الكلب بتاع رجل الأعمال الكبير كان لسه هيفتك بمدرّب محترف لدرجة إن الراجل هرب من بوابة الفيلا وهو بينزف، لما بنت الخدامة الصغيرة، اللي عندها 3 سنين بس، مشت ناحيته وهي ماسكة فوطة غسيل صغيرة في إيدها. كنت متأكد إني على بُعد ثواني من منظر محدش فينا هينساه. بس اللي حصل كان أغرب بكتير. الكلب اللي مكنش بيسمع الكلام غير مني بقاله عشر سنين، تجاهل أمري تمامًا، ونزّل راسه الضخمة في حجر البنت الصغيرة، وكأنه أخيرًا لقى حد يقدر يطمنه. وساعتها، السر اللي كان حد جوه بيتي بيحاول يخبيه عني، بدأ يظهر قدامي. كانت التلوج غطت الفيلا بتاعتي في القاهرة طول الليل. ومع أول ضوء للصبح، فناء الخدمة ورا الفيلا كان كله أبيض، منظر هادي بشكل يخدع أي حد. لكن الحقيقة إن المكان مكنش هادي خالص. شاهين كان واقف في نص الفناء، جسمه كله مبلول وعينيه مليانة غضب. جردل الغسيل كان مقلوب على الأرض جنبه، والجنزير بتاعه مرمي جنب البالوعة. وعلى التلج، كان فيه نقط دم صغيرة عاملة خط لحد البوابة الشرقية. المدرّب كان مشي خلاص. الراجل اللي جابوه مخصوص عشان يسيطر على شاهين مكملش حتى ربع ساعة. وقبل ما يخرج من البوابة، قال للحرس أنا مش راجع هنا تاني… ولو دفعتولي ضعف اللي خدته، برضه مش راجع. وبصراحة، أنا كنت فاهمه. شاهين مكنش كلب عادي. ده كان معايا أكتر من عشر سنين، شاف معايا حاجات كفاية تخلي أي بني آدم ينهار. كان بيحميني من غير تردد. وفي مرة، حصل حريق في مخزن تابع ليا، وكل الناس خرجت تجري، لكنه فضل جوه لحد ما اتأكد إني خرجت الأول. لكن الصبح ده كان فيه حاجة غريبة. رجله الخلفية الشمال كانت بتترعش. ولما سمعت صوت زمجرته التقيل، فهمت إن اللي جواه مش غضب. كان بيتوجع. وفجأة سمعت صرخة. يا نهار أبيض! فين ليان؟! أمها، نهى، الخدامة اللي شغالة عندي، جريت من باب الخدمة، لكن وقفت فجأة لدرجة إن واحدة كانت وراها خبطت فيها. بنتها الصغيرة كانت دخلت الفناء لوحدها. ليان كانت لابسة جاكت صوف أحمر أكبر من مقاسها، والأزرار متقفلة غلط فوق بعض. في إيدها دبدوبها القديم. وفي إيدها التانية كانت ماسكة فوطة غسيل بيضا صغيرة. ليان! صوت أمها طلع مبحوح من الخوف. حبيبتي، متتحركيش! لكن البنت الصغيرة كملت مشي ناحية شاهين. دخلت من تحت القوس الحجري ووقفت تراقب الموقف. وقلت للحرس بصوت حازم محدش يقرب من الكلب. رجالتي رجعوا خطوة لورا فورًا. أما نهى، فمكانتش قادرة تتحرك أصلًا. وأنا كنت فاهمها. دي بنتها الوحيدة، عندها 3 سنين، وماشية ناحية حيوان رجالة كبار كانوا مرعوبين يقربوا منه. ليان وقفت على بعد حوالي متر من شاهين. وبكل هدوء، قعدت على الأرض. رفعت إيدي للحرس. محدش يتحرك. الدنيا كلها سكتت. حتى صوت الهوا اختفى تقريبًا. ليان حطت دبدوبها على التلج، وبعدها فردت الفوطة الصغيرة. مدت إيدها ناحية شاهين، وحطت الفوطة على كتفه المبلول. شاهين بطل زمجرة. ليان مسحت شعره بهدوء وقالت إنت بردان يا حبيبي. مسحت جسمه مرة تانية. وبعدين بصت ناحية البوابة وقالت بصوت طفولي الراجل الوحش مشي خلاص… متخافش. جسمي كله اتشد. الراجل الوحش؟ أنا بصيت فورًا على الجنزير المرمي على الأرض. قبل ما ألحق أسألها كانت تقصد مين، شاهين اتحرك. نهى شهقت. لكن شاهين ممدش جسمه للهجوم. بالعكس. نزل بجسمه الضخم على الأرض، وبعدين حط راسه الكبيرة في حجر ليان. أنا فضلت واقف مكاني مش مستوعب اللي بشوفه. شاهين… ناديته باسمه. تعالى. ودانه اتحركت. لكنه مرفعش راسه. شاهين… تعالى. لأول مرة في عشر سنين… الكلب عصى أمري. فضل نايم جنب البنت الصغيرة، عينيه مغمضة، وملامحه هادية بشكل عمري ما شفته عليه. ليان ابتسمت وبدأت تنشف الشعر اللي ورا ودنه بالفوطة. وفجأة… ابتسامتها اختفت. إيدها الصغيرة وقفت مكانها. كانت حاسة بحاجة مستخبية تحت شعر شاهين الكثيف. حاجة مكنش المفروض تكون موجودة أصلًا. فضلت باصة عليها ثواني. وبعدين رفعت عينيها ناحيتي. يا عمو محمود؟ نبرة صوتها اتغيرت. مشيت ناحيتهم لأول مرة. ولما شوفت الحاجة اللي كانت مستخبية تحت شعر شاهين… كل حاجة بدأت تركب في دماغي. فهمت أخيرًا ليه شاهين هجم على المدرّب. حد من جوه الفيلا كان أذى كلبي. وشاهين طول الصبح كله… كان بيحاول يحذرني. لكن اللي اكتشفته بعد كده كان أخطر بكتير من مجرد حد آذى حيوان. لأن اللي مستخبي تحت شعر شاهين… كان دليل على إن الخطر الحقيقي كان عايش معايا جوه بيتي من زمان. قرّبت من الكلب بخطوات بطيئة، ونهى كانت واقفة ورايا بتترعش من الخوف على بنتها، لكنها مكنش قادرة تنطق بكلمة واحدة قدام هيبتي. نزلت على ركبتي في التلج البارد جنب ليان، وبصيت للمكان اللي إيد البنت الصغيرة كانت مشاورَة عليه تحت شعر شاهين الكثيف. لقيت جهاز تتبع إلكتروني صغير جداً، مصمم بأعلى تقنية عسكرية، ومزروع بدقة جوه جلده بطريقة جراحية مش ممكن تكون حصلت بالصدفة أو نتيجة خناقة. الجرح حواليه كان لسه طازة وعليه آثار خياطة دقيقة جداً ومغطاة بمادة طبية شفافة. قلبي دق بعنف. ده مش جهاز عادي؛ ده جهاز تجسس وبث مباشر للإحداثيات والصوت، مخصص لمراقبة التحركات داخل الفيلا بدقة. بصيت لشاهين، وهنا فهمت كل حاجة. المدرّب الجديد مكنش جاي عشان يدرّب الكلب زي ما صاحب الشركة ادّعى، ولا شاهين هجم عليه عشان شرس. شاهين هجم عليه لما حس بيه بيحاول يتأكد من مكان الجهاز أو يحاول يفكّه، أو يمكن المدرّب نفسه هو اللي زرعه امبارح بالليل لما دخل الفيلا بحجة الكشف الطبي! شاهين كان بيحاول يدافع عن نفسه وعني، ولما حس إن الخطر قرب من بيتي، جنّ جنونه. لكن السؤال اللي جمد الدم في عروقي مين جوه الفيلا عنده القدرة والوصول لشاهين بالليل لدرجة إنه يخليه يخدره أو يثبته ويخلي دكتور يزرع جهاز بالشكل ده من غير ما حد يحس؟ قمت من على التلج، وعينيا كانت بتدور في كل شبر حواليا. الحرس، المساعدين، السواقين… مين فيهم؟ بصيت لنهى اللي كانت شايلة ليان وبتضمها لصدرها وهي خايفة، ولاحظت حاجة صغيرة غابت عني طول السنين اللي فاتت. نهى اشتغلت عندي من خمس سنين، تحديداً بعد وفاة زوجي الثاني… قصدي، بعد وفاة شريكي القديم في الأعمال اللي سبلي التركة دي كلها. وقتها كانت نهى لسه بتدور على شغل، ودخلت بيتي في أهدأ وقت ممكن. بس عمرها ما سألت عن أي حاجة تخص كاميرات المراقبة، وعمرها ما كانت بتتحرك بعشوائية زي أي خدامة عادية. دي كانت بتتحرك بدقة حاسوبية. ناديت على رئيس الحرس بصوت جاد وحاسم خلا الكل يقف انتباه هاتولي كاميرات المراقبة الخاصة بالبوابة الشرقية ومحيط المطبخ من الساعة اتنين بالليل لحد دلوقتي فورًا… ومحدش يتحرك من مكانه ولا تليفون يخرج بره. دخلت الفيلا، وشاهين مشي ورايا لأول مرة يسيب الفناء الخارجي ويدخل الصالون الرئيسي، وكأنه بيحميني من خطر حقيقي. قعدت قدام شاشة المراقبة الكبيرة، ونهى وقفت بعيد مع بنتها، وشوفت على الشاشة اللقطة اللي كشفت كل الأوراق. الساعة تلاتة الفجر، الكاميرا جابت شخص لابس كاب أسود وجاكت ثقيل بيتحرك بحذر شديد في فناء الخدمة. الشخص ده ما كانش غريب. كان سامح، مدير أعمالي الذراع اليمنى، والشخص الوحيد اللي كان بيعرف باسورد الخزنة، وكلمات سر الحسابات، وأماكن وجودي في كل دقيقة. سامح كان واقف مع المدرّب امبارح بالليل، وادّاه حقنة مهدئة لشاهين عشان يقدر يثبته، والدكتور زرع الجهاز عشان ينقل كل تحركات شركتي وأملاكي لجهة منافسة كانت ناوية تدمرني وتفلسني خلال أسبوع. في اللحظة دي الباب اتفتح، ودخل سامح وفي إيده ملفات الشغل، وابتسامته الصفراء على وش كالعادة وهو بيقول خير يا باشا، الحرس بيقولوا فيه حالة طوارئ من الصبح بدري، والمدرّب مشي زعلان ولا إيه؟ وقفت بهدوء شديد، وفتحت درج المكتب وطلعت منه السلاح بتاعي، وحطيته على الطاولة قدامي بهدوء مرعب. شاهين طلع صوت زمجرة منخفض من جوه صدره، ووقف قدام الباب قاطعًا على سامح أي طريق للهروب. سامح لون وشّه خطف، وبص للكلب، وبعدين بص ليا وعرف إن اللعبة خلصت. العشر سنين اللي فاتوا يا سامح، قلت بصوت هادئ لكنه بيقطع الصخر، علموني إن الكلاب أجدع بكتير من البني آدمين. شاهين كان بيحذرني منك من أول لحظة دخلت فيها الفيلا دي، وأنا اللي كنت غبي. قبل ما سامح يلحق يتحرك أو يفكر يهرب، كان الحرس كبّوا عليه وكتفوه في ثواني، وانتهت اللعبة اللي كانت هتدمر كل حاجة بنيتها في عمري. بصيت لورا، لقيت ليان واقفة عند باب الصالون وماسكة دبدوبها، بتبتسم لي برراءة، وشاهين قاعد قدامها باصص لي بعيون كلها وفاء، وكأنه بيقولي أخيرًأ ارتحت.