علي نهاري هاديه

خـ,ـيانة وانتقـ,ـام على نار هادية

​الحكاية بدأت في يوم كان المفروض يكون أجمل يوم في حياة “كاميلا”، البنت الشيك، بنت الأكابر، اللي باباها “الحاج مهدى” واحد من أكبر حيتان النقل واللوجستيات في البلد. الفرح كان في جنينة القصر بتاعهم، حاجة كده زي اللي بنشوفها في المسلسلات؛ ورد أبيض في كل حتة، إضاءة هادية، ومزيكا تخطف القلب.

​كاميلا كانت واقفة قدام المراية، لابسة الفستان الأبيض اللي حلمت بيه، والمكياج مفيش غلطة، والكل مستني بره “العروسة” اللي هتنور الليلة. كانت رايحة تتجوز “رفعت”، الشاب الوسيم اللي بقالها 3 سنين بتقول له “يا حبيبي” وهي مغمضة عينيها، وفاكرة إنها لقت فارس أحلامها.

​لكن النصيب كان له رأي تاني خالص.. قبل ما تمشي خطوة واحدة ناحية الكوشة، كاميلا سمعت ضحكة جاية من ورا شجر النخل اللي متزوق في الجنينة. ميزت الصوت فوراً.. ده صوت “رفعت”! بس الصوت مكنش فيه الحنية اللي متعودة عليها، كان فيه نبرة غريبة، ثقة زايدة عن اللزوم، وضحكة باردة.

​كاميلا مشيت براحة، كتمت نفسها، وقلبها كان بيدق كأنه طبلة. وقفت ورا النخلة وسمعت رفعت وهو بيقول لصاحبه وهو بيضحك: “يا عم حب إيه ورومانسية إيه؟ الموضوع كله مصلحة! شركة الحاج مهدى دي منجم دهب، ومجرد ما أمضي وأخد التوكيلات، خلاص.. اللعبة خلصت، وهبقى أنا الكل في الكل”.

​صاحبه صفر بإعجاب وسأله: “طيب وكاميلا؟ هتعمل فيها إيه؟”.

رفعت رد ببرود يخلي الدم يتجمد في العروق: “كاميلا دي مجرد الباب اللي هدخل منه.. وأدي الباب هيتفتح أهو”.

​كاميلا وقفت مكانها مش عارفة تتحرك. الدنيا لفت بيها. ريحة الورد اللي كانت شاماها ومبسوطة بيها، فجأة قلبت ريحة وحشة في مناخيرها. شريط حياتها معاه عدى قدامها زي الفيلم.. افتكرت أسئلته الكتير عن العقود، والموردين، وإزاي الشركة بتدار، واهتمامه المبالغ فيه بالتوكيلات القانونية. مكنش حب يا فوزية، كان “خطة” مرسومة بالمللي.

​رفعت كمل كلامه وقال: “وبعدين الحج مهدى كبر في السن، وبزقة قانونية صغيرة كده، كاميلا مش هتحس بحاجة، وكل الورث والشركة هيبقوا بتوعي رسمي فهمي نظمي”.

​في اللحظة دي، الفستان اللي كانت لابساه وفرحانة بيه، حست إنه بقى “قفص” ضيق بيخنقها. كان ممكن تصرخ، كان ممكن تطلع تفضحه قدام المعازيم كلهم وتلغي الفرح، بس في حاجة جواها اتغيرت. كاميلا مكنتش بس مجروحة، كاميلا كانت مرعوبة على تعب أبوها، وحست إن رفعت ده مش مجرد نصاب، ده “خطر” لازم يتداس عليه.

​خدت نفس عميق، وعدلت الطرحة فوق راسها كأنها “تاج” ملكة داخلة معركة، وقالت لنفسها: “لو فاكر إنك كسبت يا رفعت، خليك عايش في الوهم شوية كمان”.

​رجعت كاميلا ووقفت في الممر اللي متغطي بورد الشجر، والكل كان بيبص لها بإعجاب، مكنش حد يعرف إن العروسة اللي قدامهم دي “اتبدلت” تماماً. رفعت كان واقف مستنيها بابتسامة صفراء، وهي بصت في عينيه بكل ثبات، مكنتش شايفة فيه “عريس”، كانت شايفة فيه “صفقة” فاشلة لازم تتصفي.

​أبوها، الحاج مهدى، خدها من إيديها وهو فخور بيها، وهمس في ودنها: “يا بنتي، ده أسعد يوم في عمري”. كاميلا ردت عليه بابتسامة هادية وقالت له: “وأنا كمان يا بابا”، بس كانت عارفة إنها لسه مش هتقدر تكسر قلبه دلوقتي.

​المراسم كملت كأنها تمثيلية بايخة. المأذون بيتكلم عن المودة والرحمة، ورفعت بيردد الكلام بكل ثقة كأنه بيمضي عقد توريد. ولما جه الدور على كاميلا، قالت كلماتها بدقة: “أوعدك إني أمشي معاك بمنتهى الصدق.. وأوعدك إني أختار الصح حتى لو كان صعب”. طبعاً رفعت الغبي مفهمش إن “الصح” اللي تقصده هو إنها توديه ورا الشمس!

​خلص الفرح، والمعازيم بيباركوا: “يا واد يا رفعت، وقعت واقف، دي عروسة زي القشطة وعيلة ملهاش آخر”. ورفعت كان بيتمخطر وسط الناس كأنه ملك الغابة. قرب منها وهمس لها: “كل حاجة ماشية أحسن ما كنت متخيل”. كاميلا ردت ببرود: “فعلاً.. وأحسن بكتير كمان”.

​في القصر، كاميلا بدأت تراقب رفعت من بعيد. لاحظت إنه مكنش بيحتفل زي العرسان، ده كان شغال “مفتش”. بيسأل المديرين بتوع باباها عن الأرباح، والخطوط الجديدة، والمخازن. ولاحظت كمان إنه “مستعجل” زيادة عن اللزوم، كأن في حد بيجري وراه أو عليه ديون عايز يسددها.

​تاني يوم الصبح، كاميلا صحيت قبل الفجر. مكنش قدامها غير حد واحد تثق فيه: أختها الصغيرة “مايا”. مايا دي كانت بتدرس حقوق، ودماغها “سم” وبتركز في كل التفاصيل. كاميلا حكت لها كل اللي سمعته وشافته من غير دموع ولا عياط، حكتلها “حقائق” وبس.

​ماياا مكنتش متفاجئة، وقالت لها: “أنا أصلاً قلبي مكنش مستريح له. دايما كان بيسأل أسئلة غريبة عن العقود ومبيحكيش حاجة عن ماضيه أبداً”. مايا بدأت تتحرك، وكلمت زمايلها في مكاتب المحاماة ودورت في السجلات التجارية.. والمفاجأة كانت “صدمة”!

​طلع رفعت ده “نصاب محترف”. له سوابق في كذا محافظة، يروح يوقع بنات عائلات غنية في حبه، يخطبهم، يلم اللي يقدر عليه من توكيلات وفلوس، وبعدين يهرب. السنة اللي فاتت بس كان خاطب واحدة من عيلة كبيرة في طنطا، وهرب قبل الفرح بكام يوم لما بدأوا يشكوا فيه.

​كاميلا لما عرفت الكلام ده، جسمها قشعر. مكنتش هي “الحب الوحيد”، كانت مجرد “الضحية رقم كذا” في القائمة بتاعته.

​رجعت البيت ولقيت رفعت بيتكلم في التليفون بصوت واطي ومنفعل، وبيقول: “اصبروا عليا أسبوع واحد، التوكيل هيبقى في إيدي وهصفي كل حاجة وهتاخدوا فلوسكم وزيادة”. كاميلا سمعته وفهمت إن “الوحش” محشور في الزاوية وعليه ديون لناس خطر.

​هنا بقى كاميلا بدأت ترسم “الخطة الكبيرة”. هي مش بس هتطلقه، هي هتمحيه من الوجود.

​بدأت تمثل عليه إنها “الزوجة المطيعة الهبلة”. قالت له: “يا رفعت حبيبي، بابا بدأ يتعب، وأنا عايزة أريحك وأريح بابا، فقررت إني أقنع بابا يكتب لك “تفويض كامل” بإدارة الشركة الرئيسية”.

رفعت عينيه لمعت زي عيون القطط في الضلمة: “بجد يا كاميلا؟ ده أنا هشيل الشركة في عيوني”.

كاميلا قالت له: “بس عشان بابا يوافق، لازم نثبت له إنك عندك أصول، يعني لو تحط أسهمك أو أي عقارات تملكها كضمان في “صندوق العيلة”، عشان الورثة وكده، إنت عارف بابا بيحب النظام”.

​رفعت، ومن كتر طمعه وعماه، بدأ يتصرف. باع اللي وراه واللي قدامه (اللي كان أصلاً سارقه من ناس تانية) عشان يثبت إنه “رجل أعمال” تقيل قدام الحاج مهدى وماياا أختها كانت بتراقب كل قرش وكل ورقة بيمضي عليها.

​وفي ليلة “المواجهة الكبرى”، كاميلا عزمت رفعت على عشا فاخر في البيت، وكان الحاج مهدى موجود، ومعاه “المحامي” بتاع العيلة. رفعت كان فاكر إنه هيمضي على “عقد استلام الشركة”.

​كاميلا قامت وقفت، ومسكت الكأس بتاعها وقالت: “نخب النهاية!”.

رفعت استغرب: “نهاية إيه يا حبيبتي؟ قصدك البداية؟”.

كاميلا ضحكت ضحكة قوية ورمت قدامه على التربيزة “ملف” أسود كبير. رفعت فتح الملف ووشه بقى لونه أصفر، وبعدين أزرق، وبعدين اتقلب ألوان الطيف.

​الملف كان فيه صور لكل الضحايا اللي نصب عليهم، والديون اللي عليه، والأهم من كده.. “إقرار” هو مضى عليه بذكاء من كاميلا ومايا، بيفيد إن كل الأصول اللي هو حطها في “صندوق العيلة” بقت ملك لشركة إدوارد “كتعويض” عن الأضرار الأدبية!

​كاميلا قالت له بكل ثبات: “إنت فاكر إنك ذكي يا رفعت؟ إنت مجرد “نصاب” صغير دخل بيت “كاميلا إمهدى”. إنت دلوقتي مش بس خسرت الشركة، إنت خسرت كل مليم جمعته في حياتك من النصب، وكمان في بلاغات اتقدمت ضدك دلوقتي حالا بمكانك، والشرطة على الباب”.

​رفعت حاول يهجم عليها، بس الحاج مهدى، اللي كان عارف كل حاجة في المرحلة الأخيرة، نادى على الأمن اللي مسكوه من قفاه زي الفرخة.

​كاميلا قربت منه وقالت له في ودنه: “لما تحب تلعب مع الكبار، ابقى اتعلم القوانين الأول.. الباب اللي كنت عايز تفتحه، هو اللي قفل على صوابعك يا “عريس الغفلة””.

​الشرطة جت وخدت رفعت وهو بيصرخ وبيهدد، بس مكنش حد بيسمع له. كاميلا قلعت الدبلة ورمتها في وش مأمور الضبط وقالت له: “دي عهدة، حطوها في ملف القضية”.

​الحاج مهدى خد بنته في حضنه وقال لها: “أنا فخور بيكي يا كاميلا، إنتي فعلاً بنت مهدى”. كاميلا بصت له وقالت: “الشركة أمان يا بابا، والدرس اللي اتعلمته النهاردة أغلى من أي عقد”.

​ومن اليوم ده، كاميلا مقتصرتش بس على إدارة الشركة، دي بقت هي “العقل المدبر” لكل صفقات أبوها، وبقت قصتها دي حكاية بتتحكي في كل صالونات مصر.. عن العروسة اللي “غدت” بالعريس قبل ما “يتعشى” بالشركة!

​وتمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *