يوم ما ولد

— آدم…
صوت ابني كان بيعلى.
وبعدين بدأ يضعف.
كل صرخة منه كانت بتقطع قلبي.
أنا كنت بخاف على نفسي…
لكن خوفي عليه كان أكبر.
حاولت أمد إيدي للموبايل مرة تانية، وفي اللحظة دي شاشته نورت.
إشعار جديد.
محمود أضاف قصة جديدة.
إيدي كانت بتترعش، لكني قدرت أفتحها.
الصورة ظهرت قدامي.
محمود واقف على يخت في البحر، حواليه صحابه، وفي إيده كوباية عصير، والمزيكا عالية والضحك مالي المكان.
وكان كاتب:
“لما يكون عندك مرات نكدية… ساعات لازم تختار نفسك! عيد ميلاد سعيد يا أنا.”
فضلت باصة للجملة.
عيد ميلاد سعيد يا أنا.
هو كان بيحتفل بعيد ميلاده…
وأنا كنت بنزف على أرض بيتنا، بعد ما جبت ابنه للدنيا.
كنت بحاول أعيش.
وهو كان بيحتفل إنه أخيرًا اتخلص مني يومين.
إيدي بدأت تبرد.
نفسي بقى تقيل.
وعيني بدأت تقفل غصب عني.
وفي اللحظة دي، كل الأوهام اللي عشت بيها سنين انهارت.
ده مش ضغط شغل.
ومش عصبية.
ومش غلطة عابرة.
ومش حتى أنانية.
أنا كنت متجوزة راجل شايف قسوته قوة…
وأنا كنت فاكرة قسوته ثقة.
فجأة…
صوت فرامل عربية صرخ قدام البيت.
وبعدها صوت باب عربية اتقفل بعنف.
ثم خبط شديد ومتواصل على باب الشقة.
— افتحي يا مدام!
صوت راجل غريب دوّى في البيت.
خبط تاني، أعنف من الأول.
— مدام! سامعاني؟!
حاولت أرفع راسي.
لكن الدنيا بدأت تسود قدام عيني.
آخر حاجة سمعتها قبل ما كل شيء يختفي…
كانت صرخة آدم من جوه الأوضة.
وبعدها…
دخل حد البيت.
وكل حاجة غرقت في الضلمة.
#انجي_الخطيب
كسر الباب صرخ في الهدوء، ومعاه صوت خشبة بتتقطم وعم إبراهيم البواب بيدخل وهو بيصرخ: “يا ساتر يا رب! الحقنا يا دكتور طارق!”.
إيدين دافية رفعت جسمي المثلج من فوق السجادة المليانة دم. صوت دكتور طارق جيرانا كان بيتنفض وهو بيكلم الإسعاف في التليفون: “نزيف بعد ولادة حاد! الحالة بتضيع منا والنبض بيبطأ، بسرعة!”. وفي زحمة الصراخ ده كله، كان صوت آدم وهو بينشال من سريره وبيتضم لصدر حد بيمسد عليه هو اللي بيسحبني بالراحة لبر الأمان، قبل ما أروح في غيبوبة كاملة.
فتحت عيني على بياض عمي. ريحة المطهر كانت مالية المناخير، وصوت أجهزة النبض بيصفر بانتظام جنب ودني. أول حاجة شفتها كانت وش أمي، عينيها مورمة من البكا، وماسكة آدم بين إيديها وبتعيط في صمت. وجنبها أخويا أحمد، واقف ضاغط على سنانه وعروق إيده بارزة من الغضب.
دكتور الدورية دخل بالراحة، وبص في التقرير وهو بيهز راسه بأسف:
— الحمد لله على سلامتك يا مدام.. كان في بقايا مشيمة محتبسة وهي اللي عملت النزيف الشديد ده. لو جيرانك اتأخروا عشر دقايق كمان، أو لو ما كانوش سمعوا صوت الولد وهو بيصرخ، كان زماننا بنعزيهم فيكي.
الكلام نزل عليا زي التلج. مش خوف.. لكن ذهول. النزيف اللي محمود كان شايفه “عادي وكل الستات بتمر بيه”، كان فاضل عليه خطوات صغيرة وينهي حياتي.
في اللحظة دي، شاشة موبايلي اللي كان محطوط على الترابيزة جنب السرير نورت.
اسم محمود ظهر عليها.
أحمد أخويا مد إيده عشان يرد، بس أنا مسكت إيده بالراحة. هزيت راسي بالنفي، وأخدت الموبايل بإيد بتترعش بس متماسكة. فتحت الخط وحطيته على السبيكر.
صوت المزيكا والهيصة كان لسه طالع من التليفون، وصوته جه متدلع ورايق:
— إيه يا هانم؟ جرى إيه؟ القفلة اللي عملتيها الصبح دي ما أثرتش فيا على فكرة.. أنتوا النكد بيجري في دمكم! أنا راجع بكره بالليل، جهزي نفسك بقى عشان ماليش مزاج لزن.
الكل في الأوضة سكت. أمي حطت إيدها على بقها بتتمتم بالدعاء، وأحمد كان فاضل تكه ويفرقع.
أنا ما بكتش. ولا حتى اتعصبت. بصيت لآدم اللي كان ساكت في حضن أمي، ورديت بصوت هادي.. هادي لدرجة أرعبت محمود نفسه:
— محمود.. ما ترجعش على البيت.
السكوت خيم على الناحية التانية، وصوت المزيكا ورا منه هدي شوية لما حس بالنبرة:
— يعني إيه ما ارجعش؟ انتِ اتجننتِ ولا إيه؟
— هدومك وحاجتك هتلاقيها عند البواب. والورقة اللي بيننا هتجيلي لحد عندي وأنا قاعدة في بيت أبويا.. آدم معايا، وأنت مالكش وجود في حياتنا تاني.
— انتِ بتهددي مين يا بابا؟ فاكرة لما تعملي حركتين النكد دول هجري أترجاكي؟ انتِ من غيري ولا حاجة!
ابتسمت بوجع، بس الوجع المرة دي كان معاه راحة غريبة.
— أنا فعلاً كنت من غيرك ولا حاجة يا محمود.. بس النهاردة اكتشفت إن وجودك هو اللي كان هيخليني “ولا حاجة” تحت التراب. عيد ميلاد سعيد عليك.
قفلت السكة في وشه قبل ما ينطق بكلمة. عملتله بلوك من كل حتة، ورجعت ضهري لورا على المخدة. بصيت للسقف وأنا باخد نفس عميق.. نفس نقي ما فيهوش ريحة الخوف اللي عشت فيها سنين. مسكت إيد آدم الصغيرة، ولأول مرة من يوم ما اتولدت، حسيت إن الروح ردت فيا بجد.
عدت ساعتين، والشمس بدأت تشرق وتدخل من شباك الأوضة. التليفونات ما بطلتش رن عند أمي وأحمد؛ محمود اتجنن لما لقى الموبايل مقفول في وشه، وبدأ يتصل بأي حد يوصله، مش عشان خايف عليا، لكن عشان كبريائه اتجرح.. إزاي الست الهادية اللي عمرها ما قالت “لأ” تاخد قرار زي ده وتنَفذه في ثواني؟
بعد الظهر، خرجت من المستشفى ورحت على بيت أبويا. كانت خطواتي تقيلة بس كل خطوة كانت بتحسسني بالحرية. أول ما وصلنا الشارع، شفنا عربية محمود مركونة ورا هرم من الشنط قدام مدخل العمارة. عم إبراهيم البواب كان واقف قدامه بجمود، ومحمود وشّه أحمر والشرار بيطلع من عينيه، عمال يزعق ويمسح عرقه.
أول ما شاف العربية اللي نازلين منها، جرى علينا وهو بيصرخ:
— إيه الجنان ده؟! أنتوا اتجننتوا كلكم؟! رمين حاجة بيتي قدام العمارة كأني شحاذ؟!
أحمد أخويا نزل من العربية قبل ما تقف تماماً، ووقف في وشه زي السد. حط إيده في صدر محمود وزقه لورا بصرامة:
— خطوة كمان وهتترمي إنت نفسك في الشارع مش حاجتك بس. اتكلم باحترام بدل ما أخليك تندم على اليوم اللي فكرت تقرب فيه من أختي.
محمود بص لأحمد بعيون مليانة حقد، وبعدين لفت عينيه عليا وأنا شايلة آدم ومستندة على أمي. حاول يغيّر نبرته ويلعب دور المظلوم:
— إنتِ بتهدي بيتك عشان شوية تعب؟ أنا كنت فاكرك بتتدلعي! هو أنا يعني كنت أعرف إنك تعبانة بجد؟ ما كل الستات بتشتكي بعد الولادة!
بصيت في عينيه بثبات.. عينيه اللي كنت زمان بشوف فيها أماني، وما لقتش غير راجل غريب، أناني، ومكشوف تماماً. قربت منه خطوة واحدة، وصوتي طلع هادي بس حاد:
— إنت ما كنتش تعرف عشان ما كانش يهمك تعرف. إنت سبتني وأنا بنزف وأنا بترجاك، عشان تروح تحتفل بعيد ميلادك.. إنت ما هانش عليك حتى تبص في وشي.
حاول يمد إيده:
— يا ستي حقك عليا، خلاص.. كفاية فضايح وارجعي بيتك وهنتفاهم.
سحبت نفسي بعيد عنه ورفعت راسي فوق:
— بيتي هو اللي أنا داخلاه دلوقتي مع ابني.. إنت خلاص بقيت ماضي. وحق آدم وحقي هتاخده بالقانون، كلمة زيادة مش هسمعها منك.
سيبته واقف في الشارع وسط دهشته وعجزه؛ لأول مرة يحس إنه مالوش أي نقطة ضعف يضغط بيها عليا. طلعت السلم وأنا سامعة صوته وهو بيزعق وبيحاول يستعرض قوته، بس الصوت كان بيبعد ويصغر في نظري.
دخلت أوضتي القديمة، حطيت آدم في سريره، وبصيت لنفسي في المراية. وشي كان أصفر وتعبان، بس عيني كانت بتلمع بقوة جديدة. كنت فاكرة إن النجاة محتاجة معجزة، بس اكتشفت إن كل اللي كنت محتاجاه هو إن الشخص اللي بيسحبني للقاع يختفي من حياتي للأبد.
عدى أسبوع.. والأيام كانت كفيلة إنها تطهر جروحي، مش بس جسمي اللي بدأ يسترد عافيته، لكن عقلي كمان اللي ابتدى يفوق من مخدر الاستسلام. بس محمود ما كانش من النوع اللي يتقبل الخسارة بسهولة، خاصة لما تكون من ست كان فاكر إنه امتلكها وعلمها الخضوع.
في ليلة، الجرس رن بعنف يرج الباب. فتح أحمد، ولقينا محمود واقف، وجنبه أمه بوشها المكشر ونظراتها اللي كلها استعلاء. دخلت البيت من غير استئذان، حاطة إيدها في وسطها وبتبصلي بقرف وأنا قاعدة شايلة آدم.
صوتها طلع حاد وناشف:
— إيه الهبل اللي بتهببيه ده يا هانم؟ هو عشان جوزك طلع يغير جو يومين في عيد ميلاده تقوم تطربي البيت على دماغه وتفضحيه في الشارع؟ فاكرة نفسك هتلقي راجل زي محمود فين بعد كده؟
كنت زمان هسكت، هعيط، وهستنى أحمد أو أمي يردوا بدالي. بس المرة دي، مسكت إيد أحمد اللي كان رايح يطردهم، وبصيت لأمه في عينها بكل ثبات. حطيت آدم في سريره بالراحة، ووقفت قدامهم.
— ابنك ما طلعش يغير جو يا حماتي.. ابنك سابني بنزف والدم مغرق السجادة، ومشي وهو بيضحك وبيقولي “موبايلي هيتحط على عدم الإزعاج وما تتصليش إلا لو البيت ولع”. ابنك كان فاضل دقائق ويموتني ويسيب ابنه يتيم في أول كام يوم من عمره.
محمود اتوتر، وبص لأمه بقلة حيلة وهو بيحاول يدافع عن نفسه بصوت متلجلج:
— ما تهوليش الموضوع! أنا افتكرتك بتتدلعي كالعادة! وبعدين ما إنتِ زي الفل أهو وقاعدة بتتكلمي!
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة سخرية، وطلعت من الشنطة ورقة تقرير المستشفى المعتمد بالختم الحي، وحطيتها في وش أمه:
— ده تقرير المستشفى.. نزيف حاد وشوك صدمة نزفية نتيجة إهمال وتأخر في إسعاف الحالة. والتقرير ده مع المحامي بتاعي، وجاهز يتعمل بيه محضر رسمي بتهمة الامتناع عن تقديم مساعدة والمخاطرة بحياة إنسان، لو فكر ابنك بس يضغط عليا أو يقرب من باب العمارة دي تاني.
وش حماتي اتخطف، وبصت لمحمود بذهول كأنها أول مرة تفهم حجم المصيبة اللي عملها وأن الموضوع مش مجرد “نكد ستات”. محمود لونه أصفر وشفايفه بدأت تترعش، كبريائه وزعيقه كله اتمسح في ثانية قدام الورقة دي.
قربت من الباب وفتحته على آخره، وصوتي كان أهدى وأقوى من أي وقت فات:
— الورقة اللي بيننا هتجيلي مطلقة للضرر، وحقوق آدم كاملة هتتوصل لحد عندي بالقانون.. اتفضلوا برة.
حماتي بلعت ريقها بالعافية، ومسكت إيد محمود اللي كان واقف مش قادر يرفع عينه فيا، وسحبته لبرة وهي بتتحسبن بصوت واطي. الباب اتقفل وراهم، وتكت القفل المرة دي ما كانش وراها خوف.. كان وراها بداية حياة جديدة، نادرة ونقية، اخترتها بنفسي.
عدت شهور قليلة، والبيبي آدم بدأ يكبر وينور حياتي، وكان كل يوم بيكبر فيه بياخد حتة من ملامحي ويزودني قوة. القض..ية مشيت زي السيف؛ التقرير الطبي الحاسم مع شهادة عم إبراهيم ودكتور طارق خلت موقف محمود القانوني في الأرض. أصحابه لما عرفوا الحقيقة واللي حصل ليلتها وبقى التقرير داير بينهم، وشه اتقلب قدامهم وبقى منبوذ، وخاف على شكله وشغله وسمعته، فرضخ ورضي بكل شروطي عشان يقفل القض..ية من غير ما توصل للحبس.
يوم ما المحامي كلمني وقال لي: “ورقة طلاقك رسمياً صَدَرَت للضرر، وكل حقوقك وحقوق آدم اتثبتت”.. نزلت من عيني دمعة واحدة بس، ما كانتش دمعة وجع، كانت دمعة خروج جبل كامل كان كابس على صدري.
بعدها بأيام، قابلته بالصدفة قدام السجل المدني عشان أستلم أوراق آدم الشخصية.
كان طالع مكسور، شكله هربان منه تماماً، وشابكتين من الخزي تحت عينيه.. ما بقاش فيه أثر للشاب المغرور اللي كان بيقف قدام المراية يظبط شعره ويقول “عيد ميلاد سعيد يا أنا”.
وقِف قدامي ثواني، وبصلي بكسرة وقال بصوت خافت ملهوش أي شخصية:
— انتِ خلاص ارتحتِ؟ هدمتي كل حاجة وخليتي اسمي على كل لسان؟ مش ندمانة حتى على البيت اللي اتخرب؟
ابتسمت وأنا بمسك إيد ابني وآخداه في حضني بثبات:
— أنا ما هدمتش يا محمود.. أنا بنيت نفسي وابني من جديد. والبيت اللي يتسند على قسوة وإهمال يوقع من أول القشرة.. الندم ده خليه ليك إنت، عشان لما تقعد مع نفسك كل ليلة وتفتكر إنك بعت روح بتموت عشان خروجة، تفهم يعنى إيه خسران بجد.
ما استنيتش أسمع منه رد. لَفيت وشي ومشيت بخطوات واثقة، والشمس كانت طالعة دافية ومالية الشارع.
بصيت لآدم اللي ابتسملي ابتسامة صغيرة بريئة، وحسيت إن كل وجع وكل نقطة دم نزفتها ليلتها كانت التمن اللي دفدته غالي عشان أشتري بيه حريتي وحياته.. والنهاردة بس، قدرت أتنفس بجد.
عدت سنة كاملة على اليوم اللي اتولدت فيه مرتين.. مرة لما جبت آدم للدنيا، ومرة لما اخترت أعيش عشان أربيه من غير ما يشوف أمه بتتكسر كل يوم.
نزلت شغلي القديم تاني، ورجعت لطبيعتي الشغوفة اللي محمود كان بيحاول يطفيها طول الوقت عشان يفضل هو بس في الكادر. الروح اللي كانت ميتة جوايا رجعت تنور، والشغف اللي اتسحق رجع أقوى. بقى بيتنا الصغير مليان دفا، وصوت ضحك آدم هو الموسيقى الوحيدة اللي بنصحى وننام عليها.
وفي يوم عيد ميلاد آدم الأول.. وقفت قدام التورتة وأنا ماسكة إيده الصغنونة عشان يطفي شمعته الأولى.
السنة اللي فاتت في نفس السبت ده بالضبط، كنت زاحفة على السجادة والدم بيسيل مني، وبشوف بوست محمود وهو كاتب: “ساعات لازم تختار نفسك”.
النهاردة، وأنا بدمع بس من الفرحة، طفيت الشمعة مع ابني وأنا ببتسم وبهمس في ودنه: “النهاردة أنا اخترت نفسي بجد.. واخترتك إنت يا آدم.”
موبايل أمي رن، وكان خبر جديد عن محمود؛ واحد صاحبه قايل لأخويا إنه حاول يخطب مرتين وكل ما أهل بنت يسألوا عنه وعن سبب طلاقه والسكتة القاسية اللي عملها مع أمه وابنه، يرفضوه والباب يتقفل في وشّه. عايش لوحده في الشقة الفاضية، وكل صحاب اليخت والمزيكا اختفوا أول ما مظهره اتهز قدام الناس.
ما حسيتش بشماتة.. حسيت بإن العدل لما بياخد مجراه بيبقى هادي ومريح. هو اختار راحته في ليلة كنت بموت فيها، والدنيا اختارت تديه الدرس اللي يخليه يفهم إن الأنانية آخرتها وحدة ملهاش أول من آخر.
مسكت آدم وحضنته جامد وهو بيضحك وبيلعب في البلالين. بصيت للشباك المفتوح وللهوا النقي اللي داخل الأوضة، وأنا متأكدة إن القصة ما انتهتش عند النزيف والوجع.. القصة يادوب بدأت من اليوم اللي قررت فيه إن حكايتي أنا وابني هي اللي هتنكتب بشروطي، وبإيدي أنا بس.
عدت أربع سنين.. أربع سنين كانوا كفيلين يغيروا كل حاجة في دنيتي.
أنا مش نفس الست اللي كانت بتترجى نظرة حنية على سجادة شقة قديمة؛ أنا بقيت صاحبة مشروعي الخاص، مكتب تصاميم صغير بدأ بكام رسمة على الورق، وبقى النهاردة اسم له كيانه وسمعته. كبرت وتطورت، ومع كل نجاح كنت بحققه، كنت برجع للبيت وأبص لآدم وأعرف إن كل لحظة تعب كان ليها قيمة غالية.
في صباح يوم دافي، كنت واقفة قدام بوابة المدرسة في أول يوم لآدم في “كي جي”.
كان ماسك إيدي بقوة، لابس شنطته الصغيرة على ضهره، وعينيه بتلمع بفرحة وشغف وهو بيتفرج على الأطفال والبلالين المتعلقة على الباب.
وفجأة، لمحت خيال واقف على بعد كام متر ورا عربية مركونة.
محمود..
الشيب غطى أطراف شعره، وهدومه دبلانة، واقف يراقبنا من بعيد. كان شكله أصغر بكثير من الهالة اللي كان عاملها لنفسه زمان.. بقى مجرد راجل باهت، واقف يتفرج على الحياة اللي حرم نفسه منها بأنانية وقسوة.
حاول ياخد خطوة ناحيتنا، بس رجله ثبتت في الأرض لما شاف أحمد أخويا طالع من العربية وبيمسك إيد آدم التانية ويضحك معاه. محمود عارف إن أي محاولة للتقرب برة حدود أوقات الرؤية الرسمية هتتقابل بحزم وقوة مش هيقدر يستحملهم.
بصلي بعيون مليانة حسرة وندم، بصة واحد فاهم كويس إنه أخد قراره بنفسه، والنهاردة بيجني تمنه وحدة وغربة.
آدم شد إيدي ببراءة وهو بيبتسم:
— يلا يا مامي عشان المس بتنادي علينا برة!
وطيت شوية وبست خده، وبصيت في عينيه بثبات:
— يلا يا روح مامي.. يا أغلى حاجة في حياتي.
لفيت وشي ودخلت من باب المدرسة، وما بصيتش ورايا ولا لمحة واحدة.
في اللحظة دي، افتكرت ليلة النزيف.. الليلة اللي افتكرت فيها إن حياتي بتنتهي، واكتشفت إنها كانت مجرد المخاض الحقيقي لولادتي أنا.
الست اللي بتتولد من قلب الوجع ما بيجيش يوم وتقدر حاجة تكسرها.. والنهار لما بيطلع، ما بيسبش أي أثر للضلمة.
تمت
حكايات انجى الخطيب
