أمي بعتتني أروح أستلف شوية رز من عمي لكنه ادانا شوال كامل وزنه حوالي 10 كيلو، ولما فتحناه، أمي وقعت على الأرض من العياط بسبب اللي كان مستخبي جواه كنت لسه مكمّلش 12 سنة وقتها. كان وقت الفقر فيه مش بس واقف برّه بابك ده كان داخل بيتك، معدتك، ونومك. في الأحياء الشعبية على أطراف البلد، البقاء كان بيبقى على قد إيه تقدر تمدّ عيلتك من كيس رز واحد، أو شوية فول، أو أي حاجة بسيطة من رحمة حد عنده أكتر منك شوية. أبويا كان مات من سنين في حادثة شغل في البناء، وساب أمي لوحدها تربي أنا وأختيّ. وقتها أكلنا كان شبه بعضه. شوية رز مع فول أو دقيق ذرة. شوربة خفيفة من خضار بري كانت أمي بتجيبه من الأرض. أكل يكتم الجوع بس، مش يخليه يختفي. اليوم ده كان في آخر الشتاء. هوا ساقع كان بيدخل من شقوق السقف الصفيح في حتتنا. فاكر أمي وهي قاعدة جنب برطمان الرز في المطبخ، بتجمع آخر حبات رز بإيديها. وبعدين أخدت نفس طويل وتعبان. روّح لعند عمك عمرو، قالتلي بهدوء. اطلب منه شوية رز نِستلفه وأنا هحاول أرجعه بكرة. خدت كيس قماش قديم وطلعت. الطريق لبيت عمي عمرو كان تراب ناشف وساقع. كان عايش قريب مننا، أخو أبويا الكبير، لوحده في بيت طوب قديم بعد ما مراته ماتت. لما وصلت قدام الباب، قلبي كان بيدق جامد. في إحساس بالكسرة مبيفهموش غير الأطفال الفقراء إحساس إنك شايل احتياج بيتك في إيدك، وإنك بتخبط على باب حد مستني يمكن يشوف ضعفك. وقفت مكاني محرج جدًا. بس عمي عمرو ما زعقش. ما اتنهدش ولا خلاني أشرح مرتين. بصلي لحظة طويلة. وفي عينيه كان في حاجة معرفتش أفهمها ساعتها حزن، رحمة، إحساس بالذنب، كأن فيه حمل تقيل أكبر من سني بكثير. وبعدين دخل جوا. كنت فاكر هيجيب شوية رز بس في كيس صغير. لكن رجع شايل شوال كامل. كان تقيل أكتر من 10 كيلو. حطه في حضني، وكدت أقع من وزنه. وصّله لأمك، قال بصوت واطي فيه رجفة بسيطة. وما تخافوش ولا تتكسفوا. شكرته كتير ومش مصدق اللي حصل. وأنا راجع البيت، البرد ما بقاش حاد زي الأول. كنت فاكر بس إننا هاناكل رز سخن النهارده بدل العيش الفاضي. بالنسبة لولد عنده 12 سنة، ده كان شبه معجزة. أول ما دخلت الحوش صرخت وأنا بضحك ماما! عمي جاب لنا رز كتير! أمي خرجت بسرعة وساعدتني نحط الشوال على الأرض. فكّت الكيس. وساعتها كل حاجة اتغيرت. إيديها وقفت فجأة. كان مخبّي وسط الرز علبة خشب صغيرة قديمة، ومعاها كيس قماش مربوط بعناية. بصيت أنا مش فاهم حاجة. لكن أمي بدأت ترتعش. ببطء رفعت العلبة وفتحتها. جواها كان في رسالة قديمة متنية بحرص شديد. بدأت تقراها. ومجرد ما وصلت لأول سطور، دموعها نزلت جامد. مش دموع هادية. دي كانت صريخ وبكاء من القلب. غطّت