بلاء قمطريرا سمية رشاد
الفصل الأول
– أنا اتزوجت
كلمات بسيطة تكاد لا تكمل حروفها العشر إلا أنها وقعت كالجمر المشتعل على قلبها، اعترتها غصة مريرة من حيث لا تدري وهي تطالع تعابير وجهه القاسية، أرادت طمأنة قلبها بحنان عينيه إلا أنها لم تستشفِ سوى القسوة الطاغية
اقتربت منه برفق وعيناها تسبح على سطح جل تعابير وجهه وأخيرًا هتفت إليه بتوسل ونبرة فضحت عن نوبات بكائها القادمة
– إياس انت بتهزر صح؟ رد عليا وقول لي إنك بتهزر؟ إياس مستحيل يعمل في عائشة كدا صح؟
لم تصدر عنه أي إجابة سوى أن التفت بوجهه إلى الجهة الأخرى فأدارت وجهه إليها بعنف وهي تصرخ ببكاء لم تستطع كبته أكثر من ذلك
– إياس رُد
ضغط على قبضة يده بعنف كي لا يضعف ويعانقها معتذرًا على ما اقترف بحق حبهما العريق وقبل أن تفضحه عيناه هتف بجمود قبل أن يخرج متهربا إلى الخارج
– زي ما سمعتِ أظن دا موضوع مفيهوش هزار
هوت قدماها أرضا لاحقة بفؤادها الذي انتزعه وسحقه تحت قدماه قبل قليل وهي تدرك جحيم ما تفوه به، تعلم تمام العلم بأنه لا يمزح في هذا الشيء ليس في هذا الوقت فسوء حالته النفسية بسبب تلك الأزمة التي تعرض لها وتقلباته المزاجية أكبر دليل على صدقه، فإياس الحالي ليس هو من يمزح بتلك المزحة الزهيدة، ظلت على حالها لدقائق كثيرة تعدت إلى ساعات حتى نهضت من مكانها وهي تمحي دموعها التي غرق وجهها بها ثم اتجهت إلى الداخل عازمة على شيء ما علها بفعلتها تجعله يفيق من هذا الطوفان الذي غاص في أعماقه ثم أدركه الغرق به فلم يعد يستطيع العودة مرة أخرى.
طاف بسيارته كثيرًا في جميع الأنحاء، تخبط بها في العديد من الطرقات بعقلٍ ربما لو استطاع البكاء لبكى على حال صاحبه الذي تصلبت عيناه من قسوة ما تعرض له، لم تقُده قدماه سوى تجاه هذا المسجد القديم الذي دائما ما كان يتجمع فيه برفقة شقيقه وصديقه عبدالرحمن، تأوه بحزن دفين وهو يتذكر تلك الأيام الهادئة الخالية من نوائب الدهر، استند بجذعه على جدار المسجد وأنامله تعبث بين أوراق المصحف الشريف بين يديه ثم بدأ في التلاوة بصوته العذب علّ شروده بكلمات الله ينسيه ما يمر به في الوقت الحالي.
*****
لفافة تبغ حقيرة قبضت عليها أنامل ذلك المراهق الذي ربما لم يبلغ عمره السابعة عشر بعد، ابتسامة متهكمة فرّت من شفتيه بعدما استمع إلى كلمات رفيقه القلقة
– مش خايف أصل أبوك يشوفك يا أبان
التفت إليه هاتفًا بحدة
– أنا مبخافش من حد
هز رفيقه رأسه بعدم رضا هاتفا برجاء
– أبان ابعد عن أحمد والشلة دي هيضيعوك وهيكرهوك في أبوك
زفر بضيق بعدما التقط بضعا من تلك السموم المحتفظ عليها بيمناه ثم هتف بضيق
– بقولك إيه يا علي متوجعش دماغي بأبويا والحوارات دي بقا وسيبني أكملها قبل ما أروح عشان عندي صداع
طالعه عليّ بأسف وحزن على صديقه الذي تنحدر أخلاقه بسبب تلك الصحبة الفاسدة التي تقطف بهاءه يومًا بعد يوم فتركه أبان بلامبالاة ثم التقط إحدى قطع الحلوى المفعمة برائحة النعناع حاضنًا إياها بين شفتيه علها تزيح بعضًا من تلك الرائحة الكريهة التي تتشبث بأنفاسه قبل أن يعود إلى البيت
زفر بضيق بعدما وجد أباه جالسًا في بهو المنزل يطالعه بشررٍ فوضع الكتب التي يحملها بيده على أقرب طاولة إليه ثم همّ بالصعود إلى الأعلى بعدما بادل أباه بنظرة عدائية
كادت قدماه أن تخط العتبة الأولى من الدرج إلا أنها أبت أن تحرر الأرض من عناقها بها فتصلبت بمحلها أثر سماعه لكلمات والده الغاضبة
– الدرس ميعاده خلص من ساعة كنت فين دا كله؟
التقط أنفاسًا عميقة وما لبث أن حررها من سجنها وهو يزفر بضيق قائلًا
– كنت مع علي شوية… عندك مانع؟
اغتاظ أوس من نبرته المستهزئة التي يحدثه بها فاقترب منه بغضب ساحبًا ذراعه الأيمن بقوة جاعلًا إياه ينظر إليه وهو يهتف بحدة
– قسمًا بربي يا أبان لو ما اتكلمت عدل هنسى أي تصرف عاقل المفروض أتصرف بيه معاك
أغمض الآخر عيناه بقوة غير مهتمًا بتهديده فدفعه أوس بقوة ناحية الدرج ثم اتجه عائدًا إلى الأريكة التي كان يجلس عليها قبل قدومه وهو يصيح بعنفٍ
– مفيش خروج من البيت المدرسين هييجوا لك هنا… ومش عايز أقولك هعمل إيه يا أبان لو كان اللي بفكر فيه صح
كاد الآخر أن يجيبه معترضًا بعدما استمع إلى كلماته ولكن نظرات والدته التي قدمت مهرولة أثر سماعها لصراخ زوجها جعله يصعد إلى غرفته صافقًا الباب خلفه بعنف.
استند أوس بجبينه على مرفقيه وهو يفكر في أمر هذا الذي لا يدري ماذا يفعل معه، استخدم كل الطرق كي يعيده إلى ثوابه إلا أنه لم يصلح معه لين ولا شدة، حاول أن يجعله صديقًا له عله يقترب منه ويستطيع السبر بين أغوار أسراره التي أودت به إلى سبيلٍ لا خير فيه إلا أن الآخر لم يستجب وكأن شيطانًا تلبسه وأبى أن يتركه قبل أن يصطحبه معه إلى طريق ليست له نهاية سوى أن يكونا حطبًا لجهنم تزيد به من لظاها المشتعل بأصحاب الذنوب والآثام.
شعر بمن يربت على قدميه بلين فانتفض بضيق هاتفًا بقلة حيلة
– أعمل معاه إييه… قوليلي أعمل معاه إيه.. أق.تله وأرتاح… صعبان عليا إنه يكون في الطريق دا.. نفسي نكون كلنا في الجنة مع بعض.. خايف تيجي لحظة ويكون بيتذلل لحد يساعده وكلنا نفرّ منه.. مش عايز ابني يكون كدا.. مش عايز
تساقطت دموعها التي لم تعد تفارق وجهها منذ أن التحق صغيرها بالمرحلة الثانوية وضياعه إلى هذا الحد الذي لم يعد يستطيع أحدهم السيطرة عليه، حاولت الكف عن ذرف دموعها وهي تعاود مواساة زوجها وهي تهمس بأمل
– إن شاء الله ربنا هيهديه لينا… ادعي ربنا يهديه يا أوس دا أقوى سلاح معانا أقوى من إننا نحبسه أو نمنعه عن أي حاجة… واثقة إن ربنا هيهديه إن شاء الله بس خلي إيمانك بربنا قوي وادعي له ونحاول معاه بدل المرة ألف.. هو إيه هيكون عندنا أهم منه؟
لم يصدر عنه سوى أن رقع كفه الأيمن ممررًا إياه على وجهه بعنف ثم نهض تاركًا إياها بقلبٍ مفطور على خلفٍ أودع فيه كل أمانيه فنثرها بين الموجات القاسية مخبرًا إياه بأن يرمم جرح أمانيه إن استطاع لملمة شتاتها من بين موجات الظلمات.
*****
– ياسين اصحى يلا صلي الفجر… يلا الفجر أذن
هتفت حور بهذه الكلمات وهي تطالع زوجها الذي بات يثير حنقها في الآونة الأخيرة عند كل مرة تحاول إيقاظه فيها لصلاة الفجر، هزت كتفه برفق وهي تردد اسمه عله يفيق أثر حركتها إلا انه ظل يهمهم أثناء نومه دون أن ينهض فزفرت بضيق ثم جذبت كوب المياه الموضوع على ” الكوميدينو” جوار الفراش ونثرت منه قطرات بسيطة على وجهه، كادت أن تعيد الكرة مرة أخرى وتسكب بعض المياه على أصابعها إلا أنه نهض منتفضًا بحنق أثر القطرات التي أزعجت منامه ثم صاح بغلظة
– أنتِ غبية ؟ غرقتيني يا حور .. إيه شغل العيال دا؟؟
انتفضت بفزع أثر صراخه المفاجئ عليها ثم رمقته بنظرة لم تخلُ من العتاب قبل أن تتركه وتتجه إلى الخارج دون ان تنبث بكلمة، تشعر بالحسرة على انتكاسته هذه الفترة فبعدما كان هو من يوقظها لصلاة الفجر ويستيقظ قبلها كي يقضي بضعًا من الليل في التهجد إلى خالقه بات لا يستيقظ إلا بإلحاحٍ شديد. تبدل حاله إلى درجة كبيرة عما كان عليه فحتى السنن التي كان مواظبًا عليها لم يعد يطرق بابها بل والأفظع من ذلك أنه غالبًا ما يتكاسل عن الذهاب إلى المسجد ويقضي صلواته المفروضة بين جدران البيت… لم يعد ياسين ذاك الذي تزوجته واتفقت معه أن يقيما بيتًا إذا رآه النبي تبسم لحالهما بل أصبح شخص يحركه الشيطان على هواه وهو يخضع له وكأنه اشتراه وليس معه ما يدفعه له كي يفك أسره.
كادت أن تبدأ صلاتها بعدما فرشت سجادة الصلاة تجاه موضع القبلة إلا أن يداها تيبست عندما وجدته يضع سجادة أخرى بجوار سجادتها ويشرع في البدء في الصلاة، نظرت إليه باندهاش ثم سألته بترقب
– مش هتصلي في المسجد؟
أجابها بلامبالاة قبل أن يعلو صوته بالتكبير
– هصلي هنا النهاردة الجو برد
ضغطت على قبضة يدها بقوة لا تقل عن أسنانها اللاتي تتعاركن مع بعضها من فرط غيظهن فحتى صلاة الجماعة لم يعرضها عليها كي تعوض بضعًا مما فاته من ثوابها، كادت أن تنهره كي يعدل من فكرته ويذهب إلى المسجد إلا أنها تبعته في صلاته بعدما وجدته قد شرع في الصلاة بالفعل ولا سبيل لها لزجره.
بعد دقائق قليلة انتهى هو من صلاة الفجر وتبعته هي بعد دقائق أكثر فوجدته يذهب إلى الفراش ويتدثر تحته بكسل مخالفًا ما كان يفعل في السابق من مشاركتها في قراءة ورده اليومي بعد الصلاة
اتجهت إليه بعنف بعدما طفح بها الكيل فإن كانت قد صمدت في الأيام السابقة عله يخجل من نفسه ويعود كما كان إلا أنها لن تصمت أكتر من ذلك فحاله يتدهور يومًا بعد يوم ويبتعد عن طريق القرب الذي لا نهايه له مهما دنا الاقتراب، ارتمت بجواره على الفراش بعنف كي يلتفت إليها ثم هتفت إليه بحنق دون انتظار ردة فعله
– انت كذاب
عقد حاجبيه باستنكار لطريقتها التي تنتهجها في معاملته منذ يومين إلا أنه بقى موليها ظهره خجلًا من ذاته لعلمه جيدًا بما سوف تحدثه. فيكفيه نظراتها العاتبة التي ترمقه بها منذ أيام كثيرة ولكنها أبت الانصياع وراء رغبة شيطانه هي الأخرى فأعادت كلماتها مرة أخرى بصوت أعلى وانفعال أكبر
– انت كذاب يا ياسين كذاب ومنافق
اشتعلت الدماء بعروقه من كلمتها التي نعتته بها فالتفت إليها هاتفًا بتحذير وعيناه اتخذت مكانها للعراك مع عينيها
– حووور.. متتخطيش حدودك
اشتعل غضبها أكثر من طريقته فهتفت بهجوم
– هو أنا قلت حاجة غلط؟ أنت مش شايف في فرق بين كل كلامك اللي كنت بتقوله وبين أفعالك دلوقتي؟
أجابها بضيق مغيرًا للموضوع
– وانتِ مش شايفة في فرق بين طريقة كلامك معايا وبين الدور اللي بتحاولي ترسميه؟
برقت عينيها بصدمة من سوء ظنه بها ثم همست إليه بذهول
– الدور اللي بحاول أرسمه؟ انت شايفني كدا ؟
وزع نظراته في جميع أنحاء الغرفة عدا الركن الذي تحتله هي ثم هتف بغلظة دون النظر إليها
– أنتِ اللي بداتي بالغلط متزعليش في الآخر وتعملي نفسك مظلومة
التقطت أنفاسها بقوة ثم نهضت منسحبة من محلها بهدوء ترحم قلبها من تلك الرصاصات القاسية التي تقذفها شفتيه بها هاتفة بهدوء قبل أن تغيب عن عينيه دون أن تلتفت إليه
– ربنا شاهد على اللي في قلبي وعارف كويس أنا في نيتي إيه مش محتاجة أبرر لك وبعتذر على الكلمة اللي قلتها لك “منافق”بس دا اللي حسيته وأنت اللي عودتني إما أتضايق من حاجة أقولها.
تنهد بقوة بعد غيابها عن عينيه ثم التقط تلك الوسادة التي كانت تستقر بمحلها واحتضنها بين ذراعيه مغمضًا عينيه دون أن يبالي.
********
بعدما تنفس الصباح في السابعة صباحًا أوصد الباب خلفه بعد تلك الليلة التي قضاها في المسجد دون أن يشعر بجفنيه اللذان تعانقا بعد ليالٍ عجاف حكم عليها بالفراق فيها من عقله الذي كان يأبى الخضوع لسلطان النوم معتصمًا ثأرًا لقلبه، عقد حاجبيه باندهاش وهو يرى عائشة التي تغفو على الأريكة بكامل ثيابها عدا نقابها الذي رفعته عن وجهها و ابنيها يستندان على فخذيها كلًا منهما يحتضن الآخر، اقترب منها بهدوء هاتفًا اسمها برفق غير عابئًا بتلك الحقيبة الكبيرة التي اصطدمت بها قدمه، فاقت من نومها بقلق وعيناها تجوب على جسده من أعلاه لأسفل قدمه وسرعان ما استعادت وعيها واستفاقت من نومها وهي تنهض واقفة برفق بعدما أراحت رأسي صغيريها على الأريكة ثم التقطت هاتفها الموضوع على الطاولة وعبثت به قليلًا ثم هتفت بهدوء ونبرة محشرجة من أثر النوم
– عمار معلش ممكن تعدي عليا تاخدني أنا والولاد قبل ما تروح الشغل عشان مش هعرف آجي لواحدي؟
استمعت إلى الطرف الآخر بهدوء وسرعان ما أردفت بتوتر
هقولك إما آجي… حاضر مستنياك
أغلقت الهاتف بهدوء منافي لارتجاف قلبها من ذاك الذي علمت من اهتزاز قدميه بأنه يجاهد كي يستعيد بعض هدوءه قبل أن يثور عليها وما لبثت أن شهقت بفزع وهو يجذب ذراعها بقوة متجها بها نحو غرفتهما وعيناه تنظران إلى أبناءهما بتحذير إشارة لها كي لا تتحدث حتى لا تثير فزعهم
ثواني قليله وكانت تفرك ذراعها أثر قبضته القاسية وهي تطالعه بحنق فبادلها النظرة بأخرى غاضبة وهو يصيح بعنف
– ممكن الهانم لو تكرمت تعرفني هي راحة فين من غير ما أعرف لأ وبتخطط كمان وأنا واقف مليش لازمة… ممكن حضرتك تفهميني دا إيه لو مش هضايقك يعني
زفرت بضيق من استهزائه بها ثم هتفت بمرارة
– هو أنت كمان بتسأل؟ بأي حق أصلًا أنت باللي عملته كسرت أي حق كان ليك
– أنا معملتش حاجة حرام دا حقي
قال جملته بلهجة باردة يلجأ إليها عند ضعف حجته فأجابته بهدوء مصطنع
– تمام.. وأنا كمان من حقي أقبل أو أرفض الوضع اللي أنت حطتني فيه وأنا استخدمت حقي وبرفضه مش عايزة أعيش معاك تاني يا إياس
– عائشة
هتف اسمها بتحذير من متابعة حديثها الذي يمزق نياط قلبه إلا أنها لم تبالي وهي تسترسل قائلة
– عمري ما كنت أتخيل إن ييجي الوقت اللي هشتكي أذيتك ليا لربنا فيه… أنت آخر واحد كنت أتوقع إنه يقدر يوجع قلبي أصلًا.. أنا رايحة بيت العيلة لحد ما ننهي الموضوع دا وت..تطلقني
همست بالكلمة الأخيرة بارتجاف جعله ينتظر ثواني قبل أن يفهم ما قالت فأدرفت وهي ترفع نقابها على وجهها
– عارفة إنه غلط أسيب البيت وأمشي بدون ما تأذن لي بس كل اللي قدرت أعمله أني استنيتك وعرفتك قبل ما أمشي… مش هقدر أضغط على قلبي أكتر من كدا وأجبره إنه يتحمل فوق طاقته .. صوت عربية عمار وصلت ياريت تعمل خير فيا وتسيبتي أمشي
أنهت كلماتها ثم ولت عنه وهي تشعر بالخنجر الذي أردت غرسه بقلبه يرتد قاسما قلبها هي بعدما أقسم أن يشد حدته ثائرا لكرامته من إباء قلب ذاك القاسي الواقف أمامه الذي كان أشد قسوة من الحجارة حتى كاد الخنجر أن ينفلق.. سحبت جنة التي استيقظت من نومها لتوهما ونظرت لوالدها بضياع ثم اتجت بها إلى الأسفل كي تخبر شقيقها بأن يأت ويصطحب صغيرها الآخر بينما ظل هو واقفًا في الغرفة دون أن يكلف نفسه عناء اللحاق بها.
الفصل الثاني
-إيه اللي حصل يا إياس في إيه؟
هتف بها عمار الذي صعد إلى الأعلى كي يجلب عبدالرحمن ذو الاثنا عشر عامًا ليصطحبه مع شقيقته وجنة اللتان تنتظراه في الأسفل، وقف أمامه باندهاش من حالة التيه التي تسيطر عليه فتيقن بأن هناك خطبًا كبيرًا ألمّ بهما فإن كانت عيني شقيقته المتورمة قد أخبرته ببعض ما أحلّ بهما فحالة إياس هذه أقسمت على صدق ما أخبرته به تلك العينان.
جلس إياس على الأريكة خلفه وعيناه لا تبارح ذاك الباب الذي فارقته لتوها فهتف إليه عمار بيأس
– ليه مصرّ تهدّ اللي باقي في قلوبكوا بدل ما ترمم اللي وقع منها
تنهد إياس بقوة ثم أجابه بغموض
– في جرح مستحيل تقدر ترممه مهما عملت.. جرح من غير علاج.. حتى لو قدرت تتجاهله عمرك ما هتقدر تنساه
زفر عمار بقوة ضائقا من هذا الذي أصبح كل تفكيرة عبارة عن يأس وإحباط واستسلام حتى صار يغدق بهم كل من يتحدث معه ثم سأله بهدوء متجاهلًا حديثه السابق
– مش هسأل إيه اللي وصلها لدرجة إنها تسيبك كدا بس لو عايزني أرجعها دلوقتي هطلع أجيبها لك
نظر إليه قليلًا بعقلٍ شارد ثم أجابه بجمود متذكرًا كلماتها الأخيرة
– خليها براحتها مفيش قلب يقبل على نفسه إنه يجبر حد يستحمله في أسوأ أيام حياته.
– إياس انت شايف عائشة بتتخلى عنك؟ هي لو كانت فعلًا كدا مكنتش استنت لحد دلوقتي… هي فضلت معاك في الأزمة اللي فاتت دي كلها ولو كان حد قالها تسيبك كانت هتاكله.. محدش يقدر يقربها منك أو يبعدها عنك غيرك وأنا متأكد إن عائشة خرجت من البيت دا بسببك انت عشان كدا مسألتش ومش هسأل على أسباب.. أنا هاخد عبدالرحمن وهنزل لها عشان متأخرش عليها ووقت ما تحتاجني أنا جنبك.
ألقى عمار هذه الكلمات بوجهه في هدوء ثم التفت إلى عبدالرحمن الذي بدأ يستفيق من نومه أثر أصواتهم فهتف إليه بحنان
– يلا يا حبببي عشان نروح عند صبا مستنياك
نظر عبدالرحمن إلى والده بتساؤل قائلًا
– أبي مش هتيجي معانا
اغتصب إياس ابتسامه رسمها رغمًا عنه على شفتيه وهو يلتفت إليه مجيبًا إياه بحنان
– روح يا حبيبي مع خالو هتقعدوا هناك شوية عشان أنا مش فاضي
هز عبدالرحمن رأسه بنفي عدة مرات ثم اتجه نحوه وتشبث بثيابه قائلًا بخوف
– لأ أنا عايز أفضل معاك مش عايز أروح أي مكان أنت هتبعد عننا تاني ومش هعرف أشوفك لأ مش هروح هفضل معاك هنا
أغمض إياس عينيه بقوة أثر ذكره لتك الذكرى التي أصبحت تطفو على كل حديثهم ثم ربت على كتفه برفق
– متخافش يا حبيبي كل ما أفضى هاجي لكوا.. بابا ميقدرش يعيش من غير عبدالرحمن أصلا
هز الصغير رأسه بالنفي وهو يجيبه بتفكير
– لأ بابا قدر يعيش تسع شهور من غير عبدالرحمن وممكن يعملها تاني
ضغط على قبضة يده بشدة محاولًا السيطرة على أعصابه ثم أجابه
– لو كان بمزاجي مكنتش قدرت أبعد عنك يوم واحد بس أكيد مش هتتكرر تاني إن شاء الله… كانت فترة وعدت
هز عبدالرحمن رأسه بالنفي وشفتاه ترتجف تمهيدًا للبكاء خوفًا من فراق ذاق مرارته جيدًا فهز إياس رأسه بيأس ثم هتف لعمار
– خلاص يا عمار سيبه معايا دلوقتي وأنا هجيبه ليك بالليل .
أومأ إليه عمار متفهمًا ثم حمل الحقيبة الخاصة بعائشة قائلا قبل أن يختفي من أمام عينيه
– ياريت أنت كمان تقتنع إنها كانت فترة وعدت زي ما قلت لعبد الرحمن.
نظر إياس إلى أثره بشرود وسرعان ما استفاق على يد صغيره التي سحبته بسعادة نحو غرفته ليستخدما كل الألعاب احتفالًا من الصغير ببقائه مع والده.
***********
أصوات غناء فاحشة وما يعرف بتلك المهرجانات الشعبية ترنو إلى مسامعه فتثير حفيظته وتجعل عقله يفور على ذاك الذي علم جيدًا أن لا أحد يفعلها غيره، انتفض واقفًا من جلسته بعدما أغلق المصحف الذي كان يحمله بين أنامله ثم هرول نحو الأعلى وأريج تتبعه بارتعاب على ولدها الذي يبدو أنه لن يأتي بخير؛ فكل مرة يأت بمصيبة ووالده يتجاهل فعلته عله يعود إلى صوابه إلا أنه يزداد في وقاحته وكأنّ إثارة غضب أبيه أصبحت هوايته المفضلة، اقتحم أوس غرفة أبان بعنف دون أن يطرق الباب فوجد الآخر يوليه ظهره وهاتفه متصلًا بمكبرات الصوت ويتمايل بجسده بحركات مقززة جعلته يتخلى عن عقله ويقترب منه بسرعة البرق ولم تمر ثواني إلا وكان هاتف أبان محطما إلى شظايا صغيرة أخبرتهم بأنه من المستحيل إعادة تركيبه مرة ثانية، نظر أبان إلى أبيه بحدة ثم صرخ بعدم احترام
– كسرته ليه؟
لم يكن من أوس سوى أن جذبه من مقدمة ملابسة صائحًا بغضب وهو يرفع يده الأخرى أمام وجهه
– أنا ماسك نفسي إني أض.ربك بالعافية طريقتك الحقيرة دي لو كلمتني بيها تاني أنا أو أي حد قسمًا بربي ما هتردد لحظة في إني أرميك في الشارع
سحب الآخر أنفاسا عميقة ثم زفرها بغضب وهو ينظر إلى الجهة الأخرى بحقد فأردف أوس وهو مازال قابضا على ثيابه
– إيه القرف اللي كنت بتسمعه دا؟ أنا مش مانع أي حد يشغلها أو يسمعها وإيه الحركات الزبالة اللي كنت بتعملها دي ؟
نظر إليه أبان بحنق وهو يتمتم ببردو
– وفيها إيه؟! ما كل صحابي بيعملوا كدا.. اشمعنى أنا يعني
ضغط أوس على قبضته بشدة وهو يصرخ بوجهه
– عشان انت ربنا أنعم عليك ورزقك بأهل عارفين الحرام من الحلال وخايفين عليك.. افهم بقا هو أنا فرحان بإن كل شوية أتخانق معاك ونحرق في قلوب بعضنا كدا… أنا أبوك عارف يعني إيه… يعني بتمناك تكون أحسن مني… بتمنى تكون أحسن واحد في الدنيا… عايزك تاخد بايدي للجنة مش عايزك تخسر آخرتك عشان حاجات هايفة عدم وجودها أحسن
نظر أبان إلى الجهة الأخرى ببرود ثم هتف باستهزاء
– ليس كل ما يتمناه المرأ يدركه.
هز أوس رأسه بقلة حيلة ثم ترك ثيابه وهو يتمتم بضيق
– هتفضل طول عمرك غبي
أومأ أبان إليه بلامبالاة ثم ابتسم بسخرية وهو يهتف
– وأنت هتفضل طول عمرك بتكرهني
صعق أوس من جملته التي أصابت قلبه فهتف بصدمة مصحوبة بالاستنكار
– أنا بكرهك؟!
أجابه بقسوة
– زي ما أنا بكرهك بالضبط
هز أوس رأسه بإيجاب ثم التفت خارجًا من الغرفة بقلب يحمل هموم الدنيا بما فيها فافتعل أبان صوتًا يدل على سخريته منه فلكمته أريج في صدره بغيظ وهي تهتف بحسرة
– يا خسارة يا أبان يا خسارة… لو تعرف هو عمل إيه عشان تكون موجود معانا دلوقتي كنت هتفضل طول عمرك تبوس إيده بجد يا خسارة
تبعت أوس بعدما قالت كلماتها الأخيرة فهز رأسه بلامبالاة قائلًا باستهزاء
– روحي يختي وراه اجري… ما أنت مش شاطرة غير في كدا والندب يتكوا القرف.
*********
– حاسة إني كدا أذنبت يا عمو المفروض مكنتش سيبته في الوقت دا بالذات.. إياس تعبان.. أنا عايزة أرجع تاني
هتفت بها عائشة من بين دموعها وهي تطالع ذاك الرجل الذي اشتعل رأسه شيبًا و ملأت التجاعيد جميع أركان وجهه ومع كل هذا لم يتخلّ عن جاذبيته التي تخ.طف الأنظار أينما كان، تنهد بقلة حيلة وهو يوجه أنظاره إليها هاتفًا بحزن دفين على ما أحل بولده
– إياس لازم حاجة تفوقه عشان يرجع زي ما كان… وطول ما أنتِ بتأيديه على كل حاجة بيعملها هيسوء فيها… لازم يتقرص عشان يفوق
– مش دلوقتي يا مصعب مش في الوقت اللي هو فيه مش لاقي نفسه أصلًا
التفت مصعب إلى حبة القلب زوجته “صبا” التي يعلم منذ البداية باعتراضها على خطته التي اتفق عليها هو وزوجة ولده “عائشة” كي يعيدا إياس إلى رشده ثم هز رأسه بنفي وهو يهتف بهدوء
– كانت معاه الأيام اللي فاتت دي كلها حصل إيه؟ راح اتجوز عليها… افهمي إن إياس اللي ربتيه واحد تاني عن إياس اللي قضى شهور ظلم في السجن…إياس اللي معانا دلوقتي بقا مسخ لازم نحاول نرجعه زي ما كان.. عائشة بعدت عنه عشان نفسه مش عشانها لازم نحاول معاه بكل الطرق
نهضت صبا من مكانها بقلب يصارع للبقاء رغم ما حدث لفلذة كبدها أمام عينيها ثم اتجهت إلى الأعلى وهي تهتف بإباء
– مش مقتنعة أبدًا بإن زوجة تهجر زوجها مهما كان السبب.. هو في أصعب وقت في حياته دلوقتي ومش قادر يستوعب لسة إن في إنسان مات بسببه زي ما بيقول… لازم كلنا نكون معاه مش نسيبه ونقول عشان نضغط عليه دا مش موجود في أي شرع
نظرت عائشة بضياع إلى مصعب الذي كان يطالع أثر صبا بشرود فهتف بغموض
-هيكون معانا ومحدش هيتخلى عنه في الوقت دا… متقلقيش يومين وإياس هييجي يعيش معانا فيهم هنا وكلنا هنكون معاه.
وجهت جل تركيزها إليه وهي تشعر بالأمل يغزو قلبها من جديد فابتسم إليها بوقار ثم سألها
– عمري وعدتك بحاجك وخلفت؟
هزت رأسها بالنفي وابتسامتها تتسع من بين دموعها فربت على كتفها بحنان ثم هتف
– حاولي تستحملي عشانه وتسامحيه… عارف إنك قلبك موجوع من جوازته دي بالرغم من إنك مقتنعة بأسبابه بس اصبري وربنا هيحلها من عنده
أومأت إليه بإيجاب وسرعان ما فقدت تماسكها وانفجرت في البكاء وكأن كلماته أشعلت فتيل غيرتها التي كانت تحاول أن تغرقه بدموعها كي لا يقدر على الاشتعال ولكن بتقديره لما تشعر به جعل الفتيل ينفجر من الجفاف حتى اشتعل بكل قوته فصار ينهش كل ما يشم رائحته.
سحب نفسًا عميقا ثم عاد زافرًا إياه بكل قوته وهو يسألها بهدوء
– للدرجة دي
حاولت الكف عن بكائها وهي ترفع عينيها إليه متمتمه بشجن
– عارف يا عمو إياس مش مجرد زوج حبيته وحصل بينا مشكلة فهفترق عنه.. إياس بالنسبة لي وطن وأنا من غيره عابر سبيل مش لاقي ركن يلمني…. هو بالنسبة لي حاجة عظيمة أوي لدرجة إن مع كل اللي عمله مش شايفاه غلط في أي حاجة.. قلبي اتوجع وروحي اتقسمت من اللي حصل وهفضل كدا لحد ما ترجع له ضحكته اللي بحس إنها بتطبطب على قلبي لكن دموعه دي بتكسرني.. كنت بزعل لمجرد إني بشوفه قاعد بيفكر خوف من إنه يكون مهموم.. لو اتجرح جرح صغير بحس إنه بيوجعني أنا بحس إن الجرح دا في قلبي… أنا سامحته ومسمحاه وهسامحه على أي حاجة يعملها معايا بس عايزاه يرجع إياس اللي حبيته… عايزاه يرجع لنفسه عشان أقدر ألاقي نفسي.
نهض مصعب من مكانه جاذبًا إياها من ذراعيها حتى صارت بين أحضانه فهمس بحنان وهو يقبل جبينها
– حاشاه أن يترك قلوبنا تعاني دون أن يجزينا على مصيبتنا خيرًا ، بل حاشاه أن يخلف وعده ويكلف النفس مالا تطيق،فصبرٌ جميل عسى الله أن يرينا من الأقدار أجملها إن رضينا بما قسمه لنا
اعتصرت عيناها بقوة في محاولة منها لإزاحة دموعها التي تضايق جفنيها فربت على كتفيها مرة أخرى بهدوء ثم ابتعد عنها تاركًا إياها تتذلل لقلبها كي يبقى صامدًا حتى يحين الله اللقاء
********
في المساء
كانت حور جالسة في بهو المنزل على تلك الاريكة السوداء الواسعة وقدماها تهتز بقوة أثر غضبها الذي يفتك بجل أوصالها، التفتت إلى ياسين الذي نهض لتوه من سجادة الصلاة ثم هتفت إليه بهدوء جاهدت كي ترسمه
– لو سمحت محتاجة أتكلم معاك
عقد حاجبيه باستغراب وسرعان ما هز رأسه بحنق قائلًا
– حوور أنا جاي من العيادة تعبان ومحتاج أرتاح
– هتنام بعد المغرب؟
زفر بضيق وهو يشعر بها تحاصره من جميع الجهات فجلس جوارها وهو يهتف بملل
– ها خير قعدت
جزت على شفتيها بقوة أثر حنقها من طريقته التي يحدثها بها وما لبثت أن جاهدت للسيطرة على حنقها وهي تسأله بهدوء
– ممكن أعرف مالك؟ إيه اللي غيرك كدا
– ما أنا كويس أهو
– لأ مش كويس وأنت عارف أنا قصدي على إيه… ياسين متخليش الشيطان يضحك عليك ويجرك لطريقه انت شايف وصلت لفين بعد ما كنت إيه
قلب عينيه بضيق من حديثها فأردفت دون أن تبالي
– أنا إما وافقت أتزوجك وافقت عشان شوفت فيك الزوج اللي ارتضيت خلقه ودينه.. الزوج اللي أتمنى ولادي يكونوا شبهه في المستقبل.. دلوقتي لو بقول لابني صلي قيام أو اقرأ قرآن وقال لي ما بابا مش بيعمل كدا هقوله إيه؟ بلاش دي دلوقتي الولاد في وقت محتاجين نعلمهم فيه الصلاة في المسجد هيروحوا مع مين؟ وهقولهم إيه أصلًا لو قالوا هنصلي في البيت زي بابا؟ هقولهم بابا اللي المفروض قدوة ليكوا غلطان ومش المفروض إنكوا تعملوا زيه؟
– دلوقتي خجلانة مني وشيفاني زوج طايش للدرجة دي؟
سألها وهو يطالعها باستنكار فهزت رأسها عدة مرات بالنفي وهي تجيبه بإلحاح
– بالعكس.. أنت بالنسبة لي كيان عظيم كنت بفرح لمجرد التفكير بإن العظيم دا هو أبو أولادي شايفاك كامل من كل حاجة مش عايزة العيب الوحيد اللي أشوفه فيك يكون تقصيرك في حق ربنا.. اللي مش هيحافظ على عهده مع اللي خالقه وارد جدًا إنه ميحافظش على عهده معايا.. فاكر إما قلت لي الزواج بالنسبة لك عبارة عن شخصين بيساعدوا بعض عشان يقربوا لربنا… أنا بحاول أعمل دا بس أنت أصلًا مش مساعدني وبتنتقد أي حاجة بعملها وشايفني بتصنع دا… ممكن تساعدني نرجع زي ما كنا مش واخد بالك بإن بتراجع علاقتك مع ربنا علاقتنا بترجع ألف خطوة لورا… أنا كلمتك بطريقة عمري ما كنت أتخيل إني أكلمك بيها وأنت قلت لي كلام مكنتش أتوقع إن ياسين شايفني بيه
تنهد بقوة ثم أومأ إليها بإيجاب مع تلك الابتسامة الحانية التي ارتسمت على شفتيه فالتقطت يمناه بين كفيها ثم رفعتها ملثمة إياها بين شفتيها وهي تسأله بحماس
– هتصلي بقا سنة المغرب؟
نظر إليها لثواني بصمت وسرعان ما انفجر ضاحكًا وهو يوميء بإيجاب ويجذبها بذراعه بين أحضانه مقبلًا جبينها بحنان افتقدته منه.
**********
-يا أوس استنى بس اهدى نسأله
صرخت بها أريج وهي تتبع زوجها الذي انتفض مهرولًا إلى غرفة ولده بعد تلك المكالمة التي استقبلها من صديقه المقرب، دلف إلى الغرفة بغضب فطاح يبحث في جميع الأركان بجنون غير عابئًا بذاك الذي كان مستلقيًا على ظهره يعبث في هاتفه فانتفض أثر دخوله بهذه الطريقة يستفسر عما حدث، جذبه أوس من على الفراش بعنف ثم دفعه جانبًا وظل يعبث في محتويات الفراش حتى لمعت عيناه بشراراتٍ مخيفة وهي تقع على عبوة السجائر التي وجدها تحت غطاء مخدعه، سحقها بين أصابعه من فرط غضبه ثم التفت إلى أبان وقذفها بوجهه صارخا بجنون
– إيه دااا؟
وضع أبان يده على وجهه متألمًا من اصطدام العبوة بأنفه وما لبث أن ابتلع ريقه باضطراب وهو يرى والده يعاود سؤاله بحدة أكبر
– حصلت تشرب سجاير؟
صمت بقلق وهو يبتعد بنظراته عن عيني أبيه فقبض أوس بشدة على خصلات شعره المصفقة التي دائما ما كانت تثير حنقه فالتفت أبان قائلًا ببرود عكس نبرته المتألمة
– سيب شعري..
لم يكن من أوس سوى أن أبعد يده عن شعره وصفعه على وجهه بقوة جعلت الآخر يرتد خطوتان إلى الخلف فصرخت أريج التي كانت واقفة تنتحب على ما آل إليه حالهم
اعتدل أبان بغضب عاصف هاتفًا
– متض.ربش ملكش دعوة بيا
استثار أوس أكثر من طريقته ولم يشعر بيداه اللتان تناولتا جميع أجزاء بدنه تنفيسًا عن النيران المحترقه بصدره والآخر مازال يتألم ويعانده بكلماته الوقحة التي لم يكف عنها، بينما أريج كانت تصرخ وتنتحب بعويل وهي تترجى الاثنان كي يكفا عما يفغلاه
توقف أوس على سماعه لكلمة أبان الأخيرة
– أنا مش صغير عشان تض.ربني والله ما أنا قاعد لك فيها
أومأ له عدة مرات شاعرًا بغضبه يتفاقم مع كل كلمه ينطقها الآخر وما لبث أن جذبه من خصلات شعره واتجه به نحو الدرج هاتفًا بقوة
– مش عايز تقعد هنا ؟ طيب يلا مع السلامة مش عايز أشوف وشك هنا تاني
صرخت أريج وهي تتبعهما بارتعاب تاركة صغيرتها التي تتشبث بثيابها واتجت إلى هاتفه الذي وقعت عيناها عليه ولم تمر ثواني حتى صدح صوتها وهي تصرخ بإياس الذي هتف بإسم شقيقه مستفهما
– إياس تعالى بالله عليك الحق أوس بيتخانق مع أبان وبيطرده من البيت بالله تعالي بسرعه الحقه
حاول إياس أن يستفسر عما حدث إلا أنها لم تمهله الفرصة وهي تغلق الهاتف بوجهة صارخة باسم أبان الذي اختفى عن نظرها أثر دفع أبيه له خارج المنزل وإغلاقه البيت خلفه.
انتهى البارت
– هل ستفلح خطة مصعب في سحب قدم ولده إلى نفسه التي فرّت منه أم ستنقلب النتيجة لعكس ما يريد وينجرف الآخر نحو طريق لا عودة منه ؟ وهل سيفلح إياس في إيجاد ابن شقيقه أم سيجد الآخر قد فرّ منهما منصاعًا لطريق رفقاء السوء الذين يريدون جذبه بأي طريقة
الفصل الثالث
دقائق قليلة وكان إياس واقفًا أمام منزل شقيقه ويداه لم تبتعد عن الجرس المعلق بجوار الباب، كاد أن يرفع هاتفه ويهاتف أوس ليستفسر منه عما حدث إلا أنه هرول تجاه إحدى سيارات الأجرة التي وجد أبان يستقلها
توقف أمام السيارة براحة وهو يتلفظ أنفاسه بعنف أثر تلك المسافة التي اجتازها جريًا، نظر السائق إليه باندهاش و هو يتخلى عن مقعده ويبارح السيارة ليرى من هذا، هدأت نظرات أبان في باديء الأمر حينما لمح طيفه من بعيد ظنًا منه أنه أباه جاء ليسترضيه ولكنه تلقى طعنة قاسية في قلب أمانيه بعدما رأى اقتراب إياس وتبينت له هويته من ذاك الفرق الذي بات واضحًا بين مظهره ومظهر أوس في الشهور السابقة
تجاهل إياس السائق الذي كان يحادثه بحنق وانتقل إلى باب السيارة فاتحًا إياه بعنف وهو يجذب أبان برفق بات غريبًا عنه في الآونة الأخيرة
حاول أبان انتزاع ذراعه من بين قبضته إلا أن الآخر أبى وهو يحدجه بتحذير جارًا إياه خلفه دون أن يردف بكلمة
زفر أبان بضيق عكس سعادة الطفل التي تولدت بقلبه أثر لحاقه به فالتفت إياس إليه مستفهمًا بهدوء
– إيه اللي حصل وصله إنه يعمل فيك كدا؟
نظر إليه قليلًا ببعضٍ من التردد وما لبث أن التفت ناظرًا أمامه دون أن يعيره أدنى اهتمام
استشاط إياس من حركته تلك فدائمًا ما كانت تثير غضبه أفعال المراهقين هذه إلا أنه هز رأسه بيأس وهو يعاود محادثته بشيء من الرفق
– عارف يا أبان المرتين اللي شوفت أبوك بيبكي فيهم في حياته بعد ما كبر كانوا إمتى ولمين؟
التفت إليه باهتمام شاعرًا بفرصة سانحة قدمت إليه على طبق من ذهب للنيل من نقطة ضعف عدوٍ ليس كأي عدو ولكنه عدوٍ لا يطمح لشيء سوى أن يراه في أقصى مراحل المجد، عدوٍ لو كان كل الأعداء مثله لتمنى جميع العالمين ألا يطوفهم سوى الأعداء
هز إياس رأسه بيأس وهو يدرك ما الذي آل إليه فكره فاسترسل حديثه كأن لم يفهم شيء
– أكيد سمعت أو فاكر حاجة من الحادثة اللي حصلت لك وأنت صغير
نظر إليه دون أن يتحدث بشيء تأكيدًا لحديثه فأردف إياس
– المرة الأولى كانت وقت الحادثة بتاعتك كان بيبكي مم خوفه عليك على الرغم من تعبه وقتها اتبرع بنص ثروته عارف يعني إيه؟
طالعه أبان بتساؤل متغلبًا على غروره دون أن يضيف شيء فأردف إياس وهو ينظر أمامه بشرود
– المرة التانية كانت من ساعتين بالضبط وأكيد بردوا أنت عارف السبب كان عشان مين
شعر بسوطٍ من نار يجلد قلبه مع كل كلمة نطق بها على عكس ما كان يعتقد بأنه سيطفيء نيران حقده بمعرفته نقاط ضعفه إلا أن تلك النيرات تأججت وأحرقت معها كل ما طالته بأيديها وهو يدرك بأن العدو ربما لم يكن بتلك القسوة التي أراها له الشيطان من مرايته
تنهد إياس بقوة وهو يهز رأسه يمينا ويسارًا مردفًا بحكمة باتت ملازمة له وكأنه خلق حكيمًا هكذا
– المفروض مكنتش قلت لك الكلام دا لأن أخويا استأمني على سره ومأظهرش ضعفه لحد غيري وأنا اعتبرتك جزء منه عشان كدا مفرقتش بينك وبينه فأتمنى متخذلنيش زي ما دايمًا بتخذله
رفع أبان رأسه ناظرًا إليه بشرود فتابع إياس وهو يجذبه من يده متجهًا إلى بيت العائلة الذي يكمن في المنتصف بين بيتهما
– على فكرة أوس عمره ما جه قال لي أنا زعلان من أبان… كان بيقول أنا زعلان على أبان ومش عايز غير إنه يكون معايا في الجنة
هز أبان رأسه بإيجاب دون أن يعرف على ماذا يجيب وسرعان ما انتبه لعبدالرحمن الذي كان متشبثًا بثياب أبيه كما طلب منه الآخر فابتسم إليه مجاملًا ثم رفع رأسه إلى إياس قائلًا بعدما تفحص المكان من حوله
– إحنا جايين هنا ليه
أجابه بهدوء
– هتقعد هنا لحد ما أوس يهدى وتروح تصالحه دا إن كان السبب اللي طردك عشانه ينفع يسامح فيه
هز رأسه عدة مرات بالنفي وهو يهم بأن يخبره بأنه لن يذهب لأحد إلا أنه توقف عن قول ما يريد وهو يرى نظرة إياس التحذيزية التي كانت تتحداه بقول ما سيجعله يقتلع عنقه
وقف إياس على الباب الداخلي لمنزل أبيه قائلًا لعبدالرحمن
– يلا يا عبدالرحمن ادخل مع أبان جوه زي ما اتفقنا
نظر إليه الصغير برجاء كي يعود عن فكرته إلا أنه همس إليه بحنان وهو يقبل جبينه
– احنا قلنا إيه؟.. يلا مع أبان وزي ما وعدتك بكرة هاجي أقعد معاك شوية
أومأ إليه الصغير منصاعًا لرغبته بضجر فابتسم إياس بحنان وهو يشير لأبان بأن يدلف به إلى الداخل ثم التفت مفادرًا إلا أنه توقف بمحله وهو يستمع إلى صوت صغيرته الهاتف باسمه
نظر إلى أثر صوتها فوجدها تهرول تجاهه بعدما تركت والدتها التي وصلت إليه رجفة قلبها رغم المسافات الفاصلة بينهما، فتح ذراعيه بحنان لجنة التي ضمته بقوة وهي تهتف بلهفة
– أبي.. كنت مكنتش فايقة الصبح ولسة عارفة إننا هنقعد هنا فترة عشان حضرتك مش فاضي.. فكرت مش هشوفك دلوقتي خالص
ابتعد عنها قليلًا وهو يلتقط كفها ملثمًا راحته بين شفتيه بحنان وهو يهمس برفق
– كل فترة هعدي عليكِ أنتِ وعبدالرحمن متقلقيش
ابتسمت إليه بتفهم وهي تحتضن ذراعه بقوة فجذبه منها برفق قائلًا
– أنا ماشي بقا عشان العشاء أذنت السلام عليكم
أسرعت قائلة بلهفة وهي تشير إلى والدتها قبل أن يسرع مغادرًا
– ماما أهي مش هتسلم عليها
حانت منه التفاته إلى عائشة ناظرًا إليها بجمود وسرعان ما عاد بنظره إلى صغيرته يخبرها بضرورة ذهابه في الوقت الحالي
تعلقت عيني عائشة بأثره وهي تراه يغادر أمامها دون حتى أن يحنو عليها بنظرة عتاب تولد نطفة لذاك الأمل الذي تسعى أن تنتزعه من رحم قلبه كي تعيش لأجل جعله حقيقة.
*************
– على فين
هتف بها أوس وهو يطالع أريج التي هبطت لتوها من غرفتهما وهي بكامل ثيابها تهرول ناحية باب المنزل الذي أوصده خلف ولده دون أن تعيره أدنى اهتمام
التفتت إليه ومازال أنينها المنتحب يهفو إلى مسامعه مخبرًا إياه بالمكان الذي تبتغيه فوقف أمامها هاتفًا ببرود مخالف تمامًا لنيران قلبه التي اشتعلت وما من سبيلٍ يهدج قوتها
– مفيش خروج
تصنمت محلها من قسوته التي تربعت بين جدران قلبه فصاحت باستنكار
– ابني
– على فوق
– ابني يا أوس
صرخت بكلمتها وهي تتخطاه مهرولة ناحية الباب إلا أنها وجدته موصدًا من الداخل فأضحت تطرق عليه بقوة وتترجى الآخر بأن يفك أسرها قبل أن يفوت الأوان؛ فاقترب منها محاولًا إبعادها ولكن هل ستجدي المحاولة نفعًا مع أم تظهر كل مخالبها لتدافع عن صغيرها وإن ارتكب جميع الخطايا بلا أعذار؟
ظل يجذبها بعيدًا إلا أنها لم تستجب وهي تهتف باسم أبان فصرخ بها بعنف
– ابنك مع أمي… إياس أخده
وأخيرًا وجد الطريق لتهدئة صرخاتها بذكره ما يريح بعضًا من فؤادٍ أضناه الارتعاب، نظرت إليه بشكٍ فأومأ إليها بإيجاب مطمئنا قلبه قبل قبلها فسألته بريبة
– مين اللي قالك؟ تليفونك كان معايا عرفت إزاي؟
ارتبكت نظراته على الرغم من غضبه الذي يغلفها وكبرياؤه لا يسمح له بأن يخبرها بخيانة قلبه له وإجباره على النظر من خلف النافذة ليرى إلى أي مقام ستأخذه قدماه، بل خجل من أن يخبرها بأن قلبه استكان وهو في أوج لحظات اشتعاله عندما سمع صوتها وهي تترجى إياس بأن يلحق وليدها، يكاد يقسم أنه لو لم يطمئن عليه بعد رؤيته لشقيقه لما أذن له قلبه بأن يتركه هكذا ليتوه بين غياهب المعاصي، لم يك منه بعدما عجز عن إجابتها سوى أن جذبها لعناقٍ ربما يحتاجه قلبه أكثر مما احتاجته هي.. عناقٍ جعل القلوب تتلاحم قبل الأجساد فيمد كل قلب يده للآخر مربتًا عليه لإدراكه بأن راحته لا تكمن سوى في راحة من يسكن الفؤاد تحت قبضته
************
طرقات خافتة صدرت من قبضة إياس على باب ذاك البيت الذي لم يبغض شيئًا في حياته أكثر من قدومه إليه، كانت زياراته في السابق تريح ضميرًا أقسم بألا يريح الفؤاد قبل أن يضنيه أما الآن بعدما أضافت جرحًا آخر لقلبه سيجعله يقضي الكثير كي يبرأ منه باتت زياراته تسترد سقم قلبه وتضيف حجرًا آخر بمنتصف حلقه يهدد بالاختناق، أقسم بأن يلتفت مغادرًا إن لم يُفتح الباب بعد الطرقة التالية ولكن خاب رجاؤه وهو يرى تلك التي فتحته وهي تعدل من وضعية حجابها متمتمة باعتذار على تأخرها الذي ثقُل على قلبه
ارتدَّت في خطواتها للخلف كي تفسح له المجال للدلوف وهي تردد بترحاب باتت تعتاده
– اتفضل يا دكتور
دلف إلى الداخل بعدما حمل الأكياس متعددة الألوان التي كان قد ترك بعضها كي يستطيع طرق الباب فتمتمت بحرج
– كلَّفت نفسك ليه يا دكتور حضرتك مش مقصر معانا والله
هز رأسه بإيجاب وهو يمسح براحته على شعر الصغيرين الذين هرولا تجاهه بسعادة
نظرت إلى صغارها بخجل وهي تحاول أن تجذبهم بعيدًا عنه إلا أنه هتف بهدوء وهو يلهي نفسه بهدهدة الصغار
– سيبيهم على راحتهم … أنا ماشي أصلًا كنت جاي أتطمن عليهم بس وماشي
