ظلم مع سبق الاصرار

الجزء الثاني
مسكت الورقة من إيد سارة وأنا مش فاهم هي عايزة توصل لإيه.
بصيت فيها مرة…
واتنين…
وثلاثة.
وبعدين رفعت عيني عليها وقلت:
“سارة… الورقة دي معناها إيه؟”
كانت واقفة قدامي ووشها هادي بشكل غريب.
قالت:
“اقرأها للآخر.”
رجعت بصيت في الورقة.
كانت نتيجة تحليل من معمل كبير، والاسم اسمي أنا…
والنتيجة كانت إيجابية.
حسيت إن مخي وقف.
قلت:
“إيجابية إيه؟!”
قالت:
“تحليل الخصوبة.”
بصيت لها باستغراب.
قالت:
“التحليل اللي عملته أنا وإنت من ست سنين، قبل ما نتجوز.”
قلت:
“أنا فاكر إن الدكتور قال إن المشكلة عندك.”
ابتسمت ابتسامة مليانة وجع.
وقالت:
“الدكتور اللي كنا بنتابع معاه قال كده.”
“لكن بعد ما الموضوع طول، أنا رحت لدكتور تاني من وراكي.”
“وعملت كل التحاليل من جديد.”
قلت:
“وطلعت إيه؟”
قالت:
“أنا مش السبب.”
اتسمرت مكاني.
“يعني إيه مش السبب؟”
قالت:
“التحاليل أثبتت إن عندي مشكلة بسيطة جدًا، وكان ممكن علاجها.”
“لكن التحليل بتاعك أنت كان فيه مشكلة أكبر.”
قعدت على الكرسي وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني.
قلت:
“ليه مخبيتيش عليا؟”
ردت:
“كنت هقولك.”
“بس الدكتور القديم كان مصر إن المشكلة مني، وإنت صدقته.”
“وأنا فضلت أتعالج وأدخل عمليات وأدفع فلوس وأتعب، وأنا فاكرة إن أنا السبب.”
قلت:
“طب ليه بعد كل السنين دي مقولتيليش؟”
قالت:
“لأني اكتشفت الحقيقة متأخر.”
سكتت شوية، وبعدين قالت:
“ولما اكتشفتها، كنت إنت خلاص أخدت قرار الجواز.”
بصيت لها وقلت:
“يعني إنت كنتِ عارفة إن المشكلة مني وأنا مش عارف؟”
قالت:
“آه.”
“بس كنت مستعدة أكمل معاك.”
سكت.
حسيت بوجع شديد في صدري.
لأن كل الكلام اللي كنت بقوله لنفسي طوال السنين اللي فاتت…
طلع مبني على معلومة غلط.
قلت لها:
“طب والحمل اللي حصل؟”
قالت:
“الحمل حصل فعلًا.”
“وده معناه إننا كنا نقدر نخلف.”
قلت:
“بس إنت قلتي إنه مات.”
هزت راسها.
وقالت:
“آه.”
“لأن الدكتور قال إن الحمل توقف.”
“بس كان فيه حاجة تانية.”
قلبي دق بسرعة.
قلت:
“إيه؟”
قالت:
“الدكتور طلب مني أعمل تحليل تاني.”
“وأنا عملته.”
سكتت.
قلت:
“والنتيجة؟”
بصتلي في عيني وقالت:
“النتيجة قالت إن الحمل ما كانش توقف.”
أنا شهقت:
“إيه؟!”
قالت:
“كان فيه نبض.”
“وكان الطفل كويس.”
“لكن الدكتور اللي كنت بتابع معاه قاللي إن الحمل انتهى.”
قلت:
“إنتِ بتقولي إيه؟!”
قالت:
“بعدها بأيام، اكتشفت إن الدكتور كتبلي علاج غلط.”
“وحصل نزيف.”
“والحمل انتهى فعلًا.”
سكتت وأنا مش قادر أستوعب.
وبعدين سألتها:
“يعني إيه؟”
قالت:
“يعني أنا فقدت ابني.”
“وأنا لوحدي.”
“وإنت كنت وقتها بتجهز أوضة البيبي مع مراتك الجديدة.”
الكلمة الأخيرة نزلت عليا زي السكينة.
مراتك الجديدة.
لأول مرة حسيت قد إيه الجملة دي كانت قاسية.
أنا فعلًا كنت ببني حياة جديدة…
وفي الناحية التانية، كانت سارة بتخسر حياتها القديمة كلها.
قلت لها:
“ليه مخبيتيش عليا؟”
قالت:
“كنت هكلمك.”
“مسكت التليفون أكتر من مرة.”
“لكن كل مرة كنت بفتكر آخر كلام منك.”
“إنك أخيرًا لقيت الست اللي هتخليك أب.”
“فقلت لنفسي… ليه أرجع وأكسر فرحتك؟”
بصيت للأرض.
مش لاقي كلمة واحدة أقولها.
لكنها لسه مخلصتش.
قالت:
“وفي حاجة تانية.”
رفعت عيني لها.
قالت:
“أنا اكتشفتها من شهر.”
قلت:
“إيه؟”
مدتلي ورقة جديدة.
وقالت:
“دي نتيجة تحليل DNA.”
قلبي وقف.
قلت:
“DNA؟!”
قالت:
“أيوه.”
“أنا كنت محتاجة أعرف حاجة واحدة بس.”
قلت:
“إيه؟”
قالت:
“هل الطفل اللي فقدته كان ابنك؟”
اتخضيت.
وقلت:
“طبعًا ابني… إنتِ مراتي!”
قالت:
“علشان كده عملت التحليل.”
بصيت للورقة.
والنتيجة كانت واضحة:
الأب البيولوجي للجنين… أنا.
غمضت عيني.
لأول مرة في حياتي حسيت إن كلمة “أب” اللي كنت بحلم بيها سنين…
جتني فعلًا.
لكن راحت قبل ما أعرف حتى إنها وصلت.
قعدت أبكي.
وسارة كانت واقفة قدامي ساكتة.
بعد وقت طويل، قلت:
“أنا آسف.”
ردت:
“متقولش آسف.”
قلت:
“أومال أقول إيه؟”
قالت:
“قول لنفسك.”
“لأن أنا مش محتاجة منك شفقة.”
وبعدين قالت:
“أنا وافقت على جوازك.”
“ووافقت أخرج من بيتي.”
“ووافقت أعيش بعيد عنك.”
“لكن عمري ما وافقت إنك تنساني.”
سكت.
قالت:
“دلوقتي بقى القرار في إيدك.”
“لو عايز تطلقني… طلقني.”
“أنا مش هتمسك بيك.”
“بس المرة دي، لما تمشي، امشي وإنت عارف الحقيقة.”
خرجت من عندها وأنا منهار.
ركبت عربيتي وقعدت فترة طويلة قدام بيت أخوها.
مش قادر أتحرك.
فتحت موبايلي.
لقيت صورة نهى وهي ماسكة السونار.
كنت المفروض أكون أسعد إنسان في الدنيا.
لكن لأول مرة…
الصورة وجعتني.
لأن في نفس اللحظة اللي كنت مستني فيها ابني الجديد…
افتكرت ابني اللي راح من غير ما أعرف عنه.
رجعت البيت.
نهى أول ما شافت وشي قالت:
“مالك؟”
قلت:
“محتاج أتكلم معاكي.”
قعدت قدامي.
حكيتلها كل حاجة.
عن سارة.
عن التحاليل.
عن الحمل.
عن الطفل اللي فقدناه.
كانت بتسمعني من غير ما تقاطعني.
ولما خلصت، قالت:
“وإنت ناوي تعمل إيه؟”
قلت:
“مش عارف.”
قالت:
“لأ… إنت عارف.”
بصيت لها.
قالت:
“إنت عايز ترجع لسارة.”
قلت بسرعة:
“لا!”
قالت:
“يبقى إنت عايز تطلقها.”
سكت.
لأنها كانت عندها حق.
نهى قربت مني وقالت:
“أنا مش هطلب منك تسيبها عشاني.”
“ومش هطلب منك ترجع لها عشاني.”
“إنت اللي لازم تاخد قرارك.”
وبعدين حطت إيدها على بطنها وقالت:
“بس قبل ما تكون أب لابني… لازم تكون راجل عادل.”
الجملة دي فضلت ترن في ودني طول الليل.
تاني يوم الصبح…
روحت لسارة.
كنت داخل وأنا واخد قرار.
لكن قبل ما أتكلم، لقيتها واقفة قدامي وبتقول:
“اتأخرت.”
قلت:
“كنت بفكر.”
قالت:
“في إيه؟”
قلت:
“في إننا ممكن نبدأ من جديد.”
سكتت.
بصتلي فترة طويلة.
وبعدين قالت:
“بعد كل اللي حصل؟”
قلت:
“أنا مستعد أصلح كل حاجة.”
ضحكت.
وقالت:
“بس أنا مش مستعدة.”
اتصدمت.
قلت:
“ليه؟”
قالت:
“لأنك فاكر إن المشكلة كانت في الشقة، أو في الحمل، أو في مراتك التانية.”
“المشكلة الحقيقية كانت إنك لما افتكرت إنك لقيت اللي نفسك فيه… نسيت الإنسانة اللي فضلت جنبك ست سنين.”
قلت:
“طب أعمل إيه؟”
قالت:
“ولا حاجة.”
“أنا مش عايزة منك حاجة.”
وبعدين فتحت درج جنبها وطلعت مفتاح.
حطته في إيدي.
وقالت:
“ده مفتاح شقتنا.”
بصيت لها.
قالت:
“الشقة اللي خرجت منها من سبع شهور.”
“روحت أخدتها.”
“ولقيت كل حاجتي زي ما هي.”
“بس المرة دي… أنا مش هعيش فيها.”
قلت:
“ليه؟”
قالت:
“لأنها بقت بالنسبة لي مكان فاكرة فيه كل حاجة.”
“وأنا عايزة أبدأ من الصفر.”
سكت.
وبعدين قالت:
“طلقني.”
اتوجعت.
لكنها كملت:
“طلقني وأنا هسامحك.”
“مش علشان اللي عملته صح.”
“علشان أنا مش عايزة أكمل حياتي وأنا مستنية منك حاجة.”
“أنا عايزة أبني حياة لنفسي.”
مسكت المفتاح في إيدي.
وقلت:
“وهتعملي إيه بعد الطلاق؟”
ابتسمت وقالت:
“هبيع نصيبي في شقة أبويا.”
“وهجيب مكان صغير أعيش فيه.”
“وهبدأ شغل جديد.”
“وهتعلم أعيش من غير ما أكون زوجة حد.”
وقتها فهمت أخيرًا…
إن سارة مكنتش محتاجة مني فلوس.
ولا شقة.
ولا حتى إني أرجعلها.
كانت محتاجة حاجة واحدة بس…
إنها تستعيد نفسها.
خرجت من عندها.
وأنا لأول مرة في حياتي مش عارف أنا خسرت مين بالضبط…
مراتي الأولى؟
ولا ابني اللي مات؟
ولا الست اللي كانت بتحبني؟
ولا نفسي القديمة؟
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها…
إن بعد أيام قليلة، وأنا بجهز أوراق الطلاق، وصلتني رسالة من رقم غريب.
رسالة قصيرة جدًا:
“لو عايز تعرف الحقيقة الكاملة عن حمل سارة… تعالى للمستشفى اللي كانت بتتابع فيه.”
وتحت الرسالة…
كان مكتوب اسم الدكتور.
الدكتور اللي قال إن المشكلة كلها من سارة من ست سنين.
والدكتور نفسه…
اللي كان بيتابع حملها قبل ما تخسره.