وشها بإيديها وانهارت في العياط كأن حاجة جواها اتكسرت بعد سنين كانت مدفونة. عمري ما شفت أمي بتعيط كده. لا لما أبويا مات. ولا لما كنا بنجوع. ولا في أي مرة الحياة كسرتنا فيها. قلبي وجعني. ماما قلت بصوت واطي. لكن هي ما ردتش. كانت قاعدة على الأرض جنب شوال الرز، بتترعش، والرسالة في إيديها كأن عمي عمرو ما بعتش أكل، لكن بعت حاجة من الماضي كانت مدفونة. وأنا واقف في المطبخ الساقع ده، حسّيت إن اللي في الرسالة أكبر بكتير من الجوع. دي كانت الحقيقة اللي ممكن تغيّر كل حاجة في حياتنا. أمي فضلت ساكتة دقيقة دقيقتين والرسالة في إيديها بترتعش كأنها نار مش ورق. أنا واقف مش فاهم حاجة، وكل اللي في دماغي إيه اللي يخليها تعيط بالشكل ده؟ فجأة رفعت عينيها وبصتلي بصّة عمري ما أنساها. مش بس حزن دي كانت صدمة وندم ووجع قديم اتفتح مرة واحدة. قالت بصوت مكسور مش المفروض كان يفتكرنا بعد كل السنين دي سكتت تاني، وبعدين حضنت الرسالة كأنها حاجة غالية قوي ضاعت ورجعت. أنا قلبي وقع. يفتكرنا؟ مين؟ وإيه اللي حصل؟ لكن قبل ما تجاوب، الباب خبط جامد. خبطات سريعة متوترة. أمي مسحت دموعها بسرعة كأنها بتخبي جريمة، وراحت تفتح. اللي واقف كان عمي عمرو نفسه. بس المرة دي كان شكله مختلف تمامًا مش الرجل الهادي اللي ادانا الشوال. كان باين عليه خوف وتعب وعيون مليانة حاجات كتير مستخبية. دخل من غير كلام، وبص على الشوال اللي في الأرض وبعدين بص على أمي. قال بصوت واطي قرأتي الرسالة؟ أمي هزت راسها ببطء. ساعتها عمرو خد نفس عميق كأنه بيحاول يفتح باب مقفول من 20 سنة، وقال أنا ما نسيتكيش أنا كنت مجبر أسيبك تمشي. أنا اتجمدت. أمي رجليها خدت خطوة لورا. تسيبني؟! قالتها وهي بتترعش. أنت بتتكلم عن إيه؟ عمرو بص للأرض، وقال الجملة اللي كسرت الهدوء كله أبوكي ما ماتش زي ما إحنا قلنا لك. اللحظة دي الدنيا سكتت. حتى صوت الهوا برا اختفى في وداني. أمي بصتله كأنها مش سامعة صح يعني إيه؟ عمرو فتح الكيس اللي كان جوه الرز بإيده وطلع حاجة صغيرة لامعة. خاتم قديم. وقال قبل الحادثة بشهر أبوكي عرف سر كبير سر لو كان اتقال كان هيهدم عيلة كاملة. أمي سقطت على الكرسي وهي مش قادرة تقف. وأنا واقف طفل 12 سنة بس حاسس إني داخل فيلم أكبر من عمري بكتير. عمرو كمل، وصوته بيكسر أنا كنت السبب إني أبعدكوا عن بعض عشان أحميكي. ساعتها أمي صرخت تحميني من إيه؟! وهو رد بهدوء مرعب من أبوكي نفسه وفي اللحظة دي عمرو طلع ورقة تانية من جيبه، وقال وده اللي كان مخبيه لمحة نيوز في الرز مش بس رز ده اعتراف كامل مكتوب بإيده قبل ما يموت بساعات أمي مدت إيديها تاخد الورقة وإيديها بتترعش لدرجة إنها كادت تقع منها. وأول ما فتحتها اتغير شكل وشها تاني مرة. بس المرة دي مش بكاء. دي كانت صدمة زي حد اكتشف إن حياته كلها كانت مبنية على كذبة. وأنا بصيت لهم وقلبي بيدق بجنون وحسيت إن اللي جاي مش هيكون مجرد سر ده هيكون بداية انهيار كل اللي نعرفه عن عيلتناأمي كانت ماسكة الورقة بإيدين بتترعش، وعيونها ثابتة عليها كأنها بتحاول تفهم الكلام بالعافية. عمرو واقف قدامها، ساكت بس ملامحه كانت بتقول إنه استنى اللحظة دي سنين. أنا قلبي بيدق بسرعة، ومش فاهم إزاي بابا ما ماتش؟ وإيه الورقة دي؟ فجأة أمي همست وهي بتقرأ بصوت متقطع أنا أحمد فيا لازم أقول الحقيقة قبل ما أمشي وسكتت. رجليها خدت ضعفها، وقعدت على الأرض تاني. عمرو قال بهدوء كمّلِي اقري كله. أمي كملت بصوت مكسور أنا ما كنتش شريف زي ما الناس فاكرة دخلت في شغل غلط وفلوس مش نظيفة ولما اكتشفتوا الحقيقة، كنتوا هتتأذوا بسببي سكتت لحظة وبعدين صرخت فجأة ده مش أبويا اللي أعرفه! عمرو رد بسرعة كان أبوكي الحقيقي يا فاطمة بس كان متورط في حاجة أكبر منه. أنا بصيت لأمي، أول مرة أعرف اسمها كامل كده حسّيت إن كل حاجة حواليا بتتغير. أمي مسحت دموعها وقالت بعصبية ولو الكلام ده صح أنت كنت فين؟ ليه سبته؟ ليه سبتنا كل السنين دي فقرا؟! عمرو اتنهد جامد، وقعد قدامها لأول مرة لأن لو كنتوا فضلتم معاه كان زمانكم ميتين. سكتنا كلنا. حتى النفس كان تقيل. وبعدين طلع حاجة تانية من جيبه مفتاح قديم جدًا. وقال أبوك قبل ما يختفي، ساب وديعة مكانها في بيت قديم بره البلد وكتب في الرسالة إنكم لازم تروحو هناك بس بعد ما تبقوا جاهزين. أمي بصتله بصدمة وديعة؟ بيت إيه؟ وإيه اللي مستخبي هناك؟ عمرو رد بهدوء غريب حاجة لو اتفتحت بدري كانت هتخلي ناس كتير تدور عليكم لحد ما يخلصوا عليكم. أنا حسّيت بقشعريرة. أمي قامت بسرعة وقالت أنا مش عايزة حاجة من حد! إحنا عشنا سنين من غيره! لكن عمرو وقف وقال الجملة اللي سكتت الكل بس اللي مستخبي في البيت ده مش فلوس بس يا فاطمة ده دليل يغيّر كل حاجة ويثبت إن أبوكي ما ماتش صدفة زي ما قالوا. ساعتها أمي سكتت. القرار كان باين في عينيها حتى قبل ما تتكلم. خدت نفس طويل وقالت إمتى نروح؟ عمرو رد بكره الفجر. وأنا واقف بينهم، حاسس إن حياتي اللي كنت فاكرها بسيطة انتهت. وإن بكرة إحنا مش رايحين نشوف سر عادي إحنا رايحين نفتح باب ممكن يطلع منه الحقيقة أو يدفننا إحنا كمان في ليلة ما قبل السفر، البيت ما نامش. أمي قاعدة قدام الشوال الفاضي، اللي كان مليان رز، كأنها بتبص عليه مش شايفاه شايفة حاجة تانية خالص. أنا قاعد في الركن، ساكت، وكل شوية أسأل نفسي هو أنا داخل على إيه؟ عمرو كان برّه، بيجهز الحاجة في صمت أول مرة أشوفه مش بيبص في عيني حد. قبل الفجر بساعتين، أمي قامت فجأة. لبست عباية بسيطة، ولمّت شعرها بسرعة، وقالت بصوت حاسم يلا. ركبنا عربية نقل قديمة مع عمرو. الطريق كان طويل، والجو ساكت بشكل يخوّف. كل ما نبعد عن البلد، كان في إحساس إننا بنسيب حياتنا القديمة ورا ضهرنا. بعد ساعات، وصلنا لبيت قديم في أطراف أرض زراعية. بيت شكله مهجور جدرانه باينة عليها السنين، وبابه حديد صدئ. عمرو وقف قدامه وقال هنا. أمي بصت له أبويا كان سايب هنا إيه بالظبط؟ عمرو رد مش أنا اللي أقول هو اللي ساب الإجابة جوا. طلع المفتاح القديم اللي شفته قبل كده، وفتحه بإيده ببطء. صوت الباب وهو بيتفتح كان زي صرخة معدن صدئ. البيت من جوه كان غريب مفيهوش أثاث تقريبًا، بس في نص الصالة كان في صندوق حديد كبير متثبت في الأرض. أمي وقفت مكانها. ده إيه؟ عمرو قرب وقال الوديعة. سكت لحظة، وبعدين أضاف واللي جواه كان أبوكي خايف منه لدرجة إنه كتب الرسالة قبل ما يموت بيوم واحد بس. أمي قربت، وإيديها بترتعش وهي بتحط إيديها على الصندوق. مفتاحه فين؟ عمرو طلع مفتاح صغير من جيبه واداه لها. لكن قبل ما تفتحه، سمعنا صوت حاجة برا. خطوات. مش خطوة واحدة لا أكتر. أمي جمدت. أنا بصيت من الشباك المكسور وقلبي وقع. 3 عربيات واقفين برّه. ورجالة نازلين منها. وشهم مش مطمّن. عمرو همس بسرعة اتأخرنا أمي بصت له مين دول؟! عمرو رد بصوت واطي جدًا اللي أبوكي كان بيهرب منهم طول عمره وفجأة خبطة جامدة على الباب. واحد بيزعق برّه افتحوا الباب وإلا البيت كله هيتقلب فوق دماغكم! أمي بصت للصندوق وبعدين ليّ. وفي ثانية واحدة بس، فهمنا إننا مش قدام مجرد سر إحنا قدام ناس مستنية اللحظة دي من سنين والصندوق ده لو اتفتح دلوقتي ممكن يخلّي محدش فينا يطلع من هنا حيالضربة على الباب زادت المرة دي كانت أقوى، كأنهم هيكسروا الحديد نفسه. أمي بصت للصندوق وبعدين لعمرو وبعدين ليّا. والصمت اللي في عينيها كان أخطر من أي صريخ. قالت بهدوء غريب لو فتحته دلوقتي هنموت؟ عمرو هز راسه بسرعة مش شرط بس هيعرفوا إحنا معانا إيه. الخبط زاد تاني، وصوت برّه بيزعق إحنا عارفين إنكم جوا! آخر تحذير! أمي مسكت المفتاح. إيديها كانت بترتعش، بس صوتها كان ثابت لأول مرة أنا عشت عمري كله بخاف النهارده مش هخاف. وفي لحظة دخل المفتاح في القفل. بس قبل ما تلفه عمرو مسك إيديها جامد وقال استني! بص لها بعمق أبوكي ما سابش الصندوق عشان يتفتح بعشوائية سابه عشان وقت معين مش دلوقتي. أمي صرخت فيه لأول مرة وأنا أستنى إيه تاني؟ سنين ضاعت! طفولة راحت! جوع وشقى وكدب! سكتت ثانية وبصت ناحية الباب اللي بيتهز دول هيكسروا علينا البيت دلوقتي! في اللحظة دي، أنا حسّيت بإحساس غريب كأن في حاجة في الأرض بتتغير. عمرو فجأة قال بسرعة في مخرج من ورا البيت! أمي بصت له وأنت عارفه منين؟ سكت لحظة وبعدين قال بصوت واطي لأني أنا اللي بنيت البيت ده مع أبوكي. الصدمة سكتت الكل. الخبط برّه وقف لحظة كأن اللي برّه سمعوا الجملة دي. وبعدين صوت معدني. كسر القفل بدأ. أمي بصت للصندوق وبعدين ليّا وبعدين لعمرو. وبصوت منخفض جدًا قالت لو هنمشي هنمشي بالحقيقة معانا. وبسرعة، سابت المفتاح وفتحت الصندوق. في ثانية واحدة صوت الباب برّه اتكسر بعنف. وفي نفس اللحظة غطاء الصندوق اتفتح. واللي جواه ماكانش فلوس ولا دهب كان ملفات قديمة جدًا وصور وشريط تسجيل صغير. وأول صورة وقعت في إيد أمي كانت صورة لأبويا. بس مش لوحده. كان واقف جنب عمرو. والاتنين لابسين زي مش زي الناس العادية زي ناس كانت بتدخل في حاجة كبيرة جدًا وسرية. أمي همست وهي مصدومة إيه ده؟ وفي نفس اللحظة الرجالة دخلوا البيت. وأول واحد فيهم شاف الصندوق المفتوح وقف مكانه. وبص على الصورة. وقال جملة واحدة بس أخيرًا لقيناه وساعتها كل حاجة قلبت. عمرو شد إيدي أمي بسرعة إجري! وأنا جريت معاهم بس وأنا بجري، كنت ماسك في دماغي سؤال واحد مين اللي لقوه؟ إحنا؟ ولا السر اللي أبويا مات عشان يخبّيه؟خرجنا نجري من الباب الخلفي زي ما عمرو قال. الأرض كانت طين وزلقة، والليل بارد كأنه بيعضّ. ورانا صوت صريخ وخبط والرجالة دخلوا البيت وبدأوا يقلبوا فيه. أمي كانت بتجري وهي ماسكة الصور والملفات كأنهم أغلى من روحها. عمرو كان قدامنا بيشق الطريق بين الزرع ما تبصوش وراكم! بس أنا بصيت وشفت واحد من الرجالة خارج من البيت رافع حاجة في إيده شريط التسجيل اللي كان في الصندوق. ساعتها قلبي وقع. الشريط معاه! أمي سمعتني واتجمدت لحظة. عمرو زعق مش مهم الشريط دلوقتي! المهم نطلع من المنطقة دي! جرينا لحد ما وصلنا لطريق ترابي ضيق بين الأشجار. لكن فجأة نور عربيات ظهر من قدامنا. اتنين عربيات سودة سدت الطريق. واتنين من ورا. اتحاصرنا. أمي وقفت مكانها لأول مرة من غير ما تتحرك. وبصت لعمرو وقالت بصوت مكسور كده خلصنا لكن عمرو رد بسرعة غير متوقعة لا لسه ما خلصناش. شدّها ناحية جانب الطريق، ناحية حفرة قديمة مغطاة بالحشائش. انزلوا هنا بسرعة! أمي بصتله دي بتودي فين؟ قال لنفس المكان اللي أبوكي كان بيهرب منه زمان نفق قديم تحت الأرض. في اللحظة دي صوت خطوات قرب والرجالة بقوا قريبين جدًا. مفيش وقت نفكر. نزلنا بسرعة في فتحة ضيقة جدًا. ظلام كامل. تراب ورطوبة وهوا تقيل. وكنا بنمشي جوه النفق، عمرو قدام، وأنا ورا أمي. وفجأة نور صغير ظهر في آخر النفق. أمي همست فيه مخرج بس عمرو وقف فجأة. بص قدامه وقال بصوت واطي مش مخرج ده مكان اللقاء. أنا بصيت. ولقيت باب حديد صغير مفتوح نص فتحة ومن جوه جاي صوت جهاز تسجيل شغال. نفس الشريط اللي اتسرق. الصوت كان بيطلع من جوه الباب صوت راجل صوت أبويا. بس بيقول حاجة غريبة جدًا لو حد وصل هنا يبقى أنا فشلت أمي وقعت على ركبها أول ما سمعت صوته. دموعها نزلت من غير كلام. لكن عمرو كان بيبص للباب بقلق شديد كأنه عارف اللي جاي بعد الصوت ده. وفجأة الصوت سكت. وظهر صوت تاني من نفس الجهاز اللي سمع التسجيل ده يبقى الوراثة اتفعلت. أمي رفعت وشها بسرعة وراثة إيه؟! عمرو قال بصوت مخنوق يا نهار أبيض ده اتفعل فعلًا وفجأة الباب الحديد اتقفل لوحده. والنور اللي كان جاي من جوه النفق بدأ يطفي واحد واحد وفي لحظة ظلام كامل سمعنا صوت خطوات تانية جايه من ورا. الرجالة دخلوا النفق. وبصوت عالي واحد فيهم قال مفيش هروب الوريث موجود بينكم! أمي مسكت إيدي جامد لأول مرة جامد لدرجة وجعتني. وقالت بصوت واطي أنا؟ ولا أنت؟ وساعتها عمرو بص لنا الاتنين. وقال جملة خلت الدم يبرد في عروقي الوريث مش واحد الوريث اتنينالظلام كان خانق وصوت الخطوات جاي من ورا بينعكس في النفق كأنه بيقرب من كل اتجاه. أمي ماسكة إيدي جامد، وعمرو واقف قدامنا زي الساتر. الرجالة بقوا قريبين قريبين جدًا. وفجأة عمرو قال بصوت واطي بس حاسم اسمعوا كويس لو فضلنا واقفين هنا هنتمسك كلنا. أمي همست نروح فين؟ الباب اتقفل عمرو لف بسرعة ناحية الجدار الجانبي في النفق، وبدأ يحسس بإيده كأنه بيدوّر على حاجة. في مدخل قديم لازم يكون موجود هنا واحد من الرجالة صرخ هم هنا! نوروا الكشافات! ومرة واحدة نور أبيض قوي ضرب النفق كله. شفناهم. 3 رجالة داخلين بسرعة، ومعاهم واحد ماسك الشريط في إيده كأنه كنز. أمي شهقت. الراجل اللي ماسك الشريط قال بصوت عالي انتهى اللعب هاتوا الورق اللي معاكم! عمرو فجأة لقى حاجة في الجدار حلقة حديد صغيرة مخفية. شدّها بكل قوته. والمفاجأة جزء من الأرض اتفتح قدامنا زي باب أرضي قديم. انزلوا بسرعة! أمي نزلت الأول، وأنا بعدها، وعمرو آخر واحد. لكن قبل ما ينزل، واحد من الرجالة مسكه من دراعه. اتشدوا الاتنين في نفس اللحظة. أمي صرخت عمرو! عمرو وهو بيتشد قال بسرعة كمّلوا ما توقفوش! وبصلي أنا لأول مرة بجد وقال خلي بالك منها أنت الوريث التاني. وباب الأرض اتقفل فوقنا. بقينا في ممر ضيق تحت الأرض وأنا وأمي لوحدنا. وصوت فوقنا كان بيختفي تدريجي صوت خناقة، صريخ، وضرب. سكون. أمي وقفت تبص قدامها، ودموعها بتنزل بس من غير صوت. وقالت عمرو ضحى بنفسه أنا مردتش. لأني لقيت حاجة على الأرض. ورقة صغيرة كانت وقعت معانا قبل ما الباب يتقفل. فتحتها بإيدي المرتعشة. وكان مكتوب فيها بخط أبويا لو وصلتوا هنا يبقى عمرو اختار الصح بس الحقيقة لسه ما خلصتش. أمي بصتلي يعني إيه لسه ما خلصتش؟ وفجأة النفق اهتز. زي صوت حاجة ضخمة بتتحرك فوقنا. وبعيد بعيد جدًا سمعنا صوت جهاز التسجيل تاني بيشتغل لوحده. وصوت أبويا رجع يقول الوريث الحقيقي لازم يكمل الطريق لوحده. أمي بصتلي تاني. المرة دي مش خوف. دي كانت نظرة قرار. وقالت بصوت ثابت لأول مرة أنت. أنا اتجمدت أنا؟! هزت راسها أبوك كان بيكلمك أنت في الرسالة مش أنا. وفي اللحظة دي النفق قدامنا بدأ يفتح على ممر أطول وأعمق كأنه مستنينا من زمان. وأول خطوة خطوتها لقدام حسّيت إن اللي جاي مش مجرد نجاة. ده كان بداية مواجهة الحقيقة اللي أبويا مات عشان يوصلها لحدناالنفق كان بيضيق مع كل خطوة، كأن الأرض نفسها بتقفل علينا الطريق. أمي ماشية ورايا بصمت، وملامحها مش باين فيها خوف قد ما فيها استسلام غريب كأنها خلاص قررت تشوف النهاية مهما كانت. في آخر الممر كان في باب حديد كبير. مش زي أي باب شفناه قبل كده عليه علامات قديمة محفورة، وأرقام متشققة من الزمن. وقفت قدامه. قلبي كان بيدق بعنف. أمي قالت بصوت واطي افتحه مديت إيدي ولما لمست القفل، اتفتح لوحده. من غير مفتاح. الباب اتزحلق ببطء واللي وراه خلانا نوقف مكاننا. غرفة كبيرة جدًا تحت الأرض. وفي نصها ملفات كتير مرصوصة وصور وأجهزة قديمة وشريط تسجيل شغال بصوت واطي. لكن أهم حاجة كان في لوحة كبيرة على الحيطة عليها أسماء. وأول اسم فيها كان اسم أبويا. وتحته اسم عمي عمرو. وتحتهم اسم أمي. وأخيرًا اسمي أنا. أمي همست بصدمة إحنا كنا متسجلين من زمان؟ وقبل ما أرد صوت جهاز التسجيل ارتفع فجأة. وصوت أبويا رجع واضح جدًا لو وصلتوا هنا يبقى النظام مازال شغال والوريث الحقيقي ظهر. وفجأة إضاءة الغرفة كلها اشتغلت. وشاشة قديمة قدامنا نورت. وظهر عليها وجه راجل غريب. وقال بهدوء مرعب أهلًا بالجيل الجديد أخيرًا اخترتم تعرفوا الحقيقة بدل ما تهربوا منها. أمي صرخت إنت مين؟! الراجل ابتسم وقال أنا اللي حافظت على سر عيلتكم من أول يوم. سكت لحظة، وبعدين قال الجملة اللي قلبت كل اللي بنعرفه أبوك ماكانش ضحية كان هو اللي بدأ كل ده. الصمت كان قاتل. وأمي وقعت على ركبها. لكن أنا كنت واقف وببص للوحة الأسماء. وحسيت فجأة إن الموضوع مش إرث فلوس ولا سر قديم ده كان نظام كامل بيختار ناس ويكمّل نفسه من جيل لجيل. والراجل قال آخر حاجة قبل ما الشاشة تسيبنا الاختبار الحقيقي بيبدأ دلوقتي يا وريث. والنور انقطع. وسابنا في ظلام كامل بس المرة دي ماكنش فيه رجوع. لأن الباب اللي دخلنا منه اتقفل للأبد.