وجع السكات منال على

كنت في الشهر السابع، ورغم كدة كنت بجر نفسي للشغل كل يوم، وبسلم كل مليم من ماهيتي لجوزي كأني مديونة له بحياتي.
بس الشهر ده اضطرت أجيب علاج عشان أحمي ابني، والفلوس نقصت..
بص ليا بغل وقال بتحوشي من ورايا؟ أول قلم نزل على وشي رماني في الأرض، والتاني خلاني أفهم الحقيقة المرعبة لو فضلت هنا، ابني هيعيش؟
اسمي إيمان، وقبل ما أوصل للشهر السابع كنت خلاص اتعلمت إزاي أداري الۏجع ورا الضحكة واللبس الواسع. كل يوم كنت بنزل من شقتنا قبل الفجر، أركب ميكروباص لآخر الدنيا، وأقف 8 ساعات على رجلي في صيدلية.. رجلي وارمة وضهري كأنه بيتقطم نصين. كنت بكمل عشان الإيجار، وعشان النور ما يقطعش، وعشان ياسين مستني كل قرش بجمعه يبرد قلبه بيه ليلة الجمعة. بقلم منال علي
الحكاية ما كانتش كدة في الأول. ياسين كان جنتلمان في الخطوبة، يفتح لي الباب، يفتكر أعياد ميلادي، ويقول لي كلام حلو قدام الناس. بعد الجواز، الكلام الحلو اتحول لأوامر. قال لي أنا اللي همسك المصاريف عشان بعرف أدبر، وبعدها بدأ يراجع ورايا الفواتير، ويحاسبني على طلبات البيت، ويسألني البنزين بيروح فين؟ مع إني ما بروحش غير الشغل. لما حملت، بقيت بديله الظرف مقفول من غير ما أبص فيه، أصل السكات كان أريح من المشاكل. بقلم منال علي
الشهر ده، الدكتورة قالت لي إني محتجة أدوية وفيتامينات ضرورية عشان الحمل يكمل بسلام. تمن الدوا كان غالي، وقفت قدام الصيدلية وأنا ماسكة الفلوس وعارفة ياسين هيعمل إيه لو عرف إن المبلغ نقص. بس اشتريت الدوا.. ولأول مرة من شهور، اخترت مصلحة ابني قبل خوفه منه.
رجعت البيت يوم الجمعة، لقيته قاعد على سفرة المطبخ وفاتح حساب البنك على تليفونه. ما قاليش حتى حمد لله على السلامة.. رفع الموبايل في وشي وقال الفلوس اللي في الحساب ناقصة ليه؟ بقلم منال علي
حطيت شنطتي براحة وقلت جبت دوا.. الدكتورة قالت لي
قاطعني وزعق صرفتي فلوس من غير إذن؟
قلت بصوت واطي ده عشان اللي في بطني.
صوت الكرسي وهو بيتجر على الأرض كان يفزع. وشه اتغير لدرجة إني ما عرفتوش. بتخبي عني فلوس؟ صړخ فيا.
أول قلم خدته رماني على الرخامة. حضنت بطني بإيدي الاتنين قبل ما أقع على الأرض. وداني كانت بتصفر، وبصيت له وأنا مش مصدقة، كنت لسه فاكرة إنه هيهدا ويحس بغلطه.
بس لما قرب مني ورفع إيده تاني، عرفت إن دي البداية بس..
تاني قلم نزل على وشي خلاني أقع على ركبي.. ڠصب عني كرمشت نفسي حوالين بطني، كنت بحاول بكل قوتي إني أحمي ابني. ياسين فضل واقف فوق راسي، نفسه عالي وكأنه هو الضحېة مش أنا! قال لي بنبرة تخوف إياكي تكذبي عليا تاني أبدًا، ودخل الأوضة ورزع الباب وراه، وكأن اللي حصل ده مجرد خناقة عادية على المصاريف. بقلم منال علي
فضلت مرمية على أرض المطبخ لحد ما قدرت أخد نفسي وبطّلت اترعش. خدي كان بيولع، وطعم الډم في بوقي، وۏجع غريب وشديد في أسفل بطني.. وده أكتر حاجة رعبتني. لا خفت من العلامة اللي في وشي ولا من ياسين ولا حتى من الإهانة.. خفت على ابني، رعبني فكرة إن ممكن يكون جراله حاجة عشان أنا اتأخرت أوي في إني أعترف لنفسي إن حياتي بقت خطړ.
مسكت التليفون وكلمت أختي هالة. كنت مخبية عليها الحقيقة أكتر من سنة، كل ما تسألني صوتك تعبان ليه أو مابتجيش تزورينا ليه، كنت بخترع لها مية حجة. لما ردت، ماقدرتش حتى أقول جملة مفيدة.. كل اللي قلته ضړبني.. وأنا حامل، واڼفجرت في العياط.
هالة ماضيعتش ثانية. قالت لي البسي جزمتك، هاتي بطاقتك ودفتر المتابعة بتاع الحمل، أنا جاية لك حالًا. وأنا مستنياها، كنت سامعة صوت ياسين وهو بيتحرك في الأوضة، بيفتح الإدراج، بيشغل التليفزيون.. كان بيتعامل وكأن مفيش حاجة حصلت. فاكرة إني فكرت وقتها إن الإنكار ده هو أقسى جزء في الموضوع.. كان محسسني إني صغيرة وقليلة لدرجة إني حتى وأنا ماشية كنت شايلة هم إني أعصبه أكتر ما كنت شايلة هم سلامتي. بقلم منال علي
هالة وصلت هي وجوزها طارق في أقل من ربع

ساعة. دخلت الشقة وشافت وشي وتسمرت مكانها. قالت لي إيمان..، وصوتها كان فيه ړعب خلاني أفهم شكلي عامل إزاي. طارق وقف عند الباب وأنا بلم هدومي في شنطة بسرعة. ياسين خرج أخيرًا من الأوضة وبيسأل ببرود في إيه؟ إيه اللي بيحصل؟
هالة وقفت بيني وبينه وقالت له بكل قوة هي ماشية.
ياسين ضحك، بس الضحكة كان وراها ړعب عشان خناقة تافهة؟ إيه الأوفر اللي أنتوا فيه ده!
كنت عايزة أصرخ وأقول له إنها مش خناقة تافهة.. ده تعب كل شهر، وشتيمة كل يوم، واعتذار كذاب وراه ذل جديد. دي شهور من الړعب كنا مسمينها جواز. بس كل اللي قدرت أقوله أنا رايحة المستشفى.
وشه خشب وقال بټهديد لو خرجتي من الباب ده، ماترجيش تاني.
داريت بطني بإيدي، ومسكت شنطتي ومشيت ورا أختي وأنا بدعي ربنا ما أكونش اتأخرت.
الجزء التالت
أوضة الطوارئ كانت باردة، والهدوء اللي فيها كان بيزود الړعب اللي جوايا. هالة كانت ماسكة إيدي وهي بتجاوب على أسئلة الدكاترة اللي كان لازم أنا أجاوب عليها بصدق من شهور فاتوا. لما الدكتورة لقت نبض البيبي أخيرًا، عيني ما نزلتش من على الشاشة.. النبض كان قوي.. ومنتظم. الصوت ده كان بالنسبة لي فرصة تانية ربنا باعتها لي.
الأخصائية الاجتماعية في المستشفى جت قعدت معايا. كنت خاېفة في الأول، بس قررت أقول الحقيقة كاملة.. حكيت عن الذل، عن التحكم في الفلوس، عن العزلة، وعن القلم اللي لسه معلّم في وشي. ياسين كان مخليني أصدق إن السكوت هو الطريقة الوحيدة عشان المركب تمشي، بس السكوت ما حماش بيتي.. السكوت كان بيسهّل له إنه يدمرني. بقلم منال علي
هالة ساعدتني أعمل محضر وأصور الإصابات عشان تبقى دليل. بعدها رحت استقريت عندها في أوضة الضيوف وأنا لسه في إيدي إسورة المستشفى. ياسين اتصل 14 مرة.. بعت رسايل فيها اعتذارات، وبعدها حجج، وبعدها وعود، وفي الآخر قلب بټهديد. قال إني بخرب حياته، وبحرمه من ابنه، وإني محدش هيصدقني.. ولأول مرة، مارديتش.
الأسابيع اللي بعد كدة كانت صعبة، بين ۏجع القلب ومشاكل المحاكم. عملت قرار عدم تعرض، وفصلت حسابي البنك وتواصلي مع الشغل بقى ليا لوحدي. هالة ساعدتني أجهز كل ورقي قبل الولادة. بدأت أروح لدكتورة نفسية عشان أتعالج من الصدمة، ولأول مرة من سنين، بقيت باخد قراراتي من غير ما أترعش.
بعد كام شهر، نورت الدنيا نور.. سميتها نور لأنها كانت النور اللي طلع لي من وسط الضلمة. لما حضنتها لأول مرة، عرفت إنها أمانة في رقبتي ولازم أحميها. بقيت أم بكل ما تحمله الكلمة من معنى لما اخترت السلامة في الوقت اللي كان الخۏف بيقول لي خليكي واستحملي.
لو شفتي أي علامة خطړ، ما تستنيش لما الحب يتحول ل أمل كذاب. لو حاسة إن حكايتك شبه حكايتي، اتكلمي.. اطلبي المساعدة.. ممكن تكون دي البداية لحياة أنضف وأجمل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *