الاعتراف

فضل الرائد كريم يبص للظرف القديم ثواني، قبل ما يمد إيده ويفتحه بحذر.
كان جواه صورة باهتة، وشهادة ميلاد قديمة، وجواب مكتوب بخط إيد.
رفع الصورة.
ظهر فيها شاب في العشرينات واقف جنب الحاجة سعاد وهي أصغر بسنين، وشايلة طفل رضيع.
قلب الصورة على ضهرها.
كان مكتوب:
“أول صورة لابني… سامح.”
عقد الرائد حاجبيه.
بص لنهى وقال:
“مين سامح؟”
تنهدت نهى وهي تمسح دموعها.
“الابن الكبير للحاجة سعاد.”
اتسع نظر الرائد.
“لكن أحمد هو ابنها الوحيد.”
هزت نهى رأسها بالنفي.
“ده اللي كل الناس تعرفه… لكن الحقيقة غير كده.”
جلس الرائد في مكانه.
“احكي.”
قالت نهى بصوت مهزوز:
“من أكتر من تلاتين سنة، الحاجة سعاد خلفت ولد قبل أحمد. الولد ده اختفى وهو عنده سنتين بعد خلافات كبيرة في العيلة. ومن يومها، محدش جاب سيرته، وكأنه ما اتولدش أصلًا.”
سألها الرائد:
“واختفى إزاي؟”
تنهدت.
“محدش يعرف الحقيقة كاملة… لكن الحاجة سعاد فضلت طول عمرها تدور عليه.”
أخرجت الجواب وسلمته للرائد.
قرأ أول سطر بصوت منخفض:
“لو الرسالة دي وصلت لحد بعد موتي، يبقى فيه حقيقة لازم تتقال…”
سكت لحظة، ثم أكمل القراءة بعينيه.
كل ما كان بيقرأ، كانت ملامحه بتتغير.
نهى قالت:
“هي كتبت الجواب من سنة تقريبًا، بعد ما حد رجع يهددها بالماضي.”
في نفس الوقت…
كان أحمد قاعد في أوضة أمه.
فتح الدولاب لأول مرة من سنين.
كان بيدور على أي حاجة تخص مراسم العزاء.
لكن وهو بيطلع صندوق خشب صغير، وقع منه مفتاح قديم.
استغرب.
المفتاح كان مربوط بورقة صغيرة مكتوب عليها:
“الأمانة… في المخزن القديم.”
وقف مكانه.
همس:
“أمانة إيه؟”
في القسم…
دخل العسكري بسرعة.
“يا فندم… فيه خبر.”
رفع الرائد عينه.
“اتفضل.”
“فيه حد حاول يدخل بيت المرحومة بعد ما اتشمع بالشمع الأحمر.”
“مين؟”
“هرب قبل ما الأمن يمسكه.”
الرائد قام واقف.
“كان بيدور على حاجة.”
رد العسكري:
“واضح كده.”
بص الرائد للظرف الموجود قدامه، ثم قال:
“واضح إن فيه حد مرعوب من الحقيقة أكتر من خوفه من التحقيق.”
في آخر الليل…
كانت ليلى قاعدة لوحدها في الحجز.
سمعت صوت خطوات بتقرب.
وقفت أمينة الشرطة قدام الباب.
وقالت:
“فيه واحد طالب يشوفك.”
استغربت ليلى.
“مين؟”
ردت الأمينة:
“محامٍ… بيقول إن المرحومة الحاجة سعاد هي اللي وكلته قبل وفاتها، وقالت له لو حصل لها أي مكروه، يسلمك جواب بإيده.”
شهقت ليلى.
“أنا؟”
هزت الأمينة رأسها.
“أيوه… باسمك إنتِ.”
تجمدت ليلى في مكانها.
ولأول مرة منذ بدأت القض/ية…
ظهر الخوف الحقيقي في عينيها.
يتبع……
بقلم ندى الجمل
