قصة قصيرة بعنوان بصمتي كانت نهايتم بقلم أيسل هشام
جوزي ما مسكش إيدي لما فقدت طفلنا. خد بصمة صباعي.
سمعت جوزي بيهمس لمامته وقاللها إنهم كانوا بيخططوا يسيبوني في المستشفى.
مش بكرة.
مش لما أنا أكون محتاجة.
ده الحقيقيه
بس ده… مش كان أسوأ حاجة.
اللي كان مرعب فعلاً، إني أفهم حاجة واحدة واحدة، ودمّي لسه متجمد في عروقي، إني وأنا نص فاقدة الوعي، محطمه ومخدرة بالألم والمهدئات، مش كانوا ناويين يسيبوني وبس…
كانوا ناويين ياخدوا مني كل حاجة.
المستشفى ريحته كلور ودوا رخيص ومعدن ساقع.
ريحة تدخل مناخيرك وتقوللك من غير كلام: حصل غلطة.
مفيش حاجة هترجع زي ما كانت.
كان في صمت تقيل ومش مريح من اللي حواليّ.
الصمت اللي بييجي بعد خبر وحش، لما محدش يعرف يقول إيه والكل بيتجنب يبصلك في عينيك.
بصعوبة فتحت عينيا.
حلقي ناشف، كأني ما شربتش ميه من أيام.
الأسلحة الثقيلة، مالهاش لازمة.
وبطني… فاضي.
مش بس جسدي. فراغ حياتي.
حسيت كأن حد خدني من جوه وبعدين رجعني تاني
بشكل وحش، من غير أي احترام أو اهتمام.
قرب مني واحدة من الممرضات ببطء.
كان فيها النظرة اللي بتجيبلك الإجابة قبل ما السؤال يتقال أصلاً.
النظرة اللي ما بتوعدش بحاجة.
آسفة قوي يا مدام قالت بصوت واطي : إحنا عملنا اللي نقدر عليه.
مفيش كلام أكتر من كده.
هناك فهمت.
طفلي مش موجود.
ما فيش صراخ.
ولا نحيب فوراً.
بس برد شديد بيعدي من الصدر لأطراف جسمي، كأن حاجة حيوية اتكسرت وبتموت واحدة واحدة.
جنبّي كان جوزي، كريم.
قاعد على كرسي ناشف، إيديه ماسكين بعض ورأسه منحني، عامل دور الزوج المكسور تمام.
لو ماكنتش قابلته…
لو ماكنتش عايشة معاه…
كنت هاتألم أكتر.
ومامته، فاطمة، واقفة جنب الشباك.
إيدها متشابكة
وفكها مثبت.
باصصه على موقف العربية كأنه مستني حد يعمل حاجة قريب.
ماكنتش شكله حزين.
كان متضايق، كأن كل ده مضايقة ليه، تأخير في جدول حياته.
بعد ساعات، بين الألم والدوخة اللي عملها الدوا، دخلت وطلعت من الوعي.
الزمن وقف.
ماكنتش قادرة اتحرك صح.
ماكنتش قادرة أتكلم.
بس كنت سامعة.
أصوات واطية.
مستعجلة.
قريبة جداً.
قولتلك ده هيبقى مثالي همست فاطمة: بصوت ناشف زي لما بتدي أوامر.
كريم رد بهدوء مرعب، كأنه بيتكلم عن تغيير النت:
الدكتور قال مش هتفتكر حاجة. الدوا قوي.
احنا بس محتاجين بصمتك.
حسيت إني عايزة اتحرك.
ماكنتش قادرة.
كنت عايزة أصرخ.
الهوا مش مساعدني.
حسيت حد رفع إيده عليا.
حسيت ضغطة على صباعي على حاجة ساقعة وغريبة على جسمي.
أسرع همست فاطمة :انقل كل حاجة.
ما تسقطش الوزن.
تنفس كريم، مرتاح تقريباً.
وبعدين قطعنا كل حاجة قال : هنقوله إن ده كان كتير علينا.
الخسارة… الديون… أي حاجة.
هيتم تدميرها.
أخد بريك.
وبكده… هنكون أحرار.
جسمي كان موجود.
بس كنت محبوسة جواه، وبسمع حياتي بتنهار من غير ما أقدر أحرك صباع واحد أوقفهم.
في الصبح، صحيت فعلاً.
الأوضة كانت أوضح.
الطريق كان واضح جداً.
كريم ومامته مش موجودين.
هاتفي كان على الطاولة مسترخي، كأنه اتساب من غير أي اهتمام.
كأنها مش ملكي بعد كده.
الممرضة قالتلي، بنبرة عملية، إن كريم اتوفى بدري، وكل الأوراق اتظبت، وهيتم تسريحي في نفس اليوم.
حسيت بحاجة جوايا مشدودة.
مسكت الهاتف بإيدين مرتعشين.
قلبي بدأ يدق بسرعة قبل ما أفتح الشاشة حتى.
فتحت تطبيق البنك.
وبصيت.
الرصيد: 0.00$.
ماكنتش فاهمة على طول.
رمشت. رجعت أبص تاني.
المدخرات بتاعتي.
صندوق الطوارئ بتاعي.
