حب يتحدي المال
لما باب القصر الحديدي اترزع ورا ظهرنا، الصوت عمل صدى جوة ودني كأنه حكم إعدام. الدنيا فجأة اسودت في عيني، والمسافة بين البوابات والسور الخارجي للقصر اللي كنت بمشيها كل يوم وأنا رايحة الشغل، حسيتها الليلة دي أطول من طريق السفر.
بصيت لسلطان وأنا بترعش، دموعي مغرقة وشي، وقلت له بصوت مخڼوق ومش طالع
أنت عملت إيه يا سلطان؟ أنت ضيعت نفسك.. ضيعت كل حاجة عشان واحدة زيي! ارجع لأمك، ارجع لفلوسك، أنا مستحيل أسامح نفسي لو كنت السبب في خړاب بيتك وطردك من جنتك.
سلطان بص في عيني، وابتسم ابتسامة هادية بس كان فيها ۏجع عمري ما شفته عليه وهو وسط ملايينه وشغل الشركات. مسك إيدي بجمود وضغط عليها وقال لي
أنا عمري ما حسيت إني بني آدم يا نورة إلا وأنا معاكي. الفلوس دي كانت سجن، وأمي كانت السجان اللي واقف على الباب. يلا بينا.. ومتبصيش وراكي تاني.
خرجنا على الشارع الرئيسي. الساعة كانت داخلة على 8 الصبح، والشمس بدأت ټحرق، والناس رايحة أشغالها وكل حد بيجري على أكل عيشه. مكنش معانا عربية، سلطان ساب مفتاح الروز رايز والعربيات الدفع الرباعي كلها جوة على الترابيزة الرخام. وقفنا على الرصيف، هو ببدلته الغالية من غير جاكيت وقميصه متبهدل، وأنا بعبايتي السودا وطرحتي المقصوصة الخفيفة.
شاورت لتاكسي أبيض قديم، ركبنا ورا، والسواق بص لنا في المراية باستغراب من شكلنا المتناقض، بس مسألش. سلطان طول الطريق كان باصص من الشباك، مبيتكلمش، بس إيده كانت ماسكة إيدي بقوة لدرجة إن صوابعي اتخدرت. كان بيودع الشوارع النظيفة، الواسعة، الشجر المنسق بتاع التجمع، ورايحين على مكان تاني خالص.
الفصل الأول الصدمة الأولى في أرض الواقع
أخدته على الشقة اللي كنت مأجراها مع بنت زميلتي بتشتغل في مستشفى. الشقة كانت في منطقة شعبية متفرعة من شارع فيصل. لما دخلنا من باب العمارة، السلم ضيق والحيطان مقشرة، وريحة الأكل والقرنفل طالعة من الشقق.
فتحت الباب بالمفتاح، ودخلنا. الشقة كانت عبارة عن صالة صغيرة فيها كنبة بلدي مكسوة قماش قطيفة قديم، ومروحة سقف بتزيّق وهي بتلف، وأوضتين ونصف.
وقفت وسط الصالة، وبصيت للأرض من الكسوف وقلت له بصوت واطي معلش.. ده اللي قدرت عليه.. المكان ضيق ومش مقامك خالص.
سلطان فك أول زرارين من قميصه، وبص حواليه، وبعدين قعد على الكنبة القديمة ورجع راسه لورا وتنهد تنهيدة طويلة كأنها طالعة من ضلوعه، وقال المكان هنا فيه هواء نضيف يا نورة.. هواء ميهددنيش.. متعتذريش عن سقف بيحميكي.
بس الرومانسية مبتأكلش عيش، والواقع خبطنا في وشنا من تاني يوم
الحسابات البنكية سلطان جرب يفتح الأبلكيشن بتاع البنك، لقى كل الفيزا كارت بتاعته موقوفة بطلب من والدته وبصفتها الشريك الأكبر في المجموعة.
الموبايل الخط بتاعه اللي باسم الشركة اتفصل بعد 24 ساعة.
الهدوم مكنش معاه
غير القميص والبنطلون والجزمة الإيطالي اللي خرج بيهم.
الأسبوع الأول مر كأنه سنة. سلطان كان بيصحى من النوم بدري بدافع العادة، يلبس قميصه اللي غسلتهوله بإيدي وكويته بمكواة قديمة، ويقعد على الكنبة يكتب سيرة ذاتية CV على ورقة وقلم، لأن معندوش لابتوب.
الفصل الثاني الحړب الخفية للأم
نزلنا وسط البلد، ودخلنا سايبر إنترنت عشان يكتب ال CV بشكل محترف ويطبعه. سلطان آل رفاعي، اللي كان بيمضي عقود توريد واستيراد ب 50 و مليون جنيه، بقا يقف في الطابور عشان يطبع 10 نسخ من ورقته ب 20 جنيه.
بدأ يقدم في الشركات الكبيرة في القاهرة.. شركات المقاولات، الاستثمار العقاري، البنوك الخاصة. في أول يومين، الكل كان بيرحب بيه، ده سلطان بيه الرفاعي بنفسه عندنا!.. بس بعدها بكام ساعة، يجيله تليفون بالاعتذار.
الموضوع اتكرر خمس، ست، سبع مرات.. لحد ما في يوم، واحد من أصدقائه القدامى، وكان صاحب شركة استشارات، قعد معاه في كافيه دارى بعيد عن العين وقال له بصراحة
سلطان.. أمك، لطيفة هانم، قلبت عليكي الدنيا. كلمت كل حيتان السوق وأصحاب الشركات الكبيرة في مصر، وقالت لهم كلمة واحدة اللي هيشغل سلطان عنده، أو هيسلفه مليم، هيبقى عدو عيلة الرفاعي والمجموعة كلها، وكل الشغل اللي بيننا وبينه هيتوقف في ثانية. أنت عارف أمك كلمتها سيف، ومحدش هيضحي بأكل عيشه عشان يخدمك.
سلطان رجع الشقة يومها رجله مش شايلاه. دخل الأوضة وضلم النور. دخلت وراه بعد ساعة، لقيت الراجل الطويل العريض، اللي كان بيهز البيت بكلمة، حاطط راسه بين ركبه وبيعيط من غير صوت.. دموعه كانت بتنزل على البنطلون الغالي اللي بدأ يتبهدل.
قلبي اتقطع مېت حتة. قعدت على الأرض تحت رجليه، ومسكت ركبه وقلت له وعيني مليانة دموع
أنا معاك.. أنا مش هسيبك. أنا لسه بشتغل في البيوت، وبقيت أعمل كيك وحلويات ومعجنات بالليل وأبيعها أونلاين لجروبات الماميز في الكومباوندات، ودراستي في إدارة الأعمال هتنفعنا. إحنا مش ھنموت من الجوع يا سلطان، اللقمة الناشفة هتقسمها معايا وهتكون طعمها سكر.
رفع راسه، وعينيه كانت حمرا ودمه محروق، وقال لي أنا مش زعلان على الفلوس يا نورة.. أنا خاېف أكون حمل عليكي.. خاېف ټندمي إنك عرفتيني.
رديت عليه وأنا ببوس إيديه الاتنين أنت سندي.. وعمرك ما كنت حمل، ده أنت النفس اللي بتنفسه.
الفصل الثالث لما عاملة المنزل تقود السفينة
من اليوم ده، المعادلة اتقلبت. سلطان مكنش ينفع يشتغل في شركة تانية، ولطيفة هانم كانت عاوزة تكسره وتجوعه عشان يرجع راكع ويطلب السماح ويسيبني. فقررنا نعمل حاجة تالتة خالص.. نتحدى العالم بأسلوبه.
قعدنا في الصالة الصغيرة، وجبنا كشكول سلك وبدأنا نخطط.
أنا كنت بدرس إدارة أعمال وفهمت السوق محتاج إيه، وهو عنده عقليات الإدارة الكبيرة.
قلت له سلطان، أنا بقالي 3 سنين بلف في قصور التجمع والشيخ زايد.
الأغنياء عندهم مشكلة كبرى.. مش لاقيين عمالة منزلية أو شركات تنظيف وتأمين بتشتغل بأمانة واحترافية وبشكل مودرن. دايماً بيشتكوا من السړقة أو التباطؤ أو قلة النظافة.
بص لي وبدأ يستوعب الفكرة.. عينيه لمعت لأول مرة من شهر يعني عاوزة نعمل شركة خدمات نظافة متطورة؟
قلت له أيوا.. بس بنظام جديد. هنعمل أبلكيشن على الموبايل، ونربطه بسيستم أمان، والعمال يكونوا مدربين على أعلى مستوى ولابسين يونيفورم شيك، وبنتعامل بعقود تضمن للعميل حقه.
رأس المال بعت دهبي البسيط اللي كنت محوشاه من شغلي ومساعدات أهلي في الفيوم، وجبنا قرشين كمان سلطان استلفهم من صاحبه الوحيد اللي مغدرش بيه في السر. كله على بعضه عمل حوالي 50 ألف جنيه.
البداية أجرنا مكتب صغير جداً عبارة عن أوضة واحدة في ممر قديم في منطقة وسط البلد عشان الإيجار يكون رخيص.
الشغل الفعلي سلطان قعد يبرمج ويصمم الفكرة ويكتب العقود القانونية ويظبط الحسابات، وأنا بدأت ألف على الستات والشغالات اللي أعرفهم وأجمعهم وأعملهم تدريب على إزاي ينظفوا القصور الكبيرة من غير ما يتلفوا الأثاث الغالي.
بدأنا باسم شركة نورة وسلطان للخدمات المحترفة. أول شهر جالي عميلين بس من الناس اللي كنت بشتغل عندهم زمان وثقوا فيا. سلطان اللي مكنش بيشيل كباية مياه من مكانها في قصر أمه، بقى ينزل معايا في عربية نص نقل مستعملة شريناها بالقسط، يشيل كراتين المنظفات والمقشات والماكينات الكهربائية الكبيرة ويطلع بيها السلالم. كان يرجع بليل ضهره مكسور، وأقعد أدلكهوله بالزيت وهو يبتسم ويقولي التعب ده ليه طعم تاني خالص يا نورة.
الفصل الرابع الصعود من القاع
السنة الأولى كانت طحن.. طحن بكل ما تحمله الكلمة من معنى. كنا بناكل عيش وجبنة، وبنوفر كل مليم بيطلع من الشغل عشان نكبر بيه الأبلكيشن ونعمل إعلانات ممولة. سلطان بقا يدرس السوق الرقمي، وبدأنا ندخل عقود صغيرة مع شركات ومكاتب مش بس بيوت.
في السنة الثانية، الشغل اڼفجر! الأبلكيشن بتاعنا بقى تريند في الأماكن الراقية. الالتزام بالمواعيد والأمانة واليونيفورم المكتوب عليه NS بقى علامة مميزة. الشركات الكبيرة بدأت تطلبنا عشان ننظف مقراتها الإدارية.
نقلنا من المكتب الصغير بتاع وسط البلد لأدوار إدارية في مبنى شيك، وبقا تحت إيدينا أكتر من 500 عامل وموظف وسائق. اشتريننا شقة واسعة وجميلة في مكان هادي، وجبنا عربية محترمة.. بس سلطان رفض تماماً يشتري روز رايز أو أي حاجة تفكره بماضيه، كان بيقول العربية اللي بتوديني شغلي وبس هي اللي تلزمني.
اسم سلطان الرفاعي رجع يتردد في السوق تاني.. بس المرة دي مش ك ابن لطيفة هانم والوريث الوحيد.. لأ، ك شاب عصامي بنى إمبراطورية خدمات من الصفر مع مراته.
الفصل الخامس المواجهة الأخيرة وزيارة القصر
وفي يوم من أيام الشتاء، كنت قاعدة في مكتبي الرئيسي اللي بيطل على شوارع التجمع الخامس،
ولابسة طقم كلاسيك شيك وعباية راقية، وبراجع ميزانية السنة الجديدة. الباب خبط، ودخل السكرتير بتاعي وهو مرتبك جداً ووشه جايب ألوان.
قلت له في إيه يا محمد؟ مالك؟
قال لي بصوت واطي أستاذة نورة.. في عميلة برة في صالة الانتظار.. طالبة تقابلك أنتِ وأستاذ سلطان بالاسم عشان عقد تنظيف وتأمين ضخم جداً لقصرها ومقرات شركاتها.. ورفضت تماماً تتكلم مع أي حد من موظفي خدمة العملاء.
قلت له بنبرة العمل مين دي؟ واسم شركتها إيه؟
قال لي السيدة لطيفة الرفاعي.. رئيسة مجموعة الرفاعي للاستثمار.
قلبي دق بسرعة، وحسيت برعشة خفيفة في إيدي، بس بسرعة استجمعت قوتي وثباتي اللي اتعلمتهم في سنين الكفاح. رفعت سماعة التليفون الداخلي وكلمت سلطان في مكتبه سلطان.. والدتك برة في المكتب وطالبة تقابلنا.
سكت خط التليفون لثواني.. ثواني طويلة كأنها دهر. وبعدين سمعت صوته الهادي أنا جاي حالا يا نورة.
الباب اتفتح.. ودخلت الست اللي كانت ريحة برفانها زمان بترعبني.
لطيفة هانم.. بس مكنتش هي هي بتاعة زمان.
الزمن كان ساب علاماته على وشها، ظهرها انحنى شوية، وعينيها الكبرياء اللي فيهم بقا مخلوط بكسرة ووحدة واضحة. بصت للمكتب الفخم، وبصت للشهادات التقديرية والدروع اللي مالية الحيطة، وبعدين بصتلي وأنا واقفة بثقة، وبصت لابنها اللي دخل من الباب؛ راجل بجد، عريض المنكبين، ملامحه نضجت، وبقا صاحب عمل حقيقي بعرقه ومش مستني ورث ولا منة من حد.
المكان كله سكت، ومحدش اتكلم لمدة دقيقة كاملة.
لطيفة هانم نزلت دمعه من عينها.. دمعه حقيقية مش بتاعة تمثيل. قربت من سلطان ومدت إيدها المرتعشة ولمست وشه وقالت بصوت مكسور ومبحوح
سلطان.. وحشتني يا ابني. القصر من غيرك ضلمة.. والفلوس ملهاش أي طعم ولا قيمة وأنا قاعدة بطولي وسط الحيطان دي كلها. الشركات بتضيع وأنا كبرت ومش قادرة أدير كل حاجة لوحدي.
سلطان بص لها، وعينيه لمعت بالدموع، بس مرفعش إيده يمسح دموعها ولا ضعف. بص لي الأول.. كأنه بيستأذنني بعينيه، كأنه بيقولي أنتِ صاحبة القرار، أنتِ اللي شيلتيني وأنا مفلس.
أنا مكنتش نورة الضعيفة بتاعة زمان اللي پتبكي بعبايتها الخفيفة ومستنية الأرض تبلعها. قربت منها بكل هدوء وثقة، ومسكت إيدها اللي كانت بترعش، وقلت لها بنبرة دافية بس قوية
أهلاً بيكي يا طنط.. القصر بتاعك ينور في أي وقت، وإحنا تحت أمرك في أي شغل أو عقود تطلبيها من شركتنا، وهنعملك أعلى خصم كمان.. بس إحنا مكاننا هنا، وبيتنا هناك في المكان اللي بنيناه طوبة طوبة بعرقنا وحبنا.
لطيفة هانم بصت للأرض، وقالت بصوت واطي والكسرة مالياها سامحيني يا بنتي.. أنا كنت عمياء.. كنت فاكرة إن الفلوس هي كل حاجة.. بس اكتشفت إن الحب الحقيقي والنظافة اللي بجد هما اللي بيعملوا بني آدمين.. أنا أسفة.
بصيت لسلطان، وهزيت له راسي بمعنى خلاص.. المسامح كريم. سلطان قرب من أمه
وأخدها في حضنه بقوة، وبص لي من فوق كتفها وعينيه مليانة دموع وفخر وحب ملوش آخر.
الخاتمة
في اللحظة دي بس، وأنا شيفاهم حاضنين بعض في مكتبي، عرفت إن ليلة الاعتراف القديمة ديك مكنتش غلطة، ومكنتش لحظة طيش. دي كانت الباب اللي ربنا فتحه عشان نخرج منه من حياة العبودية لحياة الأحرار.
أنا محبتش مليونير عشان فلوسه.. أنا حبيت راجل، ولما الدنيا دارت، خليته مليونير تاني بس المرة دي.. بفلوسنا إحنا، وباسمنا إحنا، ومن غير ما حد يقدر يذلنا أو يملي شروطه علينا. باب القصر اللي اتقفل ورايا زمان، اتفتح قدامي النهاردة وإحنا رافعين راسنا.. والدنيا كلها بتعملنا مېت حساب.
