تشخيص كاذب

أنا اسمي سارة وروحت لدكتور نسا جديد، كنت فاكرة إنها زيارة عادية جدًا، كشف روتيني وخلاص.
لكن أول ما عرف إن الدكتور اللي كنت بتابع معاه قبل كده هو جوزي، الدكتور أحمد وشه اتغير.
سكت فجأة وبص على الشاشة قدامه لفترة أطول من اللازم.
بعدين رفع عينه عليا وقال
إحنا محتاجين نعمل تحاليل حالًا اللي أنا شايفه ده مش المفروض يكون موجود.
قلبي وقع.
لحد اللحظة دي، كنت مصدقة كل كلمة أحمد قالهالي.
بس وأنا قاعدة في الأوضة دي حسيت إن في حاجة غلط جدًا وأنا مش فاهمة حجمها قد إيه.
أنا أصلًا كنت مأجلة الكشف شهور، عشان كنت شايفة إنه مش مهم.
ما هو جوزي دكتور ومش أي دكتور، ده دكتور نسا، وهو اللي بيتابعني بقاله سنين، وعمره ما قال إن في مشكلة.
كنت واثقة فيه ثقة عمياء.
بس وأنا قاعدة في العيادة الجديدة، حسيت بحاجة غريبة كأني لأول مرة أبص على الموضوع من برّه كأني بشك في حاجة عمري ما شكيت فيها.
الدكتور كان هادي جدًا، بيتكلم بطريقة عادية، بيسأل أسئلة روتينية وهو بيكتب.
قال
عندك أي تاريخ مرضي قبل كده؟
قلت
لا، مفيش حاجة مهمة جوزي هو اللي بيتابع حالتي.
هز راسه من غير ما يبصلي، وقال
وبيشتغل إيه؟
قلت
دكتور نسا.
وهنا كل حاجة اتغيرت.
وقف لحظة.
لحظة صغيرة بس كانت كفاية.
إيده وقفت عن الكتابة، وبصلي بنظرة مش عادية نظرة مركزة فيها حاجة مقلقة.
قال
جوزك هو اللي بيعالجك؟
قلت، وأنا حاسة إني بدافع

عنه
أيوه دايمًا هو.
ما ردش على طول.
رجع بص على الشاشة وبدأ يقلب في حاجة أنا مش شايفاها، ووشه شد بطريقة خلت المكان كله يبقى تقيل ساكت زيادة عن اللزوم.
قال
في دكتور تاني شاف تحاليلك قبل كده؟
قلت
لا ليه يعني؟
سكت تاني بس المرة دي أطول.
وبعدين رجع لورا شوية وهو مركز في الشاشة كأنه بيحاول يتأكد من حاجة مش مصدقها.
وقال بهدوء
أنا عايز نعمل شوية تحاليل زيادة.
بطني اتقبضت.
قلت
في حاجة غلط؟
اتردد لحظة وده خلّى الموضوع يخوّف أكتر.
بعدين بصلي وقال
اللي أنا شايفه مش المفروض يكون موجود.
الكلام ما دخلش دماغي مرة واحدة
دخل واحدة واحدة بتقل وبيهد كل حاجة كنت فاكرة إني فاهماها عن جسمي.
قلت بصوت واطي
يعني إيه؟
قال وهو بيختار كلامه
يعني يا إما في حاجة ناقصة في التقارير
يا إما في حاجة اتفوتت.
اتفوتت.
الكلمة فضلت ترن في ودني وبتخبط في كل حاجة أحمد كان بيقولهالي
إنتي كويسة.
كل حاجة طبيعية.
مفيش أي مشكلة.
كنت سمعت الكلام ده كتير لدرجة إنه بقى عادي ما بفكرش فيه أصلاً.
لحد دلوقتي.
وأنا قاعدة قدام دكتور ما يعرفنيش ولا يعرف جوزي
وما عندوش أي سبب يطمني
حسيت بحاجة بتتغير جوايا.
مش خوف بس
ولا لخبطة
ده كان شك.
شك حقيقي.
ولأول مرة في حياتي جاتلي فكرة عمري ما سمحت لنفسي أفكر فيها
الدكتور كتب شوية طلبات تحاليل بسرعة، وناولني الورق.