الفلوس اللي جمعتها سنين “بس للظروف”.
كل حاجة اختفت.
سلسلة من التحويلات، بين الساعة 1:12 و 1:17 صباحاً، مرت قدامي على الشاشة كأنهم بيعترفوا بصمت.
قلبي بدأ يدق جامد قوي صدري بيوجعني.
في نص اليوم، رجع كريم.
ماكنتش بتظاهر خلاص.
مال عليها ، قرب قوي، بابتسامة ملتوية ومكشوفة لأول مرة.
ابتسامة قاسية.
مستمتع.
مال علي السرير و همس : شكراً على بصمتك.
احنا اشترينا البيت الفاخر بالفعل.
وهنا… انفجر جوايا
حاجة.
بس مكانتش دموع.
ولا صراخ.
ولا شفقة.
ضحكت.
لأني في اللحظة دي فهمت حاجة عمرهم ما تخيلوها…

ضحكة جافة وعميقة، كادت توجعني، طلعت من صدري وحست أضلعي بالاحتراق.
ماكنتش فرحة.
كانت حاجة جوايا مستنية تطلع من زمان.
كريم عصب حاجبه، مش فاهم.
ماكنش متوقع رد فعلي كده من واحدة اتخانقت دلوقتي.
إيه اللي مضحك كده؟ قال غاضب.
بصيتله من غير ما أرمش.
براحة. براحة عجبتني أنا كمان.
فعلاً استخدمت بصمة صباعي عشان تسرق مني؟ قلت له ببطء وفكرت إن الموضوع كده خلص؟
ابتسم.
ابتسامة واثقة، كأنه كسب خلاص.
كفاية عشان أكسب رد.
ماكنتش هاتجادل.
ماكنتش هازعل.
ماكنتش هابكي.
نزلت بصري وفتحت تاني تطبيق البنك.
مش عشان أبص على الرصيد.
أنا أصلاً كنت عارفة.
دخلت على سجل المعاملات.
وكان كل حاجة موجودة، واضحة ومرتبة زي اعتراف:
تسجيل دخول من جهاز غريب،
تحويلات ورا بعض
وبعدين… الجزء اللي عجبني.
من شهور، بعد ما كريم كسر اللاب بتاعي “غلط” وضحك كأنه هزار، حاجة جوايا صحيت.
مش شَك.
ده حدس.
قررت أحمي نفسي.
عملت تحقق ثانوي لأي تحويل كبير.
لا بصمه الوش
ولا كود رسالة.
حاجة أفضل.
حاجة عمره ما تخيلها.
أي تحويل فوق مبلغ معين محتاج حاجتين:
سؤال أمني شخصي
وتأكيد من إيميل خارجي…
واللي بس أنا عندي وصول له.
السؤال كان بسيط. قاتل.
—اسم المحامي اللي عمل عقد الزواج المسبق بتاعي؟
كريم عمره ما عرف إني موقعة عقد زواج مسبق.
افتكر إني استسلمت.
افتكر إني استسلمت.
كان غلط.
المحامي اسمه سامي فرج.
وكنت محافظه على ملفي مرتب تمام.
التحويلات ما اتنفذت.
كانت معلقة.
متجمدة.
مستنية تأكيد.
والإيميل كان موجود، منور على الشاشة:
نشاط غير طبيعي متشاف. أكد أو ارفض.
رفعت عيني ببطء.
اشتريت أي بيت بالظبط؟ سألت:
في التجمع الخامس رد وهو متفاخر تحفة.
هززت راسي ببطء.
منطقة حلوة همست.
في اللحظة دي، فاطمة ظهرت على الباب بشنطة في إيدها وابتسامة مصطنعة.
هتمضي على الطلاق وتمشي في حياتك قالت بحزم : ده أفضل للكل.
ميّلت راسي.
معاك حق.
ولّعت الشاشة.
رفض التحويلات.
بلاغ غش.
تجميد الحساب.
كتبت الرد
وأكدته على الإيميل.
التليفون رن.
التحويلات اتلغت.
الفلوس رجعت.
التحقيق بدأ.
وش كريم فقد كل لونه.
لأ! صرخ وخطوة لقدام.
متأخر أوي.
تليفون فاطمة رن.
شفت وشها بينهار لما سمعت:
مدام ، ده قسم الاحتيال في البنك…
حاولت تتكلم.
ماكنتش قادرة.
بصمة صباع…؟ همست وشها شاحب.
الممرضة ركضت، خايفة من الصراخ.
بصيتلها مباشرة.
من فضلكي اتصلي بالأمن.
وهم بيخرجوا، كريم بصلي بنظرة مليانة كراهية.
خربتي كل حاجة
رمشت ببطء.
لأ قلت انت خربت كل حاجة لما افتكرت إن وجعي هيضعفني.
ساعات بعدين، كلمت المحامي.
رجعوا الفلوس.
ابتدت الإجراءات القانونية.
خسرت حاجات كتير النهار ده.
طفل.
جواز.
كذبة.
بس ما خسرتش كرامتي.
ولا مستقبلي.
ودلوقتي بسألكم…
لو كنتوا مكاني،
كنتوا هاتبلغوا…
ولا هتمشوا وتبتدوا من جديد؟
