفيا وهي تقول:
لأ..معايا..بس…
صمتت مجددا لينظر إليها فى تساؤل دون أن ينطق بحرف..يتيح لها الفرصة كي تملك زمام شجاعتها فمن الواضح أن هناك خطب ما يقلق راحتها..لترفع هي تلك الكتب بيدها تعرضها أمامه قائلة:
وهناك فى المكتبة لقيت دول.
عقد خالد حاجبيه بشدة وهو يأخذ منها الكتب ..يطالع أغلفتها..فعلى غلاف كل كتاب قبع رسما له.. فى زي مختلف ربما..ولكنه يظل صورة منه طبق الأصل فى الملامح ..ليقول بذهول:
إيه دول؟
نهضت شاهيناز تمسك إحدى الكتب منه وتطالع الغلاف عاقدة الحاجبين بينما قالت ليلة:
دول روايات لكاتبة إسمها جورية..الظاهر دار النشر اللى بتنشر ليها شافت صورة ليك على الإنترنت وحست إنك تنفع تكون بطل لرواياتهم.
قال خالد بغضب:
وإزاي يعملوا كدة من غير ما يستأذنونى..هما إتجننوا..مش عارفين أنا أبقى مين..طيب.. أنا هوريهم.
قالها وهو يسحب مفاتيحه وهاتفه ويتجه إلى الباب بخطوات غاضبة بينما قالت ليلة بجزع:
إستنى ياخالد..رايح فين؟ أنا جاية معاك..
لتسرع خلفه..بينما حذت شاهيناز حذوها..تريد أن ترى من سولت لهم أنفسهم ليأخذوا صورة زوجها ويضعون رسما له على أغلفة تلك الكتب..ألا يدرون من هو خالد نصار؟..حسنا..قريبا جدا..سيعرفون.
رواية وادي النسيان.
بقلم الكاتبة شاهندة.
الفصل الثالث
هل هذا أنت يافهدى؟ يامن لطوفان عشقك إستسلمت..أم أن هذا هو طيفك ..خرج من أحلامى متجسدا ..أو توهمت؟ أم هو شبيه لا يمت لك بصلة..ومنه حقا قد نفرت؟
من أنت حقا ؟فلتخبرنى..قد حيرتنى الظنون وأتعبتنى ..وإن لم تشفى غليلى بإجابة..سأدرك حقا أنى قد جننت.
*************
قال فراس بإبتسامة:
قصتك الأخيرة ورغم ان مبقالهاش يومين معروضة إلا إنها محققة أعلى نسبة مبيعات فى تاريخ الدار..ألف مبروك ياجوري.
إبتسمت جورية قائلة بهدوء:
الله يبارك فيك..متتصورش فرحتى أد إيه وأنا بسمع منك الكلام الحلو ده.
إتسعت إبتسامته قائلا:
يلا بقى شدى حيلك وألفيلنا حاجة جديدة بسرعة..عشان معرض الكتاب اللى جاي.
قالت جورية:
والله يافراس أنا بفكر آخد بريك وأتصل بجدى يجيلى..أهو نقضى مع بعض يومين حلوين كدة أرتاح فيهم من ضغط الأعصاب اللى مريت بيه الفترة اللى فاتت عشان أخلص الرواية..ويمكن ساعتها أفكر فعلا فى كتابة رواية جديدة..أو أأجل وآخد بريك السنة دى ومش مهم المعرض.
إتسعت عينا فراس بإستنكار قائلا:
مش مهم إيه ياجوري؟ده إنتى كاتبة الدار الأولى ولازم يكون ليكى رواية جديدة فى المعرض..ده غير رواياتك القديمة طبعا.
كادت أن تقول شيئا ولكن طرق على الباب قاطعها.. لتدخل منار سكرتيرة فراس وعلى وجهها يبدو التوتر وهي تقول:
أنا آسفة لمقاطعتكم ياأستاذ فراس بس فيه ناس طالبين يقابلوا حضرتك والآنسة جوري دلوقتى فورا ومن غير تأجيل.
عقد فراس حاجبيه قائلا:
ناس مين دول؟
ليدلف خالد إلى الحجرة بهيبته تتبعه شاهيناز و ليلة..نظر خالد إليهم بصرامة وهو يتأمل وجهيهما قائلا:
خالد…خالد نصار.
إتسعت عينا فراس فى دهشة بينما أصاب الذهول قسمات جورية لتظهر الصدمة جلية على وجهها..وهي تنهض ببطئ..تتأمل ملامح هذا الرجل الماثل أمامها.. بضعف..بشوق ..بحنين ظهر فى ملامحها..توقن أنها تحلم..ولكن تجاهل خالد التام لها و كلماته التالية والموجهة لفراس جعلتها تدرك أنها فى كابوس وليس حلم..وهو يقول بغضب مشيرا إلى تلك الرواية بيده:
ممكن أعرف إزاي تحطوا صورتى على أغلفة الروايات دى..أنا مش بس هقفلكم الدار..لأ..ده أنا كمان هوديكم فى ستين داهية.
ليظهر التحدى على وجه فراس على الفور بينما عجزت جورية عن قول أي شئ تماما..بل دارت بها الدنيا وشعرت بسواد يحيط بها ..يسحبها إلى أعماقه لتستسلم له وترحب بأن يضمها بداخله……فى صمت.
********************
قالت جليلة بجزع وهي ترى عزيز يمسك بقلبه بعد أن سقط من يده فنجال القهوة ليتحطم بقوة إلى شظايا:
عزيز ..مالك..إنت بخير؟
جلس عزيز فى مقعده وهو يأخذ نفسا عميقا يهدئ به انفاسه المتسارعة وذلك الألم فى قلبه ثم يقول بضعف:
أنا بخير ياجليلة..شوية ألم بسيط فى قلبى..والحمد لله بقيت كويس.
قالت جليلة فى قلق:
الموضوع ميطمنش ..إنت لازم تروح تكشف عند الدكتور وتشوف سبب الألم ده إيه..ده مش أول مرة يجيلك..وأنا قلقانة عليك..قصدى يعنى..جوري لو عرفت…
قاطعها قائلا بسرعة:
اوعى تقوليلها حاجة..مفهوم ياجليلة؟..جوري فيها اللى مكفيها..ومش حمل توتر ولا قلق علية.
أومأت جليلة برأسها متفهمة..لتقول بعد ثوان:
هي متكلمتش النهاردة؟
هز عزيز رأسه نفيا قائلا:
كلمتنى انبارح وقالتلى مش هتكلمنى غير بالليل ..مشغولة أوى بعرض روايتها الجديدة.
قالت جليلة بفخر:
بعتتلى نسخة منها..منمتش غير لما خلصتها..ما شاء الله عليها..عندها موهبة تجنن وقلم حساس أوى.
شرد عزيز قائلا:
طالعة لجدتها بالظبط..فى كل حاجة.
نظرت جليلة إلى ملامح عزيز الشاردة والتى تؤكد أنه هائم تماما داخل ذكرى زوجته الراحلة..لتطرق برأسها فى حزن..فعزيز لن يراها أبدا وذكرى زوجته مازالت حية بداخله..كم هي بائسة حقا..أحبته لسنوات طويلة بعد وفاة أختها.. حبا صامتا مغمورا داخل طيات قلبها..وهاهو يجعلها تدرك مرارا وتكرارا أن حبها سيظل للأبد….بلا أمل.
أفاقت من أفكارها على صوته وهو يقول:
إيه رأيك ياجليلة لو نروح لجوري القاهرة ونعملهالها مفاجأة؟
إبتسمت جليلة إبتسامة باهتة..وهي تقول:
مفاجأة حلوة فعلا..بس إنت نسيت إنك وعدت عابد إنك هتجوز بنته علا ..والفرح الشهر الجاي..يعنى ورانا حاجات كتير عشان نجهزها.
أطرق عزيز برأسه بخيبة أمل قائلا:
فعلا نسيت..بس ده معناه إنى هفضل شهر كمان من غير ماأشوفها.
قالت جليلة تواسيه وقد شعرت بالشفقة عليه..لتقول بحنان:
هون عليك ياعزيز ..مش يمكن هي اللى تيجى..ونشوفها كلنا.
رفع عزيز عيون متألمة إليها..مزقت قلبها حزنا عليه وهو يقول بمرارة:
إنتى عارفة إنها مستحيل هتيجى هنا تانى.
أومأت برأسها فى أسى..تدرك أنه محق..فقد كرهت جوري هذا الوادى والذى يذكرها..بحبيبها الذى عشقته بكل جوارحها ليختفى ذات يوم من حياتها للأبد..تاركا إياها فى أسوأ حال..لا هي بالحية ولا هي ميتة لتقرر الرحيل عن هذا المكان الذى تذكرها جنباته بحبيبها الضائع..ليقاطع افكارها دلوف فتحى المسئول عن مزرعة عزيز قائلا بسعادة:
عزيز بيه..عزيز بيه.
نظر إليه عزيز قائلا:
خير يافتحى.
قال فتحى بإبتسامة:
مهرة بتولد ياعزيز بيه.
لمعت عيون عزيز وإنفرجت أساريره وهو ينهض بسرعة متجها إلى الإسطبل يتبعه فتحى..لتتنهد جليلة وهي تتابعهم بعينيها..تدرك مدى عشق عزيز لمهرة.. فرسة جورية ..تماما كعشقه لزوجته الراحلة وحفيدتهما من بعدها..تتمنى فقط لو عشقها بنصف القوة التى عشق بها كل هؤلاء..ولكن للأسف ليس كل ما يتمناه المرء….يدركه.
********************
أحست جورية بألم شديد فى رأسها والضباب حول عقلها ينقشع تدريجيا..تسمع صوت إمرأة تقول بحدة:
على فكرة بقى..دى تمثيلية بايخة أوى منها عشان تتهرب من الوضع اللى هي فيه وصورة جوزى الموجودة على أغلفة رواياتها كلها.
زوجها..هل قالت فعلا أنه زوجها؟هل حقا فهد متزوج من تلك المرأة؟لتستمع إلى صوت فراس وهو يقول بحدة :
من فضلك يامدام..جوري مش بالشكل ده خالص..دى إنسانة محترمة أوى على فكرة ومستحيل تتصرف بالشكل ده.
قالت المرأة بحدة:
طبعا..ما إنت أكيد هتقول كدة ..مش انت صاحب دار النشر اللى طابعينلها الرواية وغلافها.
هدر صوته الذى تحفظه عن ظهر قلب..والذى كانت نبراته تشعل دقات قلبها سعادة وعشقا ولكنها الآن نبرات صارمة خالية من الحنان الذى كان يعبق به صوته..صوته القريب منها الآن تلفحها أنفاسه الساخنة وهو يقول:
خلاص ياشاهى..مش وقته خالص الكلام ده..تفوق الآنسة ونبقى ساعتها نتكلم.
فتحت عيونها ببطئ لتطالعها عيناه..واللتان رغم صرامتهما إلا أن هناك قلق دفين رأته فى عمق تلك العيون..لترمقه بنظرة طويلة صامتة حيرته..ورغما عنه وجد نفسه ينجذب بقوة لتلك العينين..يغرق فيهما حرفيا..تأسره نظرتهما..يتساءل بحيرة..هل تحمل نظراتها كل تلك المشاعر التى وصلته..هل تحمل حقا شوقا إمتزج بالعتاب؟نفض مشاعره التى تعجب لها وهو يقول ببرود:
حضرتك دلوقتى كويسة؟
ياالله ..هل بات يحدثها الآن وكأنها غريبة عنه؟هل يتجاهلها عمدا؟أم هو رجل آخر كلية وليس حبيبها فهد؟ليطول شرودها..ويكرر خالد سؤاله بصوت أكثر حدة قائلا:
حضرتك بقيتى تمام دلوقتى؟
اعتدلت جالسة وهي تومئ برأسها دون كلمة..ليلتفت خالد إلى فراس الواقف بجواره قائلا:
هي خرسا؟
قال فراس بإستنكار:
لأ طبعا.
ليلتفت فراس إلى جورى قائلا بتوتر:
هي يعنى.. عشان بس الصدمة ….
صمت فراس وهو يراها ترمقه بنظرة محذرة..ليقول مستطردا بعد ان تنحنح:
إحمم..يعنى حضرتك كنت خيال كاتبة وفجأة إتجسدت أدامها طبيعى إنها تتوتر أو يغمى عليها من الصدمة زي ما حصل مع جوري بالظبط.
لينهض خالد قائلا بحدة:
يعنى إنت عايز تفهمنى إن وجود صورى على الغلاف كان خيال من الكاتبة..وحطيته على الغلاف فطلع بقدرة قادر زي صورتى بالظبط.
توتر فراس وكاد أن يتحدث ليقاطعه صوتها الذى وجدته أخيرا وهي تقول بضعف:
ده اللى حصل فعلا.
لا يدرى خالد لما دق قلبه بتلك السرعة لسماع نبراتها الرقيقة..يشعر بالألفة تجاه هذا الصوت الملائكي ليلتفت تجاهها ببطئ يتأمل ملامحها بوجه خال من التعبير ..ليقول بعد ثوان ببرود:
مين اللى رسم الصور دى؟
أجابته بهدوء ظاهري يحمل اضطرابا بين سكناته:
أنا.
ظهرت الدهشة على ملامحه لثوان ولكنها مالبثت ان إختفت فجأة كما ظهرت فجأة..وهو يقول ببرود:
وانتى مشفتيش لية أي صورة أو لقاء على التلفزيون؟
غشيت عيونها الدموع وهي تومئ برأسها فى صمت.. ..هي لا تكذب..فهي فعلا لم تفعل ذلك..ولقاءها به كان مختلفا بالمرة ..وهذا مادفع الدموع لتسقط على وجنتيها بصمت أيضا..ليشعر خالد بغصة فى حلقه لمرأى تلك الدموع..إنتفضت جورية على صوت تلك المرأة التى تدعى أنه زوجها وهي تقول:
إنت بتصدق الكلام الفارغ ده ياخالد..بتصدق دموع التماسيح دى ؟
قال فراس بعصبية:
يامدام أنا مسمحلكيش.
قالت شاهيناز بحدة:
وإنت مين إنت عشان تسمحلى أو متسمحليش؟
هدر خالد بقوة قائلا:
إنزلى إستنينى فى العربية ياشاهي.
قالت شاهيناز بحنق:
بس ياخالد…
قاطعها قائلا بصرامة:
قلتلك إنزلى إستنينى تحت.
نظرت إليه بغضب ثم ألقت نظرات حانقة على الجميع قبل ان تتجه إلى الخارج بخطوات غاضبة..ليلتفت خالد لليلة التى وقفت صامتة طوال الوقت تلعن غبائها الذى تسبب فى تلك الفوضى..ليقول بنبرة هادئة:
خليكى معاها ياليلة.
فكرت جورية..هل يحبها لتلك الدرجة؟أيخشى عليها ؟تبا..كم يؤلمها هذا؟لتستمع إلى صوت تلك الليلة الرقيق كالنسمة وهي تقول:
حاضر ياخالد..عن إذنكم.
لأول مرة يلاحظ فراس وجود تلك الفتاة بينهم..إنها صهباء فاتنة..قشدية البشرة..هو يعلم أن الصهباوات ناريات الطبع ولكن تلك الفتاة تختلف عنهن كلية..فإلى جانب نعومة صوتها ورقة نبراته..فهناك أيضا تلك الرقة والتى تقبع فى عيونها بلا حدود..أرسلتها إلى جورية فى نظرة إعتذار تقبلتها تلك الأخيرة بهزة رأس صامتة..لتلتفت ليلة مغادرة الحجرة يتابعها فراس بعينيه يتمنى فقط لو تعرف إليها اكثر ولكن يبدو أنه ونظرا للظروف الراهنة لن يسمح له بذلك …أبدا.
إلتفت ينظر إلى خالد الذى قال بهدوء موجها حديثه إلى جورية:
هفترض دلوقتى حسن النية وان وجودى على أغلفتك من وحي خيالك ورسمك..رغم إنه شئ صعب يتصدق..ورغم إنه يرضى غرورى كراجل شفتيه إزاي معرفش صورة واحدة و مناسبة لكل أبطالك..بس للأسف ..مش هقدر أسمح بالموضوع ده..حتى لو حسن النية موجودة.
قال فراس وهو يعقد حاجبيه قائلا:
قصدك إيه؟
نظر إليه خالد قائلا فى تحدى:
يعنى الأغلفة دى ..هتتشال صورتى من عليها بأي شكل من الأشكال وإلا هرفع قض..ية على الدار وأكيد هكسبها.
إزداد إنعقاد حاجبي فراس قائلا:
بس اللى بتقوله حضرتك مستحيل.
قال خالد بسخرية:
مفيش فى قاموس خالد نصار كلمة إسمها مستحيل..أنا مش مستعد بنتى أو حد من عيلتى يتصدموا..و بدل مايشوفوا صورى على مجلات المشاهير ورجال الأعمال ..يشوفونى مهرج على أغلفة روايات رومانسية سخيفة.. ياتشيلوا صورتى من الأغلفة..ياهوديكم فى ستين داهية..أدامكم فرصة لآخر الأسبوع.. وده آخر كلام عندى.
ليلقى نظرة على جورية التى ظهر على ملامحها أعتى ملامح الألم..كاد أن يتراجع عن كلماته..ولكن شئ ما فى أعماقه رفض هذا الضعف الذى شعر به يعتريه تجاه تلك المخلوقة..ليقرر وبكل حزم أن يوأد هذا الشعور فى مهده..لذلك وبكل برود خرج من الحجرة تتابعه عيناها الحزينتان..ليقول فراس بعد إنصرافه ورؤيته لجورية تقف بضعف:
رايحة على فين ياجوري..خليكى شوية عشان ترتاحى ..إنتى لسة تعبانة.
هزت رأسها نافية وهي تقول بحزن:
أنا كويسة يافراس..بس محتاجة أكون لوحدى شوية.
قال فراس فى شفقة:
بس احنا محتاجين نتكلم فى اللى حصل النهاردة.
أغمضت جورية عيناها قبل أن تفتحهما مجددا قائلة:
من فضلك يافراس..خليها وقت تانى..بعد إذنك.
قال فراس بقلق:
طب تحبى أوصلك؟
هزت رأسها نفيا قائلة:
لأ..أنا كويسة متقلقش..سلام.
غادرت الحجرة بخطوات بطيئة تتابعها عينا فراس فى شفقة..فهو يدرك كم كانت صدمة اليوم قوية عليها..إنها صدمة لايتحملها أعتى الرجال فما بالك بفتاة رقيقة كجورية ..حقا كم يشفق عليها.
********************
كانت لين تهز قدميها تناغما مع تلك الموسيقى التى يصدح صوتها عاليا فى ذلك الحفل..لتقول لها سها بملل:
يلا بينا بقى يالين نروح..أنا بجد مليت.
إبتسمت لين قائلة:
نروح فين بس؟دى الحفلة لسة هتبدأ..والسهرة للصبح.
قالت سها بإستنكار:
صبح إيه بس؟لأ طبعا هي نص ساعة كمان ولو مروحتيش معايا..انا هروح لوحدى..دى حفلة مملة أوى..وانا بجد زهقت.
إتسعت إبتسامة لين قائلة:
مسمعتكيش نور وانتى بتقولى على حفلتها مملة..كانت ندهت للبودى جارد بتوعها وخليتهم يرموكى برة الفيلا.
قالت سها بسخرية:
تحبى أروح أقولها الكلام ده بنفسى..واهو بالمرة أقولها إنك قلتيلى إنها كانت سمينة أوى فى ثانوى وكانوا مسميينها البرميل.
إتسعت عينا لين بصدمة وهي تقول:
بس ..يخربيتك..هتفضحينا ..هو ده جزاء اللى تدى سرها لعيلة زيك.
قالت سها فى حنق:
أنا عيلة يالين..ماشى ..طيب أنا ماشية..ومش هتشوفى وشى تانى.
لتمشى سها بالفعل فنادتها لين وهي تضحك قائلة:
تعالى بس يامجنونة ..رايحة فين ؟أنا كنت بهزر.
لم ترد سها عليها وواصلت سيرها..بينما ضربت لين كف على كف وهي تقول بإبتسامة:
مجنونة والله..بس بموت فيها.
إلتفتت تنوى الإستئذان من صاحبة الحفل ثم المغادرة مع سها..ولكنها مالبثت أن إرتطمت بصدر صلب لرجل يرتدى بذلة أنيقة للغاية ..أسندها لثانية ثم تركها وكأنها أفعى لدغته..عبقت رائحته المكان برائحة تبدوا مألوفة لديها..تعشقها وتكرهها فى آن واحد..رفعت عينيها ببطئ من صدر هذا الرجل حتى عنقه لتبتلع ريقها بصعوبة تشعر أكثر بأنها تعرف هذا الرجل فمن غيره يمتلك هذا التأثير عليها..يشتت كيانها ويزلزله..ينثره إلى ذرات..وصلت عيناها إلى وجهه ليتوقف الزمان والمكان عند تلك اللحظة..لتتجمد كلية وعيناها تواجهان عيناه..تمتلئ عيناها بصدمة رغما عنها كانت واضحة جلية على محياها كله..بينما عيناه باردتان..تحملان بعض السخرية فى طياتهما..كما يحملها صوته تماما وهو يقول :
إزيك يالين؟
إبتلعت ريقها بصعوبة فأمامها تماما وقف من تتمنى أن ترتمى بين ذراعيه الآن ومن تتمنى فى نفس الوقت أن تقتله.. وقف أمامها من حاولت مرارا وتكرارا أن تنساه..وعندما ظنت أنها نجحت فى ذلك..ظهر أمامها من جديد..إنه معشوقها ومعذبها..زوجها السابق….مؤيد.
الفصل الرابع
أضعت تفاصيلي كاملةً..
ومازال قلبي الأعمى فيك نابضاً.
لاتقترب أكثر وتشعل عود ثقابك
أنا نار………………………………….
هل رأيت يوما ناراً تُحرَقُ؟؟
لملم أعاصيرك الهوجاء من حولي
فأنا وإن بدوت صحراء مسالمة
أستطيع إغراقك كلياََ برملي…
لا تركن إلى الخداع مرة أخرى
إحذر صمتي……………………….
لم أعد أنا هي أنا………………….
فقد خاصمت جميع أطهار ملائكتي
و تعاقدت سراً مع أعتى الشياطينِ .
بقلم..سميرة البهادلي
************
كانت سها تتحرك فى عصبية وهي تتجه إلى سيارتها..تلعن قرارها الغبي اليوم بمصاحبة لين إلى هذا الحفل..فهي لا تحب تلك الحفلات بتاتا..تشعرها بالتوتر..تظن بأن العيون كلها تكون مركزة عليها ، يستنكرون ماترتديه دائما من بنطال فضفاض وبلوزة قطنية ..ورغم انها تبدو رائعة فى هذا الزي إلا انه بالتأكيد لا يتوافق مع حفل كهذا يرتدون فيه الفساتين القصيرة التى تكشف أكثر مما تستر..
تعجبت سها فى نفسها كيف اصبحت لين تهوى تلك الحفلات وهي التى كانت تشبهها تماما فى النفور منهم ..وكيف إرتضت بإرتداء تلك الفساتين ..لتهز رأسها يمنة وشمالا وهي تدرك ان تجربتها الأليمة مع مؤيد هي ما حولتها بتلك الصورة..ليهيأ لسها فى بعض اللحظات ان تلك الفتاة ليست بصديقتها على الإطلاق..لتعود وتدحض افكارها وهي تدرك ان بداخل تلك المرأة التى تظهر للجميع قوية مستقلة ولايهمها أي شئ..تقبع تلك الفتاة الخجولة الرقيقة التى لطالما عرفتها سها..
توقفت تلعن حظها حين إنكسر كعب حذائها الأيمن..لتتجمد تماما وهي تسمع صوت يأتى من خلفها يقول بهدوء:
روقى ..مش مستاهلة ..بتحصل على فكرة.
إلتفتت إليه سها تطالعه بعيون ضاقت على ملامحه ..تحاول ان تستشف موقفه..هل يسخر منها ام ان كلماته عادية يبغى بها مؤازرتها فحسب؟لتجد ان ملامحه خالية من السخرية تماما فإطمأن قلبها..وزفرت قائلة بتلقائية:
آدى اللى بناخده من الحفلات دى..بهدلة وخلاص..همشى إزاي للعربية ؟حقيقى مش عارفة.
تأملت عيناه ملامحها بمهل أربكها..وجعل الحمرة تغزو وجنتيها ثم إقترب منها بهدوء..لتشعر بدقات قلبها المتسارعة.. تطرق جسدها بعنف..خاصة عندما توقف أمامها تماما وهو يمد يده إليها قائلا بهدوء:
هاتى الفردة التانية.
إتسعت عيناها فى دهشة قائلة:
أفندم؟؟
أعاد كلماته أمامها بتروى قائلا:
بقولك هاتى الفردة التانية.
لم تدرى كيف إستجابت لطلبه وخلعت عنها حذائها ثم رفعته تمنحه إياه..وسط هالة تبدو ساحرة النسمات..فعينا كل منهما لم تبرح الآخر..كليهما غارق فى تلك النظرات..ليقطع هو تلك الهالة السحرية آخذا منها الحذاء ووسط ذهولها قام بكسر الكعب الآخر دون أن يغمض له جفن..ليناولها إياه مجددا قائلا بهدوء:
كدة أكيد أحسن.
أخذت الحذاء منه كالمسحورة..ثم إرتدته لتشعر بالراحة فعلا..رفعت عينيها إليه قائلة بإمتنان:
فعلا ..معاك حق..متشكرة أوى.
إكتفى بإبتسامة بسيطة زادته وسامة ..لتتيه فى ملامحه..لثوان قبل ان تفيق من سحره وهي تتنحنح قائلة:
احمم ..عن إذنك.
قال بإبتسامة مازحا:
طب على الأقل قوليلى إسمك..إحنا بينا عشرة عشر دقايق وكعب جزمة مكسور.
نظرت إليه تبتسم وهي تقول بمشاكسة:
يمكن مرة تانية ..بس دلوقتى ..أكيد لأ..سلام.
لتتركه واقفا وتغادر ينظر فى إثرها..تتسع إبتسامته..إنها مميزة تلك الفتاة..لا تشبه هؤلاء الموجودات فى هذا الحفل البغيض..ولكنها تركته ومضت دون ان تمنحه أي معلومة عنها قد تسهل له الطريق إليها..تماما كسندريلا..ولكنها السندريلا خاصته..لذا سيبحث عنها وسيجدها ووقتها لن تكون لسواه.
********************
ظلت لين صامتة ..تنظر إلى مؤيد بصدمة..تتساءل منذ متى جاء إلى مصر فآخر أخباره التى وصلتها هو سفره إلى فرنسا منذ اعوام..هل إزداد وسامة عن الماضى؟..تبا لقد فعل..لتفيق من أفكارها على صوت مؤيد وهو يقول بسخرية:
إيه يالين؟مش هتقوليلى إزيك؟عيب عليكى..ده إحنا حتى كان بينا عيش وملح وكرواسون.
إستفزتها سخريته لتنفض صدمتها وتنحى مشاعرها الضعيفة تجاهه جانبا وهي ترسم قناعا من البرود على وجهها قائلة:
عايز إيه يامؤيد؟
هز مؤيد رأسه يمنة ويسارا قائلا :
تؤ تؤ تؤ ..يعنى بعد المدة الكبيرة دى كلها متقوليليش حتى إزيك؟
قالت فى برود:
وأقولك إزيك ليه ماإنت أدامى أهو..ماشاء الله واضح إنك زي الفل وعايش حياتك بالطول والعرض.. ولا إيه؟
إختفت السخرية من ملامحه لتظهر خالية التعبير تماما ولكن هيئ للين انها رأت لمحة حزن سريعة عبرت عينيه ولكنها لم تظهر فى صوته الخالى تماما من المشاعر وهو يقول:
إنتى كمان..واضح إنك مبسوطة فى حياتك..الظاهر إن فيها حد جديد معيشك الحالة دى.
أدركت لين أن مؤيد يقصد هذا المليونير محمود عزمى ..والذى دارت الشائعات مؤخرا عن قصة إرتباط قريب بينهما..إذا هو يتابع أخبارها ..فليكن ..وليظن ما يريد فهي لن تهتم..
أفاقت من أفكارها على صوته يقول وقد عادت إليه سخريته:
مقلتليش..أخبار محمود عزمى إيه؟ياترى مبسوطة معاه؟
إبتسمت ببرود قائلة:
جدا ..الصراحة مش عارفة أقولك إيه..إنسان أخلاق وذوق..ورقيق وحنين ..حقيقى جنتل مان.
قبض مؤيد على يديه بقوة كي لا يتهور ويصمت تلك التى تتحدث عن غريمه..تعدد صفاته الرائعة ..بقبلة تخطف أنفاسها وتتركها تبحث عن حرف تخرجه من بين تلك الأنفاس…… فلا تجد..ولكنه نحى مشاعره جانبا وهو يقول:
وهو فين دلوقتى ؟مش معقول يسيبك فى حفلة زي دى بالمظهر ده وميكونش موجود.
قالت بغيظ:
محمود مسافر..وبعدين ماله مظهرى ها؟
نظر إليها مؤيد ببرود لا يعكس حنقه أبدا من نطقها إسم غريمه بأريحية..ومن هذا الفستان التى ترتديه لين والذى يظهر جسدها القشدي الرائع للعيان..لتلتهمها العيون أينما ذهبت..لقد راقبها من اول الحفل وأكثر من مرة كاد أن يقتل أصحاب تلك العيون التى تعرى جسدها أمامه..ليمنع نفسه فى اللحظة الأخيرة ..منبها نفسه أنها لم تعد تخصه ولكن تبا كم تؤلمه تلك الغيرة الحارقة عليها..ليدرك وبكل قوة أنه وفى أعماق قلبه مازال يحمل لها مشاعر قوية.
ليقول بسخرية:
مظهرك..وهو فين المظهر ده؟انا تقريبا شايفك أدامى عريانة ..ده حتى قميص النوم كان أرحم من اللى إنتى لابساه ده.
إتسعت عيناها بصدمة قائلة:
إنت بتقول إيه ..ها؟إنت أكيد إتجننت؟
مال عليها يقول ببرود:
إتجننت عشان بقولك الحقيقة..على فكرة انا جوايا كلام أسوأ من كدة..بس مش عايز أجرحك أكتر.
ليستطرد مستعيرا كلماتها وهو يقول:
لإنى بجد جنتل مان.
إلى هنا وكفى..هل يريد ان يجرحها أكثر؟..كيف وجراحه لها كانت قوية بما يكفى ؟..حتى أنها مازالت تؤلمها حتى تلك اللحظة..لتقول بعصبية:
عموما إنت ملكش دخل فى لبسى ولا حياتى..إحنا إتطلقنا ..يعنى كل واحد دلوقتى راح لحاله وكل واحد حر فى تصرفاته.
نظر إليها نظرة غامضة وهو يقول:
صحيح إتطلقنا بس صدقينى ..من النهاردة خلاص مش هتكونى على حريتك ولا هتقدرى تقولى أنا حرة ..واللى مش عاجبه برة..من النهاردة إنتى خلاص هتدخلى عرين الأسد ..ومش هتخرجى منه..وهتبقى الحكاية ياقاتل يامقتول..ودلوقتى أدامك بالظبط عشر دقايق تكونى سايبة الحفلة وماشية مع صاحبتك اللى مشيت دى وإلا قسما عظما هعملك فضيحة هنا فى المكان ويحصل اللى يحصل.
عقدت حاجبيها قائلة بحدة:
إيه الكلام الفارغ ده.
إبتسم مؤيد قائلا:
ده مش كلام فارغ..ده كلام مؤيد الحسينى..ياريت متنسيش بس إنى حذرتك..سلام يا…ياقطة.
وإبتعد مغادرا تتبعه عيناها بحنق..كادت ان تتحداه وتنتظر فى الحفل ولكنها تعرف مؤيد جيدا لتدرك أنه لا يلقى تهديداته جزافا..لا يفعل ذلك مطلقا..لتقرر الإستسلام مؤقتا لتهديده مع وعد منها برد أفعاله عليه..والإنتقام منه..ولكن بالتأكيد ليس هنا وليس الآن..لتضرب بقدمها الأرض بغيظ قبل ان تغادر بخطوات حانقة تتبعها عينا مؤيد الذى إبتسم لأول مرة منذ زمن….بإرتياح.
********************
دخلت شاهيناز إلى حجرتهما بعصبية..يتبعها خالد الذى قال بحدة ما إن أصبح داخل الحجرة:
ممكن أعرف المدام متعصبة كدة ليه وإزاي تكلمينى أصلا بالأسلوب ده أدام أختى..إنتى أكيد إتجننتى.
إلتفتت إليه شاهيناز قائلة بحنق:
إتجننت؟أيوة أنا إتجننت..لما جوزى يزعقلى أدام ناس غريبة لازم أتجنن..لما يتساهل مع واحدة إستغلت شهرته عشان مصلحتها الشخصية ..يبقى لازم أتجنن..لما لغاية دلوقتى بسمع لومه وعتابه مش إعتذاره يبقى لازم اتجنن.
تأملها خالد ببرود قائلا:
خلصتى؟
نظرت إليه بغضب قائلة:
لأ مخلصتش..أنا عايزة أفهم إنت بتعاملنى كدة ليه ها؟عملت فيك إيه؟من يوم ما رجعت من السفر وإنت مش على طبيعتك معايا..مشاعرك بعيدة عنى..وكأن بينا جبال وسدود..مبقتش خالد اللى حبيته وعرضت عليه الجواز وحطيت تحت إيده فلوسى وكل ما أملك..مش إنت خالد أبو بنتى ريم..انا عايزة أعرف خالد ده راح فين؟
نظر إليها فى برود لا يعكس مشاعره المضطربة وهو يسأل نفسه كل تلك الأسئلة..ماالذى حدث له؟..منذ عاد إلى منزله من جديد وهو يشعر بأنه ليس خالد نصار الذى يعرفه..أصبح داخله فارغا..وكأنه ليس هو..هناك شخصا آخر بعقله وقلبه يرغب بالصراخ عاليا..يطالب بالخروج والتعبير عن نفسه..شخص لا يهوى التجارة ولا الأعمال..بل شخص يهوى التأمل والغوص فى الطبيعة..ربما يظهر قاسى القلب بارد النبضات ولكن بداخله طفل صغير يحتاج فقط إلى الأمان والإهتمام والحب..شخص لم يجد ما يحتاجه بين جوانب شركته الكبيرة..ولا بين جنبات منزله الواسع متعدد الحجرات ولا بداخل حضن زوجته..بل وجد راحته داخل أحلامه مع تلك الفتاة التى تثير كيانه وشغفه..تشعره بقوة الحياة..ليعقد حاجبيه وهو يتذكر تلك الكاتبة التى تدعى جورية..إن بها بعض ملامح بطلة أحلامه الغامضة..نفس الشعر ولكن لونه يختلف قليلا..نفس البشرة ..الطول ..القوام..ربما هذا ماجذبه إليها اليوم وأرسل تلك القشعريرة فى جسده..وسارع نبضاته وهو بجوارها..أو ربما هو جسدها الرقيق الذى حمله بسرعة حين أغشي عليها.. وما أثاره عطرها الرقيق المميز فى حواسه أو ربما هي رقة جسدها الصغير بين يديه..أو هو صوتها الملائكي النبرات والذى جذبه بقوة ليصبح أسيرا له..لا يدرى حقا ماالذى جذبه إليها ولكنه يدرك بالتأكيد أنها تبدو مألوفة لديه بشكل يثير الإضطراب..أفاق من أفكاره على صوت شاهيناز وهي تقول بحدة:
ماترد علية..خالد جوزى راح فين؟
نظر إليها قائلا ببرود:
أنا موجود..لسة زي ماأنا..وقبل ما تبتدى الإسطوانة المشروخة بتاعة كل مرة على إنى بطلت أحبك وإنى أهملتك والكلام الفارغ ده عن إنى مشغول بواحدة تانية فأحب أوفر عليكى كل ده وأقولك إن دى كلها اوهام فى دماغك ملهاش أي أساس من الصحة..حابة تصدقى براحتك.. مش حابة إنتى حرة..بس ياريت تبطلى تفكرى فى الكلام الفارغ ده وبدل ما تحطينى تحت عنيكى وتاخدى بالك من تصرفاتى..خدى بالك من تصرفاتك إنتى ..وحطى بنتك تحت عنيكى وإهتمى بيها..لإن إهمالك ليها بدأ يعصبنى..وإهتمامك بشغلك وحفلاتك مبقاش مخليكى فاضية لحد غير نفسك.
كادت ان تعترض وقد ظهر الحنق على ملامحها..ليشير إليها بالصمت وهو يقول بصرامة:
كلمة زيادة وانتى اللى هتندمى بجد.. لإنى بجد مريت بيوم صعب ومش هكون مسئول دلوقتى عن رد فعلى .
صمتت وقد ظهرت عروق جبهتها غضبا وإزدادت قتامة عيونها الدخانيتين..ليقول بهدوء:
انا داخل الحمام وياريت لما أخرج تكونى فكرتى كويس فى الكلام اللى أنا قلته ..ده لو حابة بجد نكمل مع بعض عشان خاطر ريم.
ليتجه إلى الحمام ويدلف إليه مغلقا بابه بهدوء..لتزفر شاهيناز بقوة وهي تقول بغضب:
ريم ..ريم..ريم..عارفة إن الحاجة الوحيدة اللى مخلياك مكمل معايا هي ريم..ولولا كدة أنا كنت…..
لتصمت وقد جزعت من تلك الكلمات التى كادت ان تفلت من بين شفتيها لتواريها داخل صدرها بقوة..وهي تقول بحسرة:
لو كانت حياتى مشت زي ما انا عايزة ..مكنتش هبقى واقفة دلوقتى مذلولة ليك ياخالد يانصار..بس مش شاهيناز حسان اللى تخسر حربها أدام حد..ومش شاهيناز حسان اللى تنذل ومتاخدش بتارها..أصبر علية ياخالد..بس ألاقيه من تانى.. وهتشوف أنا ممكن أعمل فيك إيه..صدقنى ساعتها هتتمنى أكمل معاك وانا اللى هرفض..والمفاجاة اللى محضرهالك هتضربك فى مقتل..أصبر بس وهتشوف.
لتبتسم بشر وقد إلتمعت عيناها وهي ترى هذا اليوم ..تتخيله كما لو كان حقيقيا أمامها..من يدرى..ربما كان هذا اليوم قريبا…..قريبا جدا.
********************
إقترب مؤيد من سيارته ليجد نبيل جالسا بها ينتظره..ليدخل إليها ثم ينطلق بها بهدوء..ليقول نبيل:
ها عملت إيه طمنى؟
قال مؤيد بوجه خال من التعبير:
قابلتها..
قال نبيل يستحثه قائلا:
ها وبعدين؟
إستدار مؤيد حول هذا الملف الدائرى متجها بسيارته إلى شقته ببرود..ولكن نبيل إستشعر به الألم الذى ينبض بقلبه..ليستحثه قائلا:
ها..إيه اللى حصل؟..ما تحكى يامؤيد.
قال مؤيد فى جمود:
زي ما توقعت..إتغيرت اوى عن زمان..مبقتش تشبه لين اللى حبيتها غير فى الملامح وبس..لبسها ..كلامها..نظرتها..كل ده إتغير يانبيل.
قال نبيل بهدوء:
وهتعمل إيه طيب..هنرجع فرنسا من تانى؟
قال مؤيد بحنق:
أرجع إزاي بس وأنا لسة مشفيتش غليلى منها..أرجع إزاي وأسيبها تحقق كل أحلامها وتبقى سعيدة كمان؟
لتقطر المرارة من فمه وهو يقول:
طب وأنا..وأحلامى معاها ..أحلامى اللى دمرتها كلها..حياتى اللى لخبطتها وسعادتى اللى حرمتنى منها..كل ده يبقى من غير تمن تدفعه وتكفر فيه عن ذنبها؟مستحيل طبعا..لازم أدفعها تمن كل ذنب أذنبته فى حقى..لازم اخليها تندم على كل حاجة عملتها معايا..لازم.
قال نبيل بقلق:
يعنى هتعمل إيه يامؤيد؟..فهمنى.
قال مؤيد بغموض:
هعمل اللى كان لازم أعمله من ٣ سنين وللأسف معملتوش..بس ملحوقة..أصبرى علية يالين..هانت وهتكونى بين إيدية وساعتها مش هرحمك.
ليقع قلب نبيل بين قدميه مع سماعه لكلمات مؤيد ونبرات صوته المتوعدة والتى لا توحى بالخير….أبدا.
********************
جلست لين على مقعد بشرفتها تتأمل سواد الليل أمامها..نظرت إلى السماء قليلا..إلى تلك النجوم التى تلألأت على صفحتها..لتقتحم ذاكرتها فجأة أحداث الماضى و كيف كانت تتشارك تلك الليالى مع مؤيد يعدون النجوم ويطلقون عليها الأسماء أيضا ..غشيت عيناها الدموع وهي تتذكر كم كانت سعيدة بذلك الوقت..كان مؤيد عطوفا محبا يمنحها الحب والحنان وتبادله مشاعره بسخاء..فحبهما كان من اول نظرة..رأته لأول مرة حين ذهبت مع أخيها وأختها لخطبة شاهيناز..فكان هو هناك..مؤيد إبن الزوج الاخير لوالدة شاهيناز..حاصرها بنظراته يوم الخطبة ثم بعدها طاردها بعشقه حتى إستسلمت كلية له ووافقت على الزواج..ليعيشا أجمل أيام العمر..يظلل العشق جنبات حياتهم..ويملأها بنفحات السعادة..حتى بدأ القلق يكتنف تلك الحياة مع تأخرهم بالإنجاب..طرقا جميع أبواب الأطباء..لا فائدة..ليس بهما أي مانع يحرمهما من الإنجاب ولكنه فقط النصيب..القدر..قدرهما أن يحرما من تلك النعمة..أربعة سنوات حاولا فيها المستحيل للإنجاب فلم يستطيعا..حتى…..
نفضت رأسها بقوة والدموع تتلألأ بعينيها ترفض الإستطراد فى ذكرياتها المريرة..ترفض كلية أن تستعيد ذلك الألم الذى يصيب قلبها كلما غاصت فى تلك الذكريات..زفرت بقوة..تتساءل لماذا ظهر أمامها ليثير فيها تلك الذكريات مجددا..لماذا عاد وعاد معه الشوق والحنين والألم..لماذا يتابع أخبارها؟وماذا يريد منها الآن؟ألا يكفيها مانالها منه فى الماضى..ألا يكفيه ما آلت إليه بسببه؟حسنا..فليعد مجددا إلى حياتها ولن تهتم..ستتجنبه فقط..وإن حاول مضايقتها ستكون له بالمرصاد ..وستكيل له الصاع صاعين..وأبدا لن تضعف ولن ترحم..فلم تعد أبدا كما كانت بالماضى ولن تعود مجددا……أبدا.
********************
نفضت جورية غطائها ونهضت من سريرها فالنوم خاصم عينيها وجافاها مع تلك الصدمة التى أصابتها اليوم..كانت تدرك أنها يوما ما ستجده من جديد..ستسأله لماذا تخلى عنها وما الذى فعلته ليكون جزاؤها الهجران دون سبب..كان لديها أمل أن يكون لديه سبب مقنع لإبتعاده عنها..وأنها ستسامحه ويكملان قصة عشقهما الأبدي كما أخبرها بالماضى….
وبالفعل كان اللقاء ولكنه لقاء مرير..صادم..فلم تكن تتوقع أبدا أن يظهر لها كرجل متزوج ولديه طفلة..لم تكن تتوقع أن يغير إسمه..أم أن هذا هو إسمه الحقيقى؟هل أراد أن يعيش تجربة مختلفة فإدعى ما إدعاه وقتها؟أم أن هناك خبايا تظلل حياته؟زفرت بقوة..أيا كان ماحدث بالماضى فقد كان وهما ..سرابا لا بد أن تنساه وتكمل حياتها وهي على يقين بأنه إنتهى من حياتها للأبد..وأن الحياة يجب أن تستمر..ربما قلبها مجروحا بقوة وجروحه تنزف ولكنها ستضمد جراحه بنفسها وستستعيد روحها الضائعة..وستنسى بالتأكيد هذا الرجل..خالد نصار….
..كم يختلف كلية عن هذا الرجل الذى أحبته ومنحته كيانها بالكامل..فهد..هكذا منحته هي الإسم..وهكذا تتذكره..وسيم..حنون..عطوف..رائع بكل معنى الكلمة وليس تلك الكتلة الباردة خالية المشاعر والتى ظهرت فى كل تصرفاته وكلماته اليوم..إقتربت من ذلك البورتريه المجاور لسريرها والذى رسمته لفهد فى الوادى فى ذلك اليوم الذى إعترفت فيه لنفسها بحبه..تتأمل ملامحه بشوق..بحنين إلى تلك الأيام التى كانت تعيشها معه..تلك السعادة التى كانت تغمرها بذلك الوقت..لتتدفق الذكريات إلى عقلها..تتجسد أمامها……منذ اليوم الأول للقاءها به..وياله من لقاء…..
الفصل الخامس
قل للحواجز و المسافات فلتفرقي بيننا
كأنها تتآمر سرا بعد غيابك لأزداد تعلقا
كيف تموت ذكراك و قد أخذت لب الفؤاد
أتسلم روح وتينها معقود بين أضلع الآخر؟
بين أجفان عيني أخبئك صورة لا تتزحزح
كيف أنساك وأنت تجول في كل الخلايا
أودعتك للخلاق يحفظك عسانا يوم نسعد…
بقلم…نور محمد
************
إقتربت جورية من سرير هذا المريض الذى تتحدث عنه جميع العاملات بالمستشفى..لقد سمعتهن يتحدثن عن وسامته التى تخطف الأنظار وعيونه التى بزرقة السماء وحالته الغريية تلك..فقد نجا من حادث طائرة..بإصابات بسيطة برأسه وقدمه..ولكنه أفاق لا يتذكر شيئا عن نفسه ولا حتى إسمه..لتطلق عليه الممرضات إسم الوسيم المجهول.
لا تدرى جورية لما إنتابها الفضول لرؤية هذا المريض بعد ماسمعته من هؤلاء الممرضات..ولما لم ترحل على الفور بعد تسليم الهدايا للمرضى فى هذا اليوم الذى تقصد فيه جورية المستشفى لبث البهجة فى نفوس المرضى بتقديم بعض الدعم المعنوي والمادي لهم..لا تدرى لما أخذتها قدماها إليه؟ بالفعل..هي حقا لا تدرى.
توقفت جورية أمام سرير هذا المريض تماما..لتراه لأول مرة..نائما مستكينا..تأملته بخجل .. إنه وسيم حقا ..يستحق فعلا كل مايقال عنه..ولكن ليس هذا ماجذبها إليه فحسب..وإنما نسيانه ماضيه هو ما شغلها حقا وأثار شفقتها..فهي لا تتخيل أن ينسى شخص ما ماضيه..ذكرياته..إسمه وأحباؤه..لا تتخيل أن تصحوا هي يوما لا تتذكر جدها عزيز أو خالتها جليلة..أو فرستها مهرة..لا تتخيل هذا مطلقا.
إقتربت من وجهه تلاحظ جرحا فى رأسه ..مدت يدها لتلمس الجرح ولكن يدها تجمدت فى الهواء..وهي تراه قد فتح عينيه فجأة يطالعها..أخفضت يدها..وقد تخضب وجهها بحمرة الخجل..لا تستطيع إبعاد ناظريها عن عينيه الساحرتين واللتان تنافسان فى لونهما زرقة السماء الصافية..تجذبها عيناه بقوة خاصة وهو ينظر إليها الآن بحيرة..لتبتلع ريقها بصعوبة وهي تقول:
صباح الخير.
إعتدل قليلا فى جلسته ليظهر الألم على ملامحه..ثم إختفى ما إن إستوى جالسا..وهو يقول:
إنتى الدكتورة النفسية اللى قالولى إنها هتابع حالتى ؟
هزت رأسها نفيا قائلة بإرتباك:
لأ..مش أنا.
إزداد إنعقاد حاجبيه وهو يقول بحيرة:
لما إنتى مش الدكتورة الجديدة..أمال حضرتك تبقى مين؟
نظرت إليه لا تدرى ماذا تقول..ليشع الأمل فى عينيه وهو يقول بلهفة:
إنتى حد من أهلى..صح؟
أصابتها لهفته بالألم فى قلبها..هل يشعر بالوحدة؟هل يفتقد أن يكون له عائلة تحتوى حيرته وخوفه من ماض أسدل السواد ستاره عليه؟هل يشتاق إلى عائلة لا يتذكرها؟ربما حقا هذا ما يشعر به الآن..أفاقت من شرودها على صوته يستحثها قائلا:
من فضلك قوليلى إنتى مين؟طمنينى.
نظرت إلى عمق عينيه تشعر بعذابه فيهما..بحيرته وإرتباكه وشعوره القوي بالضياع فى خضم ذلك الفراغ الأسود الذى يحيط بعقله..لتتخذ قرارها..ربما كان قرارا متسرعا وغير محسوب بالمرة..ربما قلب جدها الدنيا وأقعدها لإتخاذها مثل هذا القرار..ولكن بداخلها تشعر بأن ما تفعله هو القرار الأصوب فى حياتها..قلبها يخبرها بذلك..لتقول بهدوء وبنبرات ثابتة:
يمكن مفيش بينا قرابة ويمكن دى أول مرة اشوفك فيها فى حياتى..وإنت أكيد متعرفنيش زي ما أنا كمان معرفش عنك حاجة ..بس قلبى بيقوللى إنك إنسان كويس وحد ممكن أثق فيه..وأنا قلبى عمره ماكذب علية..وعشان كدة هعرض عليك عرض.
نظر إليها فى حيرة..لتستطرد قائلة:
تيجى تشتغل و تعيش معانا فى المزرعة..أنا عايشة فيها مع جدى عزيز وخالتى جليلة وشوية عمال ..لو ترضى ممكن تعتبرنا زي عيلتك لغاية ما ترجعلك الذاكرة..وساعتها تبقى ترجع لعيلتك.
نظر إليها بشك قائلا:
وإنتى هتعملى كدة ليه؟هتستفيدى إيه يعنى؟
قالت بحيرة:
مش عارفة..صدقنى أنا مش هستفيد حاجة غير إنى أساعد واحد مريض..غريبة يمكن..أنا نفسى مستغربة نفسى بس حاسة انى لازم أعمل كدة.
نظر إلى عيونها فى حيرة للحظات قبل أن يقول بهدوء:
طيب ممكن أسألك سؤال تانى؟
أومأت برأسها إيجابا دون أن تنطق بكلمة ليستطرد قائلا:
ليه بتعملى المعروف ده مع حد متعرفيهوش؟
قالت برقة :
هو مش معروف أوى يعنى..إحنا مزرعتنا صغيرة وفى حتة بعيدة عن العمران..يعنى ممكن تمل فيها بسرعة..بس هدوءها ده ممكن يكون سبب لرجوع الذاكرة ليك..أما عن أسبابى ..فصدقنى أنا نفسى معرفهاش..يمكن لإنك بتفكرنى بنفسى..بلحظة فى طفولتى مات فيها بابايا ومامتى..وحسيت إنى وحيدة وضايعة من غير حد..ولولا جدي اللى أخدنى فى حضنه وراعانى أنا كنت ضعت فعلا..وإنت كمان دلوقتى ومن غير ذاكرة زي طفل صغير محتاج إيد تقف جنبك وتساندك..تحسسك إنك مش لوحدك..ولغاية ماترجعلك الذاكرة دى..هكون أنا وجدى الإيد دى..ها..إيه رأيك؟
أطرق مجهول الهوية هذا رأسه يفكر فى كلماتها ..ليرفع إليها وجهه بعد لحظات وقد إنفرجت أساريره يهز رأسه موافقا..لتنفرج أساريرها بدورها وهي تنهض قائلة بحماس قائلة:
أنا إسمى جورية الفيومى على فكرة..وهاجى آخدك بكرة الصبح على المزرعة..بس لازم نسميك .
لتفكر وهي تقضم إصبعها بيدها بطريقة محببة قائلة:
ياترى إيه الإسم اللى ممكن يناسبك؟
لتصمت للحظة قبل أن تلمع عيناها قائلة:
فهد..إسمك فهد..لايق كتير عليك.
إبتسم موافقا بصمت لتمد يدها إليه قائلة :
إتفقنا ..سلام مؤقت يافهد.
مد يده يضم يدها محييا..ليرتعش جسدها وتتسارع دقات قلبها رغما عنها..لتترك يده على الفور وهي تبتلع ريقها بصعوبة قبل أن تبتسم إبتسامة مهزوزة..وتهز رأسها ثم تغادر بخطوات هادئة تخفى إضطرابها تتابعها عيناه بنظرة حملت إعجابا لم يستطع إخفاؤه.
********************
قال عزيز بحدة:
إنتى إزاي تعملى كدة قبل ما ترجعيلى..من إمتى بتتصرفى بدماغك ياجورى؟
قالت جورية وهي تمسك كتفيه بيديها قائلة:
إهدى بس ياجدى..أنا…
قاطعها وهو ينفض يديها عن كتفيه قائلا فى حنق:
إنتى إيه بس؟أنا اللى غلطان ..دلعتك زيادة عن اللزوم..وسيبتك تعملى اللى إنتى عايزاه كله..وفى الآخر جاية تجيييلى البيت راجل غريب..منعرفش أصله من فصله..
لينظر إليها بحنق قائلا:
للأسف..إنتى خدتى من جدتك الشكل بس مخدتيش العقل أبدا.
تدخلت جليلة التى ظلت تراقب ما يحدث بصمت قائلة:
إسمعها بس ياعزيز وبعدين…
قاطعها عزيز قائلا بصرامة:
إسكتى إنتى ياجليلة..مش بعيد تكونى إنتى اللى شجعتيها على الهبل ده.
إتسعت عينا جليلة بإستنكار بينما أسرعت جورية تقول:
خالتى جليلة مكنتش تعرف حاجة عن الموضوع ده ياجدى..هي لسة عارفة حالا وأنا بحكيلك.
أشاح عزيز بيده حانقا..لتترقرق الدموع فى عينيها..وهي تقول بضعف:
ياجدى..عشان خاطرى..إسمعنى الأول وبعدين قرر..ولو رفضت وجوده مش هتكلم خالص ولا هعارضك.
أوجعته دموعها..كاد أن يأخذها فى حضنه ويربت عليها مواسيا ولكنه توقف فى اللحظة الأخيرة رافضا..يبغى سماع سبب تصرفها بتلك الرعونة قبل أن يقرر مايفعل..لتبتلع جورية ريقها بصعوبة وهي تقول:
أنا لما شفته إفتكرت نفسى وأنا صغيرة..إفتكرت روحى وهي تايهة مش لاقية حد لية ..لا مكان يإوينى ولا أهل يساندونى ويقولولى إنتى مش لوحدك..إفتكرت غربتى وأنا جوة بيتى..ولولا وجودك جنبى ساعتها..لولا جتنى وضميتنى لحضنك..كنت ضعت ياجدى..فاكر قلتلى إيه ساعتها؟قلتلى متخافيش..إنتى مش لوحدك ..أنا جنبك وهفضل قربك..مش هسيب إيدك ابدا..وطول ما إيدى فى إيدك مش هتقعى ..وده وعدى ليكى..وفعلا ده اللى حصل..النهاردة لما شفته إفتكرت إحساسى زمان..حسيته محتاج إيد تساعده ..بقوله بيها إنت مش لوحدك..وفى وسط السواد اللى انت فيه انا وجدى هنكون شعاع نور..ينورلك طريقك..لغاية ما فى يوم شمس زكرياتك تنور حياتك وساعتها هترجع لعيلتك ..ولحد ما ده يحصل مش هنسيبك تايه تخبط فى طريقك لوحدك..هنكون معاك لآخر لحظة..فاهمنى ياجدى؟
تأملها جدها للحظات ثم ربت على يدها قائلا بحنان:
فهمتك يابنتى..فهمتك..بس برده ده ميمنعش إنك إتهورتى وطلبتى من حد غريب يكون معانا فى المزرعة ..إفرضى طلع مش كويس أو هربان من جري..مة..إفرضى…
قاطعته جورية قائلة بحزم:
متقلقش ياجدى..أنا واثقة إنه مش ممكن يطلع مجرم او إنسان وحش..سميها الحاسة السادسة..سميها ثقة فى إحساس قلبى اللى عمره ما خيب ظنى..سميها زي ما تسميها..بس صدقنى ياجدى..انا واثقة إن فهد إنسان كويس ومش ممكن يإذينا.
عقد جدها حاجبيه قائلا:
فهد مين ده؟
إبتسمت لأول مرة منذ ان تركت فهد فى هذا المستشفى وهي تقول لجدها:
فهد يبقى الراجل اللى حكيتلك عنه ياجدى..وأما بالنسبة للإسم ..
فأشارت إلى نفسها بفخر مستطردة:
فأنا اللى إخترتهوله.
تأمل جدها ملامحها المشرقة ليتسلل إلى قلبه القلق رغما عنه..وهو يشعر أن هذا الفهد قد حاز على إعجاب فتاته الصغيرة حتى وإن لم تشعر بهذا بعد..ليخشى أن تتكرر تجربة إبنته مجددا..ولكن مع حماسها ذلك لا يستطيع أن يرفض لها طلبها..سيوافق على حضوره إلى المزرعة..ولكنه سيضعه تحت رقابة شديدة وإن ثبت له كذب إدعاءاته..إن تأكد من أنه مخادع سيتأكد بنفسه من أنه سيلقى جزاؤه العادل.. وسيكون مصيره أسوأ من الموت نفسه.
********************
ذهبت جورية إلى المستشفى فوجدته هناك..أخبرها أنه لم يكن يتوقع عودتها فإبتسمت مخبرة إياه أنها حين تعد لا تخلف وعودها أبدا..ليتأمل إبتسامتها الرقيقة فيبتسم لها بدوره وفى إبتسامته ضاعت هي كلية..غرقت فى بسمته تلك والتى إمتدت إلى عينيه الجميلتين فسحرت قلبها ورسمت بداخله طلاسم إحتارت فى تفسيرها..تعثر وكاد أن يقع فأسندته بكل قوتها..وهنا وفى تلك اللحظة ..مثلما تشابكت أيديهم..تشابكت نبضات قلبهم..ففى تلك اللحظة بالذات والتى إلتقت فيها العيون..أدرك كليهما أن مصيره إرتبط بالآخر وأن ما يحدث بينهما هو شئ فريد..فروحيهما تستكينان فقط بسماع نبض الآخر والذى يصل إلى مسامعهما بكل وضوح..تطرق قلبيهما بقوة دقاته..لتستكين إبتسامة راحة على ثغريهما ويتجهان إلى خارج المستشفى ولدى كل منهما يقين بأنه لم يعد روحا تائهة وحيدة..بل صار هناك من يؤنس وحدته ويطمئن تلك الروح..ربما للأبد..أو هكذا كانت تظن.
********************
…..فى داخل المزرعة…..
كانت تعلم أن جدها لن يرتاح لذلك الغريب على الفور..وأنها ستجد صعوبة فى إقناعه بأنه ليس بسئ أبدا ..ولكن ما حدث كان عكس توقعاتها تماما..فمنذ اللحظة الأولى لوصولهم إلى المزرعة وإلتقاء جدها بفهد..وجدها يبدو مرتاحا لهذا الضيف الجديد..وكأنه قد توسم فيه الطيبة والرجولة وحسن الخلق..وإزداد إعجابا به مع مرور الأيام..فلم يكن فهد أبدا برجل كسول فما إن سكن فى هذا الكوخ بجوار المنزل والذى أعدته له جورية بنفسها وجعلته رائعا حقا..حتى نهض فى اليوم التالى باكرا ليشمر عن ساعديه ويعرض على الجد رغبته فى العمل مع بقية العاملين بالمزرعة..مظهرا قوة وجلدا وصبرا..ورغم طلب الجد منه الراحة كي تلتئم كل جراحه إلا أنه أبى قائلا أن جراحه بسيطة وقد إلتأمت بالفعل..وأن دواءه هو العمل حتى لا تشغله أفكاره السوداء وحيرته من صفحة ماضيه البيضاء..ليثبت لجدها أنه حقا رجل يعتمد عليه..وليس هذا فقط بل صار صديق جدها الذى يشاركه فى لياليه لعبته المفضلة..الشطرنج..يظهر ذكاءا بلا حدود فى تعلمها بسرعة بل والتفوق على جدها بها وكأنه يلعبها منذ الصغر.
كانت جورية سعيدة للغاية بوجود فهد فى مزرعتهم..وإندماجه السريع..خاصة مع جدها ..فقد أضفى فهد على المزرعة جوا رائعا..فلم تعد أبدا مملة كما كانت..كانت تقف بالساعات تعد الطعام مع خالتها جليلة فقط كي يأكل منه فهد..تعد الكوخ كل يوم وتضع فراشه فى الشمس فقط كي يرتاح فهد..تفكر وتفكر فى أشياء تشغله بالمساء فقط كي لا يمل فهد..وفى لياليها تمسك أوراقها تكتب فقط عن فهد……
لتدرك ذات ليلة أن فهد قد أصبح محور حياتها..وأنها قد وقعت فى غرامه..تتساءل دائما هل وقع فى عشقها بدوره؟أم أنها مجرد فتاة عادية بالنسبة إليه؟لطالما عاملها بأدب وإحترام..لم يصدر عنه أبدا ما يوحى بالإعجاب بها..ربما هي مرة واحدة ضبطته يتأملها خلسة..ولكن غير ذلك لم ترى منه أبدا أنها تثير إعجابه..أو إهتمامه بأي شكل من الأشكال..حتى كان هذا اليوم الذى إكتشفت فيه مشاعره……..
********************
كانت ترتب له الكوخ كعادتها..لتقع يديها على قميصه..مدت يدها تأخذه ..ترفعه إلى أنفها تشتم رائحته المميزة والتى يعبق بها هذا القميص الخاص به..إبتسمت وهي تتذكره البارحة وهو يرتديه ..كم كان وسيما به وهو واقفا تحت الشمس ..تلوح بشرته بأشعتها الحارقة..يمسك الفأس بيده يزرع الأرض..ثم يقف فيمسح عرق جبهته بكمه..ثم يعاود حرث الأرض بكل قوة..وكانت هي تتأمله من بعيد ، تتمنى فقط لو إقتربت منه..ولكن ما بين أمنية تحدوها وقيود تمنعها هي حائرة..أسيرة..تود لو تحطم تلك القيود..ولكن ماباليد حيلة.
إنقطعت الكهرباء فجأة لتترك جورية القميص بسرعة فأكثر ما تخشاه هو الظلام..لتتحسس الطاولة بقلق حتى وجدت الثقاب ..حاولت أن تشعل عودا..فلم تستطع ..حاولت مرارا وتكرارا حتى نجحت بالفعل..ولكن وقع منها عود الثقاب على هذا القميص ليشتعل بسرعة..حاولت أن تطفئه بغطاء جانبي فإشتعلت النيران أكثر..خشيت من ذلك الحريق الذى إنتشر بسرعة..لتندفع مغادرة الكوخ ولكنها تعثرت لتقع أرضا ويرتطم رأسها بقوة ثم لفها السواد الكامل.
*******************
كان فهد عائدا إلى الكوخ..ليرتاح قليلا..فأمامه اليوم عمل كثير وهو ينوى أن يكد ويكد حتى يستطيع إنهاء حرث قطعة الأرض الشمالية قبل مساء هذا اليوم..توقف فى مكانه حين رأى دخانا متصاعدا من الكوخ كاد أن يتجه إلى الإسطبل القريب لإحضار خرطوم المياه والإستنجاد بالجميع هناك لإطفاء هذا الحريق ولكنه لمح هذا الشال الملقى على المقعد خارج الكوخ..ليتعرف عليه على الفور ويدرك أنه الشال الخاص بها..ليرتجف قلبه رعبا عليها..إنها بالداخل والكوخ يحترق..ربما أصابها مكروها..ليسرع بإقتحام الكوخ دون تفكير لتقع عينيه عليها على الفور ..مغشيا عليها ومسجاة على الأرض..أسرع يحملها إلى الخارج ..يهرول بها إلى المنزل القريب..حيث إستقبلتهم جليلة بجزع ..صرخ بها أن تحضر العطر بسرعة..ثم نظر إلى وجه جورية الشاحب بجزع يربت بيده على وجنتها وهو يقول بهلع:
فوقى ياجورى..فوقى ياحبيبتى..عشان خاطرى فوقى..انا مقدرش أعيش من غيرك.
جاءت جليلة ومعها العطر وجاء معها عزيز الذى راقب ما يحدث بقلب واجف ..لينثر فهد العطر على رسغه ويقربه من أنفها ..ليتجعد انفها قليلا..مشيرا إلى أنها على وشك الإستيقاظ..زفر فهد براحة وعيون جورية البنية تنفلج ببطئ..لتراه وتقول بضعف:
فهد.
إبتسم فهد بينما أغروقت عيناه بالدموع قائلا:
قلب فهد وعمره كله.
تجمد الجد تماما وأصابت جليلة الدهشة..بينما إتسعت عينا جورية بذهول..وهي تقول:
إنت قلت إيه؟
تأملها بعشق قائلا:
قلت اللى خبيته جوة قلبى بقالى سنة بحالها..كنت مستنى أعرف أنا مين..وأصلى إيه..بس الظاهر إنه مش باين إنى هفتكر حاجة..وبصراحة اكتر وبعد إحساسى النهاردة..و إنك كان ممكن تضيعى منى..مش مستعد أضيع ثانية واحدة من غير ما أقولك أد إيه بحبك.
أغروقت عينا جورية بالدموع وهي تقول:
أنا كمان بح…
هدر صوت جدها بإسمها يمنعها من الإستطراد فى إعترافها بعشقه..لينتبه فهد إلى وجود جدها..وينهض ببطئ ناظرا إليه فى ترقب..بينما إعتدلت جورى جالسة ناظرة إليه بوجل ليقترب الجد منهما ينقل بصره بين الإثنين بملامح خالية من التعبير..حتى توقف أمامهما تماما..ليقول بهدوء موجها حديثه إلى فهد قائلا:
وتفتكر آخرة الحب ده إيه يافهد؟
قال فهد بثقة:
الجواز طبعا..انا بحبها ياجدى..ومستعد أعمل أي حاجة عشان تكون مراتى.
لم يهتز لجدها جفن بينما رقص قلب جورية طربا لسماع كلماته الواثقة العاشقة..ليقول الجد بصرامة مقاطعا أفكارها السعيدة:
وهتتجوزها إزاي وإنت مش معاك أي حاجة تثبت إنت مين..أو إسمك إيه؟
ظهرت الحيرة ممتزجة بالحزن وقلة الحيلة على وجه فهد..بينما إنفطر قلب جورية حزنا وهي تدرك مايؤول إليه حديث جدها فى النهاية..ولكن كلمات فهد التالية أحيت الأمل فى قلبها وهو يقول بكل ثقة:
يبقى هنزل مصر وهجيب أوراق تثبت هويتى..مش هرجع غير وأنا معايا الورق اللى هيجمعنى مع جورى.
لينظر إلى جورية وقد رقت نظراته قائلا:
وده وعد منى.
إبتسمت برقة..ليعود بنظراته إلى جدها قائلا بقوة:
وعد ياجدى.
وبالفعل سافر فهد بعد يومان وبعد وداع رقيق من جورية..ولكنه لم يعد أبدا..ولم يتصل بها حتى ..إنتظرته عاما كاملا..رسمت وجهه فى كل صورة قامت برسمها..وجدته فى كل كلماتها..لم تيأس أبدا من عودته إليها مجددا ..ولكنه لم يعد..لتدرك أن فى الامر خطب ما..ربما تذكر ماضيه ونسيها أو ربما لم يحبها من الاساس؟..أحست بالحزن ولكنها لم تترك نفسها أسيرة للألم.. بدأت تشغل بالها عن التفكير فيه بكتابة الروايات..لتبعثها إلى دور النشر..وذات يوم جاءها خطاب دار نشر المبدعون يخبرونها بأنهم على إستعداد تام لنشر قصتها إن جاءت إلى القاهرة حيث المكتب الرئيسي للدار..وبالفعل سافرت ..تاركة هذا الوادى اللعين الذى يذكرها بفهد..وتاركة جدها الذى أبي ان يترك مزرعته ومنزله..لتلتقى بفراس وتنشأ بينهما صداقة قوية.. ومنذ ذلك اليوم وهي تكتب الروايات وتنشرها ..تصمم على جعل بطل غلاف رواياتها فهدها..فهي عندما تكتب الرواية تراه أمامها ..يلهمها بسحره ..بعشقه ..بكيانه القابع بوجدانها..أو ربما يوما ما رأى فهد غلاف رواية لها ليدرك أنه مازال بقلبها يحيا..وقد حدث هذا بالفعل اليوم …..
لقد عاد لحياتها بقوة..بألم ..عاد رجلا متزوجا ولديه إبنة صغيرة..عاد لحياتها ليجبرها ما عرفته عنه أن تخرجه هي من حياتها تلك..من كيانها..من قلبها..من ذكرياتها للأبد..عليها أن تنساه كلية..فهل ستستطيع؟؟؟؟
الفصل السادس
شريط العمر يمر..كقطار بطئ الخطى محكمة خطواته مدبرة
أرى فيه صورا لى..باهتة..بعيدة قريبة.. مكررة
أحلم ببداية طريقى بأحلام..لأجد فى خاتمة طريقى نهاياتها مقدرة
أحلامى مثلى تائهة…….مغمورة…….مبعثرة
دفنت وواراها الثرى كأناس ماتوا ضحايا حادث قطار وانتهوا كخبر فى جريدة..أو أحرف مسطرة
لاندرى فى حياتنا هل أقدارنا بإختيارنا..أم أنها أقدار مسيرة؟
****************
كانت جورية تجلس فى شرفة منزلها تحتسى قهوتها بهدوء ناظرة إلى هذا النيل الجارى أمامها متأملة هذا المشهد الهادئ والمريح لأعصابها المنهكة من تدفق الذكريات..تنهدت بعمق..لقد أقسمت على النسيان..ولكن كيف تنسى ما حفر فى الفؤاد..كيف تنسى أول وآخر حب فى حياتها؟هي حقا لا تدرى.
أفاقت من أفكارها على صوت رنين هاتفها لتترك فنجال قهوتها على الطاولة وتتجه إلى داخل الحجرة ..تمسك هاتفها تنظر إلى شاشته قبل أن تجيب قائلة:
صباح الخير يافراس.
قال فراس :
صباح النور ياجورى.
أحست جورية بالإضطراب يعترى صوته لتقول بقلق:
خير يافراس ..مال صوتك؟
زفر فراس قائلا:
عايزك حالا فى المكتب ياجورى.
عقدت جورية حاجبيها قائلة:
بس أنا محتاجة يومين أجازة كمان.
قال فراس بنفاذ صبر:
مش هينفع ياجورى..محتاجلك ضرورى.
تنهدت جورية قائلة:
طيب يافراس..نص ساعة وهتلاقينى عندك..سلام.
ثم أغلقت الهاتف..وهي تتجه بروتينية إلى دولابها تفتحه وتأخذ أول فستان وقعت عليه عيناها..وتتجه إلى الحمام والأفكار تراودها ..تتساءل ماالذى حدث لفراس؟ولماذا هذا القلق فى صوته؟لتهز كتفيها فى حيرة..نصف ساعة وستعلم السبب..لتدعو الله أن يكون خيرا.
*******************
نهضت جورية قائلة بعصبية:
إنت أكيد بتهزر..إنت عايزنى أروحله برجلية واطلب منه إنه يسيب صوره على أغلفة رواياتى؟مستحيل طبعا.
قال فراس بهدوء:
أقعدى بس وإهدى ..لو سمحتى ياجورى إسمعينى للآخر .
جلست مجددا وهي تنظر إليه عاقدة حاجبيها ليقول مستطردا:
أنا راجعت مع محامي الدار وضعنا القانونى والحقيقة الوضع ميبشرش بخير أبدا..اللى عرفته عن اللى إسمه خالد نصار مش قليل..ده حوت السوق..معندوش قلب ومبيرحمش..ولما حد بيقف قصاده بيدمره…
صمت فراس وهو يلاحظ ذلك الألم الذى إرتسم على وجه جورية ..لقد نسي للحظات هنا أن من يتحدث عنه هو محطم قلب تلك الفتاة الرائعة..ليزفر قائلا:
أنا آسف ياجورى لو بكلمك فى موضوع حساس بالنسبة لك وبفتح فى جروح قديمة لسة بتنزف..بس الموضوع بجد خطير وميستحملش التهاون فيه.
تنهدت جورية قائلة:
أنا عارفة الوضع الحرج اللى حطيت الدار فيه لما رسمت أغلفة كتبى وحطيت عليها صورة فهد..قصدى خالد نصار ..بس صدقنى أنا مش هقدر أبدا أنفذ اللى إنت عايزه منى..أنا مقدرش يجمعنى معاه مكان واحد تانى..إنت مش فاهم أنا بحس بإيه وهو قصاد عينى ..عيونه هي هي..صوته هو هو..بس لا دى نظرته ولا دى نبرة صوته..وهو قصاد عينى حنينى لفهد بيقتلنى..ببقى نفسى أترمى فى حضنه وأقوله وحشتنى..بس مبقدرش..إحساسى إنه خلاص مبقاش لية..وبقى لواحدة تانية متجوزها ومخلف منها دمرنى..أنا بجد تعبانة يافراس..مش قادرة أتخيل إن حبيبى فهد اللى عاش ويانا سنة كاملة..حبنى فيها وحبيته ..فهد اللى غاب بعدها سنتين سابنى فيهم للعذاب..يبقى هو خالد نصار المليونير المعروف..مش عارفة إزاي كل ده حصل وليه حصل لية أنا بالذات؟
….بس أنا عارفة….
إلتفت كل من جورية وفراس إلى صاحبة الصوت لتطالعهما ليلة بطلتها الرقيقة..تقف فى ثبات تنقل نظرها بينهما بهدوء..لتعقد جورية حاجبيها بحيرة بينما تأمل فراس فاتنته التى أطارت النوم من عيونه منذ أن رآها..ليحمد الله على حسن حظه الذى جعله يراها فى أسبوع واحد مرتين..ليقسم بداخله أن لا يدعها اليوم دون أن يعرف الكثير عنها..نعم..لابد أن يفعل.
********************
إقتربت منها سها تحمل بيدها باقة من الورود الصفراء والتى تكرههم لين وبشدة لتدرك من قبل أن تقرأ هذا الكارت الموضوع بينهم ..من مرسلهم إليها..خاصة وملامح الضيق تبدو على صديقتها سها..وهي تقدمهم إليها قائلة:
شوفى خفة الدم على الصبح..الورد ده جايلك وعليه كارت مكتوب عليه كلام سخيف من محمود عزمى.
أخذت لين تلك الورود وألقتها على المكتب بلا مبالاة وهي تسحب الكارت منهم تقرأه بهدوء:
من النهاردة مش هتكونى غير لية أنا وبس..بدأ العد التنازلى.
نفس العبارة التى وجدتها على زجاج سيارتها بالأمس..إنه هو..مؤيد..تستطيع أن تشم رائحة عطره التى يفوح بها هذا الكارت..وكلماته السخيفة الغامضة..تتساءل بحنق..ماذا يريد منها؟تود من كل قلبها أن يدعها وشأنها..فمنذ أن عاد لحياتها..وحياتها إنقلبت رأسا على عقب..لم تعد أبدا كما كانت….
أفاقت من أفكارها على صوت سها وهي تجلس قائلة بحنق:
أنا مش عارفة بس عاجبك فى محمود ده إيه؟ ..ده حتى دمه تقيل وبارد.
قالت لين بهدوء:
حتى إنتى ياسها بتقولى زيهم..ما إنتى عارفة إنى قفلت باب قلبى من زمان..ومستحيل هفتحه تانى..صحيح محمود معجب بية وفاتحنى فى موضوع الجواز..بس أنا رفضت..وإحنا دلوقتى أصدقاء.
قالت سها بحيرة:
أمال ليه باعتلك الورد ده..وإيه الكلام الغريب اللى عليه ..ويعنى إيه بدأ العد التنازلى؟؟؟
زفرت لين وهي تجلس قائلة:
اللى باعت الورد ده مش محمود ياسها.
قالت سها بحيرة:
أمال مين؟
نظرت لين إلى عيون سها بثبات قائلة:
مؤيد..مؤيد الحسينى.
لتتسع عينا سها …….بصدمة.
********************
اقتربت منهما ليلة لتتوقف أمامهما تماما وهي تقول برقة خلبت لب فراس:
أولا أنا حابة أعتذر عن دخولى كدة من غير إذن..بس السكرتيرة مكنتش موجودة برة والباب كان مفتوح وغصب عنى سمعت كلامكم واللى بيفسرلى حاجات كتير جدا منيمتنيش من آخر مرة كنت هنا معاكم..فى نفس الأوضة دى.
رغما عنه أحس فراس بخيبة أمل..فقد ود لو أطارت أفكارها حوله النوم من عينيها مثلما فعلت هي معه وليس سبب قلقها هو غموض ما حدث فى تلك المرة الماضية فقط..أفاق من شروده على صوتها الملائكي وهي تقول:
ثانيا حابة أوضح حاجات كتير متعرفوهاش عن أخويا خالد .
لتنظر إلى جورية قائلة:
وحابة اعرف انا كمان حاجات من الواضح إنها كانت مستخبية عننا لحد ما ظهرتى إنتى ياجورية.
لتصمت لثانية قبل ان تستطرد قائلة:
أنا قريت قصتك أقدار الحب..
لتهز كتفيها تنقل بصرها بينهما قائلة فى حيرة:
والحقيقة الرواية فيها عبارات مكتوبة فى الحوار حسيت إن أخويا هو اللى بيقولها فعلا..هي دى طريقة كلامه..ولقيت فيها أحاسيس إتمنيت لو حس بيها فعلا..أخويا طول عمره محروم من الحب..والحقيقة مجرد إحساسى إنه عاشه ولو لفترة قصيرة..ريح قلبى ..متعرفيش أد إيه..خالد بيظهر للناس كلها على عكس طبيعته لإنه طول عمره بيخاف من الجرح ..من الغدر والهجر..أخويا مش زي ما شفتوه يومها.
لتستقر عيونها على جورية قائلة:
وإنتى أكيد شفتيه على طبيعته وعرفتى إزاي ممكن يكون لو بس نسى جروح ماضيه وآلامها..لو بس نسي إنه خالد نصار.
كانت الحيرة تملأ وجه كل من جورية وفراس..لتتنهد قائلة:
عشان تفهموا كلامى لازم نرجع من الأول ..من يوم ما إتجوز بابا ماما اللى كانت بنت عمه أصلا..بس للأسف مكنوش بيخلفوا..مع إن مفيش مانع يمنعهم من الخلفة..جدتى عرضت عليه يتجوز تانى..بس ماما طبعا رفضت..فجدتى أقنعتها إن ده فى مصلحتها وإنها هتجوزه الخدامة بتاعتها من سكات وأول ما تخلف هتاخد منها الطفل وتديها قرشين وتروح لحالها..إقتنعت ماما بكلامها وفعلا بابا إتجوز طنط تحية..وخلف منها خالد ..رفضت تحية تدى إبنها لماما..أخدوه غصب عنها ورموها برة..فضلت فترة تيجى كل يوم تطالب بخالد بس بابا وتيتة كانوا بيمنعوها حتى إنها تشوفه وشوية بشوية طنط تحية إختفت من حياتهم..محدش سأل طبعا هي راحت فين او ايه مصيرها..ومشت الحياة عادى..لغاية ما فى يوم ماما حملت فى اختى الكبيرة لين وهنا بدأت معاملتها تتغير من ناحية خالد..وخصوصا بعد ولادة لين..بس هو كان دايما ساكت ومبيتكلمش ولا بيشتكى حتى لبابا..ولما ماما حملت فية..وإتوفت جدتى..حاولت ماما تقنع بابا يرجع خالد لمامته..بس بابا رفض طبعا وخصوصا لما جيت انا للدنيا..وعرف إن خالد هيكون إبنه الوحيد..حقد ماما على خالد كان بيزيد وهو ياحبيبى ساكت ومتحمل..لغاية لما عرف ان مامته ماتت..لما سمع ماما وبابا بيتكلموا عنها..مجرد معرفته إنها كانت عايشة وهو مشفهاش ولا يعرف عنها حاجة دمرته ..خلته واحد تانى ..بارد قاسى مع الكل إلا إحنا..أنا ولين..عمره ما إتغير من ناحيتنا بالعكس إهتمامه وحبه لينا كان دايما بيزيد..لكن بالنسبة للكل بقى خالد نصار اللى مبيرحمش..ولما بابا مات حاولت ماما تخرجه برة حياتنا بس وكأن بابا كان حاسس بنواياها..كتب نص الشركة والبيت لخالد بيع وشرا..ماما مقدرتش تتحمل الصدمة جالها أزمة قلبية وماتت..ومن ساعتها وخالد مبقاش فى قلبه وعقله غير الشغل وبس..وإحنا..ومبقاش فى حياته مكان للمشاعر والأحاسيس.
تألمت جورية لماضى خالد القديم والذى أضنى قلبها..شعرت بوحدته.. بعذابه..بألمه وكتمانه..وإظهار القوة رغما عنه..والبرود والعزوف عن البشر والمشاعر لتجنب الألم..كم كانت تتمنى لو كانت بجواره فى هذا الوقت..لتمنحه كل ما إفتقده..الحب..الإهتمام..والأمان.
أفاقت جورية على صوت ليلة وهي تنظر إليها قائلة:
حتى لما جه يتجوز..كان عرض شغل مع جواز من شاهيناز نفسها..دمج البيزنس مع الأمور الشخصية وبحسبة بسيطة خالص إنتصر البيزنس..وإتجوز شاهيناز وخلف منها ريم ..بس الحياة بينهم جامدة ..مفيهاش مشاعر..كلها مشاكل وأقدر أأكدلك إنه مش مبسوط معاها ولا بيكنلها أي مشاعر.
لم تدرى جورية أتفرح لهذا الخبر وهي تدرك أن حبيبها لا يحب زوجته أم تحزن لعدم جدوى معرفتها تلك..فعلى كل حال لن يفيدها إن كان عاشقا لزوجته أم لا..ففى النهاية يظل متزوجا ويظل عليها الإبتعاد عنه كلية….
أفاقت على صوت فراس وهو يقول بهدوء يخفى إضطراب مشاعره:
طيب ممكن من فضلك تقعدى وتستريحى إنتى بتقولى منمتيش وأكيد بتكونى تعبانة.
نظرت إليه ليلة تتأمله لأول مرة ..كم يبدو وسيما..رصينا تماما كبطل من أبطال رواياتها..وكم بدت نبراته حانية لتمس شغاف قلبها وتزيد دقاته..إبتلعت ريقها بصعوبة وهي تومئ برأسها تنفض أفكارها تلك وتجلس بهدوء قائلة:
شكرا.
..بينما أبعدت عينيها عن سحر عينيه وهي تنظر إلى جورية التى ودت لو حثتها على الكلام مجددا ولكنها كانت تخشى أن تعلم عنه المزيد..فيكفيها ما عرفته حتى الآن….
قالت ليلة بهدوء:
من حوالى ٣ سنين كان خالد مسافر فى رحلة عمل لروما ..إتقطعت أخباره عنا..وآخر حاجة سمعناها إنه خلص صفقته بدرى عن ميعادها وإنه عمل شيك آوت من الفندق وكان جاي على مصر فى طيارة خاصة واللى طبعا مفيش أي معلومة وصلتنا عنها..ولمدة سنة كاملة مخليناش حاجة معملنهاش عشان نعرف خالد إختفى فين..بس للأسف موصلناش لأي حاجة..لحد ما فى يوم..لقيناه داخل علينا..كان الشكل هو هو بس اللبس مش لبسه خالص.. أصل خالد كلاسيك اوى فى لبسه..مبيلبسش غير بدل..كانت اول مرة نشوفه كاجوول..بس مش ده اللى صدمنا ..اللى صدمنا إنه مش فاكر أي حاجة عن السنة دى وإن آخر حاجة هو فاكرها..ركوبه الطيارة الخاصة..ورجوعه على مصر وإنه فاق لقى نفسه فى مستشفى حكومى وقالوله إنه جه فى حادثة عربية..وإنه الحمد لله ماإتصابش غير فى دماغه وإصابته كانت طفيفة وإنهم بس هيخلوه ٢٤ ساعة تحت الملاحظة..وفعلا رجع خالد وعاش بينا من تانى..بس خالد مبقاش خالد بتاع زمان..انا حسيت بتغييره وقلت الكلام ده للين..بس هي مصدقتنيش..قلتلها أخوكى عايش ومش عايش..وكأنه ناقصه حاجة وبيدور عليها..حتى شاهيناز بقى بارد وياها ومبقاش يتخانق معاها زي الأول..لغاية اليوم اللى جينا فيه هنا..يومها حسيت بحاجة غريبة..نظرتك اللى شفت فيها حبك ليه وصدمتك..وهو ..هو كمان شفت إضطرابه وحيرته وتساهله معاكى مع إن لو كنت شفتيه قبل ما نيجى هنا كنتى قلتى إنه هيهد الدنيا على دماغ كل الموجودين ..شفت كمان لهفته ساعة ما أغمى عليكى وإزاي كان أول واحد جرى ناحيتك وشالك والقلق كان مالى وشه.. ومهدتش ملامحه غير لما فوقتى.
إرتعشت جورية..تتساءل..أكان فهد هو من حملها وقتها؟ بينما إبتسم فراس بداخله فتلك الرقيقة..تمتلك عقل راجح وعيون متأملة وقلب رقيق..تماما كما تخيلها..ليفيق من أفكاره على صوتها وهي تقول:
انا قلتلك ياجورى كل حاجة أعرفها عن الموضوع فمن فضلك متبخليش علية وإحكيلى خالد فى السنة دى حصله إيه..طمنينى وقوليلى إنه عاش معاكى اللى إتمنيت يعيشه طول عمرى.
لا تدرى لماذا أحبت جورية تلك الفتاة ..ربما لإنها تشبهها كثيرا ..روحها تتطابق وروح هذه الفاتنة الرقيقة..او ربما هي شفافيتها وصراحتها..لا يهم..المهم أنها أرادت أن تقص حكايتها عليها…ربما لأول مرة تحكيها كاملة..فلم تقص على فراس قصتها بالتفصيل بل إكتفت بموجز صغير عنها..ولكنها وجدت نفسها تقصها على مسامعهما اليوم بأدق تفاصيلها وكأنها تلقى بهم ثقيل على كتفيها بعيدا..لترتاح بعدها …تماما.
********************
قالت سها بدهشة:
يعنى إنتى قابلتى مؤيد فى الحفلة..وقالك الكلام ده كله بجد؟
اومأت لين برأسها فى هدوء..لتستطرد سها قائلة بحنق:
وإزاي مقلتليش لغاية النهاردة؟
زفرت لين قائلة :
مش عارفة بقى..يمكن لإنى كنت بتمنى يكون كابوس وفقت منه..أو وهم ومحصلش..يمكن لإنى مش حابة أجيب فى سيرته..سيرته اللى بتقلب علية وجع سنين بحالها بحاول فيها أنساه وأنسى اللى عمله فية…مش عارفة..بس اللى عارفاه ومتأكدة منه..إنى مخنوقة..مخنوقة أوى ياسها.
غشيت عيونها الدموع لتشعر سها بالشفقة عليها..لتمد يدها تربت على يد لين قائلة:
طب إهدى بس وهنلاقى لمشكلتك حل أكيد.
قالت لين بألم:
مشكلتى ملهاش حل..مؤيد رجع ومصمم يدخل حياتى من جديد..ومش ناوى يبعد عنى ويسيبنى فى حالى..أنا نفسى أعرف هو عايز منى إيه بالظبط؟..ليه مصمم يعذبنى من تانى..نفسى يرحمنى من اللى أنا فيه..لإنى زهقت..أنا كنت ما صدقت بدأت أنسى اللى فات ..لكنه رجع..رجع عشان يفكرنى بكل اللى فات ..وأنا مش عارفة أعمل إيه وأخرجه من حياتى إزاي؟
قالت سها:
قولى لأخوكى يالين..قولى لخالد.
قالت لين بصدمة:
أقول لخالد إيه؟إنتى إتجننتى..أقوله إن سبب طلاقى مش موضوع الخلفة..وإنى إكتشفت إن مؤيد خاين وعنده طفل من غيرى كمان..أقوله إنه باعنى بالرخيص ..باع حب وعشرة وحاجات كتير كنت عايشاها معاه..أقوله ياخالد مؤيد خان ثقتك فيه وخانى أنا كمان..مش بعيد يقتله.
قالت سها بدهشة:
إنتى لسة خايفة عليه؟؟
قالت لين بإضطراب:
ها..لأ طبعا مش خايفة عليه..انا خايفة على خالد..مش عايزاه يودى نفسه فى داهية عشان واحد زي مؤيد.
نظرت سها إلى لين بنظرة ذات مغزى..لتشيح لين بوجهها عنها لتتأكد مخاوف سها..لين مازالت تحبه..رغم خيانته لها وإفتراقهما عن بعضهما البعض..مازالت تكن له المشاعر..وهذا لا يبشر بالخير….لا يبشر بالخير أبدا.
********************
قالت ليلة بإبتسامة:
أنا كدة إرتحت..بجد إرتحت وإتطمنت على خالد.
قالت جورية بحزن:
بس أنا مش مرتاحة ياليلة..حاسة بوجع فى قلبى..مش عارفة أعمل إيه ولا أتصرف إزاي..نفسى أبعد عن كل حاجة بتفكرنى بيه بس كل السبل بتودينى ليه..وآخرهم موضوع الأغلفة بتاعة الروايات..وإنتى سمعتى بنفسك..فراس عايزنى أروح لحد عنده وأطلب منه يسيب صورته موجودة على أغلفة الروايات..ودى حاجة معتقدش أخوكى هيقبلها..ومش هينوبنى من المشوار ده غير وجع القلب وخلاص.
قالت ليلة بعد لحظة من التفكير:
انا مع الأستاذ فراس فى كلامه .
لقد نطقت بإسمه..كم رائع هذا الإسم من بين شفتيها..كنغمات ساحرة..حقا لقد عشق إسمه الآن..لتستطرد ليلة قائلة:
إنتى متعرفيش خالد ممكن يعمل إيه فى الدار لو منفذتوش كلامه وشلتوا الصور بتاعته من على الأغلفة..والحل الوحيد إنك تروحيله فعلا وتطلبى منه يتراجع عن قراره..ممكن ساعتها يوافق..مين عارف؟وبتمنى من قلبى تلاقى هناك أمل يريح قلبك ياجورى.
نظرت جورية إلى ليلة لتجد بعيونها التصميم..لتنظر إلى فراس وتدرك أنه يؤازر كلمات ليلة بالطبع..لتتنهد يائسة وهي تقول:
اللى تشوفوه..رغم إن قصتى معاه محكوم عليها بالفشل..وإنى متأكدة من رفضه التراجع عن قراره..بس عشان خاطر الدار..أنا هروح.
لتصفق ليلة بجذل ثم تتوقف فجأة وقد تخضب وجهها بحمرة الخجل لتزداد جمالا فى عيون فراس..بينما نهضت وهي تقول بحماس ألهب مشاعره:
طب مستنيين إيه يلا بينا ياجورى نروح فورا على المكتب.
قالت جورية بإضطراب:
أيوة بس…
قال فراس مقاطعا:
من غير بس..يلا يا جورى..روحى معاها..وطمنونى علطول.
زفرت جورية بقلة حيلة ثم نهضت لتمشى بجوار ليلة بهدوء..بينما يتابعهما فراس بإعجاب يزيد بتلك الفاتنة الصغيرة والتى يدرك أنها تود الجمع بين الحبيبين…..مثله تماما.
رواية وادي النسيان.
بقلم الكاتبة شاهندة.
الفصل السابع
عجبا لك يا نفسُ :
كيف تهوين المخاطر ؟
وتتبعين القلب والمشاعر
وتبحرين في بحر الهوى الثائر
وتتلذذين بنسيمه الساحر
………
وأنت تغرقين ولا تدرين
و بنار الشوق تُحرقين
ولشغف الحب تُطربين
و لتحذير العقل لا تسمعين
وفي كل حين تتألمين
بقلم..زينة بن عمار
*************
كان خالد يعقد حاجبيه وهو يطالع هذا العقد..يقرأ بنوده بتمعن..ليتركه وهو يتراجع بظهره ..يسند رأسه على مقعده ..مغمضا عيناه للحظات..لتمر هي فى مخيلته ..تضئ هذا السواد بضي طلتها الرقيقة..تسللت بسمة إلى ثغره وهو يراها تطالعه بعيونها البنية الرقيقة ذات الأهداب الرائعة..لتختفى فجأة ….
فتح عينيه يلعن إختفائها عن مخيلته..ليفتح درج مكتبه..يأخذ هذا الكتاب من داخله..يقرأ عنوانه بصمت( أنفاس حياة )..يرى صورته ماثلة على الغلاف..يتعجب من إستطاعتها رسمه بتلك الدقة دون أن تراه أمامها..ولو لمرة واحدة..ليتساءل بحيرة..هل راود أحلامها يوما؟أم أنه حقا يمثل صورة فتى أحلامها..فى كلتا الحالتين..تمنحه تلك الأفكار شعورا رائعا..لا يدرى كنهه ولكنه وعلى الرغم من روعة الشعور.. يخشاه..فحياته قد رسمها بعناية منذ أن أدرك أنه وحده فى هذا العالم العجيب..وما يشعر به الآن بالتأكيد يمس هذا العالم بلمحة من الإرتباك..تهزه كلية..قلب الكتاب بين يديه وطالع صورتها التى توجد فى الخلفية..كم تبدو رقيقة جميلة..تماما كفتاة أحلامه…
أفاق من أفكاره على صوت طرقات على الباب يعرفها جيدا.. ليخبئ الكتاب فى الدرج سريعا..ثم كانت إطلالتها الجميلة..إنها ليلة..أخته..بل إبنته..إبتسم عندما قالت برقة:
ممكن أدخل.
قال خالد وقد إتسعت إبتسامته:
إدخلى طبعا.
ابتسمت قائلة:
معايا ضيوف.
نهض قائلا:
أهلا بضيوفك.
لتدخل ليلة إلى المكتب..تتبعها جورية التى ما إن وقع بصره عليها حتى تجمدت إبتسامته لتختفى تدريجيا وهو يطالعها..بينما نظرت إليه تتأمله بدورها..تشبع عيناها من ملامحه رغما عنها..ظلا هكذا لثوان..تنقل ليلة بصرها بينهما..تدرك بأن مابين هذا الثنائي كبير حقا..رغم عدم تذكر أخيها لحبه لها ولكنه يبدو مؤثرا فى أعماقه بدرجة كبيرة لترى نظراته الآن كما لم تراها أبدا..تنحنحت قائلة:
إحمم..مش هتسلم على ضيفتى ياخالد؟
أفاق خالد من شروده ليقترب منهما وهو يمد يده إليها..قائلا:
أهلا يا……
تظاهر بنسيان إسمها لا يدرى لماذا..والأدهى أنه لم يدرى كم آلمها ذلك..كادت أن تغادر المكان بأكمله..ولكنها لن تفعل..ستنقذ دار النشر حتى ولو على حساب قلبها..لذا فقد إبتسمت إبتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها وهي تمد يدها إليه قائلة:
جورية..جورية الفيومى.
تلاقت أيديهما للحظات..كانت كفيلة بإرسال شحنات كهربائية فى سائر جسديهما..لتترك يده على الفور..تنحنح قائلا:
احمم..إتفضلوا أقعدوا واقفين ليه؟
قالت ليلة برقتها المعهودة:
هنقعد طبعا..إحنا جايينلك فى موضوع مهم.
إتجه إلى مكتبه ليجلس مشيرا إليهم بالجلوس قائلا:
خير.. أنا تحت أمركم.
جلسا أمامه..تشعر جورية بدوارا يكتنفها وهي تراه يعاملها بتلك الرسمية وكأنها غريبة عنه ..وليست قطعة من روحه كما هو تماما..حاولت أن تتمالك نفسها..لتنظر إلي الأمام تحاول أن تتجنب النظر إلى عيونه التى تعشقها..ترفض أن ترى نظراته الجامدة الخالية من التعبير تجاهها..بعد ان كانت تراهم عاشقتين راغبتين..قالت بهدوء:
الحقيقة..دار النشر حاولت تسحب إصدارات الروايات من السوق..بس للأسف مش نافع..أنا عارفة إن كل اللى حصل ده غلطتى..أنا اللى رسمتك…..
لتصمت للحظة وهي تبتلع ريقها بصعوبة قبل أن تستطرد قائلة:
يعنى..رسمت صورة فى خيالى ومن حظى إن الصورة طلعت لحضرتك..من حظى إن الصورة طلع صاحبها رجل الأعمال المشهور..خالد نصار .
نظرت إليه فى تلك اللحظة..ليرتعش جسدها بأكمله حين إلتقت عيناها بعينيه..لتقع مجددا تحت سحره..تبا ..كم إشتاقت إليه وكم هو مؤلم وجودها أمامه وهي لا تستطيع له إقترابا..كان خالد هو أول من أشاح بناظريه بعيدا عنها..وهو يتراجع بظهره مستندا إلى كرسيه..يطرق برأسه لثانيتين قبل أن يرفع وجهه إلى جورية وقد جمدت ملامحه لتتوجس ليلة خيفة مما سوف يقوله..تعلم هذا الوجه جيدا..فلقد نوي خالد أخاها أمرا وهو ليس حسنا على الإطلاق..ليقول خالد ببرود:
ممكن أعرف إيه المطلوب منى دلوقتى؟
إبتلعت جورية ريقها بصعوبة وأحست بالتوتر يغمر كيانها ..تشعر بالصقيع يتسلل إليها ..ترسله نظرات خالد الجليدية حولها..لتقول بإضطراب:
يعنى لو بعد إذنك ..تسمحلنا بإننا نسيب صور حضرتك على الروايات.
تأملها لثوان بنظرات جامدة..أرعبتها ..فلم ترى ابدا هذا الجانب البارد من حبيبها فهد..ترى هل من مفاجآت أخرى؟؟
لتفيق من أفكارها على صوته وهو يقول ببرودة جليدية:
آسف..الصور هتتشال ..وده قرارى الأخير.
لتتسع عيناها …….بصدمة
********************
تناهى إلى مسامع لين صوت شجار بالخارج إستطاعت أن تميز طرفيه..لتتنهد بيأس..تتساءل بنفاذ صبر ..ماذا تريد زوجة أخيها من صديقتها مجددا؟..حقا لقد زودتها تلك المرة..لتنهض متجهة إلى الخارج وهي تنوى ان تضع حلا حاسما لما يحدث..إقتربت منهما لتسمع سها تقول بحدة:
من فضلك تتكلمى أحسن من كدة ويايا..أنا مش بشتغل عندك وحتى لو بشتغل عندك فده ميدكيش الحق إنك تكلمينى بالأسلوب ده.
لتقول شاهيناز بسخرية:
انا أكلمك زي ما أنا عايزة..وإياكى تفتكرى إنك عشان صاحبة لين فأنا مقدرش أرفدك من الشركة..لأ ده أنا….
هدرت لين قائلة:
شاهيناز.
إلتفتت إليها شاهيناز لتستطرد لين قائلة بنبرة حازمة:
من فضلك..تعالى نتكلم فى أوضة المكتب.
كادت شاهيناز للحظة أن تعترض ولكنها تراجعت..وهي تلقى نظرة حادة بإتجاه سها قبل أن تتجه إلى حجرة المكتب..لترسل لين لسها نظرة إعتذار صامتة قبل أن تتبعها مغلقة الباب خلفها بهدوء.
ما إن أصبحت كل من لين وشاهيناز بمفردهما حتى بادرتها شاهيناز قائلة بحدة:
بصى يالين ..سها صاحبتك دى مش ممكن تستنى يوم واحد فى الشركة..انتى شفتى هي بتكلمنى إزاي؟
قالت لين بهدوء وهي تتجه لتجلس على مكتبها قائلة:
سها وجودها فى الشركة من وجودى ياشاهى وانا مقدرش استغنى عنها يوم واحد..
قالت شاهيناز فى غيظ:
ما ده اللى مخليها قوية بالشكل ده ومش هاممها حد..بس لحدى وكفاية..انا مستحيل أقبل بإن واحدة شغالة عندى تكلمنى بالأسلوب ده.
قالت لين ببرود:
اولا..سها مش شغالة عندك..هي شغالة معايا أنا..ثانيا..سها اصلا مش محتاجة تشتغل كل الموضوع إنى لما طلبت منها تساعدنى وافقت..ثالثا بقى وده الأهم..هو إنتى مش عندك مديرة مكتب..ليه بتحملى مديرة مكتبى شغل مكتبك ؟
جلست شاهيناز تضع قدما فوق الاخرى قائلة بسخرية:
هي لحقت تشتكيلك؟
تراجعت لين فى مقعدها قائلة بهدوء:
أنا صاحبة سها يعنى من الطبيعى أعرف عنها كل حاجة..زي ما هي تعرف عنى كل حاجة.
إبتسمت شاهيناز بسخرية قائلة:
واضح على فكرة مش محتاجة تقوليلى الكلام ده..انا ملاحظة إنها قربت منك اوى الفترة الأخيرة دى..ده إنتى حتى بقيتى تاخديها الحفلات بدالى.
نظرت إليها لين ببرود قائلة:
مش إنتى اللى فجأة مبقتيش تاخدينى معاكى الحفلات اللى بتروحيها..وبقيتى بتروحى مع ميراج..ليه انا كمان معملش زيك؟
إتسعت إبتسامة شاهيناز الساخرة وهي تقول:
علمناهم الشحاتة..عموما براحتك..المهم سونيا كانت هناك إنبارح فى عيد ميلاد نور وقالتلى إنك كنتى مع واحد..بس اللى أعرفه إن محمود مسافر ..ولا رجع؟
رمقتها لين بضيق قائلة:
وسونيا تبلغك أخبارى ليه ولا إنتى موصياها يكون عينها علية؟
قالت شاهيناز بإرتباك:
ها..لأ طبعا وهخلى عينها عليكى ليه بس؟..المهم مقولتليش مين الراجل اللى كان معاكى ده؟
قالت لين وهي تنظر مباشرة إلى عيون شاهيناز:
مؤيد..مؤيد الحسينى.
لتتسع عينا شاهيناز ….فى صدمة .
********************
قالت ليلة بسرعة:
بس ياخالد….
قاطعها خالد بإشارة من يده قائلا:
خليكى برة الموضوع ده ياليلة..الكلام بينى وبين الآنسة .
لتصمت ليلة بحنق بينما نظر خالد إلى جورية قائلا:
قلتلك المرة اللى فاتت..وجود صورتى على أغلفة رواياتك يضر بسمعتى وسمعة الشركة..ده غير إنه هيثير الأقاويل علينا وأنا مش مستعد لثانية واحدة يرتبط إسمى بإسم حد تانى غير مراتى..الكلام ممكن يأثر على شغلى وعلى بنتى وأنا مش مستعد أجازف بالإتنين.
كم آلمتها كلماته..أيخشى إرتباط إسمه بإسمها؟أيخشى على مشاعر زوجته إلى تلك الدرجة؟وماذا عنها هي؟فلتذهب إلى الجحيم ولن يبالى..أليس كذلك؟
نهضت جورية فى ثبات..تقاوم بكل ذرة من كيانها إنهيارا تاما فى مشاعرها..وهي تقول بنبرات هادئة:
كدة خلص الكلام..أنا قلت لحضرتك طلبى وحضرتك رفضت..تقدر تاخد إجراءاتك القانونية وإحنا بإذن الله هنكون مستعدين ليها..بعد إذنك.
لا يدرى لما شعر خالد بألم فى صدره لمظهرها الضعيف الشاحب رغم ثبات نظراتها..ولما شعر أنه قد زاد العيار معها..فمن الممكن ان يتغاضى عن موضوع الأغلفة برمته ولن يحدث شئ مما ذكره..وحتى إن حدث فهو قادر على دحض أية أقاويل..ولكنه أراد أن يثبت لنفسه أنها لا تهمه مطلقا..أو ربما أراد ان يغلق هذا الباب المفتوح بينهما للأبد..هو حقا لا يدرى ولكن كان موقنا من أن ما يفعله هو القرار الأصوب..حتى تلك اللحظة..و التى يراها فيها الآن تمشى بإتجاه الباب ربما مغادرة حياته للأبد..ليدرك أنه أخطأ خطئا فادحا..لتقف ليلة مغادرة بدورها وهي ترمقه بحنق..زفر بقوة قبل أن تتسع عيناه بصدمة وهو يرى جورية تقع فجأة على الأرض مغشيا عليها بينما صرخت ليلة بإسمها فى هلع.
********************
نهضت شاهيناز قائلة فى صدمة:
يعنى إنتى عايزة تفهمينى إن مؤيد رجع .
تنهدت لين وهي تومئ برأسها قائلة:
أيوة رجع..وياريته بس رجع..ده رجع ومش ناوى أبدا على خير.
عقدت شاهيناز حاجبيها قائلة:
قصدك إيه؟
نهضت لين وإستدارت حول المكتب وهي تقول:
قصدى إنه راجع مخصوص علشانى ومش ناوى يسيبنى فى حالى أبدا.
رفعت شاهيناز حاجبها الأيسر قائلة:
وإيه بس اللى مخليكى متأكدة من الكلام ده.
إستندت لين إلى مكتبها قائلة:
هو بنفسه قاللى الكلام ده..تصرفاته غريبة وكلامه أغرب ياشاهى..وبجد بدأت أقلق منه.
قالت شاهيناز بحدة:
وناوية تعملى إيه يالين؟
تعجبت لين من حدتها لتنظر إليها عاقدة الحاجبين فقالت شاهيناز بإرتباك:
قصدى يعنى..ناوية ترجعيله بعد اللى عمله فيكى يالين؟
قالت لين بنفي سريع:
لأ طبعا أرجعله إيه بس..إنتى إتجننتى..أنا مستحيل أرجعله..وإنتى من بين الناس كلها عارفة إن رجوعى ليه من رابع المستحيلات.
زفرت شاهيناز براحة قائلة:
طمنتينى بجد..أنا قلت يعنى ممكن تكونى ضعفتى عشان بتحبيه أو يعنى…
قاطعتها لين قائلة بحزم:
أنا مش ممكن أضعف ولا أخلى مشاعرى تتحكم فية من تانى..الكلام ده مش ممكن يحصل ابدا.
لتقول شاهيناز وهي تتفحص ملامحها تستشف أفكارها:
طب وناوية على إيه يالين؟
قالت لين:
هسافر..هسافر ياشاهى.
********************
ناداها صوته من مكان بعيد..ليسحبها بقوة من تلك الهوة السحيقة والتى تسحبها إليها بدورها..لينتصر صوته بالنهاية وتبدأ فى فتح عينيها بضعف لتراه أمامها..ينظر إلى عينيها بقلق ..لتقول بهمس ضعيف:
فهد.
قست قسماته وهو يقول:
خالد..إسمى خالد نصار.
فتحت عينيها بقوة وإدراكها يعود إليها بسرعة..لتنتفض معتدلة وهي تقول بإرتباك:
آه آسفة..أاااه.
أمسكت رأسها بقوة وقد عاد إليها الدوار ربما لإعتدالها المفاجئ ذاك..ليظهر القلق مجددا على عينيه وهو يقول:
ياريت لو ترتاحى شوية كمان..إنتى شكلك تعبانة وبعدين إنتى لازم تشوفى دكتور..إغمائك المتكرر ده غريب ومش طبيعى على فكرة.
قالت فى مرارة:
لأ طبيعى..أنا كدة ..متعودة عليه من صغرى..آسفة بس لازم أمشى دلوقتى.
قالت ليلة المتابعة لحديثهم بصمت :
يبقى هوصلك البيت..مش هينفع أسيبك فى الحالة دى ياجورى.
أومأت جورية برأسها فى ضعف..ونهضت ببطئ لتسندها ليلة ..ليحسم خالد هذا النزاع مابين عقله وقلبه على الفور وهو يقول :
إستنوا.
إلتفتا إليه سويا لينظر إليهما قائلا بهدوء:
أنا جاي معاكم.
إتسعت عينا ليلة فى دهشة..بينما أحست جورية بالإضطراب ممتزجا بقليل من الجزع وهي تقول:
مفيش داعى..أنا….
قاطعها وهو يشير إليها بالصمت قائلا:
ده قرارى الأخير ومش هرجع فيه..هوصلكم يعنى هوصلكم.
ليأخذ هاتفه ومفاتيحه من على المكتب وهو يسبقهم إلى الخارج بخطوات حازمة لتنظر جورية إلى ليلة التى هزت كتفيها لتتنهد جورية وقد أيقنت أن ما يحدث معها الآن هو تقريبا أسوأ مخاوفها…..على الإطلاق.
********************
قال مؤيد لهذا الشخص الذى يحادثه فى الهاتف:
يعنى كل شئ تمام؟
صمت قليلا ليقول بعد لحظات:
لأ كويس أوى كدة..إبعتلى إنت بس المفاتيح وملكش دعوة بأي حاجة تانية.
ليصمت لثوان ثم يقول:
بكرة او بعده بالكتير..تمام يامعتز..سلام.
ليغلق الهاتف ثم يلتفت ليتجمد تماما حين رأى نبيل أمامه يقف صامتا يحدجه بنظرة غير راضية على الإطلاق ..ليشيح بوجهه عنه..وهو يتجه إلى حجرته ليوقفه نبيل قائلا:
إنت ناوى على إيه يامؤيد؟
إلتفت إليه مؤيد يحدجه بنظرات غامضة قبل أن يقول:
بلاش يانبيل إنت بالذات تعرف..لإنك مش هتوافق على اللى هعمله.
قال نبيل بحدة:
مادام عارف إنى مش هوافق يبقى اكيد عارف إنه غلط.
قال مؤيد بحدة مماثلة:
واللى عملته فية مش غلط..أهو غلط بغلط والبادى أظلم.
قال نبيل بحزن:
إنت إتغيرت اوى يامؤيد..مبقتش مؤيد صاحبى اللى عرفته.
لينظر إليه مؤيد نظرة طويلة قبل أن يقول بهدوء يوارى به مشاعره المحطمة بالداخل:
انا فعلا مبقتش مؤيد بتاع زمان..بس هي السبب وعشان أرجع مؤيد لازم أشفى غليلى من اللى باعتنى ودمرت حياتى وفى الآخر رايحة تتجوز بكل برود..لازم أخليها تبوس رجلى عشان أرحمها وساعتها بس..ساعتها بس هرجع مؤيد اللى إنت تعرفه.
قال نبيل :
بس كدة إنت…
قاطعه مؤيد وهو يقول بحزم:
لو سمحت يانبيل ..سيبنى على راحتى..أنا رضيت تيجى معايا مصر.. مش عشان تكون رقيب علية..أنا رضيت لإنك صاحبى وحاسس بية وأكيد هتدعمنى ولو مقدرتش تدعمنى..يبقى على الأقل متمنعنيش.
ليتركه ويتجه إلى حجرته..مغلقا الباب خلفه بهدوء..يتابعه نبيل فى حيرة إمتزجت بالحزن..وقد أيقن ان مؤيد ينوى بلين شرا..وهو لن يقف هكذا مكتوف الأيدى يشاهد صديقه وهو يودى بنفسه إلى الهلاك..لن يفعل هذا مادام حيا.
الفصل الثامن
لا بأس أن تبكي أوراق قلبك اللينة
لابأس أن تميل أغصان روحك الهينة
أنت ماء عذب لتراب الأرض الميتة
وتظل الدموع نقاء من الأوجاع النيئة
لا بأس بضباب يجتاح الأفكار السيئة
فما خبأت منك إلا الذكريات الشقية
بقلم..نور محمد
************
كانت شاهيناز تجوب الحجرة جيئة وذهابا فى غيظ..تتساءل بحنق..لماذا عاد مؤيد من جديد..وماذا يريد من لين؟هل حن لها؟هل إشتاق إليها؟هل نسي كل ما حدث بينه وبين لين؟ترى ماالذى قد تفعله لتحول بينهما مجددا؟
توقفت فى مكانها فجأة..تتساءل..ترى أين هو الآن؟وماذا يفعل؟هل عاد لشقته القديمة؟ربما ستذهب إليه الآن لتراه..تتأكد من نواياه..أو ربما تخبره كم إشتاقت إليه….
نفضت أفكارها..تعرف النتيجة مسبقا..فلا داعى لخيبات الأمل المتكررة..هو لن يرضخ لها فهو مازال عاشقا لتلك اللين..وكل ما سينالها منه هو التقريع..وربما تلك المرة أخبر خالد بمحاولاتها الدائمة معه..لذا فالأولى لها الآن أن تحاول التفريق بين لين ومؤيد..يجب أن تمنع لقائهما..يجب أن تحول بينهما بأي ثمن..أما البقية..فستدع الأيام تقرر خطواتها التالية وقراراتها بهذا الشأن..الآن ستذهب إلى خالد تخبره أنها عائدة إلى المنزل فلديها صداع شديد يكاد يفتك برأسها..ستخلد إلى الراحة قليلا كي تستطيع التفكير بهدوء..نعم هذا ما ستفعله تماما.
إتجهت بخطوات حازمة إلى مكتب زوجها لتهز رأسها بهدوء تحيي صفاء مديرة مكتب خالد..قبل أن تكمل طريقها ليوقفها صوت صفاء التى قالت بإحترام:
خالد بيه مش فى المكتب يامدام شاهى.
إلتفتت إليها شاهى عاقدة حاجبيها وهي تقول:
أمال راح فين ياصفاء؟
قالت صفاء:
مشي من شوية مع آنسة ليلة وصاحبتها.
ليزداد إنعقاد حاجبي شاهيناز وهي تتساءل عن سبب رحيله المفاجئ..ومن تلك الصديقة التى رافقتهم؟لتومئ برأسها محيية السكرتيرة بهدوء .. وهي تغادر حجرة المكتب متجهة إلى خارج الشركة .. تمسك هاتفها و تتصل برقم زوجها خالد..مرارا وتكرارا ….لكن للأسف ..لا مجيب.
********************
قالت ليلة:
ماترد على التليفون ياخالد.
لم يجبها خالد وهو يتجاوز تلك السيارة التى أمامه بصعوبة .. يسرع بسيارته حقا..يود أن يطوى الأرض طيا ويوصل تلك الجورية التى قلبت حياته رأسا على عقب وشغلت أفكاره بأسرع وقت ممكن..يود حقا لو أغلق صفحتها للأبد..فبينهما بابا يحمل إليه رياحا عاتية..هو مواربا حتى تلك اللحظة وأضراره بسيطة ومحتملة ولكن إذا إتسع أكثر من ذلك ستقتلعه تلك الرياح من الجذور..وستودى به إلى حتفه بالتأكيد.
رن الهاتف مجددا لتحمله ليلة تنظر إلى شاشته وهي تقول:
دى شاهى ياخالد..ما ترد عليها ..أكيد فيه حاجة مهمة عشان متبطلش رن عليك بالشكل ده.
قال خالد فى لا مبالاة:
لأ عادى..ده الطبيعى بتاعها.
أغمضت جورية عينيها بألم..ترفض سماعه وهو يتحدث عنها..عن غريمتها التى حظيت بكل ما حلمت به جورية ..حظيت بحبه..بدفئه..بحنانه..بإسمه..بطفلته..أما هي فلم تحظى منه سوى بعذاب الحب فقط..وياله من عذاب.
فتحت عيونها تنظر إلى الأمام..لتقع عيناها على مرآة السيارة..تتقابل عسليتيها مع عينيه الزرقاوتين..رغما عنها لم تستطع الإشاحة بناظريها..لتجمعهما نظرة طويلة..حبست أنفاسهما معا..ليكون هو أول من يشيح بناظريه عنها مركزا على الطريق مجددا ورافضا هذا السحر الذى يجذبه إليها..يجعله ضعيفا خاضعا ..يود فقط لو كان هو وهي وحدهما..يزيد هذا السحر من رغبته فى ان يتعرف عليها أكثر..أن يعرف تفاصيلها..ماتحب وماتكره..يود فقط لو إقتربت منه وأسكنها صدره.. يشعر بأن هذا هو مكانها الطبيعي..تبا ..إلى أين تودى به أفكاره..حقا إلى جحيم لا قبل له به….
أفاق من شروده على صوتها الرقيق وهي تقول:
العمارة اللى جاية دى لو سمحت.
توقف خالد بالسيارة..لتترجل منها جورية على الفور..شعرت بالدوار فى نفس الوقت الذى خرجت من السيارة ليلة وأصبحت بجوارها لتسندها بسرعة..ترجل خالد بدوره وهو يراها بهذا الضعف والشحوب..ليقول بقلق:
المفروض نروح للدكتور ياآنسة جورية..من فضلك إركبى تانى.
هزت جورية رأسها بضعف قائلة:
قلت لحضرتك الموضوع ما يستاهلش..أنا متعودة على الدوخة دى..شوية وهتروح..أنا متشكرة أوى..تعبتكم معايا..تقدروا تتفضلوا إنتوا وانا هبقى كويسة متقلقوش.
قالت ليلة:
متشكرة إيه بس ونتفضل إيه..أنا مش همشى غير لما أتأكد بنفسى إنك بقيتى كويسة.
قالت جورية بضعف:
أيوة بس…
قاطعتها ليلة قائلة فى حزم :
مفيش بس ..يلا بينا.
نظرت جورية إليها بضعف..حائرة ماذا تفعل وقد لاحظت ان خالد سيرافقهما..لتهز رأسها فى قلة حيلة فهي تشعر بالضعف فعلا وربما حقا تحتاج أحدا بجانبها..حتى لو كان هذا الشخص..هي ليلة وأخيها…..خالد.
********************
قالت سها بإبتسامة:
خلاص والله يالين..إعتذرتيلى خمسين مرة والغلطة مش غلطتك اصلا..غلطة مرات اخوكى اللى مش عارفة مالها ومالى بس..واخدة بالها منى ليه؟والله ما أنا عارفة اخوكى مستحملها إزاي بس؟
قالت لين بإبتسامة:
مش للدرجة دى ياسو..هي صحيح عصبية وحمقية ولسانها أطول منها بس قلبها طيب..إنتى نسيتى مين اللى وقف جنبى فى أزمتى..هي طبعا..انا مش حكيتلك هي عملت معايا إيه؟
قالت سها بسخرية:
والله يالين انا مبقتش فاهماكى..إنتى طيبة ولا هبلة..ذكية ولا عبيطة.
قالت لين بإستنكار:
مين دى اللى عبيطة؟ما تاخدى بالك من كلامك ياسها.
قالت سها:
طيب خلاص متزعليش..بس والله إنتى على نياتك اوى لما تقولى على شاهيناز كدة..شاهيناز طيبة؟؟دى حية وسمها بيلدغ من تحت لتحت..بكرة الأيام تدور وتقولى كان عندك حق ياسها.
قالت لين:
طيب سيبينا من شاهى ومواويلها وقوليلى..فيه حفلة بالليل فى بيت صافيناز..ها هتيجى معايا؟
قالت سها بإستنكار:
حفلة تانى..وملل تانى وكعب فى الآخر يتكسر وراجل يطلعلى ويفكرنى سندريلا..لأ ..شكرا ياستى.
عقدت لين حاجبيها قائلة:
كعب إيه وراجل مين..وإيه حكاية سندريلا دى كمان؟
أطلقت سها ضحكة ثم قالت:
هو أنا مقلتلكيش؟
إزداد إنعقاد حاجبي لين قائلة:
قلتيلى إيه بس؟
قالت سها بإبتسامة واسعة:
هقولك يالولو..هقولك على ليلة قابلت فيها فارس احلامى وبعبطى كالعادة مشيت..ومسبتلوش أي حاجة يوصلى بيها غير كعب جزمة مكسور..تقريبا كدة زي حكاية سندريلا..بس فى الحكاية الأمير لقى أميرته..أما فى الحقيقة..فسندريلا بتضرب نفسها بالجزمة إنها مديتلوش رقم تليفونها.
قالت لين بحيرة:
إنتى بتقولى إيه؟انا مش فاهمة حاجة خالص.
ضحكت سها مجددا وهي تقول:
تعالى ياأختى نقعد فى حتة وأنا أفهمك كل حاجة.
********************
كان خالد يتأمل شقة جورية البسيطة ولكن فى نفس الوقت أنيقة تماما كصاحبتها..تحمل حقا الكثير والكثير من روحها..التى ورغم قصر المرات التى قابلها فيها..والتى لا تتعدى المرتين..إلا أنه يشعر أنه يعرفها وكأنها تربت على يديه..يحفظ سكناتها..إنتبه إلى وجود دفتر رسم كبير يقبع على الأريكة..إتجه إليه ببطئ ورفعه ليمسكه بين يديه ..تأمل واجهته الرقيقة ليدرك مدى رقة صاحبته..حتى فى إختيارها لدفتر رسم بسيط..كاد أن يفتحه لتتوقف يده فى الهواء وضميره يؤنبه بشدة..فهذا الدفتر قد يحمل بعض أمورها الشخصية..كاد أن يضعه مجددا فى مكانه ولكن فضوله تجاهها غلبه..ليفتحه بهدوء وما إن فتحه حتى تمنى لو لم يفتحه مطلقا..فهناك وبين ورقاته قبع هو فى أماكن مختلفة..بجسده وروحه التى لم يعريها لأحد..جسدت جورية كل حركاته وسكناته..ضحكاته التى لم يراها أحد سواه..شروده ..نظرات عشق لم ينظر بها إلى أي فتاة من قبل..أهكذا سيكون عندما يعشق إحداهن؟ما هذا؟إنه هو.. يقف عارى الجزع ..تلفح الشمس بشرته..يتصبب العرق من وجهه..وهو يمسك بالفأس..هل هذه هي صورته كمزراع؟ياالله كم تبدو الصورة حية للغاية وكأنه متجسدا أمامه..إنها فنانة بارعة..لا يستطيع أن ينكر هذا.. عقد حاجبيه وهو يرى محيط تلك الصور ..يشبه كثيرا محيط تلك الأحلام التى تراوده عن تلك الفتاة..بل تكاد تكون متماثلة..هاهي الطاحونة الزرقاء ..وهاهو الكوخ الصغير المجاور لإسطبل الخيل..وها هو ذلك النهر الصغير وتلك الشجرة الكبيرة بجواره..ماالذى يعنيه هذا ؟شعر بألم فى رأسه..وهذا الصداع يعاوده من جديد..وضع يده على جبهته يدلكها بخفة..ليتجمد فى مكانه تماما وهو يستمع إلى صوت ضحكاتها الصادرة من غرفتها حيث تساعدها ليلة على تبديل ملابسها والتمدد فى سريرها..إنها تشبه ضحكات فتاة أحلامه..لا ..لا تشبهها..إنها هي..تبا..ما الذى يحدث؟..إنه ضربا من الجنون..كاد أن يضع الدفتر من يده..ولكنه توقف حين رأى صورتها معه..كانا يقفان معا يتأملان مشهد غروب رائع..لم يلفت إنتباهه هذا المشهد الخيالي وإنما ما لفت إنتباهه هو لون شعرها ..مختلف عن لونه الآن..يشبه تماما لون شعر فتاة أحلامه ومطلقة عنانه مثلها تماما..أما فى الحقيقة فدائما ما ترفعه على هيئة ذيل حصان مع تغيير لونه بالطبع..من الكستنائي إلى البني المائل للحمرة قليلا ..ليشعر بالرهبة..يتساءل فى صمت عن كنه ما يحدث..والذى ليس عنده له تفسير آخر سوى أنه فى ورطة كبيرة جدا..وأنه يجب أن يخرج من هذا المكان على الفور..ليعيد جمع شتات نفسه التى تبعثرت منذ أن رآها..والأدهى هذا الدفتر والذى هو عبارة عن تجسيد لأحلامه على ورق..ليتركه من يده..ثم يلقى نظرة أخيرة على باب الحجرة المغلق والذى يضم بين جنباته أخته ليلة وتلك الفتاة التى أربكت حياته بشدة..جورية..ليتجه بعدها إلى باب المنزل..يفتحه ويخرج منه مغلقه خلفه قبل أن يتجه بخطوات مسرعة تجاه سيارته وكأن شياطين الدنيا كلها فى إثره.
********************
إبتسمت ليلة قائلة:
أيوة بقى ياجورى ياقمر..خلى الضحكة تنور وشك.
إبتسمت جورية وهي تتأملها قائلة:
إنتى طيبة أوى ياليلة..بجد أنا مبسوطة إنى عرفتك.
إبتسمت ليلة قائلة:
القلوب عند بعضها ياقلبى ..أنا كمان مبسوطة إنى عرفتك..ومبسوطة أكتر إن أخويا حبك إنتى.
أشارت لها جورية بالصمت قائلة:
بس ..أخوكى برة..بلاش الكلام ده دلوقتى.
أشارت ليلة برأسها موافقة وهي تشير لفمها بعلامة الصمت..لتهمس جورية بحزن:
بس عموما الكلام ده كان زمان..دلوقتى…
قاطعها رنين هاتف ليلة..لتنظر إلى شاشته وتجد رقم هاتف اخيها لتقول:
ده خالد..الظاهر مل من القعدة برة لوحده ..أنا فعلا إتأخرت عليه.
لتجيب أخيها قائلة:
ألو ..أيوة ياخالد..خرجالك حال….
صمتت وهي تعقد حاجبيها قبل أن تقول:
طيب تمام..أنا هروح..آه عارفاه..متقلقش..سلام.
لتغلق هاتفها وهي تنظر إلى جورية التى قالت بتقرير:
مشي..أكيد وراه شغل.
هزت ليلة رأسها نفيا قائلة:
معتقدش وراه شغل..صوت مية جنبه وكأنه قاعد على النيل..وبعدين فيه حاجة فى صوته مش طبيعية.. متغير أوى..وكأن فيه حاجة مضايقاه..تفتكرى وجوده جوة شقتك فكره بحاجة من الماضى؟
هزت جورية رأسها بنفي قائلة:
معتقدش..فهد..قصدى خالد مجاش هنا قبل كدة..حياتى معاه كانت هناك فى الوادى..ومعتقدش فيه حاجة هنا ممكن تفكره بماضينا مع بعض.
هزت ليلة كتفيها قائلة:
مش عارفة بقى..عموما ياخبر بفلوس..بعد شوية هيكون ببلاش..
لتنهض قائلة:
أنا هقوم بقى وأسيبك عشان ترتاحى حبة وهجيلك بكرة بعد المحاضرات عشان أطمن عليكى.
إبتسمت جورية قائلة:
مفيش داعى تتعبى نفسك ياليلة..انا بجد بقيت كويسة الحمد لله.
رفعت ليلة حاجبيها قائلة بمزاح:
إيه ده إنتى مش عايزانى أجيلك ولا إيه ياجورى..قولى بقى إنك زهقتى منى.
قالت جورى فى عتاب:
ازهق منك إيه بس..ده انا ما صدقت ألاقيلى أخت فى غربتى دى.
إبتسمت ليلة قائلة:
يبقى ياروح أختك تسيبيلى نفسك خالص بكرة هأكلك أكلة على مزاجى إنما إيه..تستاهل بقك.
إبتسمت جورية وهي تومئ برأسها..لتتسع إبتسامة ليلة قائلة:
يلا سلام.
قالت جورية:
سلام ياليلة.
غادرت ليلة تتابعها عينا جورية بإبتسامة مالبثت أن إختفت وهي تتساءل عن سبب مغادرة خالد المكان بتلك السرعة دون أن يصطحب ليلة معه..ليظل سؤالها عالقا….دون إجابة.
********************
دخل خالد إلى حجرته فى وقت متأخر ..يتوقع أن تكون شاهيناز قد خلدت للنوم كعادتها..لتخالف توقعاته وهو يراها مستيقظة ..تجلس فى السرير ..تبدو من ملامح وجهها أنها تبغى أن تفتعل مشاجرة معه وهو غير مستعد مطلقا لمهاتراتها..ليحدقها بنظرة باردة وهو يقول:
من فضلك..أنا راجع تعبان ومش حمل أي حاجة تضايقنى..لو عندك حاجة عايزة تقوليها ياريت نأجلها لبكرة..مفهوم؟
نفضت شاهيناز عنها الغطاء قائلة:
بس اللى عايزة أسألك عنه مينفعش يتأجل لبكرة ياخالد.
زفر خالد قائلا فى ضجر:
خير ياشاهى..عايزة تسألينى عن إيه؟
تفحصت شاهيناز ملامحه وهي تقول:
مين صاحبة ليلة اللى خرجت انت وهي معاها النهاردة وإتأخرت بسببها لغاية دلوقتى.
حدجها ببرود للحظات قبل أن يقول :
أولا أنا متأخرتش بسبب حد..أنا سبت ليلة مع صاحبتها من بدرى ومشيت روحت قعدت على النيل شوية..ثانيا..أظن غيرتك علية دى جاية متأخر أوى ياشاهى..يعنى مشفتهاش غير فى مكتب دار النشر ودلوقتى..إيه ..فجأة لقيتى نفسك بتحبينى وبتغيرى علية؟
إقتربت منه شاهيناز حتى وقفت أمامه تماما لتضع يدها على صدره قائلة فى دلال:
أنا طول عمرى بحبك وبغير عليك ياخالد..ومش معنى إنى مببينش ليك..يبقى مبحبكش..لأ..سميها ثقة فى نفسى ..لإنى عارفة ومتأكدة إنى متخانش ..ده غير إنى عارفة إنك معندكش مشاعر عشان تديها لحد ياحبيبى ..طول عمرك وإنت قلبك جامد..رافض تحب وتتحب..وأنا عارفة إنك محبتش فى حياتك حد غير إخواتك وريم.
قال خالد ببرود :
ولما انتى عارفة كدة..وغيرتك محتفظة بيها لنفسك..إيه اللى حصل فجأة وفجرها بالشكل ده؟
رفعت يدها تمررها على وجنته بنعومة قائلة:
لإن خالد نصار اللى أعرفه مبقاش خالد نصار من يوم ما رجع من السفر..بقيت بتسرح كتير ووضعك مبقاش مريحنى..بقيت أبرد من الأول معايا..ومعاملتك لية بقت أسوأ..وكأنى مش أم بنتك الوحيدة.. تعرف أكتر حاجة صدمانى..هو إن خالد نصار اللى أعرفه..شفته من يومين فى عيونه نظرة قلقتنى..نظرة خوف وقلق على واحدة ميعرفهاش..وده جننى..والله جننى.
أمسك خالد يدها التى تمررها على وجنته يوقفها ببرود قائلة:
على فكرة أنا زي ما أنا متغيرتش..ومش معنى إن الإنسانية جوايا إنتصرت للحظة يبقى إتغيرت..أنا فعلا معنديش مشاعر أديها لحد وقلتلك الكلام ده من زمان..أما بقى سبب معاملتى ليكى إنتى بالذات..فإحمدى ربنا إنى كملت معاكى حياتى أصلا..وده من باب الشهامة مش أكتر..دى بقايا الشفقة اللى جوايا واللى مش عاجباكى دلوقتى..فمن فضلك ..ياريت تلمى حواراتك دى..أنا قلتلك إنى تعبان ومش حمل كلام ملوش معنى يضايقنى.
ليتركها واقفة فى مكانها ويتجه إلى الحمام..بينما تتابعه عيناها بحنق..تلعن إنكسارها الدائم أمامه..بل تلعن هذا اليوم الذى تركها فيه حبيبها..وتخلى عنها..لتضطر أن تتزوج وتصبح لقمة سائغة فى فاه خالد نصار..ذليلة أمامه..تعيش حياة باردة خالية من الحياة..لتقرر وبكل حسم أن تبدل حياتها تلك..وأن تسعى إلى الطلاق ولكن بعد أن تتأكد من أن حبيبها سيتقبلها ولن يرفضها كما رفضها بالسابق..ستعمل على أن تجعله لها وحدها دون غيرها..ستجعله ينسى مجددا حبه القديم ليفتح قلبه لعشقها..وحتى تفعل ذلك ستظل مع الأسف..أسيرة هذا الرجل..زوجها….خالد نصار .
الفصل التاسع
مدقوق بالأوتاد أرضًا بالأربع
أتلوى ألمًا مكتوفًا بالعجز أتضوع
و صراخي يشق فراغي من المنبع
أغلال تنخر رسغاي .. آه أتوجع
و قفير يحويني وحدي .. أين المصرع
استغاثاتي تتهدج بصوت متقطع
هل من منقذ من هذا السجن المفجع
من هذا الحد القاطع يشق الجسد المتمنع
من تلك النار الشعواء تكوي جنبي المتضلع
من ذاك الجلمود يدثرني بات المهجع
فيا ليتني كنت ترابًا من ذوات الأربع
لا ألوي على شيء من دنيا و لا مطمع
أيا غربتي المريرة كيف السبيل إلى خلاص فقد جف المدمع
بقلم..ايهاب سليمان
***************
دخل خالد إلى حجرة الطعام ليجد ليلة ولين جالستان يتناولان طعامهما فى صمت..ألقى تحية الصباح بهدوء..ثم جلس يتناول طعامه بدوره فى صمت..نهضت لين قائلة بسرعة:
أنا ماشية ..سلام.
توقف خالد عن تناول طعامه وهو يقول:
لأ إستنينى يالين..هنروح مع بعض.
هزت رأسها نفيا قائلة:
مش هينفع..انا مش رايحة الشركة..ورايا ميتنج مهم مع عميلة.
قالت ليلة بدهشة:
غريبة اول مرة تقابلى عميلة برة الشركة.
هزتت لين كتفيها قائلة:
مش غريبة ولا حاجة..بتحصل بس مش كتير..على حسب راحة العميل..ويلا بقى مضطرة أمشى عشان متأخرش..سلام.
قال خالد:
سلام.
غادرت لين بينما نهضت ليلة بدورها قائلة:
أنا كمان همشى ..عشان ورايا محاضرة بدرى النهاردة..سلام.
قال خالد بهدوء:
إستنى ياليلة..أنا عايزك..أقعدى.
عقدت حاجبيها بحيرة وهي تعاود الجلوس مجددا قائلة بحيرة:
خير يا خالد؟
تراجع خالد فى مقعده وهو يقول :
الحقيقة فيه موضوع مهم عايز أكلمك فيه.
نظرت إليه ليلة ولم تعقب..ليميل إلى الأمام قائلا بحزم:
جورية.
إزداد إنعقاد حاجبيها وهي تقول:
مالها؟
نظر إلى عينيها مباشرة وهو يقول:
مش عايزك تقربى منها ..حكايتها خلصت خلاص..وياريت نقفل موضوعها ده خالص.
قالت ليلة بحيرة:
بس أنا حبيتها ياخالد ومش حابة أبعد عنها..أنا بحسها زي لين وسها بالظبط..انت ليه بس عايز تبعدنى عنها؟جورى طيبة أوى ياخالد..صدقنى..دى ملاك والله.
قال خالد فى نفسه..أنها لا تحتاج لأن تقسم فهو يدرك بكل قوة أنها حقا تبدو كالملاك..وأن بها براءة ورقة تجذبانه بشدة..لا تحتاج لأن توضح له ما هو واضح فعلا كالشمس..فها هو ينجذب إليها وبشدة وهو لم يلقاها سوى مرتان..يشعر بأنها خلقت له..وهو خلق لها..يجمعهما شئ روحاني لا يتكرر..فهي تجسيد لأحلامه وربما هو تجسيد لأحلامها التى خطتها على ورق..هذا الورق الذى أربكه..أخافه..وجعله يقرر قرارا مصيريا لا رجعة فيه..سيغلق صفحتها للأبد..فلا مكان فى قلبه لضعف يجلبه العشق..لا مكان فى حياته للمشاعر..حياته قد رسمها بعناية..وداخل تلك الصورة لا مكان لجورية أبدا..والتى بمجرد ظهورها فى حياته..جعلت تلك الصورة باهتة ودون ملامح..ليدرك أنه ليستعيد حياته السابقة..يجب أن ينساها ..يمحوها من أحلامه وحياته للأبد..ربما لن يستطع أن يقوم بذلك..ولكنه بالتأكيد سيحاول.
أفاق من شروده على صوت ليلة وهي تقول:
بص ياخالد..أنا عمرى ما إعترضت على أي قرار أخدته..وعمرى ما قلتلك لأ على حاجة..بس حقيقى فى الموضوع ده مش هقدر..جورية من ساعة ما عرفتها وأنا حسيتها قريبة منى..شبهى..ومش بس كدة..هي غريبة فى بلدى وملهاش صاحبات..يمكن أكون أول صاحبة ليها هنا من سنين..ده غير إنها بجد مريضة ومحتاجة حد يكون جنبها وإنت مربتنيش على إنى أتخلى عن حد محتاجلى.
لتنهض مستطردة بحزم:
بعد إذنك..إتأخرت عن المحاضرة وفعلا مضطرة أمشى..سلام.
تأملها وهي تغادر بهدوء ..يدرك أنها على حق تماما..ولكنه كان يود لو أغلق هذا الباب تماما ليرتاح باله..ولكنه ومع الأسف ظل مواربا..ليخشى أن يفتح على مصراعيه ليدخل منه رياح عاتية لا قبل له بها.
********************
أنهت لين إجتماعها مع العميلة وقد إتفقتا على كل شروط العقد..وإتفقتا على إمضاء العقود أيضا فى الشركة فى اليوم التالى..خرجت من المطعم وإتجهت إلى سيارتها بخطوات رشيقة..ثم ركبت فى المقعد الخلفى وهي تمسك هاتفها تقول لسائقها بهدوء وهي تجرى إتصالا بسها:
على الشركة علطول ياعم مختار.
إلتفت إليها السائق قائلا بإبتسامة:
تحت أمرك يافندم.
تجمدت أصابع لين التى تضغط أزرار هاتفها وهي تستمع إلى صوت السائق تدرك أنه بكل تأكيد ليس صوت سائقها الذى تعرفه..وإنما هو صوت آخر تعرفه..تعشقه..وفى نفس الوقت تهابه..يثير الإضطراب فى جسدها ويشعل مشاعرها المتناقضة كلية..رفعت وجهها إليه..لتتسع عيناها بصدمة وهي تطالع عيناه العسليتان لتبتلع ريقها بصعوبة وهي ترى إبتسامته الساخرة ليتوجس قلبها خيفة من الآتى..تدرك أن وراء تلك الإبتسامة شئ غير مستحب بالكامل بالنسبة إليها..كادت أن تتحدث ولكن هذا الرذاذ من تلك العلبة فى يده والذى إنطلق فى وجهها..جعل الرؤية أمامها غير واضحة..أرادت الصراخ..الإستنجاد بأحدهم..ولكن صوتها لم يسعفها..فقد ثقل لسانها وأحاط بها السواد تدريجيا..لتغرق فى سبات عميق ..ألقى عليها نظرة تأمل فيها ملامحها الرقيقة الهادئة الآن تماما..لتختفى إبتسامته الساخرة تماما وتظلل ملامحه سحابة من الألم..يكره ما سيفعله بها ولكنه مجبر على فعله..يجب أن ينتقم لكرامته الجريحة ..يجب أن يخضعها له..ثم سيخرجها من حياته إلى الأبد.
********************
قال فراس بحيرة:
غريبة نزوله فجأة من غير ما ياخد أخته معاه أو حتى يستأذن منكم..ممكن مثلا يكون إفتكر حاجة لما جه البيت هنا؟
هزت جورية رأسها نفيا وهي تقول :
لأ طبعا مستحيل..إنت هتقول زي ما ليلة قالت؟..ما إنت عارف إن حكايتنا كلها كانت هناك..فى الوادى..وإنى جيت هنا بعد ما إختفى..يعنى البيت هنا مش ممكن يفكره بحاجة أبدا.
هل فكرت ليلة مثله؟..ياالله..حتى معرفته تلك أسعدته..فقد أصبح كل ما يخصها يسعده حتى لو كان شيئا بسيطا مثل ذلك..يتعجب من إنجذابه الشديد إليها رغم قصر مدة معرفته بها..أفاق من شروده على صوتها وهي تقول بحيرة:
أنا كمان مستغربة نزوله المفاجئ..ومش قادرة أفسره رغم إنى إرتحت كتير لنزوله..وجوده فى المكان كان موترنى..كان مخلينى….
توقفت عن الكلام وعيناها تقع على هذا الدفتر الخاص بها..إنها على يقين من أنها لم تضعه على الطاولة الجانبية تلك..بل تركته على الأريكة بعد أن كانت تتصفح رسماتها التى تذكرها بأيامها الجميلة معه..ترى….؟لا ..لا يمكن..إن صح ظنها..فماذا ستقول له وكيف ستواجهه..ربما لن تفعل مجددا..بل يجب أن لا تفعل مطلقا.
تابع فراس نظراتها المنصبة على دفتر رسمها ليقول بهدوء أخرجها من أفكارها البائسة:
شافه…صح؟
نظرت إليه جورية قائلة بحزن:
ممكن..وده يفسر نزوله المفاجئ..يمكن فكرنى واحدة مهووسة بيه..أو حس إن فيه حاجة غلط.
قال فراس وهو يرفع حاجبه الأيسر قائلا:
ويمكن إفتكر؟
نظرت إليه جورى للحظة فى أمل مالبث أن خاب وظهر الحزن على وجهها مجددا وهي تقول:
معتقدش..خالد لو إفتكر مكنش نزل بالشكل ده ..كان هيواجهنى ومش بعيد ياخدنى فى حضنه وتتحول ملامحه الباردة اللى بتقتلنى لملامح حبيبى فهد..يردلى روحى الضايعة منى..غالبا هو إفتكرنى مهووسة بيه..وده يفسر تصرفه الغريب يومها.
اومأ فراس برأسه وكاد أن يتحدث مجددا حين رن جرس الباب ليعقد حاجبيه قائلا:
إنتى مستنية حد؟
هزت رأسها نفيا لينهض على الفور ويتجه إلى باب الشقة ينظر من عين الباب ليرى كيسا أبيضا كبيرا أمامه يخفى ملامح حامله..عقد حاجبيه ثم فتح الباب ليرى ذلك الكيس الأبيض ترفعه حاملته أمام وجهها قائلة بنبرة صوت مرحة خلبت لبه :
الديليفرى جه يافندم..شبيكى لبيكى..ليلة بين…
لتنزل الكيس وتظهر ملامح وجهها الرائعة وهي تقول بإبتسامة واسعة:
إيديكى.
لتتجمد البسمة على شفتيها ثم تختفى وهي تغمض عينيها ثم تفتحهما تتمنى ان يكون هذا حلما وأن من يقف أمامها الآن يراها تلعب هكذا بطفولية..هو شخص آخر غير …فراس
********************
قالت شاهيناز فى عصبية:
مستنتنيش الصبح ليه عشان آجى معاك الشركة؟
تأملها خالد فى برود قائلا:
مكنتش فاضى أستنى سيادتك على ما تخلصى..ساعة بتختارى لبسك وساعة فى الحمام وساعة أدام المراية..مش عارف إحنا رايحين شغل ولا حفلة.
نظرت إليه فى حنق قائلة:
لأ جايين الشركة اللى بقابل فيها عملا كتير..ولازم مظهرى يكون كويس أدامهم.
تجاهل خالد حديثها وهو يغير الموضوع قائلا:
على فكرة ريم عندها بكرة أول حفلة ليها فى المدرسة وطبعا لازم نحضر ..ياريت تلغى كل مواعيدك بكرة الصبح..وتتفرغى للحفلة دى..أعتقد إن الحفلة دى أهم من أي حفلة تانية بتحضريها..ولا إيه؟
وضعت يدها على جبهتها قائلة بضيق:
إزاي نسيت بس.
لتنزل يدها وهي تنظر إليه قائلة :
عندى ميتنج مهم بكرة مع شركة السيوفى..ومش هينفع أأجله.
نظر إليها خالد قائلا بلهجة لا تقبل المناقشة:
تلغيه..وجودك جنب بنتك فى حفلتها أهم..مفهوم؟
قالت شاهيناز بتوتر:
مش هينفع صدقنى..أنا طلعت عينى..عشان آخد ميعاد مع مديرهم ..لأنه علطول مسافر ولو لغيت بكرة ..فده معناه إنى هستنى ٣ شهور كمان عشان نحدد ميعاد تانى وده مستحيل ..إحنا محتاجين الماتريال دى من عنده فى أسرع وقت عشان نخلص الشغل الجديد وإلا مش هنلحق نعرضه فى السيزون الجديد.
نظر إليها دون تعبير لثوان..لتشعر هي بالإضطراب ..ثم قال بهدوء:
بالنسبة لى ..مفيش حاجة أبدا أهم من بنتى ولا حتى الشغل..مش مهم نعرض الشغل الجديد فى السيزون ده..لو معناه متكونيش موجودة مع ريم بكرة..عموما..اللى إنتى شايفاه صح إعمليه..أنا عن نفسى هكون موجود معاها بكرة الصبح.
قالت شاهيناز:
وأنا هحاول أخلص بسرعة وأجيلكم.
تجاهلها خالد وهو ينظر بأوراقه قائلا:
براحتك..تقدرى تتفضلى على شغلك.
لم يعجبها صرفه إياها بهذا الشكل وكأنها عاملة لديه..وليست شريكة له..ولكنها غادرت بهدوء..مغلقة الباب خلفها..ليرفع خالد عينيه إلى هذا الباب المغلق..يتساءل بصمت..لو كانت جورية مكان شاهيناز..هل كانت لتترك إبنتها فى أول حفل لها بالمدرسة وتفضل العمل ؟…مستحيل…فهي ستكون أم رائعة كما يبدو عليها..نفض أفكاره التى تدور حولها..يرفض إقتحامها الدائم لعقله وقلبه..فلقد إتخذ قراره….وإنتهى الأمر.
********************
قالت ليلة وهي تنهض لتضب الطاولة:
لو كنت أعرف إن أستاذ فراس هياكل معانا كنت زودت الأكل.
قال فراس بإبتسامة:
تزودى إيه بس؟..ده أنا مش قادر أقوم من مكانى من كتر ما كلت وشبعت.
إبتسمت جورية وهي تنهض بدورها تساعد ليلة فى ضب الطاولة قائلة:
وأنا كمان..من زمان مكلتش بالشكل ده..الأكل فى اللمة حلو أوى..فكرتونى بلمتنا على السفرة فى بيت جدى.
قالت ليلة بمرح:
لأ..مادام الحكاية كدة..أنا أجيب الأكل كل يوم ونيجى ناكل مع بعض بقى.
قال فراس بلهفة:
ياريت.
تلاقت عيناها بعينيه ليختفى المرح من عينيها ويسكن فقط الخجل بين طياتهما..بينما عجز فراس عن مفارقة عيونها وهو يتأمل خجلها بقلب زادت دقاته..لتقطع جورية تلك اللحظات السحرية قائلة:
إيه رأيكم نشرب القهوة فى التراث؟..الفيو من هناك يجنن.
إبتسمت ليلة وهي تهز رأسها موافقة..تقول برقة:
بس انا اللى هعملها..إسبقونى على هناك وأنا هحصلكم.
قالت جورية :
هاجى معاكى عشان اوريكى مكان الحا…
قاطعتها ليلة قائلة بمرح:
متقلقيش هعرف أتعامل..بس روحى إنتى وأقعدى مع فراس..قصدى أستاذ فراس ..إنتى لسة تعبانة ومحتاجة راحة.
هل إزداد إسمه جمالا على لسانها أم يهيأ له ذلك؟تساءل فراس وهو يتأمل تلك الجميلة التى كلما عرفها..أدرك أنه يقع فى حبها …وبكل قوة.
********************
إستيقظت لين ..تفتح عيونها ببطئ..تتأمل محيطها بدهشة..فقد كانت ممددة على سرير..فى حجرة فارغة باردة تماما..إعتدلت وهي تمسك الجسر مابين حاجبيها بأصابعها السبابة والإبهام..تشعر بوجع فى رأسها..آخر ما تذكره هو وجودها فى السيارة مع ….
إتسعت عيناها بشدة..تستوعب ما يحدث ..لقد إختطفها وأحضرها إلى هذا المكان المقفر..تتساءل برعب عن أسبابه وما الذى ينوى أن يفعله بها..يرتعش قلبها خوفا ممن كانت لا تأمن سوى بجواره ولكنها الآن وبعد فعلته الأخيرة بها وتخديرها ثم خطفها لم تعد تدرى نواياه وخبايا سريرته..لقد تغير حقا..تغير كثيرا..أو ربما كان هكذا منذ البداية وهي فقط لم ترى حقيقته تلك..لقد كانت شاهيناز محقة حين قالت لها كم مخادع قد يستطيع مؤيد أن يكونه.
إنتفضت على صوت مقبض الباب وهو يفتح..ليظهر مؤيد على الباب..ناظرا إليها بوجه خال تماما من المشاعر ..إبتلعت ريقها بصعوبة وهي تراه يقترب منها بهدوء..حتى توقف أمامها تماما..ليقول بإبتسامة ساخرة:
نورتى بيتك ياحبيبتى..ياريت الإقامة فيه تعجبك بجد..ما هي لازم تعجبك ..لإنك هتنورينا هنا …كتير.
لتتسع عينا لين فى …..جزع
الفصل العاشر
ما الذي جرى!!
انه أنا..
تريثي ولا تتسرعي الخطى..
كنت دربك فيما مضى
كيف أمسيت اليوم عنك مشردا..
انه أنا
من سكبتِ له المدامع
وفاق له شوقك حدود الورى..
أنا الذي زرع فيكِ جناحين
وأطلقك من أرض الثرى..
لستُ بغريب
انه أنا
ألم تهمسي لي في ظلام الليل
لولاك ما عرفت الهوى..
أين أصبحت أنا
وكيف غدوتي متحجره..
أين موضعي في رياض جنتك؟
وكيف بتُ اطحن الهم كالرحى !!
ماعدت أرى حالي كما كنتُ
فلا أنا قربك أنعمُ.. ولا أنا ميت مقطوع الرجى ..
بقلم…سميرة البهادلي.
************
نهضت لين من السرير بسرعة وهي تقول :
يعنى إيه الكلام اللى إنت بتقوله ده؟إنت جرى لعقلك حاجة؟
أمسك ذراعها بقوة آلمتها وهو ينظر إلى عينيها قائلا بصرامة:
لأ نحترم نفسنا حبة ونلم لسانا ده..ياإما هتشوفى منى وش عمرك ما حلمتى تشوفيه يالين..مفهوم؟
أحست لين بالألم ولكنها أبت أن تظهر له ضعفها..لتقول بعيون ظهرت بهما قوة لا تشعر بها حقا :
لو فاكر إنك ممكن تخوفنى تبقى بتحلم..أنا لين نصار..ولا نسيت يامؤيد؟
نظر إلى عمق عينيها وهو يقول بسخرية:
لأ منستش..أنا عارف كويس أوى إنتى مين..وعشان كدة جبتك هنا..لإنى بصراحة حاسس إنك محتاجة تقويم وللأسف مقدرتش أعملهولك وإنتى على ذمتى..فقلت جايز أقدر أعملهولك دلوقتى..
نظرت إليه بتوجس قائلة:
تقويم إيه..إنت تقصد إيه بكلامك ده يا مؤيد؟
ترك ذراعها وهو يستدير ليجلس على السرير متمددا وواضعا يديه تحت رأسه قائلا ببرود:
يعنى أنا وإنتى هنقعد هنا لوحدنا يالين..حاجة كدة زي بيت الطاعة..اللى لو كنت طلبتك فيه زمان بدل ما أطلقك..كنت أكيد شفيت غليلى ..وبردت نارى وإرتحت.
قالت لين بحدة:
بيت طاعة إيه وشفيت غليلك إيه؟إنت فاكر إنى ممكن أقعد ثانية واحدة فى المكان ده وأسمع الكلام الفارغ ده..مستحيل طبعا..أنا همشى حالا وإبقى ورينى إزاي هتمنعنى.
لتغادر المكان بخطوات غاضبة بالفعل..بينما إرتسمت على شفتي مؤيد إبتسامة ساخرة.
********************
قالت ليلة بإستنكار:
يعنى إيه ياجورية؟بسهولة كدة هتنسى حبك وتتخلى عن خالد؟أنا مش قادرة أصدق إن اللى يحب بالشكل ده..ميتحداش الكل عشان حبيبه يكون معاه.
قال فراس:
أنا معاكى فى الكلام ده طبعا ياآنسة ليلة..ورافض تصرفها.
قالت جورية بألم:
ما هو مينفعش أعمل غير كدة..إفهمونى بقى..خالد مش فاكرنى..ده غير إنه حتى لو إفتكرنى فهو إنسان متجوز وعنده طفلة..يعنى مينفعش أكون معاه..وجودى فى حياته هيبقى عبء وأنا مستحيل أتواجد فى حياته بالشكل ده..ده عذاب مقدرش أستحمله.
قالت ليلة بحزن:
بس هو مبيحبش مراته..وحبك إنتى.
قالت جورية:
كااان بيحبنى..كان ياليلة..الحب ده خالد مش فاكر أي حاجة عنه..ولا عايز يفتكر..ونزوله بالشكل ده المرة اللى فاتت..ملوش أي معنى غير كدة.
قالت ليلة بيأس:
يعنى إيه؟مفيش فايدة..خالد هيفضل كدة ..عايش من غير مشاعر وأحاسيس..قافل على قلبه بقفل من حديد..بعد ماقلت إن فى إيدك إنتى مفتاحه ياجورية.
قال فراس موجها حديثه إلى جورية:
بصراحة إستسلامك ياجورى مش عاجبنى..على الأقل إعملى محاولة ولو فشلت تبقى عملتى اللى عليكى.
تنهدت جورية قائلة:
محاولة إيه دى بس اللى ممكن أعملها؟قولولى أنا فى إيدى إيه وأنا أعمله.
نظرت ليلة إلى ساعتها ثم نظرت إليهم قائلة:
الوقت إتأخر وأنا لازم أمشى بس هنتقابل بكرة بعد الجامعة ..هجيلكم دار النشر..وساعتها لازم نفكر فى حل..تمام؟
أومأوا برءوسهم بينما كاد فراس أن يظهر سعادته الجامحة لمعرفته بأنه سيراها بالغد مرة أخرى..ولكنه أخفى تلك السعادة بحذر كي لا تنكشف مشاعره للجميع..نهضت ليلة قائلة:
بس خدى بالك ياجورى..أنا بحب الروايات آه..بس كمان بحب النهايات السعيدة ولازم تعرفى إن روايتك مع خالد مش ممكن تنتهى غير بنهاية تليق بقصة الحب اللى حكيتيلى عنها..شغلى مخ الكاتبة ده بقى حبة.. وإطلقى خيالها وإكتبيلنا أحداث ونهاية سعيدة..مفهوم؟
قالت جورية بحزن:
ياريتها كانت بالسهولة دى ياليلة..ياريت حياتنا تبقى زي الروايات..نتحكم فى أحداثها.
نهض فراس بدوره قائلا:
قلتهالك قبل كدة وهقولهالك مليون مرة..إنتى أدها وأدود ياجورى.
إبتسمت جورية إبتسامة باهتة..ثم نهضت بدورها تودعهم..ليقول فراس موجها حديثه إلى ليلة قائلا:
إنتى هتروحى إزاي ياآنسة ليلة؟
نظرت إليه فى دهشة قائلة:
يعنى إيه؟ مش فاهمة.
كادت جورية أن تبتسم بداخلها وهي تلاحظ إرتباك فراس وتصبب العرق على جبينه وهو يقول:
يعنى فيه حد هيوصلك؟
هزت ليلة رأسها نفيا وهي تقول:
لأ..هاخد تاكسى..لإن عربيتى عند الميكانيكى .
ليقول فراس بسرعة:
لأ ..تاكسى إيه بس؟أنا هوصلك.
نظرت إليه بخجل قائلة:
مالوش لزوم..أنا مش عايزة أتعبك.
إبتسم قائلا:
تعبك راحة..وبعدين أنا رايح مشوار جنبكم..يعنى طريقى هو طريقك.
قالت ليلة بحيرة:
إنت رايح المهندسين؟
قال فراس بإرتباك:
ها..آه..رايح..يلا بينا.
هزت رأسها موافقة..قبل أن تنظر إلى جورية التى إبتسمت برقة لتبادلها ليلة إبتسامتها..قبل أن تغادر يتبعها فراس..بينما أغلقت جورية الباب وقد إتسعت إبتسامتها تدرك أن قصة عشق أخرى تنسج خيوطها بين فراس وليلة..لتختفى إبتسامتها وهي تخشى أن تؤول قصتهما إلى نفس المصير.
********************
قالت سها برقة:
مكتب لين نصار مع حضرتك يافندم.
لايدرى نبيل لما بدا هذا الصوت مألوفا لديه ولكنه لم يتوقف كثيرا ليتذكر أين سمعه قبل الآن ليقول بقلق:
ممكن أكلم مدام لين لو سمحتى؟
فكرت سها..إن هذا العميل بدوره يسأل عنها…ترى إلى أين ذهبت لين دون أن تخبرها عن مكانها..تلك هي المرة الأولى التى تغيب فيها عن المكتب دون أن تعلمها..فآخر مكالمة بينهما كانت قبل أن تتجه لتلك العميلة فى الصباح وأخبرتها أنها سوف تحادثها ما إن تنتهى من إجتماعها..ولكنها أبدا لم تفعل..حسنا ستوبخها ما إن تراها بالتأكيد..أفاقت من شرودها على صوت هذا العميل وهو يقول:
ياآنسة ..روحتى فين؟
قالت سها بإرتباك:
أنا آسفة..مع حضرتك طبعا..مدام لين الحقيقة مش موجودة حاليا فى المكتب.
إزداد قلق نبيل ليقول بصوت حاول أن يجعله هادئا قدر الإمكان ولكنه حمل توتره إلى سها:
طب ممكن أعرف هي فين دلوقتى؟
عقدت سها حاجبيها قائلة:
ممكن أعرف حضرتك مين؟
إضطرب نبيل ..وكاد أن يغلق الهاتف ولكن صوت تلك الفتاة منعه وهي تقول بلهفة:
من فضلك متقفلش السماعة..إنت تعرف حاجة عن لين؟صوتك متوتر وفيه قلق..من فضلك طمنى..أنا مش بس مديرة مكتبها أنا زي أختها بالظبط وقلقانة عليها أوى.
لم يدرى نبيل بما يجيبها..فهو نفسه لا يدرى شيئا سوى أن مؤيد يضمر سوءا للين..هو لا يهتم بها ولكنه يخشى على صديقه من أن تؤول الأحداث إلى شئ سئ يضر به وبمستقبله..ولكن مهلا..إن تلك المرأة تقول انها صديقتها بل أختها..إذا ربما تعرف شيئا قد يوصله إلى مؤيد المختفى بدوره منذ الصباح الباكر..او ربما إستطاعت التواصل معها.. لذا يجب ان يكون بدوره على إتصال معها..ليقول بهدوء:
الحقيقة لو ممكن نتقابل ..هيكون أحسن عشان نعرف نتكلم براحتنا.
قالت سها بسرعة:
ياريت..حضرتك تقدر تيجى الشركة ..انا هستناك فى مكتب لين.
قال نبيل:
مش هينفع..ياريت لو نتقابل برة..فى اي كافيتريا قريبة من الشركة.
قالت سها بقلق:
وليه برة؟ما هنا كويس.
قال نبيل بهدوء:
كدة هكون مستريح أكتر ..لو مش حابة….
وصمت يترك لها حرية القرار..لتقول بحزم:
لأ تمام..دقايق وهكون فى كافيتريا الخليل اللى جنب الشركة.
قال نبيل:
عارفها..طيب هعرفك إزاي؟
قالت سها :
أنا لابسة بدلة سودا وأكيد هنكون على إتصال.
قال نبيل بحزم:
تمام..دقايق وهكون عندك..سلام
اغلقت سها الهاتف وهي تنظر إليه فى قلق..ربما تسرعت بقبولها دعوته..ولكنها بالتأكيد شعرت بأنه يعرف شيئا عن إختفاء لين الغير مبرر..وهي لابد وأن تعرفه لتطمأن على رفيقتها..إلى جانب شعور غريب بالإطمئنان إلى هذا الغريب كلية عنها..فصوته ونبراته توحى بذلك..أو هو فقط خيالها؟..لا يهم..المهم الآن هو أن تسرع بمغادرة المكان والإتجاه على الفور إلى كافيتريا الخليل..لتلتقى بهذا المجهول.
********************
خرجت لين من المنزل لتجد نفسها وسط صحراء قاحلة تمتد على مرمى البصر..لا شئ ..حرفيا لا شئ حولها سوى الصحراء وسيارتها التى صفها مؤيد على جنب..إتجهت إليها بسرعة ورغم يقينها من أنه من المستحيل أن يترك مؤيد المفتاح بها إلا أنها كان لابد أن تتأكد..فربما حدث سهوا منه وتركه من حسن حظها..ولكن للأسف خاب أملها تماما وهي ترى مكان المفتاح خاليا تماما..نظرت حولها بيأس..لتدرك أن أملها الوحيد للخروج من هذا المكان هو ان تقنع هذا المدعو مؤيد بتركها وشأنها..وإن لم يرضخ..ستعمل على سرقة المفتاح..نعم ..هذا ما يجب أن تفعله تماما…
عادت أدراجها..تجرجر أذيال الخيبة المريرة..لتصعد إلى تلك الحجرة التى إستيقظت فيها لتجده هناك..مازال ممددا على السرير..مسترخيا تماما ..وكأنه كان واثقا من عودتها..إنتابها الغيظ منه..لتقول بحنق:
قوم رجعنى يامؤيد..وبلاش تلعب بالنار..أخويا لو مرجعتش البيت فى خلال ساعتين هيقلب الدنيا لغاية ما يوصلى.
إعتدل مؤيد جالسا وهو يقول ببرود:
قبل الساعتين ما يخلصوا هتكونى متصلة بأخوكى وقايلاله إنك سافرتى شرم تغيرى جو يومين كدة عشان أعصابك تعبانة.
كادت ان تعترض..تخبره أن يأخذ كلماته تلك ويضرب بها عرض الحائط فلن تفعل ما قال ابدا ..ولكنه قاطعها بإشارة من يده وهو يقول بلهجة حازمة متوعدة:
قبل ما ترفضى لازم تبقى عارفة إنك لو رفضتى..وقبل ما تعدى الساعتين دول برده.. هتكونى ملكى تانى وغصب عنك..فالقرار قرارك والإختيار ليكى يا حبيبتى…
نهض بهدوء ثم تركها وهي فى صدمة من كلماته..تدرك أنه لا يلقى تهديدات لا ينوى تنفيذها..ليقشعر بدنها بالكامل وهي تتخيل أنها ملكه مجددا ولكن تلك المرة لن يظللهما العشق كالماضى..لا..سيظللهما كرها وبغضا وإنتقاما أسودا..على الأقل من جانبه ..فهي تدرك أنها مازالت تحبه ..حتى وإن إدعت العكس.
********************
قالت ليلة برقة وهي تشير إلى فيلا قريبة من السيارة:
البيت هناك أهو.
توقف فراس أمام بوابة الفيلا وهو يشعر بالحسرة لإنه سيتركها لتذهب مجددا..إبتسمت ليلة وهي تنظر إليه قائلة:
انا متشكرة اوى..عن إذنك.
إبتسم بدوره وهو يهز رأسه..كادت ليلة أن تغادر السيارة ولكنها مالبثت ان أوقفها صوته وهو يقول:
آنسة ليلة..
إعتدلت تنظر إليه قائلة:
أفندم.
نظر إلى عينيها الجميلتين..ليقول بعد لحظة من التردد:
هو أنا ممكن آخد رقم تليفونك؟
نظرت إليه فى حيرة..ليبتلع ريقه فى صعوبة قائلا:
أنا الحقيقة يعنى..شايف إن هدفنا واحد وهو إننا نجمع خالد وجورية مع بعض وعشان كدة ممكن نتكلم ونتفق نتقابل برة ونفكر فى حاجة تجمعهم..ده لو معندكيش مانع يعنى.
نظرت إليه ..تدرك أن خلف طلبه ما هو أكثر من رغبة فى جمع حبيبين ..خشيت ما يحدث..ولكنها رغبت به..لتومئ برأسها برقة قائلة:
هات تليفونك.
منحها الهاتف على الفور وعيونه تلمع بالسعادة ..وهو يراها تمسك بالهاتف..تجرى أصابعها الرقيقة على أرقامه..ليرن هاتفها داخل حقيبتها..وتبتسم قائلة:
كدة تمام..عن إذنك.
إبتسم بدوره يتابعها بعينيه وهي تترجل من السيارة..لتدخل إلى المنزل..ترتسم إبتسامة هائمة على محياه..ثم ما لبث أن نظر إلى هاتفه ..يطالع رقم هاتفها بإبتسامة ..ثم قربه من فاهه وقبله بقوة..قبل أن يبتعد بسيارته وهو يفتح تسجيل سيارته لتتسلل أغنية محمد حماقى إلى مسامعه ..تطربه ..وتعبر كلماتها عن شعوره الآن ..تماما.
“فى جوه قلبى حاجه مستخبية
كل اما باجى اقولها فجأه مش بقدر
قدام عينيك بقف وبنسى ايه يتقال
ليه كل مره يجرى فيها كده ليا
وديه هى كلمة واحدة بس مش اكتر
والكلمة ديه عندى فيها راحة البال
حبيتك يوم ما اتلاقينا
لما حكينا اول كلام
حبيتك واحلف على ده
تسمع زيادة ده انا مش بنام
حبيتك يوم ما اتلاقينا
لما حكينا اول كلام
حبيتك واحلف على ده
تسمع زيادة ده انا مش بنام
ديه الناس فى عينى حاجه وانت حاجه تانية
عندك مشاعرى حتى خدها واسئلها
انا صعب اعيش حياتى وانت لحظة بعيد
احساسى بيك فى وقت ضعفى قوانى
كانت حياتى ناقصة جيت تكملها
فرحة لقايا بيك بتبقى زى العيد”
********************
كان خالد يمسك بأصابعه السبابة والإبهام هذا الجسر مابين حاجبيه..يشعر بذلك الألم فى رأسه مجددا..ليغمض عينيه..وفجأة يمر بخاطره..صورتها وهي تركض ضاحكة وهو يجرى ورائها ..يشعر بالسعادة المطلقة وهو يسمع صوت تلك الضحكات الرقيقة..لتلتفت إليه ..نعم..كانت هي جورية..بوجهها ذو الملامح الرقيقة العذبة..وعيونها البريئة الجذابة..كاد أن يمسك بها ليتعثر ويقع أرضا..لتزداد ضحكاتها ..شعر ببعض الألم فى قدمه وظهر على وجهه لتتوقف ضحكاتها وهي تراه هكذا ..تسرع إليه..تجثوا إلى جواره..تطالعه بقلق..وتسأله عن مدى إصابته..ثم سوادا..فتح عينيه يشعر بالحيرة..هو ليس بنائما..بل هو مستيقظ..وهذا بالتأكيد ليس حلما ..إنه يكاد أن يكون واقعا ملموسا..ماالذى يحدث له بحق السماء؟هل هذا سحر ما؟أم ربما ذكرى؟كيف وهو لم يرى جورية سوى منذ أيام قليلة..أين له بذكريات معها؟إذا بما يفسر دفتر رسوماتها..شعر بضباب يحيط بعقله وصداعه يزداد..ليقرر أن ينهى يوم عمله..فقد شعر حقا بالتعب والإنهاك..وليؤجل التفكير فى تلك الجورية إلى وقت آخر..فقلبه يخبره أن ما يحدث بينهما هو شئ كبير ..لو إستطاع فهمه سيرتاح..ومن يدرى..ربما لو عرف حقا..لضاعت راحته وضاع سلامه……للأبد.
رواية وادي النسيان.
بقلم الكاتبة شاهندة.
