ملك إبراهيم زينه

وقفت زينة قدام بوابة الجامعة، وهي رافعة راسها لفوق تبص للمباني الزجاجية الضخمة، والجنينة اللي كلها ورد، والنافورة اللي في نص الحرم الجامعي.

شدت شنطتها القديمة على كتفها وهمست لنفسها بابتسامة متوترة: “يا رب… أنا بجد هنا؟”

لحد دلوقتي كانت حاسة إنها بتحلم.

بنت خدامة… جاية تدرس في واحدة من أغلى الجامعات الخاصة في البلد، بعد ما رجل أعمال كبير اتكفل بمنحتها كاملة بسبب تفوقها.

أخدت نفس عميق ودخلت.

كل حاجة حواليها كانت مختلفة…

عربيات فخمة داخلة وخارجة.

طلبة لابسين أحدث الماركات.

ضحكات وصوت موسيقى خفيف خارج من الكافيه.

أما هي…

فكانت لابسة قميص أبيض بسيط، وجيبة كحلي، وحذاء قديم لكنه نضيف جدًا.

كانت ماشية وهي بتبص حواليها بانبهار، وعينيها بتلمع زي الأطفال.

وفجأة…

خبطت في حد.

رفعت راسها بسرعة.

شاب وسيم، شعره مصفف بعناية، ولابس برفان ريحته مالية المكان.

ابتسم وهو بيبصلها من فوق لتحت.

آسف… أول مرة أشوف القمر ده هنا.

زينة اتكسفت وقالت بأدب:

معلش… مخدتش بالي.

كانت هتمشي…

لكنه وقف قدامها.

استني… إيه الاستعجال؟ عرفيني بنفسك الأول.

قالت بهدوء:

لو سمحت… أنا مستعجلة.

ابتسم ابتسامة مستفزة.

وأنا اسمي كريم… سنة رابعة… ومش بسيب بنت حلوة تمشي كده.

لفت تعديه.

لكنه مد إيده ومسَك رسغها.

رايحة فين بس؟

في اللحظة دي…

وش زينة اتغير.

بصت لإيده اللي ماسكاها.

وقالت بتحذير:

سيب إيدي.

ضحك باستهزاء.

ولو مسيبتهاش؟

ثانية واحدة…

باااااق!

صوت القلم دوّى في المكان كله.

راس كريم اتلفت بقوة، وإيده سابت إيديها فورًا.

حط إيده على خده وهو مصدوم.

إنتي… إنتي ضربتيني؟

زينة بصتله بغضب وقالت بصوت عالي سمعه كل اللي حواليها:

أيوه… وأضربك بالقلم التاني لو فكرت تمد إيدك على بنت تاني!

في ثواني…

الطلبة بدأوا يتجمعوا.

إيه اللي حصل؟

مين البنت دي؟

دي ضربت كريم؟

أول يوم ليها وعملت كده؟

كريم كان وشه أحمر من الإحراج.

صرخ فيها:

إنتي عارفة أنا مين؟

زينة عقدت دراعاتها وقالت بثقة:

لا… ومش فارق معايا تعرفني إنت مين.

في نفس الوقت…

على الناحية التانية من الجامعة…

كان شهاب قاعد مع أصحابه في الكافيه.

شاب طويل، وسيم بشكل يخطف الأنظار.

ملامحه هادية، لكن شخصيته قوية.

أغلب البنات كانوا بيبصوا عليه وهو حتى مش واخد باله.

وفجأة…

واحد من أصحابه جري عليهم وهو بيضحك.

يا شهاب… الحق!

رفع شهاب عينه باستغراب.

في إيه؟

في بنت جديدة ضربت كريم بالقلم قدام الجامعة كلها!

كل اللي قاعدين انفجروا ضحك.

واحد منهم قال:

مستحيل… كريم اتضرب؟

ابتسم شهاب وهو قام من مكانه.

يلا نشوف… مين المجنونة دي.

مشوا ناحية الزحمة.

كل ما يقرب…

أصوات الناس كانت تعلى أكتر.

ولما وصل…

وقف مكانه.

وسط كل الطلبة…

كانت واقفة بنت بسيطة جدًا.

ملامحها بريئة.

لكن عينيها مليانة قوة وتحدي.

رغم إنها محاطة بعشرات الطلبة…

إلا إنها كانت واقفة بثبات، ولا كأنها خايفة.

شهاب فضل يبصلها ثواني من غير ما ينطق.

وحس بإحساس غريب عمره ما حسه قبل كده.

وقال لنفسه وهو مش قادر يشيل عينه من عليها:

“البنت دي… مختلفة.”

يتبع…
الفصل الثاني

الهمس كان مالي المكان.

دي اللي ضربت كريم؟

شكلها جديدة.

يا نهار أبيض… دي قلبها جامد!

شهاب شق طريقه وسط الزحمة، وكل أول ما شافوه وسعوله.

أول ما كريم لمحه، اتكلم بانفعال:

شهاب! شفت اللي حصل؟ البنت دي مدت إيدها عليا!

بصله شهاب بهدوء، وبعدين بص لزينة.

كانت واقفة رافعة راسها، وعينيها كلها تحدي، لكنها من جواها كانت متوترة.

قال شهاب بصوت هادي:

إيه اللي حصل بالظبط؟

كريم رد بسرعة:

كنت بهزر معاها بس… قامت ضربتني بالقلم قدام الناس كلها!

قبل ما شهاب يرد…

اتكلمت زينة بحدة:

كداب.

لف شهاب ناحيتها.

قالت وهي بتبص لكريم بقرف:

الهزار عندك إنك تمسك إيد بنت غصب عنها؟

الطلبة سكتوا.

كريم اتوتر وقال:

أنا…

قاطعه شهاب وهو بيبصله بنظرة حادة.

مسكت إيدها؟

كريم بلع ريقه وقال:

يعني… كنت بهزر.

رد شهاب ببرود:

الهزار ليه حدود.

وسكت لحظة، وبعدين قال بصوت مسموع:

واللي يمد إيده على أي بنت يستحمل النتيجة.

كريم بصله بصدمة.

إنت واقف في صفها؟

أنا واقف مع الصح.

اتنهد شهاب وقال:

خلاص… كل واحد يروح محاضرته. مفيش داعي للزحمة دي.

مكانته في الجامعة كانت كفاية إن الكل يسمع كلامه.

بدأ الطلبة يمشوا واحد ورا التاني، وكريم بص لزينة بغل وقال:

الحساب بينا لسه مخلصش.

ردت عليه من غير ما تهزه:

وأنا مستنياك.

جز على سنانه ومشي.

فضل شهاب واقف مكانه، وبص لزينة بابتسامة خفيفة.

واضح إن أول يوم ليكي بدأ بشكل… مختلف.

ردت باقتضاب:

الحمد لله.

مد إيده باحترام.

أنا شهاب.

بصت لإيده ثواني… لكن ما سلمتش.

قالت ببرود:

وأنا ممشيتش أسأل اسم حضرتك.

نزل شهاب إيده وهو مستغرب ردها.

ابتسم وقال:

عندك حق… بس حبيت أرحب بيكي.

قالت وهي بتعدل شنطتها:

شكرًا… مش محتاجة ترحيب من حد.

كان ردها مباشر لدرجة إنه سكت لحظة.

ثم قال بهدوء:

أنا بس كنت…

قاطعته قبل ما يكمل:

لو سمحت… عندي محاضرة.

لفت تمشي.

شهاب ناداها:

استني… إنتي لسه متعرفيش مباني الجامعة، ممكن أوصلك…

وقفت ثانية من غير ما تبصله.

وقالت بنفس البرود:

متعودة أوصل لأي مكان لوحدي.

وكملت طريقها.

فضل شهاب واقف يبصلها وهي بتبعد.

أول مرة بنت ترفض حتى إنها تعرف اسمه.

وأول مرة يحاول يتكلم مع واحدة… فتقفله الباب بالشكل ده.

ابتسم من غير ما يحس.

وقال لنفسه:

غريبة…

وبعدين هز راسه وهو بيضحك بخفة.

لا… دي مش غريبة وبس… دي حكاية لوحدها.

في الناحية التانية…

كانت زينة ماشية بسرعة وهي بتحاول تهدي ضربات قلبها.

همست لنفسها:

“كلهم زي بعض… أول ما يشوفوا بنت جديدة يفتكروا إن ليهم الحق يكلموها ويقربوا منها.”

تنهدت وهي تبص لخريطة الجامعة.

“أنا جاية هنا أدرس وبس… مش عايزة أعرف حد… ولا حد يعرفني.”

لكنها مكانتش تعرف…

إن الشاب اللي سابته واقف وراها من غير حتى ما تبصله…

هو أكتر واحد هتتغير حياتها بسببه.

يتبع…
الفصل الثالث

بعد ما الزحمة انتهت، كان كريم واقف مع شلته في جراج الجامعة، والغضب باين في عينيه.

كان بيحك خده مكان القلم وهو بيقول من بين سنانه:

بنت زي دي تجرؤ تمد إيدها عليا؟ والله لأعرفها مقامها.

واحد من صحابه ضحك وقال:

هتعمل إيه يعني؟

رد كريم بغل:

هخليها تندم على اليوم اللي دخلت فيه الجامعة دي.

سأله واحد تاني:

ناوي على إيه؟

ابتسم ابتسامة خبيثة وقال:

هخلي الشباب يجيبوهالي… ونربيها بعيد عن الجامعة شوية.

في اللحظة دي…

كان شهاب معدّي من جنبهم، وسمع آخر جملة.

وقف فجأة.

لف ناحيتهم وملامحه اتحولت للجدية.

إنت قولت إيه؟

كريم بصله باستخفاف.

مالك؟

قرب منه شهاب خطوة وقال بصوت منخفض لكنه مخيف:

قول اللي قولته تاني.

رد كريم بعناد:

البنت دي لازم تتربى… وأنا هخلي الشباب يجيبوها.

شهاب زعق فيه:

فوق لنفسك يا كريم!

كل اللي واقفين سكتوا.

أول مرة يشوفوا شهاب متعصب بالشكل ده.

كمل وهو بيبصله بغضب:

اللي حصل امبارح كان غلط منك إنت، وهي دافعت عن نفسها. تقوم تفكر تنتقم منها؟

كريم ضحك بسخرية.

من إمتى وإنت بتدافع عن البنات؟

أنا بدافع عن الحق.

رد كريم ببرود:

خلاص… اعتبر نفسك مسمعتش حاجة.

شهاب مسكه من ياقة قميصه.

اسمعني كويس… لو مجرد شعرة منها اتأذت بسببك، هتكون بتتعامل معايا أنا.

كريم زقه بعيد وقال بتحدي:

متدخلش نفسك… دي بيني وبينها.

سابه شهاب وهو بيبصله بنظرة كلها تحذير.

لكن جواه كان حاسس إن كريم مش بيهزر.

—

تاني يوم…

الساعة كانت لسه تمانية الصبح.

الجامعة هادية نسبيًا.

نزلت زينة من الأتوبيس، وعدلت شنطتها على كتفها.

ابتسمت وهي بتبص للجامعة.

يا رب يكون النهارده أهدى من امبارح.

بدأت تمشي ناحية البوابة.

وفجأة…

وقفت.

أربع شباب خرجوا من جنب سور الجامعة، ووقفوا قدامها.

واحد منهم قال بابتسامة مستفزة:

صباح الخير يا بطلة.

زينة بصتلهم باستغراب.

في إيه؟

رد التاني:

كريم بيسلم عليكي.

قلبها دق بسرعة.

رجعت خطوة لورا.

ابعدوا من طريقي.

الشاب قرب منها وقال:

هتيجي معانا بهدوء… ولا نساعدك؟

زينة بصت حواليها.

المكان كان فاضي نسبيًا.

حاولت تجري…

لكن واحد منهم وقف قدامها.

وفجأة…

صرير فرامل قوي قطع المكان.

عربية سوداء فخمة وقفت بعرض الطريق قدام زينة والشباب.

باب العربية اتفتح بسرعة.

نزل شهاب.

كان وشه جامد، وعينيه مليانة غضب.

بص للشباب وقال بصوت هادي، لكنه مرعب:

ابعدوا عنها.

واحد منهم ضحك.

وإلا؟

شهاب خلع ساعته بهدوء، وحطها فوق العربية.

وقال:

يبقى إنتوا اللي اخترتوا.

الشاب اندفع ناحيته…

لكن قبل ما يوصل، شهاب لكمه بقوة وقعته على الأرض.

التاني حاول يضربه…

لف شهاب بسرعة وضربه في بطنه، وبعدها دفعه بعيد.

الثالث والرابع جريوا عليه مع بعض.

لكن شهاب اتحرك بثبات، وبدأ يصد ضرباتهم، ووجه لكل واحد فيهم ضربة خلته يتراجع.

في أقل من دقيقة…

كان الأربعة واقعين على الأرض بيتأوهوا.

وقف شهاب قدامهم وقال بغضب:

لو شوفت وش واحد فيكم قريب منها تاني… مش هتقوموا على رجليكم.

الشباب قاموا بصعوبة، وجروا من المكان من غير ما يبصوا وراهم.

أما زينة…

فكانت واقفة مكانها، مصدومة من اللي حصل، وعينيها معلقة على شهاب، اللي لف ناحيتها وهو بيتأكد إنها بخير.

يتبع…
الفصل الرابع

كان شهاب واقف بيبص في اتجاه الشباب لحد ما اختفوا من الشارع.

بعدها لف ناحية زينة.

كانت واقفة مكانها، وشها شاحب من الخضة، وإيديها ماسكة شنطتها بقوة.

بصلها شهاب بنبرة هادية وقال:

متخافيش… مش هيقربوا منك تاني.

زينة بصتله من غير ما تتكلم.

كمل وهو بيطمنها:

طول ما أنا موجود، محدش هيقدر يضايقك.

بعدها لف من غير ما يستنى منها رد، وركب عربيته.

أدار المحرك واستعد يمشي.

في اللحظة دي…

زينة حست بتأنيب ضمير.

افتكرت إمبارح لما صدته واتكلمت معاه بجفاء.

وهو النهارده خاطر بنفسه علشان يحميها.

جريت بسرعة وهي بتنادي:

استنى… يا أستاذ!

شهاب وقف العربية، ونزل منها تاني وهو مستغرب.

أيوه؟

وقفت قدامه وهي بتحاول تاخد نفسها.

وقالت بخجل:

أنا… كنت جاية أشكرك.

ابتسم ابتسامة خفيفة.

مفيش داعي للشكر.

هزت راسها بسرعة.

لا… في داعي.

سكتت لحظة، وبعدين قالت:

أنا آسفة كمان… على طريقتي معاك إمبارح.

ابتسم وقال بهزار:

كنتي فاكراني زي صاحبنا اللي أخد القلم؟

ضحكت لأول مرة.

ضحكة خفيفة، لكنها خلت شهاب يسرح في ملامحها للحظة.

مدت إيدها وهي بتقول:

أنا زينة.

بص لإيدها، وابتسم.

صافحها باحترام.

شهاب.

قالت وهي بتبتسم بخجل:

تشرفت بمعرفتك.

رد وهو بيهزر:

أخيرًا… بعد رفض رسمي استمر يوم كامل.

ضحكت تاني وقالت:

معلش… بس أنا اتعودت أخاف من أي حد يحاول يقرب مني.

هز راسه بتفهم.

حقك… خصوصًا بعد اللي حصل.

سكتوا لحظة.

وبعدين قال شهاب:

بما إننا بقينا متعرفين… إيه رأيك أوصلك لقاعة المحاضرات؟ المرة دي أوعدك مش هعتبرها معاكسة.

ابتسمت وهي هزت راسها.

موافقة.

بدأوا يمشوا جنب بعض داخل الجامعة.

كان شهاب بيشرح لها أماكن المباني، والمكتبة، والكافتيريا، والمعامل، وهي بتسمعه باهتمام وتسأله عن كل حاجة.

ومع كل دقيقة كانت رهبتها من المكان بتقل.

قالت وهي بتبص حواليها:

الجامعة كبيرة أوي… كنت متأكدة إني هتوه فيها.

ضحك وقال:

عادي… أنا أول أسبوع كنت بتوه كل يوم.

بصتله باستغراب.

بجد؟

والله… بس متقوليش لحد، سمعتي هنا في الجامعة مهمة.

ضحكت وهي بتقول:

خلاص… السر بيني وبينك.

ابتسم شهاب، وحس لأول مرة من فترة إنه بيتكلم مع بنت من غير تصنع أو مصلحة.

أما زينة…

فكانت لأول مرة تحس إن في حد من العالم اللي حواليها بيتعامل معاها كإنسانة، مش كخادمة أو بنت فقيرة.

ومن غير ما أي واحد فيهم ياخد باله…

كانت أول خيوط الصداقة بتتنسج بينهم، في هدوء، ومن غير أي وعود… لكن كان القدر بيجهز لهم حكاية أكبر بكتير مما يتخيلوا.

يتبع…
الفصل الخامس

مرت الشهور…

والكل في الجامعة بدأ ياخد باله إن شهاب وزينة بقوا دايمًا مع بعض.

يدخلوا المحاضرات سوا.

يذاكروا في المكتبة.

ويقعدوا في الكافيه يتكلموا بالساعات.

لكن الغريب…

إن علاقتهم كانت مليانة احترام قبل أي حاجة.

شهاب عمره ما حاول يتجاوز حدوده معاها.

وزينة كانت كل يوم تكتشف فيه صفة جديدة تخليها تحترمه أكتر.

في يوم…

كانوا قاعدين في جنينة الجامعة.

زينة كانت مركزة في كتابها.

أما شهاب…

فكان مركز فيها هي.

قال فجأة:

زينة.

رفعت عينيها.

نعم؟

ابتسم وقال:

هو إنتي عارفة إنك أول بنت تخليني أحب أقعد في الجامعة حتى بعد ما المحاضرات تخلص؟

ضحكت بخجل.

إنت بتهزر.

لا… أنا عمري ما كنت بتاع كلام رومانسي.

سكت شوية، وبعدين قال وهو بيبصلها في عينيها:

بس معاكي… كل حاجة بقت مختلفة.

قلبها دق بسرعة.

حاولت تبص بعيد.

لكنه قال بهدوء:

أنا بحبك يا زينة.

سكتت.

مكانتش متوقعة يسمعها الكلمة دي.

همست بصوت واطي:

شهاب… إحنا من عالمين مختلفين.

ابتسم.

وأنا مالي بالعوالم؟ أنا بحب البنت اللي قدامي.

قالت وهي مكسوفة:

وأنا… بحبك.

ابتسم شهاب ابتسامة واسعة لأول مرة من قلبه.

وقال وهو بيضحك:

أخيرًا… كنت فاكر إني هفضل مستني سنة كمان.

 

—

بعد كام يوم…

قرر شهاب ياخد خطوة جد.

وفي المساء…

كانت عيلته كلها متجمعة على السفرة.

والده كان رجل أعمال صارم.

ووالدته من سيدات المجتمع المشهورات.

قال شهاب بهدوء:

يا جماعة… أنا عايز أتكلم في موضوع مهم.

بصوا له باهتمام.

قال بثقة:

أنا عايز أتجوز.

ابتسمت والدته.

أخيرًا… أكيد بنت عائلة كبيرة؟

هز راسه.

اسمها زينة.

والده سأله:

بنت مين؟

رد شهاب:

والدتها شغالة خدامة… وهي طالبة معايا في الجامعة، داخلة بمنحة دراسية.

فجأة…

الهدوء اختفى.

والدته نزلت الشوكة من إيديها بصدمة.

إيه؟

والده قطب جبينه.

يعني إيه خدامة؟

قال شهاب بثبات:

يعني ست شريفة بتشتغل عشان تربي بنتها.

والدته قالت بعصبية:

وإنت شايف إن دي تبقى زوجة ابن عائلة الشهاوي؟

رد شهاب:

أنا شايف إنها بنت محترمة ومتربية أحسن من ناس كتير أغنيا.

ضرب والده بإيده على السفرة.

الموضوع ده ينتهي هنا!

شهاب بصله بثبات.

مش هينتهي.

قال الأب بغضب:

مستحيل أوافق على الجوازة دي.

ليه؟

لأن فرق المستوى بينكم كبير جدًا.

رد شهاب بصوت ثابت:

أنا اللي هتجوزها… مش الفلوس.

صرخت والدته:

الناس هتقول إيه؟ ابن شهاب الشهاوي اتجوز بنت خدامة؟

وقف شهاب من مكانه.

وقال بنبرة حاسمة:

الناس مش هتعيش حياتي… ولا هتختار شريكة عمري.

والده وقف هو كمان.

لو اتجوزتها… تنسى إن ليك أب اسمه فؤاد الشهاوي.

ساد الصمت في المكان.

بص شهاب لوالده لحظة…

ثم قال بكل هدوء:

لو ده تمن إني أتجوز البنت اللي بحبها… فأنا مستعد أدفعه.

لف ومشي، وسابهم مصدومين من إصراره.

وفي نفس اللحظة…

كانت زينة قاعدة في أوضتها البسيطة، مبتسمة وهي بتبص في رسالتها الأخيرة مع شهاب…

من غير ما تعرف إن معركة كبيرة بدأت، وإن حبهم هيدخل في اختبار صعب بسبب فرق الطبقات، ورفض عيلته القاطع للجواز.

يتبع…
الفصل السادس والأخير

بعد الخناقة الكبيرة مع أهله…

شهاب خرج من الفيلا وهو ماسك مفاتيح عربيته، لكن رجع بعدها بثواني، حط المفاتيح على الترابيزة.

خلع ساعته الغالية، وحطها جنبها.

بص لوالده وقال بهدوء:

من النهارده… مش هستخدم فلوسك في أي حاجة.

خرج من البيت، ومن يومها بدأ يعتمد على نفسه.

—

الصبح…

راح لشركة يملكها واحد من أصدقاء والده.

صاحب الشركة كان عارفه من وهو صغير.

بصله باستغراب وقال:

إنت ابن فؤاد الشهاوي… جاي تشتغل هنا؟

ابتسم شهاب.

آه… بس كموظف عادي.

مرتب بسيط وشغل مرهق.

معنديش مشكلة.

وبالفعل…

اشتغل في قسم الحسابات.

كان أول واحد يوصل.

وآخر واحد يمشي.

ولأول مرة في حياته…

جرب يعني إيه يقف في طابور، ويركب مواصلات، ويقبض مرتب آخر الشهر.

ومع كل التعب…

كان سعيد.

لأنه كان بيقرب خطوة من حلمه.

—

في البيت…

والدة شهاب كانت بتبكي.

قالت لزوجها:

ابننا عمره ما عاش كده.

تنهد الأب وقال:

سيبيه… يومين وهيزهق ويرجع.

لكن اليومين بقوا أسبوع.

والأسبوع بقى شهر.

وشهاب ما رجعش.

بل بالعكس…

كان بيذاكر بعد الشغل لحد الفجر.

ويروح الجامعة من غير ما يغيب محاضرة.

—

في يوم…

الأب طلب يشوفه.

دخل شهاب المكتب.

بصله والده طويلًا.

لاحظ الإرهاق في وشه، والهالات السودا تحت عينيه.

قال بهدوء:

إنت لسه مصر؟

ابتسم شهاب.

أكتر من الأول.

سكت الأب شوية.

وبعدين قال:

بتحبها للدرجة دي؟

رد من غير تردد:

أكتر مما تتخيل.

تنهد الأب وقال:

طيب… عندي شرط.

رفع شهاب عينيه بسرعة.

لو قدرت تتخرج من أوائل دفعتك…

وأثبت إن الحب عمره ما هيضيع مستقبلك…

أنا هروح أخطب زينة بنفسي.

اتسعت عيون شهاب.

بجد؟

هز الأب رأسه.

لكن لو فشلت… تنسى الموضوع نهائي.

مد شهاب إيده.

موافق.

صافحه والده لأول مرة من شهور.

—

بدأت أصعب فترة في حياة شهاب.

كان يصحى الساعة ستة الصبح.

يشتغل.

يروح الجامعة.

يرجع يذاكر لحد الفجر.

وزينة كانت دايمًا بتشجعه.

كل يوم تبعتله رسالة:

“أنا مؤمنة بيك.”

وكانت الرسالة دي كفاية تخليه يكمل.

—

وجاء يوم إعلان النتيجة…

اتعلقت الكشوف.

الطلبة كلهم اتجمعوا.

وفجأة…

حد صرخ:

شهاب الشهاوي… الأول على الدفعة!

الجامعة كلها بدأت تسقف.

أما شهاب…

فكانت أول حاجة عملها إنه لف يدور على زينة.

لقاها بتجري عليه وهي دموع الفرح في عينيها.

وقفت قدامه وقالت:

أنا كنت عارفة إنك هتنجح.

ابتسم وهو لسه هيتكلم…

لكن صوت المذيع أعلن:

بعد دقائق تبدأ حفلة التخرج.

 

—

في قاعة الاحتفال…

الكل كان لابس روب التخرج.

وشهاب طلع يستلم شهادته وسط تصفيق كبير.

نزل من على المسرح…

وبدأ يدور بعينيه على زينة.

لكنه وقف فجأة.

على بعد خطوات…

كان والده واقف.

ولأول مرة من شهور…

كان بيبتسم.

وبجانبه…

كانت زينة.

لابسة فستان أبيض بسيط، وعينيها مليانة دموع.

قرب شهاب وهو مش مستوعب.

بص لوالده باستغراب.

ابتسم الأب ومد إيده على كتفه.

وقال:

مبروك يا بطل.

ثم أخرج علبة صغيرة من جيبه.

فتحها…

وكان فيها خاتم خطوبة.

ناولها لشهاب وهو بيقول بابتسامة:

إنت وفيت بوعدك…

وطلعت من أوائل الجامعة.

وأنا كمان وفيت بوعدي.

سكت لحظة، ثم بص لزينة بحب واحترام.

روحت لوالدتها…

وطلبت إيدها.

ومن النهارده…

زينة بقت خطيبتك.

وقف شهاب مصدوم، وعينيه لمعت بالدموع.

لف ناحية زينة، لقاها هي كمان بتعيط من الفرحة.

ابتسمت له وهمست:

مبروك يا شهاب.

ابتسم وسط دموعه، ولبسها الخاتم قدام تصفيق كل الحاضرين.

وفي آخر القاعة…

كانت والدة زينة واقفة، دموعها نازلة وهي بتقول:

الحمد لله… تعب السنين مراحش هدر.

أما والد شهاب…

فبص لابنه بفخر وقال في نفسه:

“أنا كنت فاكر إني هخسره… لكن النهارده اكتشفت إني كسبت راجل حقيقي.”

تمت..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *