دموع بلا صوت
في بيت عائلة “الرحال”، حيث كانت شجرة التوت العتيقة تظلل فناءه الواسع، عشتُ أنا “آدم” وأختي “فرح” طفولتنا. كانت أمنا، نبع الحنان، قد رحلت عنا ونحن صغار جداً، تاركةً أبي “الحاج منصور” وحيداً مع طفلين. لم يلبث أبي طويلاً حتى تزوج “نادية”، التي كانت تبدو في البداية امرأة طيبة، لكن سرعان ما انقشعت الأقنعة لتكشف عن قلبٍ قاسٍ، وروحٍ حاقدة.
نادية كانت تعاملنا بقسوة تفوق الخيال. كانت تسرق طعامنا، وتجعلنا نعمل في المنزل كـ “خدم”، وتكيل لنا الشتائم التي تكسر الروح. وعندما نشتكي لأبي، كانت تبكي كذباً وتدعي أننا “عاقون” ولا نحترمها، فيضربنا أبي الطيب القلب الذي كان لا يرى حقيقة خبثها. كانت كلمتها هي القانون، ونظرتها هي السيف المسلط على رقابنا.
فرح، أختي الصغيرة ذات القلب الرقيق، كانت الأكثر تأثراً. كانت تحلم بالدراسة والعمل، لكن نادية منعتها من إكمال تعليمها، وجعلتها تعمل في المنزل دون توقف. كل يوم كانت فرح تذبل شيئاً فشيئاً. كان وجهها الشاحب، وعيناها المليئتان بالحزن، تعكسان سنوات العذاب.
في إحدى الليالي الباردة، اشتد مرض فرح. كانت تعاني من سعال حاد
وحمى شديدة. توسلتُ لنادية أن تسمح لي بأخذها إلى الطبيب، لكنها رفضت ببرود قائلة: “إنها تدعي المرض لتهرب من العمل. اتركوها تموت إن شاءت، فلن يريحنا إلا موتها!” في تلك الليلة، فارقت فرح الحياة بين ذراعي، وهي تنادي على أمنا الراحلة.
كانت جنازة فرح بسيطة. نادية كانت تضحك في العزاء، ولم تبدِ أي حزن. قال الناس: “هذا قضاء الله وقدره”، لكنني كنتُ أعرف أن قسوة نادية هي التي قتلت أختي. بعد وفاة فرح، ازداد أبي حزناً ومرضاً. لم يمر عامان حتى لحق بها.
قبل وفاته بأيام، ناداني أبي سراً وهو على فراش الموت. كانت عيناه تلمعان بالدموع. قال لي بصوت خافت: “يا آدم، لقد ظلمتكم كثيراً، ولم أستمع لكم. نادية… نادية ليست كما تبدو. لقد اكتشفتُ أمراً مروعاً. لا أستطيع أن أقول لك الآن، لكن اسمع. بعد وفاتي، انتظر ثلاثين عاماً… ثم احفر تحت جذور شجرة التوت العتيقة في الفناء. ستجد صندوقاً صغيراً. فيه سر نادية، وسر حياتكم كلها. وعدني ألا تفتحه قبل مرور ثلاثين عاماً، وإلا ستتعرض للخطر. نادية لن تترك لك شيئاً من الميراث.”
رحل أبي، وعشتُ ثلاثين عاماً وحيداً. نادية استولت على كل شيء، وطردتني من المنزل بحجة أنني “عاق”
، وبقيتُ أعيش على أطراف القرية، أعمل بجد وأدخر القليل، بينما كانت نادية تعيش في القصر، تتفاخر بثروة ليست لها.
مرت الثلاثون عاماً ثقيلة كالجبال. لم أنسَ وصية أبي. في ذكرى وفاته الثلاثين، وفي ليلة اكتمال القمر، تسللتُ إلى القصر. كان مظلماً، نادية كانت في زيارة لأهلها. توجهتُ مباشرة إلى شجرة التوت، وحفرتُ تحت جذورها. كانت الأرض قاسية، لكنني استمريت. أخيراً، وجدتُ صندوقاً خشبياً قديماً، مغلقاً بقفل صدئ. كسرته بجهد، وفتحتُه.
كان بداخله رسالتان وقطعة مجوهرات. الرسالة الأولى كانت من أبي، بخط يده: “يا آدم ابني، اعلم أن نادية قد سممت فرح ببطء، مستخدمة نوعاً من الأعشاب يسبب الضعف العام ثم الموت، لكي لا تطالب فرح بحقها في الميراث ولأنها كانت تكرهها. وقد اكتشفتُ ذلك متأخراً. احتفظتُ بهذه الأعشاب في الصندوق كدليل. وهذا العقد يثبت أنني نقلت ملكية جزء كبير من أملاكي باسم فرح قبل وفاتها بأيام سراً، وأن نادية قامت بتزوير الأوراق لتستولي عليها. هذه المجوهرات كانت لوالدتك الحقيقية، وأوصيتُ بها فرح، ولكنني تركتها هنا لتكون لك كدليل على وجود الوصية الأصلية.”
الرسالة الثانية كانت هي الصاعقة. كانت من فرح
بخط يدها الرقيق، كتبتها قبل موتها بساعات: “أبي، أخي آدم، أرجوكما لا تلوماني. نادية تجبرني على تناول مشروب كل ليلة، أشعر أن جسدي يذبل. أنا متأكدة أنني سأموت قريباً. أرجوكما خذا حقي. هذه آخر كلماتي. أحبكما.”
تجمدت الدماء في عروقي. أختي لم تمت بمرض طبيعي، بل قُتلت بدم بارد! في صباح اليوم التالي، ذهبتُ إلى مركز الشرطة، حاملاً الصندوق ورسائل أبي وفرح، وقطعة المجوهرات، بالإضافة إلى كشف طبي قديم لفرح يوضح تدهور حالتها الغريب. تم فتح تحقيق فوري. تم استخراج جثة فرح، وتم تحليل بقايا الأعشاب التي وجدتها الشرطة في الصندوق. كانت نفس الأعشاب التي ذكرها أبي في رسالته.
اعتقلت الشرطة نادية، التي حاولت الإنكار، لكن الأدلة كانت دامغة. وجهت إليها تهمة القتل العمد وتزوير المستندات. حكم عليها بالسجن المؤبد.
عدتُ إلى القصر، لكنه لم يعد مكاناً للحزن. أصبحتُ أملك كل شيء بحكم القانون، وأعدت بناء حياتي. بنيتُ مستشفى للأطفال يحمل اسم “فرح”، وداراً للمسنين باسم “الحاج منصور”. في كل صباح، كنتُ أجلس تحت شجرة التوت، وأتحدث مع أبي وأختي. لم تكن العدالة سريعة، لكنها كانت قاسية، وكشفت أن أقسى أنواع القسوة، هي تلك التي
تتخفى وراء ابتسامة زائفة.
