اخت جوزي
تسمرت في مكاني، ونظرات خالد أخو جوزي كانت بتخترقني زي السهام، وصوت مصطفى في التليفون لسه بيجر شكل الخراب في الصالة. دخلة نادية بالجردل والمساحة في إيدها كانت هي القشة اللي هتقسم ضهري. بصت لنا بدهشة وقالت وهي بتمسح جبهتها بشاشتها البيضا: “في إيه يا صباح؟ مالك وشك أصفر وزي الليمونة المصرورة كده؟ وخالد واقف كده ليه وزعابيبه في السماء؟ ومين اللي صوته في التليفون ده.. مش ده مصطفى أخويا؟”
خالد لسه هيفتح بقه ويتكلم، ويبخ السم اللي في بطنه ويقول لها على التليفون وعلى الكذبة اللي أنا كذبتها، لقيت نفسي من الرعب بجري عليه وبشد التليفون من إيده وبقفل الخط في وش مصطفى خالص. خالد برّق لي وعروق رقبتها اتنفخت وقال بصوت مكتوم وعالي في نفس الوقت: “بتقفلي السكة في وش أخويا يا صباح؟ طب وعهد الله لأقلب البيت ده حتة حتة وأجيب التليفون، ولما نشوف حكاية السرقة دي آخرتها إيه!”
نادية حطت الجردل على الأرض وقربت مننا، ملامحها الشقيانة اتحولت لقلق حقيقي وقالت: “تليفون إيه وسرقة إيه يا خالد؟ فهموني في إيه؟ أنتوا مخبيين عني إيه؟”
عقلي في اللحظة دي كان شغال بأقصى سرعة، الخوف بيلد أفكار شيطانية بس عشان النجاة. قولت لنادية وأنا بحاول أهدي صوتي وأرعش شفايفي بالتمثيل: “مفيش يا نادية.. ده.. ده مصطفى كان باعت تليفون معاينة هدية ليكي وللعيال عشان يطمن عليكم، وأنا من خيبتي خبيته في الدولاب عشان كنت عاوزة أعملهالك مفاجأة يوم الجمعة لما تلمي العيال حواليكي، وخالد فاكر إني طمعت فيه وبكذب وبقول اتسرق!”
نادية عينها لمعت بدموع الفرحة وقالت: “يا حبيبي يا مصطفى.. باعت لي تليفون؟ كتر خيره وألف خيره.. طب وزعلانين ليه؟ المفاجأة حلوة يا صباح بس مش لدرجة الخناق دي كلها!”
خالد بص لي بنظرة كلها احتقار، هو عارف إني كذبت على مصطفى وقولت له اتسرق في السوق، ودلوقتي بغير الحكاية قدام أخته. قرب مني ووشه في وشي وقال بصوت واطي ويدب الرعب: “ماشي يا صباح.. اطلعي هاتي التليفون من جوة خديها ل أختي يد بيد حالا قدامي، وأنا هكلم مصطفى أخليه يتصل عليها فيديو دلوقتي حالا.. ونشوف بقى المفاجآت التانية اللي مستخبية هتوصل لفين!”
جسمي كله سقع. خالد مش هيهدا إلا لما يخرب بيتي، وهو قاصد يخلي مصطفى يكلم نادية عشان يسألها عن الفلوس والمصاريف وتطلع الكارثة الكبيرة. دخلت الأوضة ورجلي مش شيلاني، مديت إيدي في قاع الدولاب وطلعت العلبة الشيك اللي بتبرق. كنت حاسة إني شايلة حبل المشنقة بتاعي.
طلعت الصالة وسلمت العلبة لنادية وإيدي بتترعش. نادية أخدتها وهي بتبوسها وبتدعي لمصطفى وليا: “ربنا يخليكم ليا، ربنا ما يحرمني منكم.. ده أنا مكنتش أحلم بمسكة التليفون ده”.
خالد طلع تليفونه تاني واتصل بمصطفى، وفتح المكبر وقال: “أهو يا مصطفى، الست صباح طلعت التليفون من الدولاب وقالت إنها كانت عاملاه مفاجأة لنادية، وأختك نادية واقفة أهي والتليفون في إيدها”.
سمعت صوت مصطفى طالع من السماعة، بس صوته مكنش فيه فرحة، كان صوت واحد حاسس باللعب والخيانة، قال بنبرة هادية بس تخوف: “مبروك عليكِ التليفون يا نادية يا أختي.. افتحيه وخلي خالد يشغلهولك، عشان عاوز أسألك في موضوع مهم قوي يخص الستة آلاف جنيه بتوع كل شهر!”
نادية لوت بوزها باستغراب وبصت للتليفون وقالت بعفوية: “ستة آلاف جنيه إيه يا مصطفى يا ابن أبويا؟ أنت باعت لي فلوس؟”
في اللحظة دي، حسيت إن النفس انقطع عني، والحيطان بدأت تلف، وبصيت لخالد لقيت على وشة ابتسامة شماتة، ونادية مستنية الرد، ومصطفى سكت ثانية وقال: “يعني إيه ستة آلاف جنيه إيه؟!”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الكلمة طلعت من بق نادية زي القذيفة، والصمت حل في الصالة كأننا في مأتم. خالد وقف مربع إيده وعينه بتلمع بشر وشماتة، ونادية ملامحها بدأت تتغير من الفرحة للحيرة، وعينها بدأت تلف بيني وبين خالد والتليفون اللي في إيدها.
صوت مصطفى جِه من السماعة حاد ومخنوق، كأنه مش مستوعب: “يعني إيه باعت لك فلوس إيه يا نادية؟ أنتِ مبيوصلكيش الستة آلاف جنيه اللي بحولهم كل أول شهر مع صباح بقالي تلت سنين؟!”
نادية شهقت وحطت إيدها على صدرها، وعلبة التليفون اتهزت في إيدها: “ستة آلاف جنيه إيه يا مصطفى؟ وعهد الله ما شفت منك مليم واحد من يوم ما سافرت! ده أنا باجي هنا أكنس وأمسح وأغسل المشايات لصباح عشان تديني لقمة عيشي بعرق جبيني، تقسم لي أربعة آلاف جنيه في الشهر بالعافية وتقولي كتر خيري إني مشغلاكي ومستورة من ورايا!”
الدنيا لفت بيا، والرؤية شوشت قدام عيني، وحسيت بركبي بتخبط في بعضها. بصيت لخالد لقيته بيبتسم ابتسامة صفرا تفرس، ورفع التليفون وقرب المايك من نادية وقال: “اتكلمي يا نادية، اتكلمي وعرّفي أخوكي الأمانة كانت بتوصل إزاي! الست صباح كانت مقعداكي خدامة بفلوس أخويا، وبتشيل الباقي في البوسطة!”
مصطفى صوته طلع من التليفون زي زئير الأسد المجروح، صرخة هزت حيطان الشقة: “يا صباح!!! يا خاينة الأمانة! بقى بتشغلي أختي الأرملة خدامة عندك؟ وبتاكلي مال اليتامى؟ وبتكدبي عليا وتقولي الفلوس بتوصلها يد بيد؟! ده أنا بطحن نفسي في الغربة عشان مستورين، تقوموا تذلوها بفلوسي وتعملي عليها هانم؟!”
نادية بكت، دموعها نزلت سخنة على وشها الشقيان، وبصت لي بنظرة عمري ما هنساها.. نظرة كسرة وخذلان، وقالت بصوت يقطع القلب: “بقى بتشغليني عندك يا صباح؟ بتخليني ألم زبالتك وأمسح سِلمك بفلوس أخويا؟ وأنا اللي كنت بقول عليكي أختي وبلسم جرحي؟ كنتي بتمنّي عليا بالأربعة آلاف وتقوليلي عشان مطمعيش، وأنتِ واكلة من حق عيالي اليتامى ألفين جنيه كل شهر؟!”
حاولت أتحرك، حاولت أنطق، مفيش فايدة، لساني كان مربوط وزي الخشبة. قولت بصوت متحشرج ودموعي نازلة من الرعب: “يا مصطفى.. اسمعني بس.. والله أنا كنت بعمل كده عشان مأحسسهاش بالحسنة.. قولت تشغل إيدها عشان كرامتها..”
مصطفى قاطعني بصرخة سمعتها العمارة كلها: “خرس لسانك! كرامتها؟ أنتِ دبحتي كرامتها وذلتيني وذلتي أختي! اسمع يا خالد.. وعهد الله ما تقعد في البيت ده دقيقة واحدة، لم لها هدمتها وارميها برة البيت، ورقتها هتوصلها عند أبوها قبل ما الفجر يِشقشق! الست اللي تاكل مال اليتامى وتذل أخت جوزها متلزمنيش!”
خالد قفل الخط وبص لي بنظرة كلها قرف وقال: “سمعتي يا هانم؟ يلا، وريني عرض كتافك، مش عاوز أشوف وشك في بيت أخويا”.
نادية رمت علبة التليفون على الكنبة، وبصت للجردل والمساحة، وقامت لامة حاجتها وهي بتعيط بحرقة وتقول: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا صباح.. حسبي الله ونعم الوكيل.. كلتيني لحم ورميتيني عضم”. وطلعت تجري على السلم وهي بتصوت وتعيط.
وقفت في نص الصالة، وخالد واقف مراقبني، وعقلي اتشل تماماً.. بيتي اتخرب في ثانية، وسري اللي دفنته تلت سنين طلع وفضحني قدام الكل، وجوزي طلقني في التليفون.. لميت الهدوم في الشنطة وإيدي بتترعش، وأنا مش عارفة هروح فين ولا هقول لأهلي إيه.. بس وأنا بقفل الشنطة، عيني جت على كارت البوسطة اللي فيه الفلوس المحوشة، وفجأة، تليفوني رن تاني.. افتكرته مصطفى، جريت وفتحت الخط وأنا بصرخ: “سامحني يا مصطفى!”.. بس الصوت اللي جِه مكانش صوت مصطفى.. ده كان صوت حد تاني خالص، قلب كياني وخلاني أقف مكاني مذهولة!
الصوت اللي جِه في التليفون كان صوت غريب، نبرة جافة وفيها غلّ مكتوم. “ألو.. صباح معايا؟”
مسحت دموعي بسرعة وحاولت أجمع صوتي المخنوق وقولت: “مين؟ مين معايا؟”
الطرف التاني ضحك ضحكة باردة سقعت الدم في عروقي وقال: “أنا رجب.. جوز أم أحمد جارتكم القديمة. افتكرتيني؟ ولا الفلوس اللي بتدخليها البوسطة كل شهر من ورا جوزك تنسيكِ أصحاب الفضل؟”
تسمرت في مكاني والشنطة في إيدي. رجب ده كان شغال موظف في مكتب البريد اللي في أول الشارع، وهو اللي كان بيخلص لي إشاعات الإيداع كل شهر من غير ما حد ياخد باله. قولت له برعب وصوت واطي عشان خالد واقف برة الصالة: “عايز إيه يا رجب؟ وأنت بتتصل بيا في وقت زي ده ليه؟ أنا بيتي بيتخرب!”
رجب قال بنبرة تهديد صريحة: “بيتك بيتخرب؟ طب كويس إني لحقتك قبل ما تتطردي. اسمعي يا صباح.. جوزك مصطفى كلمني من شوية على تليفوني، بيستعلم عن الحسابات وبيرغي معايا بحكم المعرفة، وسألني لو كنت بشوفك بتدخلي البوسطة. أنا قولت له مفيش الكلام ده ومبشوفهاش.. بس اللسان لوز يا صباح، وعشان يفضل مربوط، عاوز خمسة آلاف جنيه حالا.. وإلا هطلب مصطفى تاني وأقول له إنك محوشة أكتر من سبعين ألف جنيه من عرق أخته ويجي ياخدهم منك يد بيد!”
قفلت السكة في وشه وأنا بنهج، الدنيا اتقفلت في وشي من كل ناحية.. جوزي طلقني، وخالد واقف مستني يرميني في الشارع، ورجب جاي يبتزني في الفلوس اللي حوشتها!
طلعت الصالة أجر الشنطة، خالد بص لي بقرف وشاور على الباب: “يلا.. مش عاوز أشوف وشك هنا، وأنا هاخد نادية والعيال وأروح بيهم شقتهم، ومصطفى زمانه على وصول مصر في أول طيارة عشان يخلص الحساب القديم والجديد”.
خرجت من باب الشقة والدموع عامية عيني، السلم كان ضلمة كأنه قبري. نزلت الشارع وأنا مش عارفة أروح فين.. لو رحت لأهلي وفهموا إني اطلقت عشان أكلت مال اليتامى وشغلت أخت جوزي أرملة خدامة، أبويا ممكن يتبرأ مني.
مشيت في الشوارع لحد ما الساعة بقت تنين بالليل، ومفيش قدامي غير حل واحد.. أروح لـ نادية! لازم أروح وأبوس على رجلها، وأرجع لها كل مليم في البوسطة قبل ما مصطفى ينزل مصر، هي الوحيدة اللي ممكن تلين وتكلم أخوها تقوله يسامحني.
وصلت عند بيتها.. بيت قديم في حارة سد، طلعت السلم بخطوات مرعوبة وخبطت على الباب بالراحة. ثواني والباب اتفتح.. بس اللي فتحت مكانتش نادية.. دي كانت “حماتها” الست الكبيرة، وبصت لي بعيون كلها غضب وشر وقالت: “أهلاً يا ست صباح.. جاية لحد هنا برجلِك؟ ده إحنا كنا لسه بنجيب في سيرتك!”
وقبل ما أنطق بكلمة، سمعت صوت حركة جوة الشقة، وطلع خالد ومعاه راجلين من كبار الحتة، ونادية قاعدة في الصالة بتعيط. خالد بص لي وضحك ضحكة عالية هزت البيت وقال: “كنت عارف إنك هتيجي هنا يا صباح.. أهي المجرورة جت برجلها يا جماعة.. يلا يا نادية، هاتي كشف الحساب اللي مصطفى بعتهولك على الواتساب دلوقتي حالا، عشان نقعد القعدة العرفية ونشوف الست هانم هترد الفلوس دي إزاي قبل ما نعمل المحضر!”حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الرجالة كبار الحتة وسعوا لي في الصالة، وبصاتهم كلها لوم واحتقار ونظراتهم تذبح. دخلت ورجلي مش شايلاني، الشنطة في إيدي ثقيلة كأني جارة ورايا هموم الدنيا. نادية كانت قاعدة على الكنبة، وشها أحمر من العياط وفي إيدها تليفون قديم بتهزه وهي مش مصدقة.
خالد شاور للراجل الكبير اللي قاعد في صدر الأوضة وقال: “أهي جت يا حاج رفعت.. الست صباح بنفسها، الحرامية اللي كلت مال اليتامى وجاية دلوقتي تدور على مخرج بعد ما أخويا رمى عليها اليمين في التليفون”.
الحاج رفعت كبّر بصوته وقال بنبرة حازمة: “اقعدي يا صباح.. القعدة دي قعدة حق وعرب، ومصطفى كلمنا من الغربة وفوّضنا نجيب حق أخته اليتيمة. جوزك باعت كشف حساب رسمي من البنك في السعودية، بكل التحويلات اللي دخلت حسابك على مدار تلت سنين.. المجموع كله داخل في ميتين ألف جنيه! أنتِ كنتِ بتدي لنادية أربعة آلاف بس في الشهر، والباقي بتشيليه في البوسطة.. الحسبة دي تطلع كام؟”
وقفت في نص الصالة، ودموعي نازلة زي المطر، قولت بصوت مكسور: “يا حاج رفعت.. وعهد الله أنا كنت بشيل القرشين لزوم الزمن، وقولت أهو كله لبيتي ولعيالي وعيال نادية.. أنا مكلتش حاجة، الفلوس في البوسطة زي ما هي ومعايا كارت الإيداع أهو!”
نادية وقفت فجأة وصوتها هز الحيطة: “فلوس إيه اللي لزوم الزمن يا صباح؟! أنتِ ذلتيني! كنتِ بتخليني أغسل السجاد وأمسح السلم وأنا رجلي ورمانه، وتتأخري عليا في الأربعة آلاف وتقوليلي (العيشة غليت يا نادية واحمدي ربنا إنك لاقية لقمة)! كنتِ بتاكلي عرق جبيني بفلوس أخويا وتعملي عليا الهانم المحسنة! أنا مش عاوزه فلوس.. أنا عاوزه حقي من كرامتي اللي تفت ف الأرض تحت رجليكي!”
خالد مسك التليفون وقال بخبث: “ومش بس كده يا حاج رفعت.. رجب موظف البوسطة لسه مكلمني ومكلم مصطفى، وبلّغنا إن صباح معاها دفتر توفير مخبية فيه سبعين ألف جنيه فكة من ورا مصطفى، وكان بتساومه وتدفعه فلوس عشان يسكت!”
هنا عقلي طار.. رجب الكلب لما قفلت السكة في وشه، راح بلغ خالد ومصطفى عشان ينتقم مني ويطلع هو البطل! قولت بصراخ وعياط: “رجب كداب يا خالد! رجب كان بيتصل بيا يبتزني ويطلب خمسة آلاف جنيه عشان يسكت، ولما رفضت راح فتن عليا!”
الحاج رفعت ضرب بعصايته على الأرض وقال بحدة: “بس! مش عاوزين كلام نسوان.. رجب حسابه بعدين والمحكمة تحاسبه لو مرتشي، لكن أنتِ يا صباح.. الفلوس اللي في البوسطة دي هتتصفى بكرة الصبح وتتسلم لنادية يد بيد قدامنا هنا في المندرة.. وإلا وعهد الله، خالد هيروح بكرة الصبح يعمل فيكي بلاغ خيانة أمانة بالوصولات، وقسيمة طلاقك هتوصلك على القسم!”
بصيت لنادية ورميت نفسي تحت رجليها، مسكت العباية بتاعتها وأنا بصرخ: “بوس إيدك يا نادية.. سامحيني.. وعهد الله هردلك كل مليم، بس بلاش حبس وبلاش فضحية قدام أهلي، أبويا لو عرف هيموتني!”
نادية شدت عبايتها من إيدي بقسوة ودارت وشها الناحية التانية وهي بتعيط.
خالد قرب مني ومسكني من كتفي وقومني بالعافية وقال: “يلا.. خدي شنطتك واقعدي في أي حتة لحد الصبح.. بكرة الساعة تسعة الصبح نتقابل قدام البوسطة، تصفي الحساب وتاخدي هدمك، غير كده مفيش كلام بيننا”.
خرجت من بيت نادية مطرودة للمرة التانية في نفس الليلة.. الساعة بقت تلاتة الفجر، الشوارع هوس، والبرد بينخر في عضمي. مشيت وأنا بجر الشنطة ومش عارفة هروح فين.. خطوت رجلي سحبتني لحد بيت أبويا.. وصلت تحت البيت وبصيت لفوق، لقيت النور قايد في الصالة.. استغربت، أبويا وأمي بيناموا بدري!
طلعت السلم وبيرعش، ومديت إيدي خبطت على الباب خبطات خفيفة. ثواني والباب اتفتح.. لقيت أبويا واقف، وشه مقلوب وعيونه حمرا من الغضب، وفي إيده عصايته الكبيرة.. وبص لي وقال بصوت زي الرعد: “دخلتك علينا ليل يا فاجرة! بقى بتفضحينا وتفتحي عيون الناس علينا؟ انطقي.. الكلام اللي جوزك مصطفى قالهولي في التليفون ده صح؟!”
انخلع قلبي من مكانه لما شفت نظرة أبويا وعصايته المرفوعة في الهوا. تراجعت خطوة لورا على السلم وأنا بجر الشنطة، وجسمي كله بيفضفض رعب. أمي طلعت من وراه وولولت وهي بتلطم على صدرها: “يا مصيبتك السودا يا صباح! يا فضيحتنا وسط الخلق! بقى جوزك يكلم أبوعمران على آخر الزمن ويقول له بنتك حرامية وبتاكل مال يتامى؟!”
أبويا مسكني من العباية وجرني لداخل الصالة ورما الشنطة ورايا، وقفل الباب بترتيلة غضب هزت البيت: “انطقي يا بت! الكلام ده صح؟ بقى مصطفى الشقيان في الغربة باعت فلوس لأخته الأرملة، تقومي إنتِ تقصي منها وتشغلي الست عندك دادة وخدامة بفلوس أخوها؟! إحنا ربيناكي على الغدر وكل الحرام ده؟!”
رميت نفسي على الأرض تحت رجلي الصارمة لـ أبويا وبكيت بحرقة: “يا بويا اسمعني.. والله العظيم الشيطان عماني، قولت أشيل القرشين لبيتي وعيالي، ونادية كانت بتدعي لي وفرحانة باللقمة.. مكنتش أقصد أذلها!”
أبويا تف في الأرض من كتر القرف وقال بصوت واطي ومخيف: “تذليها؟ إنتِ ذلتينا إحنا! الراجل اتصل بيا وهو بيبكي دم في السعودية، ويقول لي بنتك خاينة أمانة، ورقتها هتوصلها ورجلي على رجله نازل مصر الأسبوع الجاي.. وعمل لي تفويض أنا وعمك والحاج رفعت نصفي الحساب”.
أمي قعدت على الكنبة تولول: “والسبعين ألف جنيه اللي في البوسطة يا صباح؟ رجب موظف البريد كلم أخو جوزك وفضح الدنيا، والناس في الحارة كلها زمانها بتتوشوش علينا!”
أبويا ضرب بعصايته على التربيزة وقال بلهجة قاطعة: “بكرة الصبح من النجمة.. هتروحي مع عمك وخالد لـ مكتب البوسطة.. كل مليم في الدفتر يتسحب، وتزيدي عليهم من دهبك اللي في علبتك لحد ما يكمل حساب نادية تالت ومتلت.. ميتين ألف جنيه يرجعوا لأصحابهم، وجوزك حسابك معاه لما ينزل.. إن طلقك يبقى وخدتي جزاكِ، وإن رجعك يبقى عشان عيالك، لكن حق الست اليتيمة دي هيرجع ورقبتك فداه!”
الليل عدا عليا في أوضتي القديمة كأنه سنة، مقتلتش نوم، وعقلي شغال: “الدهب وشقا السنين كله هيروح عشان يسد الحساب.. ورجب الكلب دمرني، ومصطفى جاي مصر الأسبوع الجاي”.
تاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالدقيقة.. كنت واقفة قدام باب مكتب البوسطة، وجنبي أبويا وعمي، والناحية التانية خالد واقف وعينه فيها نظرة النصر والشيماتة، ومعاه نادية اللي كانت رابطة راسها بشال أسود وعينها مبحلقة في الأرض ومبتنطقش معايا بكلمة.
دخلنا لمكتب البوسطة، والموظفين كلهم كانوا بيبصوا لي.. ورجب الكلب كان قاعد ورا الزجاج ووشه في الأرض مش قادر يرفع عينه فيا بعد ما فضحني عشان مأدتلوش الرشوة. سحبت كل المبالغ اللي في الدفتر، وطلعت علبة الدهب سلمتها لعمي اللي باعها في محتك الصاغة اللي جنب البوسطة، وجمعنا المبلغ كله.. ميتين ألف جنيه كاش في كيس أسود.
طلعنا برة في حوش البوسطة، أبويا مسك الكيس وحطه في إيد نادية وقال لها بصوت مكسور: “سامحينا يا بنتي.. حقك وحق عيالك أهو، وبنتي غلطت وجزاها هتاخده.. امسحيها في شيبتي”.
نادية مسكت الكيس، وبصت لي نظرة أخيرة.. مكنش فيها غل، كان فيها وجع يهد جبال، وقالت: “مسامحاكي عشان خاطر عم عمران.. لكن كرامتي اللي تفتي عليها يا صباح، حسابها عند ربنا”. واخدت خالد ومشيت.
لفيت عشان أروح مع أبويا، لكن أبويا وقفني بإيده وقال لي ببرود: “إنتِ مش هتيجي معايا البيت يا صباح.. إنتِ هتقعدي في شقة جوزك المقفولة لوحدك.. وتستني مصطفى لما ينزل الأسبوع الجاي.. وهو اللي يقرر هيعمل فيكِ إيه”.
مشيت لوحدي في الشوارع، مفيش في جيبي مليم، وبيتي ضلمة، والكل اِتخلى عني. دخلت الشقة المقفولة، ريحة الغربة لسه فيها، قعدت في الصالة الضلمة وأنا بترعش من الخوف مستنية الأسبوع يخلص ومصطفى يوصل.. ومرت ست أيام كأنهم مئة سنة، لحد ما جه اليوم الموعود..
سمعت صوت مفتاح بيلف في الباب.. قلبي سقط في رجلي.. الباب اِتفتح ودخل مصطفى.. وشكله كان متغير، خاسس والهم راكب وشه، وعيونه حمرا زي الدم من كتر التفكير.. بص لي ونزل الشنطة على الأرض، وقفل الباب وراه بالترباس.. وقرب مني بخطوات بطيئة وهو بيحط إيده في جيبه وطلع حاجة صدمتني!حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
وقف مصطفى قدامي، وعيونه الحمرة بتبص لي بنظرة عمري ما شفتها فيه قبل كده، نظرة خالية من أي لَهفة أو عاطفة، مفيهاش غير القسوة والكسرة. مَد إيده في جيبه وطلّع “علبة التليفون السامسونج” إياها! اللي نادية رمتها على الكنبة وأخدها خالد معاها.
حط العلبة على التربيزة بهدوء مرعب، وقال بصوت واطي ومبحوح من كتر القهر: “التليفون ده.. اللي بسببه كدبتي وقولتي اتسرق في السوق عشان خايفة سِرك ينكشف.. التليفون ده أنا كنت باعت معاه شريحة ومسجل عليها خطي القديم عشان نادية تفتح الواتساب وتلاقيني مكلمها.. كنت فاكر إني ببعت وسيلة صلة رحم، مكنتش أعرف إني ببعت حبل المشنقة اللي هيكشف خيانتك للأمانة”.
انفجرت في العياط ورميت نفسي على ركبي، مسكت رجله وأنا بصرخ: “سامحني يا مصطفى! والله العظيم الشيطان غواني، الفلوس رجعت لأختك تالت ومتلت، وأبويا باع دهبي وشقايا كله عشان يسد الحقوق.. سامحني عشان خاطر العيال!”
رجع خطوة لورا ونفض إيدي من عليه كأني وباء، وبص لي وقالي بنبرة جافة زي الحجر: “الفلوس رجعت عشان أبوكي راجل أصيل وميرضاش بمال الحرام في بيته، لكن اللي إنتِ سرقتيه يا صباح ميرجعش بفلوس الدنيا كلها.. إنتِ سرقتي كرامة أختي الأرملة، وسرقتي ثقتي فيكي، وسرقتي أماني وأنا مطحون في الغربة تلت سنين بشتغل ليل نهار عشان أستر أهلي وبيتي.. كنتِ بتقولي لها (أحمدي ربنا إنك لاقية لقمة)؟ بفلوسي وشقايا بتذلي أختي وتعملي عليها الهانم؟”
مسح وشه بإيده ونزل لمستوايا، وعينه في عيني وقالي: “أنا مكنتش ناوي أطلقك في التليفون يا صباح، قولت أنزل مصر وأشوفك وأسمع منك، يمكن يكون خالد متبلي عليكي، يمكن نادية فهمت غلط.. لكن لما جيت وعرفت إن الحارة كلها عارفة إن مراتي بتاكل مال اليتامى وتشغل أختي خدامة، وعرفت إنك كنتِ بتساومي موظف البوسطة الحرامي اللي شبهك عشان يداري عليكي.. هنا غسلت إيدي منك تماماً”.
وقف وبص لشنطته اللي لسه على الأرض وقال بكلمات حاسمة نزلت عليا زي الصاعقة: “أنتِ طالق يا صباح.. طالق بالثلاثة. ولولا إني باقي على خاطر عم عمران أبوكي الراجل المحترم، ولولا عيالي اللي ملهمش ذنب، أنا كنت عملت فيكي محضر خيانة أمانة وخليتك تعفني في السجن.. لمي هدومك وروحي لبيت أبوكي، وعيالك هيفضلوا مع أمي ونادية يربوهم على الأمانة والشرف، مش على الغدر وأكل الحرام”.
خرج مصطفى من الشقة وقفل الباب وراه، وسابني رماد وسط الحيطان الباردة. الشقة اللي كنت عاملة فيها هانم وبتحكم في رقاب البشر بفلوس مش بتاعتي، بقت فاضية وضلمة.. خسرت كل حاجة في لحظة؛ خسرت جوزي، وخسرت دهبي وشقا سنيني، وخسرت عيالي، والأهم إني خسرت نفسي وكرامتي وبقيت مدموغة بكلمة “حرامية وخابنة أمانة” قدام أهلي والناس كلها.
### الحكمة من القصة:
> **”مَنِ اسْتَغَلَّ كَسْرَةَ النَّاسِ، كَسَرَهُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ.”**
> الأمانة مش مجرد فلوس بنحافظ عليها، الأمانة هي جبر الخواطر وصون كرامة الغلبان والمحتاج. صباح افتكرت إن ذكاءها وخطتها الشيطانية هيفضلوا مستورين، ونسيت إن مال اليتيم وعرق الشقيان فيه نار بتهد البيوت وتخرب العامر. الدنيا دوارة، واللي يدوس على كرامة أرملة ويتيم عشان يكوش على قرشين، هييجي عليه اليوم اللي يتطرد فيه ويمشي في الشوارع راسه في الأرض، لأن “الظلم ظلمات يوم القيامة”، ويمهِل ولا يهمل.
>