قال بجدية
عايزك تعمليهم النهارده وما تتأخريش.
مسكت الورق بإيد بترتعش شوية.
طب ممكن أفهم في إيه؟
بصلي لحظة، وبعدين قال
مش حابب أقول حاجة قبل ما أتأكد بس اللي ظاهر قدامي مش طبيعي ومحتاجين نتحرك بسرعة.
كلمة بسرعة دي فضلت ترن في دماغي وأنا خارجة من العيادة.
ركبت العربية، وقعدت شوية مش قادرة أدور الموتور.
الموبايل كان في إيدي واسم أحمد ظاهر قدامي.
اترددت.
أقوله؟
ولا أستنى لما أتأكد؟
بس قبل ما أقرر هو اللي اتصل.
أيوه يا سارة، خلصتي؟
تمام
سكت لحظة بس كانت كفاية إني أحس إن في حاجة اتغيرت.
تحاليل إيه؟ سأل بهدوء هدوء غريب، مش بتاعه.
بصيت على الورق في إيدي، وقلت بتردد
حاجات روتينية يعني الدكتور بس حب يتأكد.
اسم الدكتور إيه؟
السؤال جه أسرع من اللازم.
رفعت عيني قدامي، وقلبي بدأ يدق أسرع.
ليه؟ سألته.
ضحك ضحكة خفيفة بس ما طمنتنيش.
عادي يعني بزميله.
اترددت لحظة وبعدين قلت اسمه.
سكت.
المرة دي سكوته كان أطول وأتقل.
وبعدين قال
سارة اسمعي مني كويس. متعمليش أي تحاليل دلوقتي.
إيدي شدت على الموبايل.
ليه؟
عشان التحاليل دي ممكن تبقى غلط أو الأجهزة مش مظبوطة. استني لما نرجع البيت ونتكلم.
نبرة صوته كانت هادية بس فيها حاجة غريبة.
حاجة أول مرة أحسها.
كأنه مش عايزني أعرف.
قفلت معاه وفضلت باصة قدامي.
كلمته المفروض تريحني زي كل مرة.
بس المرة دي لأ.
العكس.
فتحت باب العربية فجأة وقررت أعمل التحاليل.
المعمل كان زحمة، بس أنا كنت حاسة إني لوحدي تمامًا.
كل حاجة حواليا بقت بعيدة مكتومة.
سلمت الورق، وقعدت أستنى.
عدت ساعة يمكن أكتر.
لحد ما اسمي اتنادى.
دخلت، والدكتورة إدتني النتيجة في ظرف مقفول.
وقالتلي بهدوء
ياريت ترجعي للدكتور بسرعة.
قلبي وقع تاني.
طلعت من المعمل ووقفت في نص الشارع.
بصيت على الظرف وإيدي بتترعش.
كان عندي اختيارين
أفتحه دلوقتي
أو أستنى لما أروح لأحمد.
بس حاجة جوايا كانت بتقولي
ما تثقيش فيه.
فتحت الظرف.
عيني جريت على الورق مش فاهمة في الأول.
مصطلحات طبية أرقام
وبعدين وقفت.
كلمة واحدة
اتكررت أكتر من مرة.
Positive
حسيت الأرض بتميل.
قريت تاني بتدقيق أكتر.
وبعدين شفت ملاحظة صغيرة تحت
Findings inconsistent with previous medical records.
النتائج لا تتطابق مع السجلات الطبية السابقة
يعني إيه؟
يعني التحاليل القديمة كانت غلط؟
ولا
مكتوبة غلط؟
إيدي كانت بتترعش وأنا بمسك الموبايل.
قبل ما ألحق أفكر لقيت رسالة من أحمد وصلت
إنتي فين دلوقتي؟
ثواني ورسالة تانية
سارة ردي عليا.
وبعدين
ماتفتحيش أي حاجة قبل ما ترجعي.
جسمي كله سقع.
هو إزاي عرف؟
رفعت عيني ببطء وحسيت قلبي وقف.
عربيته كانت واقفة الناحية التانية من الشارع.
وكان واقف جنبها.
بيبصلي.
والمشكلة مش إنه جه
المشكلة كانت في نظرته.
مش قلق
مش خوف
لكن حاجة أخطر بكتير.
كأنه عارف إني فتحت الظرف.
ولو عارف
يبقى عارف أنا شفت إيه.
ولو عارف
يبقى أنا في خطر.
اتجمدت مكاني وأنا شايفاه واقف بعيد، عينيه عليّا مباشرة.
أحمد.
مش بيتحرك بس بيراقبني.
إيدي شدت على الظرف وحاولت أتصرف طبيعي، كأني لسه ما شفتش حاجة.
لكن

قلبي كان بيدق بعنف، كأنه هيكشفني لوحده.
بدأ يتحرك ناحيتي خطوة ورا التانية.
ببطء.
مش مستعجل.
كأنه واثق إني مش ههرب.
سارة.
صوته كان هادي بشكل مخيف.
وقف قدامي، وبصلي نفس النظرة اللي شوفتها من شوية.
فتحتي الظرف؟
سؤال مباشر.
مفيهوش لف ولا دوران.
بلعت ريقي وحاولت أثبت.
لا.
ثانية عدت
وبعدين ابتسم ابتسامة خفيفة.
بس ما وصلتش لعينيه.
بتكذبي.
اتسمرت.
أنا
إنتي عمرك ما عرفتي تكذبي يا سارة. قالها بهدوء غريب، وهو بيقرب أكتر.
رجعت خطوة لورا من غير ما أحس.
إيه اللي شوفتيه؟
صوته كان لسه هادي بس فيه تهديد واضح.
هزيت راسي
مش فاهمة أنت بتتكلم عن إيه.
سكت لحظة وبعدين مد إيده فجأة وخطف الظرف من إيدي.
اتخضيت.
فتحه بسرعة وعينه جريت على الورق.
ثواني
وبعدين تنهد.
تنهدة طويلة كأنه كان مستني اللحظة دي.
كنت ناوي أقولك قالها بهدوء.
رفعت عيني عليه بصدمة
تقولّي إيه؟
بصلي ولأول مرة، شفت حاجة في عينه عمري ما شفتها قبل كده.
برود.
إنك مريضة.
الكلمة نزلت عليّا زي الصدمة.
إيه؟!
بقالك فترة مش قليلة. كمل بنفس النبرة. بس أنا كنت مسيطر على الموضوع.
مسيطر؟! صوتي علي فجأة. إزاي يعني مسيطر؟!
بص حواليه بسرعة، وكأنه بيتأكد إن محدش سامعنا، وبعدين قرب مني وقال بصوت واطي
كنت بكتب تقارير غير الحقيقة.
الدنيا لفت بيا.
إنت إنت مجنون؟!
لا. رد بهدوء. أنا كنت بحميك.
ضحكت ضحكة عصبية
تحميني؟! من إيه؟ من إني أعرف إني مريضة؟!
سكت وبعدين قال
من إنك تمشي.
الكلمة وقعت تقيلة.
إيه؟
لو عرفتي كنتي هتسيبيني. قالها ببساطة مرعبة. وأنا ما كنتش هسمح بده.
رجعت لورا أكتر، والخوف بدأ يتحول لحاجة أوضح خطر حقيقي.
إنت مريض همست.
ابتسم تاني نفس الابتسامة الباردة.
ممكن. قال. بس أنا الوحيد اللي كان فاهم حالتك والوحيد اللي كان قادر يسيطر عليها.
دي مش سيطرة دي جريمة!
ما ردش.
بس عينه لمعت بحاجة خلت قلبي يقبض.
الدكتور ده قال فجأة. قالك إيه تاني؟
ولا حاجة.
كذبة تانية. قالها بهدوء. بس مش مشكلة هنتعامل.
اتجمدت.
هنتعامل؟ يعني إيه؟
بصلي بثبات وبعدين قال
يعني مش هتروحي له تاني.
سكت لحظة وبعدين مد إيده يمسك دراعي.
المرة دي مسكته كان أقوى من أي مرة قبل كده.
يلا نروح يا سارة.
حاولت أسحب إيدي
سيبني.
ضغط أكتر.
بلاش تعملي مشاكل مش في صالحك.
وفي اللحظة دي
فهمت الحقيقة كلها.
مش بس إنه كدب عليّا
ولا إنه خبّى مرضي
لكن إنه مستعد يعمل أي حاجة عشان أفضل تحت سيطرته.
ورفعت عيني عليه وقلبي بيدق بجنون
وفكرت في حاجة واحدة بس
أنا لازم أهرب. دلوقتي.
شدّت إيدي منه فجأة وبصّت له بثبات لأول مرة.
الخوف كان لسه جواها بس حاجة تانية بدأت تطلع أقوى.
غضب.
مش جاية معاك. قالتها بهدوء غريب.
اتصدم لحظة مش من الرفض، لكن من طريقتها.
سارة بلاش لعب عيال.
اللعب كان منك أنت. ردّت بسرعة. سنين وأنت بتكذب عليّا. بتكتب تقارير مزيفة؟! بتخبي مرضي؟!
نبرتها بدأت تعلى والناس حواليهم ابتدوا يبصوا.
هو لاحظ ده وقرب منها أكتر، صوته واطي وخطر
وطي صوتك.
لكنها ما سكتتش.
لا. المرة دي لأ.
لثواني الاتنين فضلوا باصين لبعض.
حرب صامتة.
وبعدين حصل حاجة هو ما كانش متوقعها.
سارة ابتسمت.
بس مش ابتسامة ضعف
ابتسامة ثقة.
أنا عارفة كل حاجة. قالتها بهدوء.
عينه ضاقت.
تقصدِي إيه؟
طلعت موبايلها وفتحت تسجيل صوتي.
وصوته هو اتسمع.
كنت بكتب تقارير غير الحقيقة
اتجمّد.
سجلتيلي؟! قالها بصدمة مكتومة.
آه. ردّت ببساطة. وأنا جاية لهنا كنت حاسة إن في حاجة غلط. فقررت أسمّع كلامك لنفسي أو لغيري.
وشه بدأ يتغير.
أول مرة يتوتر.
السجل ده لو وصل لنقابة الأطباء كملت وهي بتبص في عينه.
مش بس هتخسر شغلك ده ممكن تدخل السجن.
إنتي مش هتعملي كده. قالها بسرعة.
ليه؟
سكت.
ما عندوش إجابة.
قربت منه خطوة وقالت بصوت واطي
عشان كنت بحبك؟
دموع لمعت في عينيها بس ما نزلتش.
أنا فعلًا كنت بحبك لدرجة إني صدقتك في كل حاجة.
سكتت لحظة وبعدين نبرتها اتحولت
بس دلوقتي؟
رفعت عينيها فيه بثبات
أنا هدمّرك.
إيده شدّت واضح إنه بيحاول يسيطر على نفسه.
إنتي فاهمة غلط
لا. قاطعته. أنا فاهمة كويس أوي.
ورفعت الموبايل قدامه
التسجيل ده نسخة منه متبعتة فعلًا.
اتجمد.
إيه؟
لو حصلّي أي حاجة قالتها بوضوح، هيوصل لجهات أكتر.
لأول مرة
خاف.
بجد.
سارة لفت تمشي بس وقفت لحظة.
ومن غير ما تبص له، قالت
بالمناسبة
رفع عينه فيها.
أنا راجعة للدكتور.
وسكتت ثانية وبعدين أضافت
بس المرة دي من غيرك.
وسابته واقف مكانه
أول مرة في حياته
مش مسيطر
سارة ما بصّتش وراها وهي ماشية.
بس كانت حاسة بنظراته في ضهرها تقيلة، مليانة تهديد.
وعلى غير العادة ما خافتش.
لأول مرة
هي اللي ماسكة الورق.
تاني يوم، كانت قاعدة في مكتب محامي.
الأستاذ مروان راجل هادي، خبرة سنين باينة في كلامه ونظراته.
قفل التسجيل بعد ما سمعه كله وبص لها بتركيز.
إنتي مدركة خطورة اللي عندك ده؟
هزّت راسها
عارفة إنه ممكن يدخّله السجن.
قال بهدوء
وأكتر من كده ده تلاعب طبي، تزوير تقارير، وتعريض حياة مريضة للخطر.
سكت لحظة وبعدين قال
بس برضه هو مش هيسكت.
كأنها كانت مستنية الجملة دي.
وأنا كمان. قالتها بثبات.
بدأت الإجراءات بسرعة.
بلاغ رسمي
تقديم التسجيل
طلب فتح تحقيق مع الدكتور أحمد
وفي أقل من أسبوع
الخبر بدأ ينتشر.
طبيب متهم بتزوير تقارير مرضى
تحقيقات مع دكتور نسا شهير
سارة كانت قاعدة قدام التلفزيون إيديها متشابكة قلبها بيدق.
ده بقى حقيقي.
مفيش رجوع.
موبايلها رن.
رقم مجهول.
اترددت وبعدين ردّت.
صوته.
أحمد.
إنتي بدأتيها بجد. قالها بهدوء مخيف.
سكتت.
فاكرة إن تسجيل واحد هيوقعني؟
ابتسمت بسخرية خفيفة
مش تسجيل واحد الحقيقة كلها.
ضحك.
ضحكة باردة.
إنتي لسه ما تعرفيش أنا أقدر أعمل إيه.
ثواني صمت
وبعدين قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقها
تحبّي أفتح ملفاتك الطبية القديمة؟ قدام المحكمة؟
اتشدّت.
تقصد إيه؟
قصدي صوته بقى أوطى، أخطر،
إن مش كل حاجة عندك كنتي تعرفيها.
قلبها دق بعنف.
إنت بتكدب.
ممكن. قال بهدوء.
بس لو طلع لأ؟
وقفل.
سارة فضلت ماسكة الموبايل عقلها بيجري في ألف اتجاه.
هو بيهددها؟
ولا
في سر تاني فعلًا؟
تاني يوم في مكتب المحامي
هو بيحاول يخوّفك. قال مروان بثقة.
دي حركة متوقعة.
بس سارة ما كانتش مقتنعة.
طب لو مش

بيخوّف؟
سكت مروان لحظة
أول مرة يتردد.
يبقى لازم نكون مستعدين لأي مفاجأة.
وبالفعل
في أول جلسة تحقيق
دخل أحمد القاعة
بهدوء غريب وثقة أكبر من الطبيعي.
مش شكل واحد متهم
شكل واحد مستني يفجّر مفاجأة.
وبصّ لسارة
نفس الابتسامة القديمة.
بس المرة دي
كان فيها وعد.
القاضي بدأ الجلسة
والمحامي بتاع أحمد وقف.
سيادة القاضي قبل ما نبدأ عندنا مستندات مهمة جدًا
فتح ملف
وبص لسارة مباشرة.
الموضوع مش زي ما باين.
سارة حسّت قلبها وقع
وهي بتفكر
هو ناوي يكشف إيه؟
المحامي فتح الملف وابتدى يتكلم بثقة
سيادة القاضي قبل ما نحكم على موكلي، لازم نوضح إن الحالة دي مش عادية.
سارة كانت قاعدة إيديها ساقعة قلبها بيدق بسرعة.
إزاي يعني مش عادية؟ القاضي سأل.
المحامي بص في الورق، وبعدين قال
لأن المريضة كانت عارفة.
الدنيا سكتت.
سارة رفعت عينيها فجأة
إيه؟!
المحامي كمل
من ٣ سنين الآنسة سارة اتشخصت بمرض خطير
وقف لحظة وبعدين قال بوضوح
ورفضت العلاج.
صوت همهمة انتشر في القاعة.
سارة هزّت راسها بعنف
ده كدب! أنا عمري ما
عندنا توقيعك. المحامي قاطعها.
ورفع ورقة.
إيديها بدأت تترعش.
مستحيل همست.
المحامي قرب الورقة للقاضي
إقرار برفض العلاج وموافقة على متابعة الحالة بدون تدخل.
سارة بصّت لأحمد.
كان واقف بهدوء
وبيبتسم.
وفجأة
الذكريات بدأت تضرب في دماغها.
مواقف صغيرة كانت بتعدي.
أوراق كانت بتوقّع عليها من غير ما تركز
كلام كان بيتقال بسرعة
إجراءات روتينية بس يا سارة امضي هنا.
إنت بصّت له بصدمة.
إنت ضحكت عليّا.
ابتسامته وسعت.
بس قبل ما تتكلم
المحامي قال
وده مش كل حاجة.
فتح ملف تاني.
إحنا كمان عندنا بلاغات من حالات تانية.
القاضي ركّز
حالات تانية؟
مرضى كانوا تحت إشراف الدكتور أحمد.
كلهم عندهم نفس النمط.
القلب بتاع سارة وقع.
تشخيصات مش واضحة
تأجيل علاج
تقارير متناقضة
وبعدين قال الجملة اللي قلبت كل حاجة
وبعضهم مات.
القاعة كلها اتجمدت.
سارة بصّت لأحمد بصدمة مرعبة
إنت كنت بتعمل إيه؟!
المرة دي
هو اللي رد.
بهدوء مرعب
كنت بختار.
سكتت القاعة كلها.
بختار اللي يكمل كمل وهو باصص لسارة،
واللي لأ.
القاضي ضرب بالمطرقة
النظام!
لكن أحمد ما وقفش.
مش كل الناس تستاهل تعيش نفس الحياة
في ناس ضعيفة.
وفي ناس لازم حد يقرر لها.
سارة كانت بتترعش
إنت مجنون
بص لها بعين مليانة حاجة مرعبة
وأنتي كنتي مختلفة.
سكت لحظة
وبعدين قال
عشان كده خلتك تعيشي.
دموعها نزلت أخيرًا.
أنا ما اخترتش ده!
بس مضيتي. قالها بهدوء.
سكتت.
انكسرت.
بس للحظة واحدة بس.
وبعدين
رفعت عينيها.
وفيهم حاجة جديدة.
مش ضعف.
قوة.
حتى لو ضحكت عليّا قالت بصوت ثابت،
ده ما يبررش جرايمك.
بصت للقاضي
أنا برفع دعوى رسمية مش بس عشاني.
سكتت لحظة
لكن لكل واحد مات وهو تحت إيده.
القاضي هز راسه بجدية.
وأحمد لأول مرة
ابتسامته اختفت.
لأنه فهم حاجة واحدة
المرة دي مش هيفلت.
تمام
القاعة كانت ساكتة
الكل مركز مع أحمد، بعد اعترافه المرعب.
لكن فجأة
هو ابتسم تاني.
ابتسامة صغيرة هادية ومرعبة أكتر من أي حاجة قالها.
سارة لاحظت.
قلبها دق.
في حاجة غلط.
القاضي بص له بحدة
واضح إنك مش مدرك خطورة اعترافك.
لكن أحمد ما ردش.
بس قال جملة واحدة
هو أنا قلت إني لوحدي؟
الصمت نزل تقيل على القاعة.
المحامي بتاعه حاول يقاطعه بسرعة
موكلي تحت ضغط
لا. أحمد قالها بوضوح.
أنا واعي بكل كلمة بقولها.
وبعدين
لف ببطء
وبص على الصفوف اللي ورا.
بصوا حواليكم.
سارة حست بقشعريرة.
وبدأت تبص هي كمان
على الناس في القاعة.
دكاترة
ممرضين
موظفين
وجوه عادية جدًا.
بس فجأة
ولا واحد فيهم بقى عادي.
أحمد كمل
فاكرين إن نظام زي ده ممكن يمشي لوحده؟
القاضي ضرب بالمطرقة بعنف
كفاية!
لكن فات الأوان.
واحد من الحضور وقف.
رجل في الخمسينات كان قاعد ساكت طول الوقت.
وقال بهدوء
هو بيتكلم كتير.
القلب بتاع سارة وقف لحظة.
وقبل ما حد يفهم
اتنين تانيين وقفوا.
وبعدين واحدة.
وبعدين
واحد ورا التاني.
مش كتير
بس كفاية.
ناس عادية
بس نظراتهم كلها واحدة.
باردة.
سارة رجعت خطوة لورا
وهمست
إيه ده؟
أحمد بص لها
وقال
ده النظام الحقيقي.
القاضي بص بقلق
أمن القاعة!
لكن التوتر كان انتشر.
حد مش فاهم مين ضد مين.
وأحمد قال آخر جملة
إحنا مش بنختار بس المرضى
سكت لحظة
وبص لسارة مباشرة
إحنا بنختار مين يعيش ومين يختفي.
جسم سارة كله اتجمد.
لأن فجأة
افتكرت حاجة.
الدكتور الجديد
اللي كشف الحقيقة
نظراته.
تردده.
خوفه.
هو كمان كان عارف.
بس السؤال الحقيقي دلوقتي
كان بيحاول يساعدها؟
ولا
كان جزء منهم؟
آخر لقطة
سارة واقفة في نص القاعة
محاطة بناس مش عارفة تثق فيهم
وواحد بس متأكد منه
الحقيقة لسه ما ظهرتش كلها.
القاعة كانت في حالة فوضى.
حراس الأمن دخلوا بسرعة
الناس اللي وقفت اتقبض عليهم واحد واحد
وأحمد واقف مكانه.
هادئ.
كأنه كان مستني اللحظة دي.
سارة كانت واقفة مش قادرة تتحرك.
كل حاجة حصلت بسرعة بس عقلها كان بيجمع القطع.
دي شبكة.
مش شخص واحد.
بعد ساعات
في غرفة تحقيق.
سارة قاعدة قدام ظابط، ومعاها المحامي مروان.
إحنا بدأنا نكشف باقي الأسماء. الظابط قال بجدية.
في دكاترة معامل تقارير مزورة الموضوع أكبر بكتير مما توقعنا.
سارة بصت قدامها بشرود.
هو كان بيعمل إيه بالظبط؟
الظابط فتح ملف وقال
كانوا بيختاروا مرضى حالات معينة.
يتلاعبوا في تشخيصهم يأخروا علاجهم أو يوجهوه حسب مزاجهم.
مروان قال بصدمة
ليه؟!
الظابط رد
تجارب.
تحكم.
وأحيانًا فلوس.
سارة غمضت عينيها الألم ضربها.
يعني أنا كنت تجربة؟
سكت الظابط لحظة وبعدين قال بهدوء
لا.
فتحت عينيها.
إنتي كنتي استثناء.
بعد أيام
المحكمة.
القضية بقت رأي عام.
كل الأدلة اتعرضت
التسجيلات
الملفات المزورة
شهادات ضحايا تانيين
وأخيرًا
الحكم.
القاضي وقف
والقاعة كلها ساكتة.
بعد الاطلاع على الأدلة
يُحكم على المتهم أحمد
سارة مسكت الكرسي بإيدها
بالسجن المؤبد.
صوت الناس علي
بس هي ما سمعتش حاجة.
بس كانت باصة عليه.
أحمد.
اتقابلت عيونهم.
ولأول مرة
هو مش مبتسم.
لكن قبل ما يتاخد
قالها بهدوء
انتهت؟
سارة ردت
بنفس الهدوء
بالنسبالك آه.
سكتت لحظة
وبعدين قالت
بس بالنسبة للي عملته ده لسه بيبدأ.
بعد شهور
سارة قاعدة في نفس العيادة.
بس المرة دي
مش كمريضة.
كمتحدثة.
أنا مش هنا أحكي قصتي بس قالت قدام مجموعة ستات.
أنا هنا أقولكم ما تثقوش ثقة عمياء في أي حد.
صوتها كان ثابت.
قوي.
اسألوا راجعوا افهموا.
جسمك حقك وصحتك مسؤوليتك.
واحدة من الحضور سألتها
وخوفك؟ راح؟
سارة ابتسمت ابتسامة خفيفة.
لأ.
سكتت لحظة
بس بقيت أستخدمه بدل ما يستخدمني.
آخر لقطة
سارة ماشية في الشارع
الدنيا حواليها طبيعية.
بس لما عدّت جنب مستشفى
وقفت لحظة.
بصت لجوه
وبعدين كملت مشي.
من غير ما تبص وراها.
لأن المرة دي هي اللي خرجت من القصة.
مش ضحية
لكن ناجية.
النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *