بدر القاسم ساره مجدي

عاد الغائب و البيت الكبير على قدم و ساق لتزينه و تجهيز كل انواع الطعام الذى يفضله العائد
فاليوم و بعد غياب لسنوات يعود الغالى ابن الغالى الذى سيخلف جده و يكون هو كبير العائله وكانت هى تقوم بترتيب غرفته و تنظيفها بناء على امر جدته و كم هى سعيده بذلك فهى كانت تود ان تقوم هى بذلك بشده و وضعها فى البيت يتيح لها ذلك كل مره
اقتربت من الكومود الموجود بجانب السرير لتمسك ذلك الإطار متوسط الحجم تنظر بابتسامه الى تلك الصوره بداخله و هى تقول بقلمى ساره مجدى
– اخيرا هشوفك تانى …. انت عارف انك و حشتنى رغم انك على طول مكشر و عصبى و على طول متعصب عليا بس انت الوحيد اللى كنت بحس معاه بالامان زى ما كنت بحسه مع بابا الله يرحمه
صمتت لثوانى مع ابتسامه صغيره و هى تتأمل عينيه شديده السواد بنظرته الحاده الغامضه و قالت من جديد
– يا ترى لما ترجع هتفضل عصبى و خلقك ضيق و لا بلاد بره غيرتك
اخذت نفس عميق و هى تغمض عينيها لتتذكر كل ما حدث فى الماضى
يعلو الصراخ فى كل مكان و البكاء و رجال كثيره داخل البيت و سيده كبيره لا تعرفها اقترب منها تضمها بحنان و هى تقول
– متخافيش يا بتى متخافيش
كانت لا تستوعب ما يحدث لا تعلم لما كل الراجل مجتمعه داخل البيت و لما تلك السيده اخذتها و دلفت بها الى غرفتها هى تريد والدها فهى حقا تشعر بالخوف و الضياع
فُتح الباب فجأه ليدلف منه شاب شديد الوسامه … وسامه خشنه بشده اسمر البشره بعيون حاده شديده السواد
اقترب من تلك السيده بعد ان ظل ينظر الى تلك الطفله طويلا
وقال بصوت رخيم
– جدى بيقولك خديها على البيت الكبير
كانت لا تفهم شىء و لكن حين نهضت تلك السيده ابتعدت بدر الى الخلف سريعا و قالت بصوت مهزوز و دموعها تغرق و جنتها
– انا عايزه ابويا
لتقترب الحجه فضه منها و قالت بحنان
– تعالى يا بتى معايا و انا هفهمك كل حاچه
ظلت بدر تهز راسها بلا و صوت بكائها يزداد ليصرخ بها ذلك الشاب و هو يقول بعصبيه و نفاذ صبر
– اخلصى بقا انا مش عايز دلع
– براحه يا ولدى دى لسه صغار و مش فاهمه حاجه
قالتها الحجه فضه بحنان و هى تقترب من الصغيره التى ترتجف الان خوفا و ضمتها بحنان ثم اكملت
– روح قول لچدك ان البت لازم تشوف ابوها قوله ان انى اللى بقول
ظل قاسم ينظر الى جدته بصمت ورغم غضبه الواضح على وجهه الا انه لم يقلل احترام لجدته و هز راسه بنعم و غادر من فوره

بعد عده دقائق عاد قاسم من جديد ليخبر جدته
– جدى بيقولك هاتيها
ربتت الحجه فضه على كتف بدر و هى تقول بحنان
– تعالى يا بتى علشان تشوفو ابوكى
خرجت بدر بصحبه الحجه فضه و جسدها ينتفض و قلبها يؤلمها انها اصغر من ان تتحمل كل ما يحدث حولها دلف الى غرفه والدها لتجده ممدد على السرير لا يتحرك مغمض العينين اقتربت منه بأقدام من هلام و امسكت يده البارده ليرتعش جسدها بخوف لتقول بهمس
– ابويا
اقترب الحج حسنين كبير عيله الهلالي وربت على كتف الصغيره لتنتفض تنظر اليه بخوف ليبتسم الحج حسنين بإشفاق و قال
– متخافيش يا بتى
– ابويا مش بيرد عليا ليه
قالتها بخوف و صوت ضعيف من كثره البكاء ليقول الحج حسنين بعد عده ثوانى
– ابوكى يا بتى راح للى خلقه انقذ حياتى بحياته علشان كده انتِ من النهارده بقيتى بتى و واحده من عيلتى و مسؤله منى
كانت بدر تنظر اليه بعدم فهم غير مدركه لما يقول غير مصدقه لكل ما يحدث فكيف لطفله فى عمرها ان تصدق او تستوعب فقدانها لوالدها كل مالها فهى لم تعرف احد غيره طوال حياتها فوالدتها ماتت وهى تلدها
ظلت تنظر اليه لتتشوش رؤيتها و اصبح كل شىء مهزوز ثم احتضنها الظلام و غرقت فيه
ركض قاسم سريعا حين لمحها تفقد وعيها و حملها سريعا قبل ان تسقط ارضا و نظر الى جده الذى قال بأقرار
– بدر من النهارده مسؤليتك يا قاسم

مرت ايام و ايام و هى تكبر يوم بعد يوم فى البيت الكبير لعائله الهلالى ليست واحده منهم ولو كانت كذلك و هى صغيره فحين كبرت و فهمت ان والدها كان يعمل لديهم حارس لبوابه البيت الكبير و حين كان هناك احد اعداء تلك العائله يود قتل كبيرها اخذ والدها الطلقه بدل منه فعرفت جيدا مكانتها فى ذلك البيت انها لا تزيد عن خادمه رغم معامله الجميع لها بود الا انها لم تترك لنفسها العنان و تعاملت بحذر و ترى كيف تتعامل الفتايات التى تعمل بالبيت الكبير و تفعل مثلهم و لكنها لا تطلب شىء لنفسها و رغم ان الحجه فضه اكثر من مره اخبرتها بتناول الطعام معهم الا انها لم و لن تفعلها و تأكل مع الفتايات فى المطبخ و رغم تعلقها بقاسم الذى كان دائما يحضر لها كل ما تحتاجه رغم كلماته القليله و تقطيبه وجه الدائمه الا انها لم تشعر يوما بالامان الا فى وجوده قاسم ابن الحج وهدان رحمه الله الولد الوحيد للحج حسنين و بعد والده و جده هو كبير العائله و رباه جده على ذلك بقلمى ساره مجدى
لم ترى قاسم منذ خمس سنوات كان يعمل مع صديق له فى شركه كبيره و لها فروع فى كل مكان و كان من احلام قاسم العمل بها فى الخارج و جده لم يرغم فى حرمانه من تحقيق حلمه و خاصه انه قد عاهده ان يعود ليكون كما يريد
عادت من افكارها على الاصوات العاليه بالخارج نظرت من النافذه لتجد السيارات تصطف بالاسفل و الجميع فى استقباله زادت دقات قلبها و شعرت بالتوتر و القلق لتنظر الى الغرفه سريعا تتأكد من كل شىء ثم غادرتها سريعا متوجهه الى المطبخ
مرت ساعتان على وصوله و لم تراه حتى الان حضرت صباح احدى الفتايات الذين يعملون بالبيت و هى تقول
– يلا خلينا نحط الغدا
بدأو فى غرف الطعام و كانت بدر المسؤله اليوم عن تحضير الطعام و بدأت الفتايات فى اخراجه و وضعه على طاوله الطعام
و حين انتهوا بدأو فى تحضير طعامهم التى انسحبت منه بدر فهى تشعر بالتوتر و القلق و لا رغبه لها فى تناول الطعام خاصه و تلك الكلمات التى سمعتها بالامس على لسان الحجه فضه تؤلم قلبها رغم أدراك عقلها لصحتها
– (( عايزين نخطب لقاسم بقا عنده دلوقتى ٣٠ سنه و اللى قده عندهم بدل العيل ثلاثه ))
ليقول الحج حسنين باستفهام
– (( و شايفه حد مناسب ليه ))
– (( ايه رايك فى فاتن بنت عبد الصمت الجبالى ))
لم تستطع سماع باقى الكلمات اين هى من فاتن ابنه عائله الجبالى انها حقا من تليق بقاسم فهو المتعلم خريج الجامعات الاجنبيه و ابن عائله الهلالى و كبيرها مستقبلا اما هى فمن تكون هى فقط بدر ابنه دسوقى البواب ابتسمت بسخريه و اغمضت عينيها و هى تأخذ نفس عميق فتحت عيونها على صوت صباح التى تقف خلفها و هى تقول
– بدر الحجه فضه عايزه الشاى و بتقولك روحى سلمى على سى قاسم
نظرت اليها بدر و هزت راسها بنعم و وقفت على قدميها و عادت الى المطبخ تعد الشاى
بعد عده دقائق كانت تقف عند باب المضيفه و طرقته بهدوء و دلفت بعد ان سمعت صوت الحج حسنين يسمح لها بالدخول
دلفت الى الغرفه و عينيها ملتصقه بالارض و على اكواب الشاى لتقول الحجه فضه
– ايه يا بدر مش هتسلمى على قاسم و لا ايه ؟
رفعت بدر عيونها تنظر الى الحجه فضه و قالت بخجل
– لا ازاى
و نظرت الى قاسم الذى ينظر اليها بصمت مع تلك النظره التى دائما ينظر اليها بها التى لا تستطيع فهمها او تفسير معناها و قالت بابتسامه مهزوزه
– حمدالله على السلامه يا سى قاسم نورت البلد
قطب قاسم حاجبيه فمنذ متى تقول له (( سى قاسم )) و لماذا لم يراها على طاوله الطعام فقبل سفره كانت صغيره و خجوله بشده و كانت جدته دائما تفسر غيابها بسبب خجلها لكن اليوم لم يراها ابدا و هى من احضرت الشاى لماذا يشعر ان هناك شىء ما لا يفهمه و رغم كل تلك الافكار اجابها قائلا
– الله يسلمك يا بدر اخبارك ايه ؟!
نظرت ارضا بخجل و قالت
– الحمد لله بخير و البركه فى الحج حسنين و الحجه فضه و حضرتك طبعا
و غادرت دون كلمه اخرى لينظر قاسم الى جده باستفهام و لكن الصمت كان سيد الموقف
و لكن كل شىء اتضح له بعد مرور عده ايام و هو لم يتحمل ذلك
كيف تكون فى بيته خادمه كيف ذلك هو لا يصدق و ها هو يقف امام جده حتى يفهم
– يا ولدى هى اللى بتتصرف على اساس انها خدامه و خصوصى بعد ما عرفت كل الحقيقه حاولت كتير لكن هى عندها عزه نفس و كرامه كبيره جوى و مفيش فى ايدى حاجه اعملها خصوصى و انت كنت مسافر
وقبل ان يرد على كلمات جده دلفت جدته وهى تقول
– كويس انك هنا يا قاسم علشان عايزه اخد رايك فى حاچه
جلس قاسم جوار جده ينظر الى جدته رغم ان عقله و قلبه مع تلك القابعه فى المطبخ الا انه كان يستمع لحديث جدته بتركيز
دلفت بدر تحمل اكواب القهوه حين قالت الحجه فضه
– ايه رايك نخطبلك فاتن بنت عبدالصمدالجبالى
لتهتز يد بدر مع سماعها لتلك الكلمات ليتألم قلبه لذلك الالم الذى ارتسم على ملامحها و هى تغادر الغرفه منكسه الرأس و لكنه أراد طمئنتها فقال بصوت عالى نسبيا حتى يصل اليها
– لا
كان وقع تلك الكلمه على قلبها كسقوط الامطار على الارض العطشه يرويها ويعيد اليها الحياه لتعود الى المطبخ بابتسامه كبيره اختفت و هى تتذكر من جديد من هى و ما مكانتها و من هو وما هى مكانته
و كانت الحجه فضه فعلا تشعر بالانزعاج من رفض حفيدها و كان الحج حسنين صامت تمام و كأنه كان يعلم اجابه حفيده
– لا ايه يا ولدى فاتن بنت مؤدبه و متعلمه زيك و من عيله كبيره يعنى تليق بقاسم الهلالي
قالت الحجه فضه ذلك موضحه اختيارها لفاتن و ايضا حتى تعلم حفيدها من اختارت له
لكنه قال
– كل ده ميهمنيش يا جدتى و بعدين القلب له احكام
ليبتسم الحج حسنين حين تاكد من حدثه فقالت الحجه فضه باستفهام مندهش
– قلب ؟! انت بتحب يا قاسم ؟! ومين سعيده الحظ دى اللى كسبت قلب القاسم
– بدر
قالها قاسم بثقه و قوه و ثبات لتقطب الحجه فضه حاجبيها و قالت باندهاش
– بنت دسوقى البواب … خدامتك يا قاسم
ليقف قاسم غاضبا و هو يقول

– بدر مش خدامه بدر بنت البيت ده اتربت على ايدى و الفقر مش عيب و لا ذنب
كانت حجه فضه تستمع لكلماته باندهاش و رفض تام ثم نظرت للحج حسنين و قالت
– انت موافقه على كلامه ده يا حچ ؟!
رفع الحج حسنين راسه التى كان يسندها على عصاته و قال
– و ارفض ليه طالما قلبه هو اللى اختار …. و بعدين انا بثق فى تفكير قاسم و متنسيش انه هيبقا الكبير
لتقف الحجه فضه قائله بغضب
– و الكبير لازم يكون كبير فى كل حاچه … يتچوز اللى تليق بيه و ترفع من شأنه مش يتچوز خدامه مكانها تحت رجليه
لم يتوقع احد ان تكون كل تلك المشاده تصل لتلك الواقفه خلف الباب التى حضرت حتى تخبرهم ان هناك مشكله بالارض و لابد من ذهاب قاسم الى هناك لحلها
غادرت سريعا و طلبت من صباح اخبارهم و دلفت هى الى غرفتها و اغلقت باباها عليها و بكت كما لم تبكى فى حياتها حتى حين فارقها و الدها
اقترب قاسم من جدته و هو يقول بحزن
– انتِ يا جدتى اللى بتقولى كده بدر اللى كانت بتقعد جمبك بالساعات ومن غير ما تنام دقيقه واحده طول ما كنتى فى المستشفى اللى فضلت تحت رجليكى لحد ما قومتى بالسلامه تقولى عليها كده بدر اللى ابوها راح وسابها لوحدها فى الدنيا القاسيه دى علشان يحمى جدى تقولى عليها كده
ادارت الحجه فضه وجهها الى الجه الاخرى برفض ليتراجع قاسم خطوه للخلف و هو ينظر الى جدته بحزن و اسف و قبل ان يقول اى منهم شىء طرقات عاليه على الباب وصوت صباح تطلب من قاسم ان يذهب للارض مباشره
صعدت فضه الى غرفتها و لحق بها الحج حسنين فلقد صدم من كلماتها عن بدر و فهم الان لما الفتاه تتعامل معهم على انها خادمه ففضه لم ترفض تلك الفكره وتنهرها عنها بل اكدتها لها حين تعاملت معها انها مجرد خادمه فى البيت بقلمى ساره مجدى
طال حديث الحج حسنين مع فضه الذى بنهايته لم تقتنع كليا بفكره زواج قاسم من بدر لكنها ايضا و عدته الا تقف فى وجههم
عاد قاسم فى وقت متاخر مهموم يفكر فيها يود لو يراها ان يطمئن خوفها ان يأخذها بين ذراعيه يحميها من كل العالم و الناس و لكنه سينتظر للصباح حتى يفاتحها جده فى امر الزواج مر الليل على الجميع بين خوف وحزن
و فى صباح اليوم التالى انقلب البيت فلا احد يعلم اين بدر غرفتها خاليه منها و من ملابسها و الغريب انها لم تاخذ اى شىء احضرته لها الحجه فضه و لم تاخذ ايضا هدايا قاسم الاخيره ليسقط قلبه ارضا وهو يتأكد من ظنونه و انها سمعت كلمات جدته
وقف امام جدته ينظر اليها بلوم و غادر بعد ان اخبر جده ان لن يعود بدونها و لو ظل يبحث عنها لسنوات
و كانت هى تجلس على احد الصخور الضخمه على جوانب الطريق تبكى فقد اتخذت قرار الرحيل دون ان تفكر اين ستذهب وكيف فهى لا تملك الكثير من المال و لا تعرف احد سوى اهل بيت الهلالى ظلت تسير ليلا وهى ترتجف خوفا و عند اول خيوط النهار كانت قد وصلت لمدخل البلده و وجدت تلك الحجر الكبير فقررت الجلوس قليلا حتى تستريح و تحاول ان تفكر فى حل لما هى فيه و اين ستذهب

و كان هو يقود سيارته كالمجنون عيناه تبحث فى كل مكان بخوف قلبه ينتفض خوفا انها لم تخرج من بيت الهلالى منذ كانت بالعاشرة و ليس لها اى احد تذهب اليه فأين سيجدها الان او اين ستذهب
اخذ نفس عميق فى محاوله منه للهدوء و التفكير اين يمكنه ان يجدها لقد اوشك على الوصل لمدخل البلده لتجحظ عيناه و هو يراها تجلس هناك على احد الصخور اوقف السياره على جانب الطريق و ترجل من السياره سريعا وركض اليها و وقف امامها ينظر اليها من علو تفاجئت هى بوقوف شخص امامها لترفع عينيها لتلتقي بعينيه التى تنظر اليها بنظره تحمل الكثير من اللوم و الخوف و ايضا سعاده انها امامه بخير ….. جثى على ركبتيه امامها و هو يقول
– ايه اللى انتِ عملتيه ده ازاى تخرجى من البيت من غير ما حد يعرف و بليل و لوحدك كمان ايه ملكيش كبير و لا حد ترجعيله
كانت دموعها تسيل فوق وجنتيها و هى تستمع لصوته الذى يحمل الكثير من القلق و الخوف و اللوم و من داخلها سعيده بشده خوفه عليها اهتمامه ببحثه عنها و لكن ماذا بعد رغم كل شىء هى بدر الدسوقى و هو قاسم وهدان حسنين الهلالى كبير عائلته و سبب فخرها
اخفضت راسها و هى تقول بصوت ضعيف
– اسفه يا سى قاسم …. بس ….. اصل
ليصرخ بها بصوت عالى قائلا
– و من امتى اسمى سى قاسم من امتى
لترفع عيونها الحمراء من شده البكاء وقالت بنفاذ صبر
– من يوم ما عرفت انا مين و بنت مين و عرفت كويس اوووى مكانتى فى البيت الكبير خدامه بنت خدام يبقا لازم اقولك يا سى قاسم و ابوس ايديك و استنى عطفك عليا
كانت نظراته القاتمه تزداد قتامه و تقطيبه حاجبيه تزداد انعقادا و هو يستمع لكلماتها التى تنحر عنقه فلا يحتمل اى رجل حقيقى ان يستمع لتلك الكلمات ممن ملكت روحه و قلبه و جعلها ملكه حياته
ظل الصمت يخيم عليهم لدقيقه كامله كل منهم ينظر الى الاخر حتى قال هو
– لو سمعتك بتقولى الكلام الاهبل ده تانى صدقينى هقطعلك لسانك و معنديش اى مشكله اعيش مع زوجه خرسا
نظراتها البلهاء المغلفه بخوف تجعله يود لو يضحك بصوت عالى و لكنه تمالك نفسه و اكمل قائلا بحزم
– اسمى قاسم و من النهارده انا خطيبك و بكره بالكتير كتب كتابنا و اسبوع واحد و نعمل الفرح
ظلت صامته تنظر اليه بعدم فهم و قالت بتردد
– مين اللى هيتجوز مين ؟ و انا ايه ؟!
حاول ان يظل هادئا و اعتدل واقفا و هو يقول بأمر
– قومى اوصلك البيت الكبير و هناك هتفهمى كل حاجه
وقفت هى الاخرى و لكنها لم تتحرك خطوه واحده و قالت بضعف و استسلام لقدرها
– ابوس ايدك سيبنى امشى انا مش هقدر اتحمل اشوفك بتتجوز غيرى الموت عندى اهون ارجوك
– انتِ غبيه بقولك كتب كتابنا انا وانتِ بكره انتِ وبس اللى هتبقى مراتى واحده تانيه ايه بقا اللى هتبقا مراتى
قالها بصوت عالى جعل الطيور التى بالاشجار تخرج منها بفزع اما تلك الواقفه امامه كانت كلماته و كأنها تصريح لها بالشعور بالراحه حد الاغماء لينتفض سريعا يمسك بها قبل ان تسقط ارضا و هو يتذكر موقف مشابه منذ عشر سنوات وضعها بالسياره و عاد ليحمل حقيبتها الصغيره و قاد سيارته عائدا الى البيت الكبير وحين وصل ترجل من السياره و حملها من جديد ليدخلها غرفتها و نظر الى صباح و قال بأمر
– اتصلى بالدكتور بسرعه

كان الحج حسنين يشعر بالقلق و يخشى ان يكون قد اصابها مكروه و كانت الحجه فضه ايضا قلقه و لكنها تشعر اكثر بالضيق من حمل قاسم لها بتلك الطريقه امام الجميع
حضر الطبيب ليخرج قاسم و الحج حسنين و بعد قليل خرج الطبيب تتبعه الحجه فضه و قال
– عندها ضعف عام كمان بدايه انهيار عصبى فى حاجه مضايقها الادويه دى تاخدها بانتظام و كمان ياريت ابعدوا عنها اى ضغط عصبى او حاجه ممكن تضايقها
صمت لثوانى ثم قال
– اقدر اقول لمين على جرعات الدوا
– انا
قالها قاسم سريعا ليقول الطبيب باستفهام
– حضرتك تبقالها ايه ؟!
– جوزها
قطب الطبيب حاجبيه ليكمل قاسم موضحا
– كتب كتابنا بكره
ليهز الطبيب راسه بنعم و بدء بشرح جرعات الدواء و كانت الحجه فضه غاضبه بشده تنظر الى حفيدها بضيق عكس الحج حسنين الذى كان يرتسم على ثغره ابتسامه سعاده
غادر الطبيب لينادى قاسم على صباح و امرها بأحضار الدواء و حين غادرت صاحت الحجه فضه قائله بغضب
– بردوا ناوى تقلل مكانتك و تتجوز خدامتك
– بدر هتبقا مراتى يا جدتى و مقبلش ان اى حد يقول عنها كده حتى لو كان الحد ده انتِ
قال قاسم ذلك بهدوء شديد رغم ذلك الغضب القوى بداخله و لكنه يحترم جدته بشده و لن يقلل احترام معها مهما حدث
مر اليوم بين اطمئنانه عليها من وقت لاخر و بين التحضير ليوم غد
و فى صباح اليوم التالى كانت صباح تقف معها تساعدها فى ارتداء فستانها الذى اشتراه قاسم لها و هى تقص عليها كل ما حدث امس كانت تبتسم بسعاده فقاسم حلمها الكبير الذى لم تجرء على تمنى تحقيقه
حل المساء لمرترى بدر الحجه فضه طوال اليوم و ذلك يشعرها برفضها التام حضرت بعض الفتايات القريبات فى عائله الهلالى كما حضر بعض الرجال
طرقات على باب غرفتها و صوت الحج حسنين فتحت صباح الباب ليدلف من الباب و خلفه ثلاث رجال
– ده المأزون و دول الشهود جاين يعرفوا هتوكلى مين و موافقه على الجوازه و لا لا
اخفضت راسها بخجل ليقول الشيخ
– موافقه على جوازك من قاسم الهلالى يا بنتى
هزت راسها بنعم بخجل شديد ليسألها من جديد
– و مين هيكون و كيلك
رفعت عيونها الدامعه و قالت بصوت ضعيف
– الحج حسنين
ليخرج الرجال من الغرفه ترافقهم زغاريد البنات و ربت الحج حسنين على كتفها بحنان و قال بسعاده
– مبروك يا بتى
و غادر هو الاخر لتغلق صباح الباب من جديد و اقتربت من بدر و هى تقول بسعاده
– مبروك يا بدر لا بدر ايه بقا مبروك ياست بدر
لتقطب بدر حاجبيها بضيق و قالت
– بدر بس يا صباح ده احنى صحاب و عشره عمر و ملناش غير بعض
لتبتسم صباح بسعاده و هى تصفق و تدور حول بدر و تغنى بسعاده ورافقتها الفتايات بمرح و بدر تضحك على ما يفعلوه بسعاده ومرح
طرقات على الباب من جديد و دخول الحج حسنين و بين يديه دفتر كبير حتى توقع على وثيقه الزواج
و خرج بعد ان هنئها مرافقه لابتسامه سعاده و خلفه الفتايات جميعا
جلست بدر على طرف سريرها غير مصدقه هل اصبحت زوجته الان اصبح كل شىء لها طرقات صغيره ثم فتح الباب ليطل قاسم منه بهيئته المميزه التى تخطف الانفاس ينظر اليها بحب مع ابتسامته الجانبيه التى تجعل قلبها يتوقف عن النبض و ضخ الدماء لجسدها دلف الى الغرفه و اغلق الباب خلفه لتبتعد هى خطوه للخلف و عيونها ثابته تنظر اليه ليقول هو بحب
– اخيراً يا بدر البدور ؟!
– اخيراً ايه !
اقترب خطوه و اكمل
– بقيتى مراتى
ظلت صامته ليخطوا خطوه اخرى و اكمل
– بقا من حقى ابص لعنيكى بقا من حقى امسك ايدك بقا من حقى اضمك من حقى احبك
اغمضت عينيها تحاول استيعاب كل ما يحدث لها لتشعر باقترابه منها و انفاسه الدافئه القريبه من وجنتها و همسه بجوار أذنها
– بحبك يا بدر البدور من اول لحظه عينى وقعت عليكى بحبك من اول مره ضميتك بين درعاتى
ظلت مغمضه العين لتشعر به ابتعد عنها ففتحت عيونها لتجده ينظر اليها بابتسامه رقيقه و عيونه تتأمل كل انش فى وجهها ثم قال
– انا هصبر كمان اسبوع انا بطبعى صبور لكن بعد الاسبوع ده مش هقدر اوعدك انى اقدر امسك نفسى زى النهارده
كانت تشعر بالاندهاش من هذا الذى يقف امامها هل هذا هو قاسم صاحب التقطيبه الدائمه و العيون الصارمه الان دائم الابتسام و السعاده ترتسم على ملامحه فقط غادر الغرفه بعد ان القى كلماته تاركا لها المساحه للتصديق انها اصبحت زوجته بقلمى ساره مجدى
ابدلت ملابسها و جلست على السرير و هى تفكر فى كل ما حدث و على وجهها ابتسامه عاشقه فحلم حياتها قد تحقق لتنتفض على انفتاح الباب و دخول الحجه فضه تنظر اليها بغضب و قالت بعصبيه
– أنتِ قاعده هنا و سايبه المطبخ يضرب يقلب خلاص فكرتى نفسك هانم و عايزه الكل يخدمك
ظلت بدر صامته تنظر اليها بعدم استيعاب لتكمل هى بغضب
– قومى نظفى المطبخ و اعملى اللى كنتى طول عمرك بتعمليه و لا ناويه تروحى تشتكى لقاسم و توقعى بينى و بين حفيدى
كادت بدر ان تجيبها و لكنها اكملت قائله
– ده جزاء اننا لمناكى فى بيتنا ده جزاء اننا علشان ابوكى اخد الرصاصه مكان الحج حسنين و علشان الناس ما تقولش الراجل مات بسببنا و سيبنا بنته فى الشارع تضيع تخدى منى حفيدى لكن اوعى تفكرى انك فيوم هتزيدى عن بدر الخدامه عمرك ما هتبقى ست البيت ده هتفضلى عمرك كله مجرد خدامه
صمتت لتستمع بدموع بدر التى تغرق عينيها ثم قالت ببرود
– متناميش قبل ما تخلصى تنظيف المطبخ

و غادرت ببرود شديد غير عابئة بتلك التى جرحت قلبها و اهانت كرامتها و كسرت فرحتها
ذهبت بدر مباشره الى المطبخ و بدأت فى تنفيذ ما أمرتها به الحجه فضه و فى صباح اليوم التالى ظلت تتوارا عن انظار قاسم حتى لا يرى التهاب عينيها من كسره البكاء و لا انكسار روحها و انطفاء لمعه عينيها
وكان هو يشعر بأن هناك شىء خاطىء هو لا يراها لم تجلس لتناول الطعام معهم و حين سأل جدته اخبرته انها تشعر بالخجل و ان كل ذلك سوف يتبدل بعد الزفاف و لكنه لديه شعور سىء و هو دائما صادق الحدث
و مر الاسبوع على نفس المنوال حتى يوم العرس و لم تترك الحجه فضه ذلك اليوم يمر على تلك المسكينه بهدوء
دخلت اليها الغرفه قبل ان تنزل بها الى كل تلك النساء التى حضرت لحضور العرس
وقفت امامها و قالت بتجبر
– من النهارده بدء عذابك و اسمعى من دلوقتى القوانين اللى هتمشى عليها قاسم سيدك و انت مجرد خدامه بعقد جواز تشوفى طلباته طول النهار و يتمتع بيكى اخر الليل مكانك فى البيت زى صباح بالظبط مفيش اختلاف لكن علشان قاسم ميعرفش حاجه هتقعدى معانا على السفره لكن غير كده انت عارفه مقامك كويس
كانت الدموع تسيل من عينيها دون توقف و لا تستطيع التحكم بها و كان ذلك يسعد الحجه فضه بشده فقالت بشماته و سخريه
– ظبطى حالك يا عروسه للناس تفتكر اننا مجوزينك ابننا غصب و لا حاجه
كانت طوال جلستها صامته تحاول ترتيب افكارها ماذا فعلت فى حياتها حتى يحدث بها كل ذلك لكنها ليس بيدها شىء تفعله و لا مكان تذهب اليه و ايضا لا تستطيع الابتعاد عن قاسم فهو كل ما لها بتلك الحياه
و عند قاسم كانت الدنيا لا تساعه من السعاده فقد حصل اخيرا على ما يتمناها قلبه و تعشقها روحه
فكانت الابتسامه لا تفارق وجهه و لم يتوقف عن مشاركه شباب العائله و البلده الرقص من وقت لآخر
كانت تسير بجانب الحجه فضه متوجه الى الجناح الذى خصصه الحج حسنين لهم فقد كان قد بناه لقاسم منذ سكن معهم بعد وافاه والديه حتى يتزوج فيه و مقسم الى غرفه نوم كبيره و غرفه نوم اخرى صغيره و غرفه جلوس و مطبخ صغير لحتيجاتهم الشخصيه
ادخلتها غرفه النوم الكبيره و ظلت تنظر اليها بغضب و تكبر و قالت
– على الله حفيدى يتبسط النهارده متبقاش الجوازه دى جايه عليه بخساره من كله
لتشهق بدر من كلماتها المؤلمه لتغادر الحجه فضه بعض ان ضحكت بسخريه و اغلقت الباب
ظلت بدر واقفه مكانها تتأمل الغرفه انها رائعه. ومميزه لقد قام قاسم بشراء كل شىء بنفسه و على زوقه و هى دائما تعشق زوقه و اختياراته مر بعض الوقت و هى على نفس وقفتها حتى فتح قاسم الباب و دلف و اغلقه خلفه و استند عليه ينظر اليها و هو يقول
– و اخيرا بدر البدور بقت ليا انا بس
و اقترب منها منتبها لوقفتها و قال باندهاش
– هو انت واقفه كده من وقت ما طلعتى الاوضه
هزت راسها بنعم دون ان ترفع عينيها اليه ليقطب جبينه و هو يقول باندهاش اكبر
– ليه عليكى ذنب و لا متعاقبه
و مد يديه يمسك يديها و سار بها حتى وصل الى تلك الاريكه الكبيره و جلس و اجلسها بجانبه ينظر اليها بحب و هى مطرقه الراس بخجل كما يتوقع لكنها تخشى ان ترفع راسها و تنظر الى عينيه فيرى ذلك الالم الساكن فى عينيها ليضع اصبعه اسفل زقنها ليرفع وجهها و لكنها ظلت محنيه الراس ليشعر بالاندهاش و لكنه قال
– انتِ مكسوفه منى اووووى كده يا بدر
لتقف سريعا و ابتعدت خطوتان و هى تقول بصوت مختنق بالبكاء
– هو انا كنت اطول اصلا اقعد جمبك كده او أكون فى اوضه واحده معاك
ليقطب جبينه بحيره لتتحرك هى و تعود الخطوتان التى ابتعدتهم و لكن هذه المره لتجثو امامه و هى تقول
– خلينى اقلعك جزمتك اكيد رجلك تعباك و هجبلك مايه سخنه
ليقاطعها بشىء من العصبيه و هو يمسكها من ذراعيها و يوقفها امامه و قال
– انتِ بتعملى ايه … انتِ تعرفى انى ممكن اخليكى تعملى كده و لو حتى هوافق هتعملى كده يوم فرحك وانتِ لسه بفستان فرحك
لم تعلق على كلماته سوى بدموع عينيها ليشعر بألم قوى داخل قلبه و عقله يفكر انها اجبرت على الزواج منه انها لا ترغب فيه كزوج فسألها بصوت لا روح فيه
– هو انتِ مش متقبلانى كزوج
لتهز راسها و هى تقول بصدق
– انا متمنتش غيرك فى حياتى يا
و صمتت دون ان تكمل ليقطب جبينه و هو يشعر ان هناك ما يؤلمها ليقترب منها و هو يقول
– مالك يا بدر ليه مش سعيده بجوازنا ليه الدموع ليه عينك حزينه
لتبتسم و هى تقول
– انا متمنتش فى حياتى غيرك بس
ليضمها الى صدره و هو يقول
– من غير بس يا بدر من غير بس انا بقيت ليكى و انت بقيتى ليا و مفيش حاجه فى الدنيا دى ممكن يفرقنا الا الموت
ظل يربت على ظهرها و هى بين ذراعيه ثم ابعدها عنه قليلا و قال ابتسامه
– غيرى فستانك و اتوضى خلينا نصلى ركعتين لله و نام و بكره كل حاجه هتتحل
هزت راسها بنعم و نفذت ما قاله و بعد انتهائهم من الصلاه و قفت تنظر الى السرير بحيره ليقترب منها و هو يقول
– ايه بتفكرى فى ايه
نظرت اليه بحيره ليأخذ نفس عميق ثم قال باستفهام مستنكر
– ايه بتفكرى تنامى على الارض
اجفلت لكلماته التى فكرت فيها بالفعل ليكمل ما تفكر به
– اصل مفيش خدامه بتنام جمب سيدها مش كده الا فى حاله واحده
اخفضت راسها وكلمات الحجه فضه تتردد فى اذنها ليكمل هو
– انه يكون حيوان
رفعت راسها تنظر اليه باندهاش و صدمه ليكمل هو دون ان يظهر على ملامحه اى تعبير
– انتِ مراتى مش خدامتى علشان تقلعينى الجزمه انتِ مراتى مش جاريتى علشان تكونى اداه لمتعتى على السرير و بعدين يكون مكانك الارض تحت رجلى انتِ مراتى يا بدر مراتى
كانت الدموع تغرق وجهها ليرق قلبه و هو يقترب منها و يقول
– جدتى اللى قالتلك كده انك خدامه و جاريه
لتخفض راسها دون ان تستطيع ان تنفى او تؤكد ليضمها الى صدره من جديد و هو يتخذ قرار و عليه تنفيذه
ظلت بين يديه لعده دقائق ثم قال بابتسامه صغيره
– جعانه و لا عايزه تنامى على طول
لتقول بخجل
– انا …… انا جعانه اوووى
ليشعر بالالم من تلك الفكره التى خطرت على عقله هل جدته لم تكن تطعمها ايضا طوال ذلك الاسبوع لكنه ابتسم بمرح مصتنع و هو يمسك يديها و يتوجه الى الطاوله الموضوع فوقها الطعام قائلا
– انا كمان جعان اوووى اوووى …. هو صحيح كنت جعان لحاجه تانيه بس معلش هتتعوض
نسيت حزنها و المها و هى ترى ابتسامته و سعادته بها اطعامه لها بيديه حنانه و مرحه نظره عينيه التى تغمرها بالحب و الحنان و الامان حين انتهوا من تناول الطعام اقترب منها و هو يقول
– هتنامى فى حضنى مش هتنازل عن انك تنامى بين ضلوعى و راسك فوق قلبى
اخفضت راسها بخجل فهل يظن انها سترفض ان تسكن ضلوعه طوال الليل لتنظر اليه بحب و رجاء
– دى امنيه حياتى يا
و صمتت من جديد ليقول بمهادنه
– يا آيه يا بدر يا ايه
صمتت لثوانى ثم قالت
– يا سى قاسم
ليقطب جبينه لتكمل هى موضحه
– لآنك سى قاسم البطل اللى من صغرى فتحت عينى عليه اللى كان ديما بيحمينى رغم انه كان على طول مكشر

ضحك بصوت عالى فهو حقا يستمتع الان بكلماتها و ذكرياتها ليقبل يديها بحب ثم قال
– انتِ لسه فاكره …. على العموم نادينى زى ما انت عايزه بس قدام اى حد انا قاسم قاسم و بس بينى وبينك تقوليلى بقا سى قاسم سى السيد يا قسوم اللى انتِ عايزاه بس انا بقا مش هقولك غير يا بدر البدور
غفت بين ذراعيه كما اراد و على وجهها ابتسامه رضا و سعاده و ظل هو طوال الليل يتأملها بسعاده و ايضا يفكر فيما قرره و ما يجب عليه تنفيذه بقلمى ساره مجدى
مع اول خطوط النهار ادعى النوم فهو يعلم جيدا ان جدته ستأتى باكرًا بالافطار كعادتهم الشهيره و يريد ان يستمع لما سيحدث بينهم حتى لا يكون قد ظلمها و يتمنى ان يكون ظالم لها بالفعل
و بالفعل لم يمر اكثر من عشر دقائق و كان هناك طرقات على باب الغرفه ليدعى النوم دون حراك لتستيقظ بدر تنظر اليه ثم نزلت عن السرير و توجهت الى الباب و خرجت ليلحق بها و وقف خلف الباب الذى لم يغلق جيدا و استمع لما يدور بالخارج
كانت الحجه فضه تنظر الى بدر باستهزاء و قالت بسخريه
– صباحيه مباركه يا عروسه …. بس يا ترى بقا حفيدى اتمتع كده و فلوسه مترمتش على الارض و لا طلع خسران كل حاجه
احنت بدر راسها دون رد لتكمل الحجه فضه كلماتها الجارحه
– لو فاكره انك هتتحولى من خدامه لست البيت ده تبقى غلطانه يا بدر انتِ خدامه بنت خدام ابوكى مات خدام و انتِ كمان هتعيشى وتموتى خدامه
لم يعد يحتمل تلك الكلمات و قلب صغيرته التي يتألم الان و كرامتها التى هى كرامته تهان فاجلى صوته لينبه جدته انه استيقظ و خرج من الباب بابتسامه واسعه و هو يقول
– صباح الخير …. ازيك يا جدتى
و حاوط كتف حبيبته بحنان و قبل اعلى راسها و كأنه يعتذر منها على كل ما قالته جدته ثم نظر الى الطعام و قال بهدوء
– حضرتك طلعتلنا الفطار لحد هنا ….. الغدا هننزل تحت علشان عايز اشوف جدى كمان عايز كل اللى فى البيت يعرفوا ان من النهارده بدر ست البيت طبعا بعدك يا جدتى
لتشتعل نار الحقد بداخل فضه و لكنها ابتسمت بتصنع وقالت
– و مالوا يا ابنى و مالوا
و غادرت تستند على عصاها و هى تفكر ان عليها انهاء الامر سريعا فقد تخرج الامور عن السيطره
و بالفعل حاول قاسم ان يهون على حبيبته ما حدث دون ان يشعرها انه سمع شىء حتى اتى موعد الغداء
وقف امام الخذانه و اخرج لها فستان طويل اسود مطرز بالاحمر من اول الفستان الى اخره و حجابه الخاص و قال
– هيبقا تحفه عليكى
لترتديه بسعاده و نزلا معا يده تحتضن يديها و مباشره للمضيفه انحنى يقبل يد جده و كذلك هى انها حقا تحب الحج حسنين و تشعر وكأنه جدها الحقيقى ليجلس قاسم بجانب جده وبجانبه حبيبته التى تنظر ارضا بخجل
اقترب قاسم من جده و همس بجانب اذنه
– ممكن تطاوعني فى اللى هعمله
لينظر اليه الحج حسنين باستفهام لينظر اليه قاسم بثبات و ثقه ليهز الحج حسنين راسه بنعم
ليقف قاسم عند باب المضيفه و نادا صباح بصوت عالى لتقترب الحجه فضه و جلست بجانب الحج حسنين تنظر لما يقوم به قاسم باندهاش

لتقترب صباح من قاسم و هى تقول
– أوامرك يا سى قاسم
– نادى كل اللى شغالين فى البيت حتى السواقين
قالها بصرامه لتهز الفتاه راسها بنعم و غادرت سريعا تنفذ آمره
خلال خمس دقائق كان الجميع يقف امامه باحترام حارس البيت السائقين و المسؤل عن الحديقه و الثلاث فتايات التى يعملن فى البيت
اخذ قاسم نفس عميق ثم قال
– بعد اذنك طبعا يا جدى انا هبلغهم باللى اتفقنا عليه
ليهز الحج حسنين راسه بنعم لتقطب فضه حاجبيها بعدم فهم ليقول قاسم بهدوء صارم
– انا امبارح زى ما انتو عرفين اتجوزت ستكم بدر ومن النهارده هى ست البيت ده امرها مسموع و اى حد منكم عنده مشكله يرجعلها بس ده طبعا بعد جدتى يعنى بدر زى بالظبط طالما جدى موجود انا مش موجود و بدر بعد جدتى يعنى الحجه فضه الاول و بعدين بدر مراتى مفهوم
كان الجميع يشعر بالغرابه و الاندهاش فما قاله قاسم شيء بديهى لا يحتاج ان يجمعهم ليبلغهم به و شعر الحج حسنين ان فضه قد فعلت شىء خاطىء فى حق بدر
صرف قاسم العاملين بعد ان هنئوه و كانت بدر تشعر بصدمه ممما سمعت كيف يقول هذا سوف يزيد هذا الكلام من غضب الحجه فضه و ستخرجه فيها
وقفت فضه غاضبه و قالت للحج حسنين
– انت عاجبك اللى عمله قاسم ده
– اللى قالوا حاجه طبيعيه انا مش فاهم هو ليه بيقوله ما اكيد بدر بقت ست البيت و مكنتها من مكانه جوزها
لتضرب فضه الارض بعصاها و كادت ان تقول شىء ولكن صوت قاسم اسكتها بصدمه
– قولت كده علشان جدتى بتهدد مراتى و بتهينها
لتنتفض بدر واقفه بصدمه و جحظت عين الحج حسنين مع تلك الكلمات وكانت فضه تنظر الى بدر بغضب و حقد ظنا منها انها اشتكت لقاسم ليقترب قاسم و وقف امام جدته و قال
– انا سمعتك بودانى النهارده الصبح هى ما قلتش حاجه
ليقف الحج حسنين و قال بغضب
– قالتلها ايه يا قاسم ؟
نظر قاسم الى جده ليقول له بأمر
– قول قالت ايه ؟
قص قاسم كل ما حدث وما سمعه و ما حدث من بدر بالامس من محاولتها خلع حزائه و تفكيرها فى النوم ارضا
– انتِ عملتى كده يا فضه ؟
قالها الحج حسنين بصوت عالى لتنظر اليه بغضب لايقل بل يزداد وقالت
– ايوه لان دى هى الحقيقه هى مجرد خدامه جاريه نشتريها بفلوسنا يتمتع بيها ابننا شويه لحد ما يزهق و يرميها و اجوزه ست سنها لكن متكونش مراته ابدا …. ابدا
صدمه كبيره اخرست الجميع و كانت بدر تبكى بصمت قهرا و ذلًا
لتنتفخ اوداج الحج حسنين ورفع يديه و لاول مره ليصفع الحجه فضه و لكن بدر وقفت امامها و اخذت تلك الصفعه مكانها امام صدمه و اندهاش الجميع ليركض قاسم اليها يضمها بحنان لتبتسم ابتسامه صغيره
– الام ما تتحاسبش على خوفها و حبها لولادها و لا تتحاسب على انها عايزالهم احسن حاجه
صمتت لثوانى و كانت نظرات الحج حسنين لها يملئها الاسف و الاعتذار و ايضا ينظر اليها بابتسامه حانيه و كان قاسم رغم المه عليها الا انه سعيد بها جدا فهذه هى حبيبته طيبه القلب
وقفت بدر امام فضه و قالت
– انا مش زعلانه من كلامك رغم انه جرحنى و لا كنت عايزه اى حاجه من دى تحصل و علشان انا السبب فى كل ده اخذت انا القلم ده لانى استحقه لانى زعلتك و زعلت قاسم و زعلت جدى
صمتت لثوانى ثم اكملت ببكاء
– انا معرفش اهل غيركم جدى و جدتى و قاسم
ابتعدت خطوه للخلف و هى تقول بأقرار
– الحل الوحيد لكل ده انى اخرج من البيت ده انا مليش فيه مكان
لينتفض قاسم و يقف امامها و قال بنوع من الحده و الصرامه
– انتِ ملكيش مكان غير هنا ده بيتك و دول اهلك و ناسك و انا مقدرش اعيش من غيرك
جلست الحجه فضه مكانها من جديد و قالت بعد ان اخذت نفس عميق
– انا بحبك اوووى يا قاسم انت ابن الغالى اللى راح وهو لسه فى عز شبابه كنت بشوفك فيه و هدان ابنى حبيبى اللى كسر قلبى بموته بدرى و اللى قبلها كسر فرحتى و اتجوز واحده لا هى من توبه و لا مقامه كسر فرحتى انى اجوزه واحده بنت عيله كبيره متعلمه تبقا منوره بتنا لكن هو حب بنت غلبانه من عيله بسيطه صحيح كانت متعلمه لكن كانت فقيره
كان الجميع يستمع اليها باهتمام شديد رغم ضيقهم من كلماتها و طريقه تفكيرها لتكمل هى دون ان تنتبه لهم
– و لما شلتك اول مره رجع ليا حلمى من جديد اجوزك بنت حلوه ومن عيله بس انت كمان كسرت حلمى و حبيت و اتجوزت بدر
صمتت لثوانى ثم اكملت
– انا بحب بدر من اول مره ضمتها فى حضنى يوم موت ابوها بس هى مش اغلى عندى منك و لا من حلمى اللى نفسى احققه

ليقترب منها قاسم رغم احساسه القوى بالضيق و الغضب و امام نظرات جده المصدومة و غير المصدقه لفضه و بكاء بدر الصامت جثى امامها و قال
– تفتكرى يا جدتى لو انا اتجوزت واحده زى اللى انت بتقولى عليها رغم انى مش شايف بدر اقل منهم فى موقف زى اللى احنى فيه ده كانت ممكن تقف و تنضرب مكانك و لا كانت هتقول يلا نفسى طيب كنتى هتضمنى منين انها متضحكش على عقلى و تطلب منى نسيب البيت هنا و نسكن لوحدنا طيب تفتكرى انها ممكن تقعد تحت رجلين جدى تدلكهم و لا تهتم بدواه
صمت لثوانى ثم قال بوضوح و ثقه
– و بعيدا عن كل ده انا بحب بدر و مش شايف غيرها بنات هى الاولى و الاخيره
كانت دموع فضه الحزينه و دموع بدر المجروحه تؤام. قلوب الجميع و لكن ما يحدث خطىء لابد من اصلاحه مرت سنه وكان هو ينتظرها فى غرفتهم يشعر بالضيق و ينفخ الهواء بغضب فهى طوال الوقت منشغله عنه بمشاكل سيدات البلده و ايجاد حلول لهن و ايضا علاج جدته و جلسات العلاج الطبيعى لجده وقف امام
النافذه يتذكر قرار جده بعد كل ما حدث امامه
(( اعتزال فضه فى غرفتها … و عدم تدخلها فى اى امر يخص البيت و ايضا قرر انه سيجمع كل العائله و يخبرهم ان قاسم من اليوم هو الكبير و بدر سيده البيت ))
و رغم ان ذلك القرار اراحه الا انه لم يريح بدر صاحبه القلب الكبير بقلمى ساره مجدى
فاصبحت كل يوم تذهب الى فضه تقص عليها كل ما يحدث فى البيت و تاخذ رأيها و تتحدث الى جده حتى يتراجع عن قراره الذى استجاب لها و اخيرا حين علموا جميعا بخبر حملها
دلفت الى الغرفه ببطنها البارز الكبير يبدوا عليها الارهاق لكنها ابتسمت بسعاده و هى تقول
– اسفه يا سى قاسم حقك عليا و النبى ما تزعل منى بس ستى كانت عماله تتكلم معايا و مكنش ينفع اسيبها و قوم

كانت تقول كل ذلك و هى تخرج له بجامه للنوم و تحضر له خفه المنزلى بشكير الحمام ليمسك يدها يوقفها عن الحركه ثم حملها و وضعها على السرير و هو يقول
– ارتاحى شويه انتِ شبه النحله طول اليوم
ثم مد يده يخلع عنها حذائها الخفيف و نظر بشفقه الى قدميها المتورطه وقال
– يعنى يرضى مين حالك ده ؟!
لتقترب منه و تمسك يديه و تقبلها بحب و احترام وهى تقول
– المهم انت تكون راضى
– هبقا راضى ازاى و انا شايفك مقسمه نفسك على الكل و بتحاولى ترضى الكل الا واحده بس جايه عليها و ظلماها
لتقطب جبينها و هى تقول بصدمه
– مين دى الى عامله فيها كل ده
– انتِ
ظهر الاندهاش و الصدمه على ملامحها ليقترب منها اكثر لترجع ظهرها الى الخلف و ظل هكذا حتى تمددت لينظر لها من علو وقال
– ان لبدنك عليك حق انتِ مش بطله خارقه و لا بجناحات يا بدر انتِ بشر يا حبيبتى و ليكى طاقه و محتاجه ترتاحى
لتبتسم بسعاده و هى تحاوط عنقه بذراعيها وهى تقول بدلال
– ما انت بتنسيني اى الم او تعب حضنك حياه يا سى قاسم
ليبتسم و هو يقترب ليقبلها بشغف ثم قال
– بحبك يا بدر البدور
مرت ايام و ايام يزداد حب قاسم لبدر و راحه بدر مع قاسم امانها و حصنها المنيع و يوم ولادتها كان يشعر و كأن قلبه سيتوقف من الخوف عليها و حين خرجت الممرضه و بين يديها طفله صغيره تشبه والدتها بشده كاد قلبه ان يتوقف من السعاده خاصه و هو يراها تخرج من غرفه العمليات رغم ارهاقها الواضح الا انها تبتسم
عادت الى البيت فى نفس اليوم على اثر اصرارها ان يرى الجدان حفيدتهم و يعرفون اسمها التى لم تخبره لاحد حتى الان
و قفت بوهن و اخذت الصغيره من يد والدها و اقتربت من الحجه فضه و وضعتها فى يديها و هى تقول
– احب اعرفك فضه الصغيره
لتبكى الحجه فضه بندم على كل ما قامت به و نظر قاسم الى زوجته بحب و احترام شديد و هو يهمس
– بحبك يا بدر البدور

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *