م عمرك ما هتتخيل ازاي لحظة واحده هتقلب حياتي انسان لشخصي تاني
عمرك ما هتتخيل ازاي ممكن لحظة واحدة تقلب حياة إنسان وتخليه شخص تاني تماماً وفي يوم عادي جداً في مكتب محاماة فخم في القاهرة مش في المكسيك كان قاعد معتز عبدالقادر ابن واحد من أكبر رجال الأعمال ماسك ساعة دهب وبيبص فيها بضيق شديد والجو في الأوضة ساقع بس البرود الحقيقي كان جواه هو مش في التكييف قدامه كانت قاعدة ليلى مراته اللي كانت لسه شايلة في بطنها طفل عمره تلت شهور وهي ساكتة وبصها على ورق الطلاق قدامها كأن كل كلمة فيه س*كينة بتتغرس فيها
معتز كان مستعجل على سفرية مع حبيبته الجديدة ريم اللي قرر يسيب علشانها مراته وحياته كلها وقال ببرود شديد امضي يا ليلى خلينا نخلص انا مش فاضي للكلام ده معاكي شقة كويسة وهتعيشي مرتاحة وخلاص كل واحد يروح لحاله
ليلى ما ردتش دموعها كانت محبوسة جواها بس إيديها نزلت على بطنها بحنية وهي حاسة بحاجة كبرت جواها أكتر من أي وجع رفعت عينيها له وقالت بهدوء غريب هو انت حبيتني يا معتز في يوم من الأيام
ضحك بسخرية وقال وهو بيبص بعيد عن عينيها متسأليش أسئلة مالهاش لازمة امضي وخلاص
في اللحظة دي ليلى مسكت القلم ووقعت امضتها وراحت واقفة بهدوء واخدت كارت البنك ورمته في الزبالة وخرجت من المكتب تحت شمس القاهرة وهي حاسة إنها لوحدها بس كانت ماسكة في حاجة جواها أقوى من أي حد وهي بتهمس لابنها إحنا من النهاردة لوحدنا بس هنكمل
عدت سنين طويلة والجو اتغير وفي مدرسة كبيرة في القاهرة كان في احتفال تخرج مليان ناس وأضواء ومعتز بقى راجل أعمال كبير أكتر وواقف في المنصة بيعلن تبرع بملايين للمدرسة والناس بتصفق له وهو حاسس بنفس الغرور القديم
المدير نادى على الطفل المتفوق علشان يستلم الجائزة من الراجل الكبير وطلع طفل صغير عنده حوالي عشر سنين ماشي بثبات ولابس هدوم مدرسة نظيفة وقف قدام معتز ورفع عينه ليه
وفي اللحظة دي الزمن وقف معتز حس بقلبه بيقع من مكانه الطفل قدامه شبهه بشكل يخوف نفس العيون نفس الملامح نفس الشكل اللي يعرفه أكتر من نفسه وفي آخر القاعة كانت ليلى واقفة ماسكة كاميرا وبتبص له بهدوء مرعب ابتسامة بسيطة على وشها كأنها مستنية اللحظة دي من سنين وكل اللي في القاعة ما كانوش فاهمين إن في عاصفة جاية هتغير كل حاجة وأن الطفل ده مش مجرد طفل عادي وأن الحقيقة اللي هتتقال دلوقتي هتقلب حياة معتز كلها في ثانية واحدةمعتز ماكنش قادر يشيل عينه من على الولد كأن في حاجة ماسكاه من جواه بتشد عليه غصب عنه الطفل كان واقف بثبات غريب على سنه وبيمسك الجايزة بإيده الصغيرة لكن عينيه كانت ثابتة على الراجل اللي قدامه مش فرحان مش مبهور كأنه مستني حاجة
ليلى في آخر القاعة كانت بتتفرج وساكتة ابتسامتها ثابتة بس قلبها كان بيخبط كأنها عارفة إن اللحظة اللي مستنياها بقالها سنين بدأت فعلاً
معتز بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت واطي شبه همس اسمك ايه
الولد رد بهدوء اسمي يوسف
الاسم وقع على معتز كأنه حجر تقيل اتكسر جواه حس بدوخة بسيطة ودمه سحب من وشه للحظة حس إنه سمع الاسم ده قبل كده بس مش قادر يفتكر فين
المدير قرب منه وقال بفخر يوسف ده أذكى طالب عندنا السنة دي ومتفوق بشكل غير طبيعي وبيشارك دايماً في كل الأنشطة
معتز هز راسه بالعافية لكن عينه كانت لسه متسمرة على الطفل وقال فجأة من غير ما يقصد أمك مين يا يوسف
في اللحظة دي القاعة كلها سكتت شوية يوسف بص ناحية آخر القاعة كأنه بيستأذن وبعدين قال بصوت ثابت أمي اسمها ليلى
الهواء اتسحب من المكان كله
معتز لف بسرعة كأنه اتلسع أول ما عينه جت على ليلى اللي كانت واقفة في الضلمة شوية بعيد عن الأنوار ساعتها كل حاجة رجعت مرة واحدة زي فيلم قديم بيتعاد قدامه المكتب الورق بطنها صوتها وهي بتسأله لو حبها يوم
بس الحاجة اللي كملت تكسّر جواه كانت جملة يوسف اللي قالها بهدوء أبسط من أي حاجة أنا كنت عارف إنك هتيجي في يوم تتفرج عليا
معتز حس برجليه بتضعف وابتدى يقرب خطوة خطوة ناحية القاعة اللي بينه وبين ليلى زي بحر طويل فجأة اتفتح قدامه
ليلى ما اتحركتش خطوة واحدة بس رفعت الكاميرا تاني ووجهتها عليه وضغطت زرار الصورة وهي بتهمس بصوت محدش سمعه غيرها الوقت جه يا معتز
وفي نفس اللحظة يوسف مسك إيد أمه ولف ناحيته وقال جملة خلت القاعة كلها تحبس أنفاسها
بابا
معتز اتجمد في مكانه كأن الزمن وقف تماماً والهدوء اللي غطى القاعة كان قبل الانفجار بثانية واحدة بس…الكلمة وقعت على معتز زي طلق نار من غير صوت بابا
بس المرة دي مش في ودنه في قلبه
رجله اتسمرت في الأرض ووشه فقد أي لون كأنه شاف حاجة مستحيل تتشاف يوسف واقف ثابت عينيه فيه مش فيها خوف ولا تردد كأنه كان متأكد من اللحظة دي من زمان
ليلى نزلت الكاميرا ببطء شديد وابتسامتها اختفت لأول مرة وبقى مكانها هدوء تقيل يخوف أكتر من الصريخ
معتز بص حواليه كأنه مستني حد يقول إن ده هزار إن في سوء فهم إن في طفل بيقول أي كلمة وخلاص لكن مفيش حد بيتكلم القاعة كلها ساكتة بشكل غريب كأنها عارفة ومش فاهمة في نفس الوقت
بص ناحية ليلى وصوته طلع مكسور رغم محاولته يسيطر عليه انتي بتعملي ايه
ليلى خدت نفس عميق وابتدت تمشي ناحيته بخطوات بطيئة جداً كل خطوة كانت بتخلي قلبه يدق أسرع لحد ما وقفت قدامه مباشرة وبصتله في عينه وقالت بهدوء يوجع أكتر من الصراخ فاكر لما سبتني وقلتلي خدي فلوسك وعيشي حياتك
سكتت لحظة وبعدين كملت بس أنا مكنتش لوحدي
يوسف شد إيد أمه جامد وقال بصوت طفل بس فيه ثبات راجل كبير أنا طول عمري بسألها بابا فين كانت بتقولي فين ما تستاهلش يعرفك
معتز حس إن الأرض بتلف بيه رجع خطوة لورا وقال بصوت عالي مستحيل أنا ما عنديش ولد
ليلى ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة وقالت عندك بس انت اللي اخترت تمسحه من حياتك قبل ما تعرفه
سكتت ثانية وبعدين بصت حواليها للناس اللي بتتفرج وأضافت قدام الكل ده ابنك يا معتز ابنك اللي سبتني بيه وانا حامل وانت رايح لحبك الجديد
الهمس بدأ يعلى في القاعة والناس تبص لبعض بصدمة معتز بص ليوسف تاني كأنه بيحاول يلاقي أي حاجة تكذب اللي بيتقال لكن كل تفصيلة في وشه كانت بتصرخ بالحقيقة
يوسف قرب خطوة وقال بهدوء طفل بس كأنه بيحاكمه أنا عمري ما احتجت حاجة منك بس النهارده جيت أشوفك عشان أفهم ليه سبتنا
معتز فتح بقه لكن مفيش كلمة خرجت كأنه لأول مرة في حياته مش عارف يدافع عن نفسه
وفي اللحظة دي ليلى رفعت تاني صورة كانت ماسكاها وقالت بصوت منخفض بس واضح فاكر الورق اللي وقعت عليه وقتها
مدتهوله
معتز بص للصورة وشافها صورة قديمة ليلى وهي حامل وباين عليها التعب ووراها بخط إيده ورقة مكتوب فيها تنازل
إيده ابتدت ترتعش
وفجأة يوسف قال جملة خلت دماغه توقف تماماً
أنا مش جيت أخد منك حاجة… أنا جيت أعرفك إنك خسرتني من بدري
وساعتها ليلى خدت إيد ابنها وقالت وهي بتلف عشان تمشي
والنهارده يا معتز… الدور جه عليك
وخرجوا سوا من القاعة وسط صمت تقيل جداً ومعتز واقف مكانه لأول مرة في حياته مش عارف يطاردهم ولا ينطق ولا حتى يفهم هو هيبدأ منين بعد اللي اتكسر جواه…معتز فضل واقف مكانه في نص القاعة كأن الزمن اتكسر حواليه كل الناس بتبص له بس مفيش صوت واحد قادر يطلع منه حس لأول مرة إن الفلوس ولا الاسم ولا السلطة ولا أي حاجة من اللي بناها طول سنين فجأة بقوا ولا حاجة
يوسف كان ماشي جنب أمه وإيده في إيدها بخطوات هادية بس ثابتة كأنه مش ماشي من قاعة احتفال هو بيقفل باب حياة كاملة وبيفتح باب تاني ليهم هما بس
ليلى وقفت عند باب الخروج لحظة واحدة بس وبصت وراها من غير ما ترجع قالت بصوت واطي بس وصل له زي سهم
أنا ما خدتش منك حاجة يا معتز أنا بس رجعت حقي
وبعدين خرجوا
الباب اتقفل
الصوت ده كان أبسط صوت في المكان بس وقع على قلب معتز أقوى من أي صفقة أو صدمة عاشها قبل كده
معتز اتقدم خطوة ناحية الباب كأنه عايز يجري وراهم لكن رجله وقفته في نص الطريق فجأة حس إنه مش عارف يقول إيه ولا حتى ينادي باسم ابنه اللي لسه لسه عرف إنه موجود
المدير حاول يتكلم الناس بدأت تتحرك بس معتز رفع إيده بسكوت كل حاجة وقفت تاني
فضل يبص للباب الفاضي شوية طويلة لحد ما الهدوء بقى هو الوحيد اللي متبقي له
وفي لحظة ما محدش كان متوقعها نزل راسه لأول مرة في حياته وابتسم بس ابتسامة مكسورة وقال لنفسه بصوت مش مسموع
أنا خسرت كل حاجة قبل ما أفهم إني عندي حاجة أخسرها أصلاً
برا في الشارع كانت ليلى ماشية مع يوسف وسط زحمة القاهرة وإيده في إيدها أقوى من أي وقت فات
يوسف بص لها وقال بهدوء طفل لسه بيبدأ يفهم الدنيا
هو هيحاول ييجي تاني
ليلى بصت قدامها من غير ما تبص وراها وقالت
لو جه… يبقى مش علشاننا… علشان نفسه
ومشوا في شارع طويل والمدينة قدامهم كانت مفتوحة زي صفحة جديدة اتكتبت من غيره
وفي آخر المشهد الكاميرا بتبتعد شوية شوية ومعتز لسه واقف جوه القاعة لوحده قدام باب مقفول لأول مرة يفهم يعني إيه فاته الوقت… واللي فات عمره ما بيرجعش…
