الخيط الرفيع بقلم منال علي

خطيبي بصلي بقرف وقالي
إنتي إيه اللي إنتي لابساه ده؟ هو إنتي فاكرة مدرسه رسم إعدادي لابساه لبس البيت ونازلة؟ بصراحة أنا بتكسف أمشي جنبك بالمنظر ده! بقلم منال علي
بصيتله وابتسمت وقلت بكل برود
بس أنا عاجبني كدة ومرتاحة.
وبعدها دخلت حفلة الشركة بتاعته بفستان كحلي سواريه يزغلل العين، أنا اللي مفصلاه غرزة غرزة.. رئيسه في الشغل فضل مبهور ومنطقش قدامه، وهو واقف مش فاهم حاجة، لأنه أصلاً ميعرفش أنا بشتغل إيه!
اسمي جنى سامح، عندي 31 سنة، وبفصّل هدوم الناس اللي عايزة تتشاف.. و تبقي براند عالي
مش مجرد قماش بيتلبس.. لأ، دي حاجة بتتحفر في الدماغ.
الأتيليه بتاعي في وسط البلد، في عمارة من بتوع زمان وسقفها عالي، فوق محل كشړي ريحته طالعة طول الليل تقلب الدماغ مع زحمة الشارع وطموحي اللي ملوش آخر. اليافطة تحت بتنور وتطفي كأنها محتارة.. تدخلك ولا تهربك . صاحب المحل بيفتح الضهر ويقفل لما ابنه يزهق.. يعني تقريباً فاتح طول ما أنا صاحية، وبيكشكش ويقفل أول ما أقرر أفصل وأنام!
فوق عندي بقى.. الهواء محمل بريحة القماش والبخار. المكان زحمة، دوشة، وحي جداً. بكر الخيط مرصوص جنب الشباك كأنه عساكر واقفة طابور. الدبابيس مستخبية في السجاد كأنها ألغام أرضية وربنا يستر على اللي يدوس . الرسومات وشغل المانيكان مالي الحيطان، وملاحظات وشخبطة محدش يفك شفرتها غيري. عندي ماكنة خياطة بتاكل في الجلد كأنه ورق، وفساتين نص تشطيب بتتهز مع كل هبدة مترو بيعدي من تحت العمارة، وطربيزة الشغل محفور عليها ذكريات سنين من المقص والطباشير.
وفي الركن.. متلقحة على كومة قماش تُل وكأنها صاحبة الملك، قطتي سوسو.
الرسالة جتلي وأنا بخلص سرفلة فستان حرير تحت ضوء لمبة الأتيليه الرعاشة. لمنتصف الليل في وسط البلد هدوء غريب.. دوشة بس واطية. الزحمة بتبقى وشوشة بعيدة، وصوت الكلاكسات بيختفي، وبتحس العمارة نفسها بتزيّق كأنها عجوز بيحضر نفسه للنوم.
كنت مكيّفة دماغي ومركزة جداً، وفجأة الموبايل اتهز على الطربيزة.
كريم بعت
بقولك إيه، حوار إنك تلبسي لبس البيت وتنزلي بيه ده مش هينفع معايا، مش هعرف أخرج بيكي في أي حتة بالمنظر ده. متوفره على روايات واقتباسات
بصيت في الشاشة كتير.. مكنش ڠضب، كانت حالة ذهول.
وبعدين ضحكت ضحكة باهتة من غير روح، كأن جسمي بيحاول يفرغ الشحنة قبل ما تنزل تقفل قلبي.
كنا مع بعض بقالنا 8 شهور.. مدة غريبة، كفاية إنك تعرف هتاكل إيه وتشرب إيه، بس مش كفاية إنك تعرف أصل اللي قدامك. كفاية إن القناع يقع.. وصاحبه مش واخد باله.
كريم شغال في التسويق في توكيل عربيات فخمة. أنيق بزيادة، بتاع منظرة وبيهمه الناس تقول إيه. من النوع اللي يبص على نفسه في أي إزاز محل، ويظبط الياقة قبل ما يدخل أي حتة. كان دايماً يقولي بلهجة فيها

موقع أيام نيوز

تعالي إنتي عندك موهبة مدفونة.. كأنه بيتكلم عن شقة على المحارة ومحتاجة مصاريف.
قريت الرسالة تاني.. لابسة لبس البيت ونازلة.
الكلام مكنش لايق عليا خالص.
جت رسالة تانية
لو مش هتعرفي تلبسي حاجة تشرف، بلاش تيجي حفلة الشركة أحسن.
نقطة عرقت نزلت على قفايا.. مش من الحر، من القهرة. بقلم منال علي
مش عارفة إيه اللي وجعني أكتر إنه كسر بخاطري، ولا إنه بيقولها ببساطة وبرود كأنه بيطلب شاي!
كتبتله تمام.. هتصرف.
رد ب إيموجي وبس.
الحاجة اللي كريم ميعرفهاش ومحدش في شلته يعرفها إني أنا البراند بتاعي. أنا مش هاوية، أنا بنيت أتيليه جنى من الصفر عفرتة. شغلي بيظهر في عروض أزياء، وكليبات، وعلى أغلفة مجلات.. بس من غير ما اسمي يتصدر المشهد. مش كبر، بس بحب الصنعة هي اللي تتكلم.
بس لما تعيش وسط القماش والمقص، بتتعلم تلبس اللي يريحك ويستحمل المرمطة. كنت بلبس الجينز المبهوق، وتيشرتات عليها بقع، وأربط شعري بأي حاجة قدامي.
ده كان يونيفورم الإبداع.. مش إهمال.
بس كلامه فضل يرن في وداني لبس البيت.
حاجة تسخر.. إيدي اللي وصفها كدة، عملت فساتين تمنها أغلى من البونص بتاعه. اشتغلت وأنا مھددة بالطرد من المكان، وصوابعي اټجرحت عشان أطلع جمال للناس.
بس هو مشافش غير البقع.. وافتكر إنها دي الحكاية كلها.
بصيت على توب قماش حرير كحلي زُهري على الطربيزة.
كنت شايلاه لليوم الكبير.. غالي ومستخسراه.
يمكن.. جه وقته.
بعد يومين، عزمني على العشا.
قالي البسي حاجة سيمي فورمال يقصد خليكي نسخة مني ومن المنظرة بتاعتي.
في المطعم، قدمني لزمايله. واحدة اسمها سارة بصتلي بصه فاحصة من فوق لتحت.
قالت إنتي من النوع اللي بيحب الهاند ميد والشغل اليدوي ده، صح؟
كريم ضحك ب سميجة أيوة.. بتفصّل شوية أزياء كدة.
صلحتله بكل ثقة أنا مصممة أزياء.
قالت بتريقة بتاعة مسرح يعني؟
دخل هو بسرعة بتحاول تفتح مشروع صغير.
بتحاول..
ابتسمت، رغم إن دمي كان بيغلي.
قالت سارة هتأجري فستان للحفلة منين؟
قلت هتصرف.
كريم كمل لسه بنشوف هنلبسها إيه.
في اللحظة دي، في حاجة جوايا اتكسرت.. واتصلحت في شكل جديد.
تحول هادي.. ومفيش بعده رجوع.
لما رجعت البيت، وقفت قدام المراية.
شوفت نفسي بجد شعري منكوش، إيدي تعبانة، لبسي عليه آثار الشغل.
دي أنا.. الست اللي بتصنع الجمال بإيديها.
وهو كان شايفني حِمل عليه.
كان عايز فاترينة ليوم واحد.. وكنت قادرة أديله ده.
بس بطريقتي أنا.
مشيت صوابعي على القماش الكحلي.. كان شبه سما القاهرة في ليلة صافية.
وعرفت بالظبط هعمل إيه
فستان.. يخلي القاعة كلها تسكت.
بدأت الشغل.
كل قصة مقص كانت تمرد.
كل غرزة إبرة كانت وشوشة بتقول
إنت مش اللي هتحدد أنا مين.
وفي ليلة الحفلة..
دخلت.
وكل حاجة وقفت.
كريم بصلي.. واټصدم، مكنش مصدق إن دي هي جنى.
قربت منه بهدوء وقلتله أهلاً.
مطلعش منه ولا كلمة.
قرب رئيسه في الشغل، وهو مبهور بالفستان
مين اللي صمم التحفة دي؟
ابتسمت بانتصار أنا.
الكل سكت.. وبعدها الدنيا اتقلبت.
رئيسه قال بذهول يا نهار أبيض! مراتي عندها كذا قطعة من

تصاميمك! إحنا بنحاول نوصلك من شهور!
بعد ما رئيسه في الشغل قال الجملة اللي نزلت عليه زي الصاعقة، القاعة كلها هديت لثانية.. وبعدين بدأت الهمسات.
سارة، اللي كانت بتتريق من شوية، وشها جاب ألوان وحاولت تلطف الجو
يا خبر! يعني إنتي اللي عملتي الفستان اللي كان على غلاف المجلة الشهر اللي فات؟ أنا بجد مكنتش أعرف إنك واصلة كدة!
ابتسمت لها ببرود وقلت
أصل أنا بحب شغلي هو اللي يتكلم.. مش بحب الرغي الكتير.
رئيس الشركة، أستاذ رأفت، فضل واقف جنبي ومنبهر جداً، وبدأ ينادي على مراته عشان تيجي تقابلني. كريم كان واقف زي خيال المآتة، وشه محروق من الكسوف، بيحاول يبتسم بس الابتسامة كانت طالعة بالعافية.
أستاذ رأفت بص لكريم وقاله
يا واد يا كريم، ده إنت طلعت محظوظ بجد! بقالك شهور معانا ومقولتش إن خطيبتك هي المبدعة اللي السوق كله بيدور عليها؟
كريم بلع ريقه وبص في الأرض وقال بصوت واطي
أصل.. أصل جنى بتحب الخصوصية شوية.
ضحكت من قلبي وقلت
لأ يا كريم، إنت اللي كنت فاكر إن لبسي يوم الغسيل ده هو كل حكايتي.. مش كدة؟
الكلمة وقعت عليه زي الحجر. الكل استغرب الجملة، بس هو فهمها كويس أوي.
مراته لأستاذ رأفت جت وجريت عليا، وفضلنا نتكلم في بيزنس وشغل، وعرضت عليا أعمل كوليكشن كامل لافتتاح فرعهم الجديد. وطول ما أنا بتكلم، كنت شايفة كريم من طرف عيني وهو بيحاول يدخل في الكلام عشان يبان إنه الراجل المهم اللي مسيطر، بس مكنش حد مديله اهتمام.
في لحظة، سحبني من إيدي على جنب وقال بوشوشة فيها غل
إنتي قصدك تصغريني قدام الناس؟ ليه مقولتيش إنك هتلبسي كدة وتعملي الشو ده؟
بصيتله بمنتهى الهدوء وقلتله
أنا مكنتش محتاجة أعمل شو يا كريم.. أنا بس قررت ألبس حاجة تشرفك زي ما طلبت. ولا الفستان ده كمان مش عاجبك؟
سكت ومردش.. كان باين في عينه إنه خسر الجولة تماماً.
لما الحفلة خلصت، وخرجنا في هواء وسط البلد المنعش، وقف قدام العربية وكان مستني إني أركب معاه عشان نكمل كلامنا.
بصيت للعربية، وبعدين بصيت للأتيليه بتاعي اللي يافطته كانت بتنور وتطفي في البعيد.
قلتله
روح إنت يا كريم.. أنا لسه ورايا شغل كتير في الأتيليه، ومحتاجة أركز مع الناس اللي بتقدر الجوهر مش بس المظهر.
ركبت تاكسي وسبته واقف لوحده وسط الزحمة، ومع كل خطوة التاكسي كان بيبعد فيها، كنت بحس إني بقيت أخف بكتير.
رجعت الأتيليه، سوسو استقبلتني بتموء، قلعت الكعب العالي، ولبست التيشرت المبهدل بتاعي تاني، ومسكت المقص..
بس المرة دي، وأنا بضحك من قلبي بجد.
لأن النهاردة، مفيش حد هيقدر يقولي تاني إنتي لابسة لبس البيت ونازلة؟
لأني عرفت إن لبس البيت ده هو اللي صنع المجد اللي الكل كان بيجري وراه النهاردة.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *