عامله النظافة التي انقذت الملياردير

الملياردير انهار وهو بيقول
أنا خسرت كل حاجة…
لكن عاملة النظافة اللي كانت بتنضف مكتبه اتعرفت على الكود اللي دمّر حياتها هي كمان… وتصرفها أنقذ حياتهم الاتنين، بشكل ماكانش الملياردير يتخيله.
الساعة كانت 1207 بعد نص الليل، لما عاصم الدمنهوري حط إيديه الاتنين على الواجهة الزجاج لمكتبه في الدور ال وهمس بالكلمات اللي طول عمره بيحارب عشان عمرها ما تبقى حقيقته
أنا خسرت كل حاجة.
برا، كانت القاهرة بتنور تحت سما شتوية قاسية.
النيل بيشق المدينة زي حديدة سودا لامعة، والكباري غرقانة في نور أصفر دافي، وإزاز الأبراج اللي حواليه بيعكس إمبراطورية فلوس مبتنامش أبدًا.
لكن جوه شركة الدمنهوري كابيتال للاستثمار، الماكينة الكبيرة سكتت بأسوأ طريقة ممكنة.
مش ماتت…
كانت بتنزف.
الرسوم البيانية الحمرا كانت بتتحرك على الشاشات ببطء مرعب.
الأرقام بتنهار بسرعة تخليك تحس إن الشاشة نفسها اتفتحت فيها غرزة بتنزف كل ثانية.
التنبيهات كانت بتضرب المكتب بصوت حاد ومتكرر.
ونظام التداول المركزي، البرنامج اللي بناه عاصم من الصفر مع أعز صاحبه من اتنين وعشرين سنة، بقى بيلتهم الملايين زي سمكة قرش قطعت شبكة صياد.
عاصم الدمنهوري…
الملياردير المعروف.
المفاوض اللي محدش يقدر يكسبه.
الراجل اللي اسمه لوحده كان بيخلي مديري البنوك يعدلوا الكرافتة قبل ما يدخلوا عليه.
كان واقف حافي فوق الرخام البارد، بعد ما خلع الجزمة ورماها من ساعة وهو في حالة ذعر.
الكرافتة مفكوكة حوالين رقبته.
القميص الأبيض متكرمش عند الدراعين.
وعينيه حمرا من السهر والانهيار.
ولأول مرة من يوم وفاة أبوه…
كان عايز يعيط، ومش قادر يوقف نفسه.
كان بالفعل كلم فريق التحليل الليلي في دبي.
وزعق لفريق لندن.
وبعت أوامر طوارئ عشان يوقف نظام التداول الآلي… لكن كل مرة الأوامر كانت تفشل، تتحول لمسار تاني، وترجع تفشل من جديد.
الموضوع ماكانش إن النظام بيعصيه…
لا.
الأسوأ

إن النظام كان بيتظاهر إنه بينفذ الأوامر… وهو مستمر يسرق الشركة وينزفها في نفس الوقت.
فجأة…
خبط خفيف جدًا لمس باب المكتب.
عاصم غمّض عينيه بضيق.
قلت محدش يدخل!
قالها بعصبية، لكن صوته اتكسر في النص.
الباب اتفتح سنة صغيرة.
وصوت ست هادي دخل قبلها
آسفة يا أستاذ عاصم… أنا من طاقم النظافة الليلي. أقدر أرجع بعدين.
لف بسرعة وهو جاهز يطردها…
لكن أول ما شافها، سكت.
إلهام البدري كانت واقفة عند الباب، إيد على عربية أدوات النظافة البلاستيك.
لابسة يونيفورم رمادي بسيط، فوق جيبه شعار شركة خدمات نظافة، وبنطلون أسود وحذاء مريح واضح إنه متلمع بعناية متعودة عليها من سنين.
شعرها الأسود اللي دخله خصلات بيضا كان مربوط ورا راسها بدقة.
وشنطة كحلي قديمة متعلقة على كتفها.
كانت شبه كل الناس اللي عاصم قضى عمره كامل مش شايفهم أصلًا.
خلي التنضيف لبكرة… مش دلوقتي.
إلهام هزت راسها بهدوء وبدأت ترجع بالعربية لورا.
وفجأة…
صوت الإنذار ضرب تاني.
ثلاث صفارات قصيرة.
سكتة صغيرة.
ثلاث صفارات قصيرة.
إلهام وقفت مكانها.
صوابعها شدت على مقبض العربية.
عاصم كان بالفعل راجع يبص للشاشات، لكن ملامحها اتغيرت فجأة.
الهدوء الباهت بتاع عاملة النظافة اختفى.
عينيها ثبتت على الشاشة الرئيسية.
ماكانتش بتبص للأرقام بخوف زي أي حد شايف كارثة…
كانت بتقرا.
الإنذار اتكرر مرة تانية.
ثلاث صفارات قصيرة.
سكتة.
ثلاث صفارات.
إلهام قربت خطوة من الباب وقالت بهدوء غريب
يا أستاذ عاصم… ده مش إنذار انهيار سوق.
عاصم اتجمد مكانه.
ولف راسه ناحيتها ببطء.
إنتِ قلتي إيه؟
قلب إلهام البدري خبط خبطة قوية وجعتها في ضلوعها.
كل غريزة اتعلمتها خلال آخر 12 سنة كانت بتصرخ جواها إنها تعتذر وتمشي فورًا.
الناس اللي زيها بيعيشوا لما يفضلوا غير مرئيين.
ماينفعش يصححوا لملياردير في مكتبه بعد نص الليل.
ماينفعش يشاوروا على شاشات مش من حقهم يبصوا عليها.
وماينفعش يصحّوا أجزاء من نفسهم الحياة دفنتها تحت الفواتير، والحزن، وإيصالات المستشفيات.
لكن الإنذار ضرب تاني.
والأرقام كانت بتصرخ.
إلهام زقت الباب أكتر ودخلت خطوة.
الصوت ده…
قالتها بثبات غريب رغم التوتر اللي جواها،
مش إنذار انهيار سوق. ده خلل في تنفيذ الأوامر. السيستم عندك فاكر إن في أوامر داخلية بتتعدل وتتكتب فوق أوامره الأصلية.
عاصم فضل باصصلها.
ثواني طويلة عدت من غير ما ينطق حرف.
وفجأة ضحك ضحكة قصيرة ناشفة، مافيهاش أي روح.
إنتِ عاملة النظافة.
أيوه.
وبتشرحيلي نظام التداول بتاعي بيعمل إيه؟
أيوه.
وشه اتقفل فجأة وبصوت حاد قال
اطلعي برا.
إلهام اتهزت مكانها من الخضة… لكنها ماتحركتش.
على الشاشة اللي ناحية اليمين، سجل العمليات كان بينزل بسرعة.
أي حد تاني كان هيشوف فوضى.
لكن إلهام شافت نمط.
إيقاع.
تكرار محسوب.
وفجأة، صوت أبوها رجعلها واضح كأنه واقف جنبها
الأرقام مبتكدبش يا إلهام…
الناس هي اللي بتكدب.
الخوف بيكدب.
والغرور بيكدب.
إنما الأرقام بس بتستخبى لحد ما حد صبور يسأل السؤال الصح.
إلهام بصت لعاصم الدمنهوري، ولثانية واحدة ماشفتهوش كرجل الأعمال اللي بيطلع في الأخبار الاقتصادية.
شافته راجل بيتدمر… خانته الماكينات اللي كان فاكر إنه فاهمها.
لو ماوقفتش المحرك ده خلال دقيقتين…
قالتها بهدوء،
الفلوس اللي هتضيع بعد كده مش هتكون خسارة سوق… هتكون سرقة.
كلمة سرقة وقعت بشكل مختلف.
الغضب اختفى من وش عاصم فجأة.
إيه؟
إلهام شورت على الشاشة اليمين.
كل عملية رقم تلاتة وأربعين… بص على التوقيت.
عاصم ماتحركش.
بص.
قالتها المرة دي بحدة أقوى.
في نبرة صوتها كان في حاجة قطعت ذعره.
لف للشاشة وقرب منها.
إلهام دخلت المكتب بالكامل وسابت عربية النظافة عند الباب.
ريحة القهوة الباردة مالية المكان، مع هوا التكييف، والجلد الغالي… والخوف.
على المكتب كان في تلات موبايلات، وفنجانين إسبريسو فاضيين، وبرواز صورة قديم.
راجل كبير لابس بدلة كحلي واقف جنب عاصم الأصغر سنًا قدام بيت طوب بسيط.
ابتسامته كانت فخر صافي من غير أي تكلف.
إلهام بصت للصورة… وبعدين حولت عينيها بسرعة.
هي اتعودت ماتطولش البص في صور آباء الناس.
عين عاصم كانت بتتحرك مع سجل العمليات
تنفيذ.
تنفيذ.
تنفيذ.
جبينه اتكرمش ببطء.
إلهام قربت خطوة، من غير ما تلمس المكتب.
التكرار منتظم زيادة عن اللزوم. ضغط السوق الحقيقي بيكون عشوائي. خوف البشر بيطلع تصحيحات عشوائية. لكن ده لا ده ولا ده… ده لوب متقفل.
عاصم همس
كل تلاتة وأربعين عملية…
أيوه.
مستحيل.
لا.
قالتها إلهام بصوت واطي،
ده متعمل عمد.
بصلها وقتها بجد لأول مرة…
وهي شافت بعينيها كل أفكاره القديمة وهي بتتكسر.
الست اللي لابسة يونيفورم النظافة ماخمنتش.
ماكررتش كلام سمعته بالصدفة.
دي شخصت كارثة مالية معقدة في أقل من دقيقة.
إنتِ عرفتي ده إزاي؟
إلهام بلعت ريقها.
لأنّي كتبت رسالة ماجستير عن النوع ده بالذات من التلاعب من سبعة وعشرين سنة.
المكتب كله حس كأنه فقد الهوا.
عاصم بص للشنطة الكحلي القديمة… بعدين لليونيفورم… وبعدين لوشها.
كتبتي رسالة؟
أيوه.
عن التلاعب الخوارزمي؟
عن البصمات الإحصائية لعمليات الاحتيال الداخلي في أنظمة التداول الآلي.
بقه اتفتح واتقفل كذا مرة قبل ما يسأل
إنتِ مين؟
إلهام أخدت نفس بطيء.
الليلة دي… أنا الست اللي بتحاول تنقذك قبل اللي عامل اللوب ده مايفضّيك تمامًا.
عاصم ما سألش أي سؤال تاني.
إيديه اتحركوا بسرعة على الكيبورد.
كتب أمر إيقاف.
مرفوض.
كتب أمر تاني.
مرفوض.
شتم بصوت واطي بعصبية.
عين إلهام اتحركت على شجرة النظام في الشاشة.
إنت شغال من لوحة التحكم الرئيسية… ماتستخدمهاش. الطبقة اللي فيها الصلاحيات متخترقة. انزل تحتها.
صوابع عاصم وقفت فجأة.
يعني إيه؟
إلهام قربت من الشاشة أكتر، وعينيها بتتحرك بسرعة بين السطور اللي بتنزل.
اللي عامل الاختراق مش بس دخل على النظام… ده قاعد فوق صلاحيات الإدارة نفسها. أي أمر بتبعته من ال الرئيسي بيتقري الأول… وبعدين بيتزور قبل ما يتنفذ.
عاصم حس بعرق بارد نزل على ضهره.
مستحيل

لمحة نيوز

حد يوصل للمستوى ده من غير ما حد من جوا يساعده.
إلهام ما ردتش.
وده كان أسوأ رد ممكن يسمعه.
صمت ثواني، بعدها فتح عاصم نافذة قديمة مخفية جوه النظام، حاجة ماستخدمهاش من سنين.
واجهة سوداء بدائية مليانة أوامر كتابة.
إلهام همست
أيوه… من هنا.
بصلها بسرعة.
إنتِ عرفتي الواجهة دي إزاي؟
لكنها تجاهلت السؤال.
افصل المحرك من ال مباشرة… قبل ما اللوب يحول باقي الأصول برا.
عاصم كتب أمر طويل بسرعة.
ENTER.
ثانية.
اتنين.
الشاشات كلها جمدت.
الخطوط الحمرا وقفت فجأة في نص الحركة.
المكتب سكت…
لدرجة إن صوت أنفاسهم بقى مسموع.
وفجأة، شاشة صغيرة ظهرت في الركن السفلي.
TRANSFER INTERRUPTED.
عاصم حس قلبه وقع.
يا نهار أسود…
إلهام كانت مركزة على الشاشة كأنها مستنية حاجة معينة.
وبعد لحظات، سطر جديد ظهر
SECONDARY ROUTE FAILED.
عاصم لف ناحيتها بصدمة
كان في مسار تاني؟!
أكيد.
قالتها بهدوء،
اللي يسرق بالمستوى ده عمره ما يعتمد على باب واحد للهروب.
عاصم رجع بظهره للكرسي كأنه فجأة كبر عشر سنين.
كانوا هياخدوا كام؟
إلهام بصت للأرقام اللي ثبتت أخيرًا.
لو اتأخرنا دقيقتين كمان؟
حوالي سبعمية مليون جنيه… ويمكن أكتر.
المكتب غرق في صمت تقيل.
برا، القاهرة كانت لسه منورة، والعربيات ماشية تحتهم كأن العالم طبيعي.
لكن في الدور ال، إمبراطورية كاملة كانت على بعد لحظات من الانهيار.
عاصم مرر إيده على وشه بتعب.
مين يقدر يعمل حاجة زي دي؟
إلهام سكتت شوية.
وبعدين قالت
حد فاهم النظام من جواه… وحد كان عارف إنك الليلة دي هتبقى لوحدك.
الكلمات نزلت عليه زي الطلقات.
عاصم بص حوالينه فجأة كأن المكتب نفسه بقى غريب.
الشاشات.
المكاتب.
الصور.
الناس اللي وثق فيهم سنين.
كل حاجة بقت مشبوهة.
وفجأة…
رن واحد من الموبايلات اللي على المكتب.
الاسم اللي ظهر على الشاشة خلا وش عاصم يشحب
كريم السيوفي
شريكه التنفيذي… وأقرب واحد ليه في

الشركة.
إلهام لاحظت التغيير فورًا.
ماتردش.
عاصم رفع عينه لها.
إيه؟
لو هو اللي ورا ده… فهو دلوقتي لسه فاكر إن السرقة شغالة. أول ما يسمع صوتك هيعرف إنك وقفتها.
الموبايل فضل يرن.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
كل رنة كانت عاملة زي عد تنازلي.
عاصم حس إن أنفاسه تقيلة.
إنتِ فاهمة إن اللي بتقوليه ده معناه إيه؟
إلهام بصتله بثبات لأول مرة من ساعة ما دخلت المكتب.
أيوه.
معناه إن أقرب الناس ليا ممكن يكون بيحاول يدمّرني.
أوقات أكتر ناس بنثق فيهم… هما أكتر ناس عارفين يدفنونا فين.
الموبايل سكت أخيرًا.
لكن بعد أقل من ثانية…
وصلت رسالة.
عاصم فتح الشاشة بإيده المرتعشة.
الأنظمة عندنا وقعت؟ رد عليّا حالًا.
إلهام أخدت نفس بطيء.
هو متوتر زيادة عن اللزوم.
عاصم رفع عينه لها.
ده طبيعي لو الشركة بتنهار.
لا.
قالتها وهي مركزة على الرسالة،
الطبيعي إنه يسأل إيه اللي حصل. مش يسأل إذا كانت الأنظمة وقعت.
الكلمات ضربت عاصم في صدره.
لأول مرة بدأ يشوف التفاصيل الصغيرة اللي عمره ما ركز فيها.
الساعة قربت على واحدة صباحًا.
المفروض كريم يكون نايم في بيته.
لكن بدل ما يسأل عن السوق أو العملاء… أول سؤال جه عن الأنظمة نفسها.
يعني كان مستني حاجة معينة تحصل.
عاصم حس معدته اتقبضت.
لو طلع هو فعلًا…
ماكملش الجملة.
إلهام بصت للشاشات.
يبقى لسه ماخلصش.
وفجأة، الشاشة الرئيسية نورت بعنف.
نافذة جديدة ظهرت لوحدها.
ACCESS REQUEST REMOTE OVERRIDE
تحتها اسم واحد فقط
KARIM ELSEYOUFI
عاصم وقف مرة واحدة.
ابن ال…
إلهام رفعت إيدها توقفه.
اهدا. الغضب دلوقتي هيخليك تغلط.
بيحاول يدخل تاني!
لأنه لسه فاكر إنك تايه ومش فاهم اللي بيحصل.
الطلب فضل يومض على الشاشة.
قبول.
رفض.
قبول.
رفض.
عاصم بص لها بتوتر
أعمل إيه؟
إلهام سكتت ثواني، وعينيها ضاقت وهي بتفكر.
وبعدين قالت
افتحله.
عاصم بص لها كأنها فقدت عقلها.
إنتِ مجنونة؟!
افتحله… بس من غير ما تحس إنك اكتشفته.
وليه؟
إلهام قربت من الشاشة ووشها بقى جامد بشكل مخيف.
لأن الحرامي لما يحس إن الباب لسه مفتوح… بيغلط.
صمت عاصم للحظة.
بعدها ضغط قبول.
ثواني…
واتفتح اتصال داخلي مباشر.
صوت كريم طلع سريع ومضغوط
عاصم! أخيرًا! إيه اللي بيحصل عندكم؟ السيرفرات بقالها دقائق مش مستقرة!
عاصم حاول يثبت صوته.
مشاكل ضغط… الفريق بيحلها.
إلهام هزت راسها له بخفة كمّل.
كريم سكت ثانية، وبعدين قال
اسمع… لازم توقف المحرك الاحتياطي فورًا قبل ما يشفط السيولة كلها.
إلهام رفعت عينيها فورًا.
وعاصم فهم في نفس اللحظة.
مفيش أي حد المفروض يعرف إن في محرك احتياطي.
المعلومة دي سرية جدًا.
كريم كمل بسرعة
أنا داخل دلوقتي على النظام من البيت أحاول أساعدك.
إلهام همست فورًا
كداب… تتبع ال.
عاصم كتب أمر صغير بسرعة على الشاشة الجانبية.
الموقع ظهر بعد ثواني.
مش من بيته.
ولا حتى من القاهرة الجديدة.
الموقع كان…
داخل الشركة نفسها.
في نفس المبنى.
عاصم حس الدم اتسحب من وشه.
بص لإلهام بصدمة حقيقية
هو هنا…
وفي اللحظة دي بالذات…
نور المكتب قطع.
كل الشاشات طفت مرة واحدة.
والمكان غرق في ضلمة كاملة.
الضلمة نزلت على المكتب فجأة لدرجة إن عاصم سمع صوت نفسه وهو بيشهق.
ثانية…
واتنين…
وبعدين اشتغل نور الطوارئ الأحمر الخافت.
المكان كله بقى غرقان في لون دموي مرعب.
الشاشات طفت.
التكييف وقف.
وصوت القاهرة البعيد بقى مسموع من ورا الإزاز السميك.
عاصم همس
هو قطع الكهربا…
إلهام كانت واقفة ثابتة بشكل غريب، وعينيها بتلف في المكتب بسرعة.
لا…
قالتها بهدوء،
قطع النور عن الدور ده بس.
عاصم بص لها.
عرفتي منين؟
لأن السيرفرات المركزية لو وقعت فعلًا، كان زمان مولدات الطوارئ اشتغلت في ثانية.
وفي نفس اللحظة…
صوت تِك معدني خافت جه من برا المكتب.
صوت باب بيتقفل إلكتروني.
عاصم حس قلبه دق بعنف.
يا نهار أبيض…
إلهام اتحركت فورًا ناحيته.
اقفل موبايلك.
إيه؟
لو هو جوه المبنى، يقدر يحدد مكانك بسهولة من شبكة الشركة.
عاصم نفذ فورًا.
إلهام راحت نحية الباب بهدوء حذر وبصت من الزجاج الجانبي الصغير.
الممر برا كان شبه ضلمة.
لكن…
كان في حركة.
شخص ما عدى بسرعة عند آخر الطرقة.
عاصم قرب منها وهمس
شفتيه؟
إلهام ما ردتش فورًا.
وبعدين قالت
لأ… بس هو مش لوحده.
عاصم بص لها بصدمة.
إيه؟!
الشخص اللي بيفكر يسرق مئات الملايين عمره ما يطلع المهمة دي لوحده.
وفجأة…
صوت خطوات بدأ يقرب.
هادية.
ثابتة.
ومتعمدة.
تك…
تك…
تك…
كل خطوة كانت بتقرب أكتر من باب المكتب.
عاصم رجع لورا تلقائيًا.
أما إلهام، فكانت مركزة على المكتب نفسه.
وعينيها وقعت على البرواز اللي فيه صورة أبوه.
ثانية واحدة بس…
وكأن فكرة ضربتها.
لفت بسرعة ناحية عاصم
أبوك كان شغال إيه قبل ما تبقى الشركة دي إمبراطورية؟
عاصم اتفاجئ بالسؤال.
كان مهندس اتصالات في هيئة الموانئ… ليه؟
إلهام قربت من المكتب بسرعة وفتحت الدرج السفلي.
فاضي.
اللي بعده.
فاضي.
لكن الدرج الأخير كان مقفول بمفتاح صغير.
صوت الخطوات قرب أكتر.
تك… تك… تك…
عاصم همس بعصبية
بتدوري على إيه؟!
إلهام بصت للصورة تاني.
الناس اللي بتطلع من الصفر وبتبني إمبراطوريات بنفسها… عمرها ما بتثق بالكامل في الأنظمة الجديدة.
عاصم حس حاجة بدأت تتجمع في دماغه.
تقصدي إيه؟
إلهام شورت للصورة.
بص لإيد أبوك.
عاصم قرب من البرواز.
الراجل الكبير كان ماسك جهاز صغير معدني متعلق في سلسلة مفاتيح قديمة.
وفجأة…
عاصم شهق.
مستحيل…
وجري بسرعة ناحية المكتبة الخشبية اللي آخر المكتب.
إيده راحت تحت الرف السفلي من غير تردد.
ودوّر على حاجة مستخبية.
ثانية…
وطلع مفتاح معدني صغير جدًا.
إلهام ابتسمت لأول مرة.
قلتلك… الجيل القديم عمره ما بيسيب كل حاجة للكمبيوتر.
عاصم فتح الدرج المقفول بسرعة.
وجواه كان في جهاز أسود قديم، شبه وحدات التخزين العسكرية.
عليه ورقة صغيرة بخط أبوه
لو كل الأنظمة كدبت عليك… ده الحقيقة.
عاصم حس زوره قفل.
إلهام مدت إيدها للجهاز بسرعة.
وصّله حالًا.
وفي اللحظة دي…
صوت قوي ضرب باب المكتب من برا.
دَفعة واحدة عنيفة خلت الإزاز

يهتز.
وصوت كريم السيوفي طلع من الممر
عاصم! افتح الباب… حالًا!
عاصم اتجمد مكانه أول ما سمع صوت كريم.
الصوت اللي كان طول عمره مصدر أمان وثقة… بقى فجأة مرعب.
ضربة تانية خبطت الباب بعنف.
عاصم! افتح الباب بدل ما أكسره!
إلهام خطفت الجهاز الأسود من الدرج ووصلته بسرعة في منفذ جانبي تحت المكتب.
الشاشة القديمة اشتغلت بعد ثانيتين.
واجهة بسيطة جدًا ظهرت… مختلفة تمامًا عن النظام الحديث للشركة.
عاصم همس وهو مصدوم
دي شبكة أبويا القديمة…
إلهام كانت عينيها بتجري على البيانات بسرعة.
شبكة معزولة بالكامل… عشان كده ماقدروش يخترقوها.
الباب اتهز بعنف أكبر.
الإزاز بدأ يطقطق.
كريم صرخ من برا
إنت مش فاهم اللي بيحصل يا عاصم! افتح قبل ما نخسر كل حاجة!
إلهام وقفت فجأة.
وشها شحب.
يا ساتر…
عاصم لف ناحيتها.
إيه؟
إلهام بصت للشاشة كأنها شايفة شبح.
دي مش سرقة بس.
يعني إيه؟
بلعت ريقها ببطء.
التحويلات دي… كانت رايحة لحسابات وهمية فعلًا، بس فيه جزء تاني من الكود مزروع هنا من سنين.
عاصم قرب للشاشة.
سطور طويلة من الأكواد القديمة كانت ظاهرة، وبعضها متأرخ من حوالي 11 سنة.
مستحيل… النظام ده اتبنى من اتنين وعشرين سنة.
إلهام بصتله بصدمة حقيقية.
واللي زرع الكود كان مستني اللحظة المناسبة من ساعتها.
ضربة جديدة هزت الباب.
المقبض اتحرك بعنف.
عاصم حس قلبه هيقف.
هو هيكسر الباب!
لكن إلهام ماكانت مركزة مع الباب أصلًا.
كانت بتقرأ اسم متكرر وسط الأكواد القديمة.
اسم مستخدم واحد.
M NADEEM
عينيها وسعت فجأة.
وعاصم لاحظ التغيير.
إلهام… مالك؟
ما ردتش.
فضلت باصة للشاشة كأن الدنيا اختفت حواليها.
وبعدين همست بصوت مخنوق
مستحيل يكون عايش…
عاصم قرب منها.
مين؟
إلهام رفعت عينيها له ببطء.
ولأول مرة من ساعة دخلت المكتب… الخوف الحقيقي ظهر على وشها.
منير نديم.
مين ده؟
إلهام خدت نفس مهزوز.
الراجل

اللي سرق أبحاثي زمان… ودمّر حياتي كلها.
المكتب سكت ثانية كاملة.
حتى صوت الضرب برا الباب بقى بعيد.
عاصم بص للشاشة تاني.
الاسم ده موجود جوه النظام من 11 سنة… يعني إيه؟
إلهام ردت بصوت واطي
يعني الشخص اللي بيحاول يدمرك الليلة… يا إما شغال مع منير نديم…
وسكتت.
عاصم ضغط
يا إما إيه؟
إلهام بصتله بعين مليانة رعب قديم عمره سنين.
يا إما منير نفسه لسه عايش.
وفجأة…
كل الشاشات اللي كانت مطفية اشتغلت مرة واحدة.
النور رجع.
والشاشة الرئيسية اتلونت بالأسود.
ثم ظهرت جملة واحدة بحروف بيضا كبيرة
أخيرًا لقيتك يا دكتورة إلهام.
عاصم حس الدم اتجمد في عروقه.
أما إلهام…
فكانت واقفة كأن الزمن رجع بيها 27 سنة لورا.
إيد إلهام بدأت ترتعش لأول مرة.
عاصم لاحظ ده فورًا.
الست اللي كانت ثابتة طول الليلة، واللي واجهت انهيار إمبراطورية كاملة من غير ما يتهز صوتها… بقت دلوقتي كأنها شايفة كابوس قديم صحي قدامها.
الجملة لسه منورة على الشاشة
أخيرًا لقيتك يا دكتورة إلهام.
وبعدها مباشرة…
ظهر سطر جديد
اتأخرتي جدًا.
عاصم قرب من الكيبورد بسرعة.
مين ابن ال… ده؟!
إلهام همست
منير كان عبقري… بس مريض بالسيطرة.
كان مؤمن إن أي عقل أذكى منه لازم يتحطم أو يبقى ملكه.
عاصم بص لها بدهشة.
كنتِ شغالة معاه؟
ضحكة قصيرة موجوعة خرجت منها.
كنت متفوقة عليه.
الصمت نزل تقيل.
وبعدين بدأت تحكي، وعينيها ثابتة على الشاشة كأنها بتكلم شبح.
من سبعة وعشرين سنة، كنت باحثة دكتوراه في جامعة القاهرة.
اشتغلت على نموذج رياضي يكتشف التلاعب الداخلي في أنظمة التداول قبل ما يحصل بدقايق.
وقتها محدش كان مهتم بالكلام ده… إلا شخص واحد.
منير نديم؟
هزت راسها.
كان دكتور زائر في الجامعة، والكل شايفه عبقري.
قرب مني… ساعدني… شجعني… ولما خلصت البحث، سرقه بالكامل.
عاصم شد جبينه.
وقدرتيش تثبتي؟
إلهام ضحكت بمرارة.
ضد مين؟
راجل عنده علاقات، وفلوس، وشركات برا مصر؟
أنا كنت بنت موظف بسيط.
في أسبوع واحد، اختفى البحث، واترفضت رسالتي، واتقال إني لفقت البيانات.
عاصم حس الغضب بيطلع جواه.
وابن ال… عمل بكل ده إيه؟
إلهام بصت للشاشة.
بنى إمبراطورية كاملة من أفكاري.
وفجأة…
صوت رسالة إلكترونية طلع من النظام.
ملف جديد ظهر على الشاشة.
VIDEO REQUEST ACCEPTED
قبل ما حد يلحق يتكلم، الشاشة اتحولت لبث مباشر.
راجل كبير في السن ظهر قدامهم.
شعره أبيض بالكامل، لكن عينيه حادة وباردة بشكل مرعب.
وكان بيبتسم.
إلهام شهقت
منير…
الراجل بص مباشرة للكاميرا.
مساء الخير يا دكتورة.
عاصم قرب من الشاشة بغضب.
إنت اللي ورا كل ده؟!
منير تجاهله تمامًا.
كان مركز بس مع إلهام.
توقعت إنك تموتي من زمان… أو تفضلي مستخبية للأبد.
لكن واضح إنك لسه أذكى من الجميع.
إلهام حاولت تثبت صوتها.
إنت قتلت مستقبلي.
منير ابتسم أكتر.
لا… أنا استخدمته.
عاصم ضرب المكتب بعنف.
إنت سرقت الشركة!
غلط.
قالها منير بهدوء بارد،
أنا باسترجع حاجة تخصني.
إلهام صرخت لأول مرة
أفكاري عمرها ما كانت بتاعتك!
منير سكت ثواني يبصلها.
وبعدين قال جملة خلت الدم يتجمد في جسمها
ولا حتى بنتك كانت بتاعتك بالكامل.
إلهام اتجمدت.
عاصم لف ناحيتها بصدمة.
بنتك؟!
لكن إلهام كان وشها بقى أبيض تمامًا.
إنت… إنت عملت فيها إيه؟
منير مال بوشه قريب من الكاميرا.
لما رفضتي تشتغلي معايا، خسرتِ أكتر من شغلك يا إلهام.
فاكرة أزمة المستشفى؟
فاكرة العلاج اللي اختفى فجأة؟
دموع ظهرت في عينيها رغمًا عنها.
لا…
منير كمل بنفس البرود
كنت محتاجك تنهاري… عشان تتعلمي إن العبقرية من غير قوة مالهاش قيمة.
عاصم حس معدته اتقلبت.
إنت حيوان.
منير بصله لأول مرة.
وأنت ساذج.
أبوك كان فاهم اللعبة أكتر منك بكتير.
عاصم اتجمد.
ماتجيبش سيرة أبويا.
منير ابتسم ابتسامة باردة.
أبوك اكتشفني من سنين… وعشان كده مات بدري أوي.
الكلمات نزلت على عاصم كأن حد ضربه بسكينة في صدره.
إيه؟…
صوته خرج مكسور.
منير فضل مبتسم بنفس البرود.
أبوك كان أذكى منك.
اكتشف إن في حد بيسحب أجزاء صغيرة من السيولة من الشركة على مدار سنين.
ولما قرب يوصل لاسمي… حاول يوقفني.
إيد عاصم قبضت بعنف.
إنت قتلته؟
منير ما ردش مباشرة.
لكن سكوته كان أبشع من أي اعتراف.
إلهام بصت لعاصم، وشافت الصدمة وهي بتكسر الراجل اللي واقف قدامها حتة حتة.
وفجأة…
عاصم هدي بشكل مخيف.
النوع اللي بيجي قبل الانفجار.
إلهام…
قالها وهو عينه على الشاشة،
تقدري توقفيه؟
إلهام مسحت دموعها بسرعة.
وبصت للنظام القديم اللي سايبه والد عاصم.
أقدر…
لكن لازم حد يشغله من المصدر الرئيسي في غرفة السيرفرات.
عاصم فهم فورًا.
غرفة السيرفرات تحتهم بخمس أدوار.
وإذا كريم فعلًا شغال مع منير… فمعنى كده إنهم أكيد هناك.
منير ضحك من الشاشة.
متتعبوش نفسكم.
خلال عشر دقايق كل حاجة هتخلص.
لكن إلهام كانت بالفعل بتكتب أوامر بسرعة.
والدك كان عامل نظام طوارئ عبقري…
قالتها لعاصم،
لو اشتغل من السيرفر الرئيسي، يقدر يعزل أي مستخدم داخل الشبكة بالكامل.
عاصم خد نفس عميق.
وبعدين بص لها.
هتنزلي معايا؟
إلهام سكتت ثانية.
سبعة وعشرين سنة وهي هربانة.
من الفقر.
من الذكريات.
من اسم منير نديم نفسه.
لكن الليلة دي…
خلاص.
رفعت عينيها بثبات.
المرة دي… لا.
منير ابتسامته اختفت لأول مرة.
إلهام… متغلطيش.
قفلت اللابتوب في وشه مباشرة.
الشاشة اسودت.
وساد الصمت.
بعدها…
عاصم فتح درج صغير وطلع مسدس أسود مرخص.
إلهام بصتله بصدمة.
إنت معاك سلاح؟!
القاهرة مبتبنيش مليارات من غير أعداء.
صوت خبط بعيد جه من آخر الطرقة.
كريم عرف إنهم قفلوا الاتصال.
وابتدى يتحرك.
عاصم بص لإلهام
أول ما نوصل السيرفر الرئيسي، هتشغلي النظام فورًا. مهما حصل.
إلهام هزت راسها.
وبعدين خرجوا من المكتب.
الممر كان شبه ضلمة، منور بنور الطوارئ الأحمر بس.
الخطوات بتاعتهم كانت سريعة وحذرة.
الأسانسير مقفول.
فنزلوا على السلم.
كل دور كانوا يعدوا عليه كان ساكت بشكل مرعب.
لحد ما وصلوا لدور السيرفرات.
وهناك…
لقوا باب

الغرفة مفتوح.
عاصم رفع المسدس بحذر.
ودخل.
غرفة السيرفرات كانت ساقعة جدًا، وصوت المراوح فيها عامل زي زئير مستمر.
وفي النص…
كان كريم السيوفي واقف.
لابس بدلته الغالية، لكن وشه مليان عرق وخوف.
ولما شافهم… ابتسم بتوتر.
عاصم… اسمعني، الموضوع مش زي ما إنت فاكر.
عاصم صوته طلع بارد
منير نديم فين؟
ابتسامة كريم اختفت.
إنت متفهمش حاجة. الراجل ده يقدر يدمرنا كلنا.
إلهام قربت خطوة.
يعني اشتغلت معاه.
كريم بص لها باحتقار.
وإنتِ فاكرة نفسك بطلة؟
إنتِ السبب في كل ده أصلًا. لو كنتِ سلمتي أبحاثك من زمان، كنا بقينا ملوك السوق العالمي.
إلهام عينيها لمعت بالغضب.
بعت ضميرك عشان فلوس.
كريم صرخ فجأة
الفلوس هي كل حاجة!
وفي لحظة واحدة…
طلع مسدس من ضهره.
لكن عاصم كان أسرع.
طلقة دوّت في الغرفة.
كريم وقع على الأرض وهو بيصرخ ماسك كتفه.
الصوت رجّ المكان

كله.
عاصم قرب عليه بعين مليانة نار.
أبويا مات بسببكم؟
كريم كان بيتنفس بصعوبة.
منير… هو اللي خطط لكل حاجة… أنا بس كنت بنفذ…
وفجأة…
صوت إشعار طلع من السيرفر الرئيسي.
COUNTDOWN INITIATED 60 SECONDS
إلهام شهقت
يا نهار أسود… فعل نظام المسح الكامل!
عاصم لف بسرعة.
يعني إيه؟!
يعني خلال دقيقة كل الأدلة هتتمسح… وكل فلوس الشركة هتتحول برا مصر.
عاصم جري ناحية الجهاز الرئيسي.
اعملي أي حاجة!
صوابع إلهام اتحركت بسرعة مجنونة على لوحة التحكم.
الكود كان بيتغير كل ثانية.
العد التنازلي
45…
44…
43…
عرقها نزل وهي بتكتب أوامر وراء أوامر.
لكن فجأة…
وقفت.
عينيها ثبتت على سطر واحد.
وبعدين ابتسمت.
ابتسامة صغيرة متعبة.
لقيتها…
عاصم بص للشاشة.
إلهام همست
منير عمره ما قدر يغير طبيعته… دايمًا لازم يسيب توقيعه.
كتبت آخر أمر.
وضغطت ENTER.
ثانية واحدة…
وكل السيرفرات حواليهم طفت فجأة.
ثم رجعت اشتغلت مرة واحدة.
العد التنازلي اختفى.
وظهر بدل منه
ALL REMOTE ACCESS TERMINATED.
FREEZE COMPLETE.
تحويلات الأموال اتقفلت.
الأدلة اتحفظت.
وكل حسابات منير اتجمدت.
الصمت نزل على الغرفة.
وبعدين…
عاصم بص لإلهام بعدم استيعاب.
خلصت؟
إلهام أخدت نفس طويل لأول مرة من ساعات.
خلصت.
وفجأة…
الموبايل بتاع كريم رن.
اسم المتصل ظهر
M. NADEEM
عاصم أخد الموبايل ورد.
ثواني صمت…
وبعدين صوت منير طلع هادي جدًا
واضح إنّي خسرت.
عاصم رد ببرود
لأ… إنت انتهيت.
منير ضحك ضحكة خفيفة.
العباقرة عمرهم ما بينتهوا يا عاصم.
إلهام قربت من الموبايل وقالت بثبات
بس الجبناء بينكشفوا.
ولأول مرة…
منير سكت.
ثواني عدت.
ثم الخط اتقفل.
بعدها بأقل من عشر دقائق، أصوات الشرطة والأمن المالي بدأت تملى المبنى.
كريم اتقبض عليه.
وكل ملفات منير اتبعت للنيابة الدولية.
أما عاصم…
فكان واقف قدام شباك الدور ال وقت الفجر.
القاهرة بدأت تصحى ببطء.
النيل بيلمع تحت نور الصبح.
وإلهام كانت واقفة تستعد تمشي بهدوء، شايلة شنطتها القديمة.
عاصم لف ناحيتها.
رايحة فين؟
ابتسمت بتعب.
حياتي الحقيقية مستنياني.
لا.
قالها بهدوء،
حياتك الحقيقية اتسرقت منك… والوقت جه ترجعلِك.
إلهام بصتله باستغراب.
عاصم مد لها ملف صغير.
جواه أوراق تأسيس جديدة.
الاسم المكتوب فوقها كان
د. إلهام البدري رئيسة قسم الأمن الخوارزمي.
عينيها وسعت بصدمة.
إنت بتهزر…
عاصم هز راسه.
الشركة دي نجت بسببك.
وأبويا كان دايمًا يقول إن أذكى الناس في الدنيا هما اللي الحياة ظلمتهم وسكتوا.
إلهام حسّت دموعها بتنزل لأول مرة من سنين…
لكن المرة دي ماكانتوش دموع خسارة.
كانت دموع استرداد.
وفي القاهرة…
وسط مدينة مبتنامش…
عاملة النظافة اللي الكل كان بيعدي من جنبها من غير ما يشوفها…
بقت الست اللي أنقذت إمبراطورية كاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *