الاوله ف الغرام بقلم ريهام محمود
**الفصل الأول**
.. المكان :مطار القاهرة الدولي..
فتاه تجلس على إحدى مقاعد الإنتظار بمطار القاهرة الدولي.. خصلاتها سوداء قصيرة لم تتجاوز كتفيها تخبئ جانب وجهها.، ترتدي فستان صيفي بلون المشمش.. تمسك بهاتفها تضغط عليه عدة مرات ثم رفعته على أذنها حتى أتاها الرد من الطرف الآخر..
-ألوو.. صباح الخير..
وانتظرت رده.. ثم قالت بهدوء وحزم..
-أنا في المطار رايحه لماما.. ومش هرجع مصر تاني..
وكان رد الطرف الآخر انفعال وصوته يخترق سماعة الهاتف ويكاد يصل للجالسين بجوارها..
-انتي اتجننتي ع الصبح ولا ايه.. والله انتي مجنونه ومش طبيعيه.. ماما ايه اللي افتكرتيها دلوقتي وهبت ف دماغك فجأه انك تسافري..
وب إنفعال يوازي إنفعاله بل أشد.. هدرت..
-ايوه انا مجنونه.. مجنونه اني كنت بسكتلك ع تجاوزك معايا وخيانتك لياا..
والآخر حاول تهدئة الوضع .. فرقت نبرته ولان حديثه وكأنه يهدهد طفله صغيره..
– أية انا بحبك والله.. انتي عارفه ان اي واحده انا عرفتها بتبقي نزوه..
لتقاطعه بحده ودمعه هاربه من مقلتها..
-متكدبش.. أنت محبتنيش ولا هما كانو نزوه.. أنا اللي كنت نزوه.. وعقاباً ليك انا هسيبك وهمشي ومش هتعرف توصللي تاني ياحازم.. ارتاح خلاص اديك خسرت البنت الوحيده اللي حبتك بجد..!!
….. ***
لَم يَخذلني وداعه، لقد خذلني ظرف الوداع نفسه، كان أقل من حجم محبتي .. كان باهتًا لا أستحقه.”
*حازم*
.. بعد ثلاث سنوات..
كانت تركض بسرعه وكأنها تسابق الزمن.. فلقد تأخرت عن موعد عملها نصف ساعة ، ولكن لايهم المهم أن تحتسي قهوتها الامريكيه في المقهى القريب من الشركه التي تعمل بها فهي اعتادت على فعل ذلك ولم تتخيل أن تبدأ يومها دونها.. دلفت “أية” إلى المقهى بخطى سريعه رتيبه تحفظ طاولتها والتي اعتادت الجلوس عليها.. وما أن جلست على طاولتها حتى لفت نظرها كتاب .. أمسكت به بحذر وذاكره قديمه تتلاعب بعقلها ما أن قرأت اسمه ” أنتِ كل أشيائي الجميلة” لطالما بحثت عن تلك الروايه في معظم المكتبات بمصر مع حازم، وعلى ذكر الحبيب الذي لم يعد حبيب فاقت من شرودها وجالت بنظراتها المكان كله تدور برأسها يميناً ويساراً.. بأنفاس متوتره نادت إحدى العاملين بالمكان وتسائلت..
-حد كان قاعد هناا قبلي.. تقريباً نسي الروايه دي!!
رد العامل بتهذيب بأنها الوحيده التي تجلس على تلك الطاوله كل صبااح..
نهضت من مكانها كالملسوعه والذكريات تعصف برأسها من جديد.. أنفاسها ازدادت اضطراباًوهي توزع نظراتها بين الروايه التي أمامها وبين الطاولات والأركان والمدخل.. ثم غادرت المكان مسرعه دون أن تشرب قهوتها وكأنها تهرب من شبحٍ ما..!
………
مكتب واسع مشترك.. ثلاث مكاتب خشبيه لثلاث موظفين، إحدى المكاتب” لأية” يجاورها مكتب صديقتها” أمنيه” والمكتب الثالث المقابل لهما” لمهند “..
قطع الصمت مهند بسؤاله الموجّه لمن أمامه متجاهلاً للاخري..
-متعرفيش مين المدير الجديد.. اللي هيجي مكان مستر أيهم؟!
رفعت أية عينيها ونظرت اليه بحيره مطت شفتيها بنفي..
-لأ مش عارفه.. بس أياً كان احنا كده كده شغلنا زي ماهو.. اكيد مش هنتضر..
تدخلت أمنيه بالحوار وهي تقول..
– انا سمعت ان المدير الجديد واللي اشتري الشركه بتاعتنا مصري والبنات اللي شاغلين ف الاستقبال تحت بيقولو انه سنه صغير ووسيم .. بس اسمه ايه لسه معرفتش..!!
تهكم مهند..
– وسيم ومصري وصغير وجت ع الاسم ومعرفتهووش!! لأ كتر خيرك والله..
تأففت أمنيه بغيظ منه وقالت بغلظه..
-والله لو مش عاجبك اللي انا بقوله.. سد ودانك!
-ع فكره انتي اللي اتدخلتي ف الحوار .. انا كنت موجه كلامي ل أيه اصلآ..
حسناً.. تلونت ملامحها المليحة بالحرج وأحمر خديها كادت أن تبكي من غلظته معها.. ماباله حديثه مع أيه يختلف عن حديثهما معاً.. ف مع أيه صوته منخفض وهادئ و”محمد حماقي” في نفسه، ومعها تتلبسه الشياطين.. لاحظت أيه توتر الأجواء بينهما ، فقاطعتهم بمزاح خفيف..
-ايه ياجماعه ما تصلو ع النبي.. يخربيت المدير الجديد اللي هيخلينا نمسك ف خناق بعض..
.. ثم استكملت كلامها..
-وبعدين ياخبر دلوقتي بفلوس كمان نص ساعه هيبقى ببلاش ..
يللا جهزو نفسكو عشان مستر أيهم طالبنا ف meeting room كمان نص ساعه عشان يعرفناا عليه….
…
بغرفة الاجتماعات .. كانت “أية” تجلس على كرسي أمام طاوله مستطيله كبيره والعديد من زملاء العمل والسيد” أيهم” يتوسط الطاوله وبجانبه رئيس قسم الموارد والجانب الآخر كان كرسي فارغ بانتظار المدير الجديد.. الممول والمنقذ والذي سينجو بشركتهم من الإفلاس..
دقيقه.. دقيقتان.. خمس دقائق. وهم بانتظار السيد الجديد مجهول الاسم والهوية.. ملت انتظاره فأمسكت بملف أمامها وأخذت تقلب فيه بملل وفتور.. إلى أن حضر المدير الجديد ورائحة عطره تسبقه تلك الرائحه تعرفها جيداً فلطالماا اخترقت أنفها وجميع حواسها سابقاً، تستطيع أن تميز رائحته من بين الآلاف .. قلبها يخفق بعنف وأنفاسها باتت سريعه ، أغمضت عينيها بشده دون أن ترفع رأسها.. ثانيتان وكان صوته الاجش الساخر يخترق أذنها ..
-مساء الخير يا جماعه.. .. احب اعرفكم بنفسي أولا….
.. ثم شدد على حروفه أكثر..
-انا حازم فريد السيوفي المدير الجديد ..
وما أن نُطق اسمه حتى رفعت أية رأسها كطلقه رصاص.. اتسعت عيناها حتى كادا أن يخرجا من محجريهما من شده اتساعهما ، تلاقت الأعين بلقاء غير متفق على الأقل منها.. أسرها بنظراته والتي تبدو ظاهرياًساخره ومتحديه.. ولكن ولأنها تعرفه جيدا وتحفطه كخطوط يدها لمحت بعينيه عتاب لم يستطع النطق به.. تأملته بانشداه كما هو مازال وسيم وأنيق يرتدي بدله سوداء وأسفلها قميص من نفس اللون متخلياً عن ربطة عنقه كعادته ، القميص مفتوح أزاره العلويه تظهر صدره العريض الأسمر.. وجلسته بتلك الطريقه تفرض هيمنته وسيطرته على من حوله.. وجهه كما هو ولكن توجد ندبه طوليه بجانب حاجبه الأيسر لم تكن موجوده سابقاً.. بجواره عصا حديديه يبدو أنه يتكأ عليها..
“تسائلت بذهنها ماذا حدث لساقه؟!”
أكمل بينما يراقب عينيها الواسعه بسواد ليل يوازي سواد خصلاتها الحريريه..
– متقلقوش ياجماعه. الشغل هيمشي زي ماهو.. طبعاً مستر أيهم عرفني برؤساء الأقسام قبل مااجتمع بيكو .. انا اهم حاجه عندي الانضباط والالتزام بالشغل اللي حضراتكو متكلفين بيه..
ومازالت نظراته لها غاضبه متحديه لترتعد اوصالها من نظراته التي ترسل شرارات غضب تكاد تسقطها قتيله.. رمشت باهدابها عدة مرات وابتلعت ريقها بصعوبه بالغة.. حاولت تجاهله وتناولت كأس من المياه لترطب حلقها الجاف، ظلت تقلب بالملف أمامها دون أن ترفع نظراتها إليه ثانيه.. ف هي تشعر بنظراته الغاضبه تكتسحها حتى وإن ارتدى قناعه الساخر..
وباقي الحديث كان تعارف بسيط من قِبل السيد “أيهم” بلكنته اللبنانيه المحببه، وباقي الموظفين باختصار دون اهتمام منه ..
إلى أن جاء دورها في التعارف ، اعتدل بجلسته وارتفع حاجبيه بسخريه قاتمه..
.. بصوت منخفض متوتر ونظرات زائغه قالت..
-أية الله ..
واكتفت باسمها وكأنها لاتملك غيره ، وكأنه لا يعلم..
سخر بداخله كعادتها تحب أن تنطق اسمها كاملاً لم تكتفِ ب أية بل أية الله.. كم اشتاق صوتها الناعم .. ود لو أن ينهض من مكانه ويصفعها بشده على وجهها عقاباً لها على ما فعلته به ثم يقبلها جزاءً لصبره عليها ..!!
.. كانت الوحيده التي أهتم بردها.. واجابته كانت حاجب مرفوع ونبره مبطنة بسخرية غاضبة..
– تشرفنا.. ياا.. أنسه أية..
******
.. من وقت أن انتهى الإجتماع وعادو لمكاتبهم .. وأمنية لم تغلق فمها.. تعيد وتزبد بوسامة السيد حازم وأناقة السيد حازم وندبة السيد حازم ..
سبه بذيئه أطلقتها أيه بخفوت لتنتبه أمنيه وتسألها..
-بتقولي حاجه يايويو..
أجابت بغيظ..
-لأ ياحبيبتي.. مبقولش..
ثم استرسلت في حديثها المائع عن السيد حازم..ومهند يرمقها بحنق ونظرات سوداويه مشتعله..
“فمهند منصور خلف، صاحب الثماني وعشرين ربيعاً.، رجل حاد الملامح شرقي الطباع من أصول صعيديه” ..
وطريقه كلامها واللمعه الموجوده بمقلتيها لم يستسيغهما.. كور قبضته محاولاً أن يتحكم في غيظه منها .. حاول الصمت ولكن لن يكون مهند أن صمت وتخطي حديثها الانثوي التافه..
قال بحده مقاطعاً أحلامها الوردية مع السيد” ابتلاء وحل على رأسه”
-مفيش بنات محترمه بتتكلم عن الرجاله بالطريقه اللي انتي بتكلمي بيها دي..
عبست بريبه وأشارت بسبابتها على صدرها باستفهام..
-قصدك أن انا مش محترمه؟
قال مدافعاً..
-متقوليش كلام انا مقولتوش..
مطت شفتيها حزناً فهي اعتادت على فظاظته معها هي تحديداً وكأنها عدوته.. هتفت وهي تمسك بحقيبتها تضع بها هاتفها وبعض الأوراق..
– لأ والله.. أنت فعلا مقولتش حاجه.. انا ماشيه وسيبها لك يامهند وشكرا اوي ع زووقك..
ثم خرجت من الغرفه تحت انظار أيه المندهشه وأنظاره الغاضبه..
مسح مهند صفحة وجهه بحده .. ثم نهض عن مكانه بعنف وقال بنبره خشنه..
-انا كمان ماشي الجو بقى خنيق اووي..
…. تنفست الصعداء فور خروجهم وحمدت الله أنها صارت بمفردها فاليوم كان غريب وانتهى بكارثة لقاؤه.. يكاد الصداع يفتك برأسها وذكرياتهما معاً تمر أمام عينيها كأنها فيلم تصويري ، حازم لم يكن حبيبها فقط بل كان صديقها وطبيبها أول من أحتواها بعد وفاة والدها لم يكن الابتعاد عنه أمر بسيط بل عانت الأمرين بفراقه ولكن هذا أفضل من أن تكون امرأه على الهامش ، هي امرأه تهوى الكمال فلماذا تقبل بنصف قلب وشبه حب مشكوك به..!!
أغمضت عينيها بوهن واستندت برأسها على مكتبها ، وصوت خبيث كفحيح أفعى يضرب برأسها وكأن المشهد يعاد على مسامعها ثانيةً بقسوته
((ابن السيوفي مستحيل يبصلك ياايه.. لأ وكمان يتجوزك دانتي خيالك واسع اووي
خديها مني نصيحه وابعدي.. حازم عايز منك حاجه معينه أول ماهياخدها هيسيبك.. ولو عايزه دليل على صدق كلامي حازم قالي ع اللي حصل بينكم ف عربيته..))
….. هزت رأسها عدة مرات استنكاراً.. ف الذكرى كانت بمرارة العلقم واحتمالها تخطي الحدود.. لتنهض من مكانها بعد أن نظرت بهاتفها وعلمت بأنها تأخرت.. لملمت أشيائها البسيطه بحقيبتها وخرجت من المكتب متوجهة صوب المصعد وما أن دلفته حتى ضغطت على إحدى ازاراره الجانبيه المضيئه بالنزول للدور الأول.. ثوانٍ وقبل أن يغلق الباب فُتح مره أخرى بقدم احداهم ، رفعت عيناها بنظرات مستاءة قُتلت في مهدها ما أن رأته..
مرتدي قناعه الساخر كماهو.. يستند على عصاه!! بطوله الفاره والذي سد عليها رؤية الباب ولوحة الأرقام .. يقف مولياً ظهره لها ،
نبضات قلبها عانقت السماء والجو بات ساخناً.. لازال ع وقفته وكأنه وحده بالمصعد وكأنها هواء لاوجود لها.. حمحمت بغيظ من تجاهله لها وهو على حاله الا من ابتسامه جانبيه ساخره ارتسمت ع ثغره ، تقسم بأنها سمعت ضحكته الساخره البسيطه.. ولحظه.. لحظتان وكانا بالدور الأول وتوقف المصعد ، ومثلما دخل فجأه خرج فجأه يتكأ ع عصاه ، وكأنه كان خيال ولكن رائحة عطره بالمصعد تؤكد أنه كان هنا.. وتجاهله لها يُنبأ بأن القادم لن يسُرها..!
..
**”الفصل الثاني” **
الرجل دائماً كلمته واحده لا تعني لا.. قراره لا يتغير بسهوله قراره مركزه العقل ومحوره المنطق.. على عكس حواء إذا قالت نعم فتعني لا وان قالت لا وتمنعت فهي راغبة وأكثر.. دائماً متردده
كاذب من قال أنه يستطيع أن يفهم حواء.. فحواء بذاتها لا تفهم نفسها..!!
مرت ثلاثة أيام على مجيئه ورؤيته دون أن يأتي للشركة .. وسكرتيرته الخاصه تقول أنه عاد لمصر لمداولة أعماله وسيعود قريباً.. و “قريباً” متى سيكون الله وحده أعلم.. العمل كما هو ، والمواعيد لم تتغير.. كل شئ بالشركه على حاله دون تغيير عدا مغادرة السيد” أيهم” ومجئ السيد “المأسوف على عمره”..
كانت أية تجلس على مكتبها ممسكه بأوراق بيضاء عريضه تخطط عليها..
وبالمقابل مهند يجلس بقنوط على مكتبه يستند بكفه على خده يرمق أمنيه الجالسه بهدوء ظاهري مصطنع تعمل على إحدى المشروعات المطلوب منها تنفيذها ،
نظراته النارية الموجهه لها تجاهلتها عن عمد فهي غاضبه وبشده منه ومن تصرفاته الغير لائقة معها.. تسائلت بغيظ بداخلها من المفترض من يغضب من الآخر؟!
زفر مهند بغيظ وقال موجهاً حديثه إلى أية..
– لو سمحتي يا أنسه أيه أسأليها فين ورق المشروع اللي المفروض ننفذه انا وهي..
ارتفعا حاجبي أيه حتى كادا أن يصلا إلى منابت شعرها.. رمقته بدهشة سرعان ما تحولت لضحكة خفيفه رائقة ، ف مهند وأمنية ثنائي لا وجود للعقل أو المنطق في وجودهما.. وبضحكتها ونبرتها الناعمة سألت أمنيه..
-أمنيه.. الباش مهندس مهند بيسألك فين ورق المشروع اللي هتنفذوه سوا..؟
وأمنية على وضعها.. دون أن توليه اهتمام ، ودون أن ترفع رأسها حتى.. هتفت بلامبالاه..
– قوليله أن انا اللي هنفذ المشروع لوحدي.. ومش محتاجه مساعده فيه..
تحركت أيه برأسها لمهند المتابع للحوار بنزق وضيق باديان كشمس الظهيرة على قسماته.. وأشارت له بحاجبيها بمعنى “أسمعت؟ “..
والآخر سينفجر من فرط غيظه.. ليقول بحدة..
-أنسة أيه.. ممكن تعرفيها أن ده شغل ومش بمزاجها أنها تقول ايه المفروض يتعمل.. مستر أيهم قبل مايمشي كان اتفاقه معانا أن انا وهي هنعمل المشروع ده سواا ..!!
وأمنية دون انتظار وكعادتها كالقطار أجابت موجهه حديثها ل أية دون النظر إليه وكأنه غير موجود..
-قوليله يايويو ده كان أيام مستر أيهم.. إنما دلوقتي مستر حازم كلامه هو اللي هيتنفذ..
وكلمة السر “مستر حازم” كانت كفيله بإشعال فتيل غضب مهند وإثارة غيرة أية.. فقبل أن يتحدث مهند سألت أية أمنيه بسرعة الصاروخ..
– وانتي شوفتي مستر حازم فين انشاء الله ولا كلمتيه أمته اصلاً..؟
والنبرة مليئة بالغيرة والاستنكار .. ولكنها لم تنتبه سوى لنظراته السوداء الغاضبه.. لتثير غضبه أكثر وهي تقول بتحدي..
– انا مكلمتوش ولا شوفته.. انا مستنيه اول مايجي وانا هكلمه أن انا عايزه أمسك المشروع ده لوحدي.. وهو اكيد هيوافق..
وثقتها وتحديها له جعلت دماؤه تفور حد الغليان ، ضرب المكتب خاصته بقبضته غاضباً والشياطين تتراقص أمام عينيه.. هدر بصوت مرتفع حانق ونظراته مركزه على نظراتها..
-والله لعب العيال ده أنا مليش فيه.. مستر أيهم أو مستر حازم بتاعك ده..
أياً كان ايه اللي هيحصل طالما أنا قولت هاتي ورق الزفت يبقى تجيبي ورق الزفت من غير ماتكلمي أو تنطقي حرف واحد..
ومتقلقيش أنا اللي لما مستر حازم بتاعك ده يجي.. انا اللي هكلمه لأن فعلاً مش عايز اشتغل معاكي..
تدخلت أيه محاولة تهدئة الأمور .. فقالت بمهادنه..
-خلاص يا أمنيه لو سمحتي.. خلاص يا باشمهندس، بجد انتو اديتو الموضوع أكبر من حجمه
.. ثم مالت قليلاً بجزعها العلوي على أمنيه المغتاظه متمتمه بخفوت..
-عدي يومك.. انتي زودتيها فعلاً..
لتهتف الأخرى بقهر والدموع تجمعت بمقلتيها..
-مش شايفه بيكلمني ازاي.. ثم ايه مستر حازم بتاعك دي اللي بيقولهالي..
عقدت أيه حاجبيها وقالت بضيق واضح لهماا ..
-مستر حازم مش بتاع حد مستر حازم راجل كبير ومحترم عيب اوي انك تقول كده..
لا رد ولا كلمة حتى.. كانت أنفاسهما اللاهثه كفيله بما يعتمل بالصدور..
ران صمت ثقيل قبل أن ينهض مهند من مكانه بغضب متوجهاً صوب مكتب أمنيه ودون استئذان سحب أوراق المشروع من أمامها بعنف وخرج تحت أنظارهما المندهشة و المستاءه..
………..
اغلب الرجال يعتقدون أن الأنثى تحب الوسيم وتعجب بالغنى.. بينما الأنثى تحب من كان لها أباً وأماً وأخاً وسنداً يحترم عقلها وكيانها ..
“اليوم الرابع”
.. كانت أية تسير بخطوات بطيئه بإحدى الممرات مركزه بنظراتها بالأوراق التي ف يديها تتفحصها جيداً.. دون أن تنتبه على من ظهر أمامها متعمداً القُرب محاولاً الاصطدام بها.. وبالفعل كان اصطدامه بكتفها خفيف ولكنها وبفضل كعب حذائها العالي فقدت توازنها وأسقطت الأوراق من يدها وكادت أن تسقط هي الأخرى لولا ذراعه التي حاوطت خصرها وانقذها من السقوط المحتم..
.. اعتدلت بوقفتها بعد أن ابتعدت عنه بمسافه قليله ولكنها كافيه بأن تبتعد عن أنفاسه ولمسته المقززه .. وتمتمت بحرج وهي تعدل من فستانها الضيق..
-أسفه مخدتش بالي يا استاذ رامي..
والأستاذ رامي “رجل في منتصف الثلاثين أشيب الشعر رغم صغر سنه الا انها وراثه بعائلته.. يعمل محاسب بالشركه ولقبه الشهير بين الموظفين هو ” زير نساء” من الدرجة الأولى.، لم يستصعب عليه الوصول لأي هدف يريده”
قال بهدوء ثعلب ماكر ونظراته الماجنه تتركز على فتحة قميصها..
-مش تاخدي بالك وانتي ماشيه يايويو .. طب الحمد لله المرادي اتخبطتي فيا بس.. مش عارف المره الجايه ايه اللي هيحصل..
تنحنحت بضيق وعدلت من خصلاتها.. ثم هتفت بصلابه وحسم..
-لو سمحت يااستاذ رامي.. أسمى أية الله.. أنسة أيه الله.. أفضل أن حضرتك تحافظ ع الرسميات بيناا..
التوت شفتيه بشبه ابتسامه غير كامله.. ابتسامه يخفى بها غيظه منها.. قال ببراءة مزيفة..
-انا بكلمك بعشم يا أيه.. اقصد ي أنسة أيه
قاطعته باشاره من كفها..
-معتقدش أن احنا كان فيه بينا قرابه أو حتى عشره يا أستاذ رامي عشان ياخدك العشم اوي كده معايا..
وبينما هي تتحدث معه.. احست بشيء غريب وكأن نظرات أحدهم تكاد أن تخترق ظهرها.. بسرعه البرق استدارت وكان ظنها بمحله.. ف “حازم” كان يقف في آخر الممر يستند على عصاه يراقبها بعينين سوداويتين غاضبتين
خفق قلبها بعنف من مرآه كان يرتدي قميص أبيض قطني قصير الأكمام يحمل علامه لماركة شهيره وبنطال من الجينز الكحلي وذقنه كانت غير حليقه .. ظلت نظراتها أسيرة نظراته الغاضبه للحظات قبل أن تستدير وتوليه ظهرها ثانيةً حاولت التقاط أنفاسها المصدومه وتهدئه حالها..
تغير لونها وأنفاسها المضطربه أثارت ريبة “رامي” وقلقه.. فتسائل معقودي الحاحبين قلقلاً..
– في حاجه يا أيه ولا ايه؟!
وهي لم تنتبه انه جرد اسمها مره اخرى من أنسه ونطقه بمفرده وكأنها كانت تأذن بمالطه..
فأجابته بابتسامه متوتره..
– مفيش دوخت شويه بس من ضغط الشغل..
واستدارت مره أخرى وواجهته بنظرات زائغه لتجد عيناه ترسل شرارات غضب تكاد تسقطها قتيله.. تحركت مسرعه بعد أن أمسكت بأوراقها التي قام بجمعها رامي من الأرض وغادرت المكان وملامح رامي المستغربه من فعلتها..!
……………..
.. مرت نصف ساعه وهي جالسة على مكتبها دون أن تعمل ودون أن تعير أمنية أدنى انتباه.. تركتها تتحدث وتشتكي دون رد وبالها مشغول بأخر سرق قلبها ذات ليله منذ زمن بعيد وكان لا يستحقه ، نزعها من شرودها دخول الساعِي يطلب منها أن تذهب لمكتب السيد “حازم” بعد أن أمره باستدعائها..
تسائلت أمنية باستغراب..
-غريبه يعني.. ياترى عايزك ف ايه ده لسه واصل من ساعه واحده بس..
ورد أية كان مرتبكاً.. نهضت من مكانها وقالت..
-مش عارفه.. اديني هروح واشوف ف ايه..
بخطى متمهله سارت لمكتبه.. لتسمح لها سكرتيرته بالدخول لمقابلته ،
.. وقفت لحظتان ع الباب قبل أن تطرقه لتعدل من وضع فستانها وتظبيط أمره رغم ضيقه الشديد ، ومحاولة التقاط أنفاسها بهدوء.. طرقت ع الباب بتهذيب طرقة واحده ليأتيها أمره بالدخول..
دلفت ببطء دون أن تغلق الباب خلفها.. ثانيه وأخرى وأصبحت الجميلة بمواجهة الوحش..
ليضحك ساخراً وهتف متهكماً..
– ايه ماتقفلي الباب ولا انتي خايفه..
أغلقت الباب بتوتر.. ثم قالت بثبات زائف..
– هخاف من ايه يعني.. اديني قفلته..
سارت عدة خطوات إلى أن وقفت أمامه يفصلهما مكتبه ثم قالت..
– خير.. حضرتك طلبتني..!
نطق آمرا..
-اقعدي..
بارتباك ملحوظ جلست، وتنورتها الضيقه القصيره انحسرت بمسافة قبل ركبتيها.. لتسحبها بكفيها في محاوله يائسه منها لستر ساقيها أمامه دون فائدة..
هز رأسه بيأس وضحك هازئاً. .
– ولما انتو مش أد الضيق بتلبسوه ليه..؟
تأففت بنزق ثم سألته..
ممكن أعرف حضرتك طالبني ليه..؟
وكلمة “حضرتك” والتنورة الضيقه وما شاهده قبل قليل مع زميلها بالممر كل تلك الأشياء أثارت ضحكته المغتاظه .. ليهدأ قليلاً ثم حدثها من بين أسنانه..
– ممكن أفهم ايه اللي أنا شوفته من شويه ده!!
وتلك النبره تعرفها جيداً لا ينفع معها ادعاء غباء أو تحدي.. أجلت صوتها وبررت..
– زي ماحضرتك شوفت.. كنت هقع والأستاذ رامي لحقني..
والرد كانت استنكار هازئ وحاجبان مرفوعان يأبيان النزول..
-اوووه ياسبحان الله بدل ماتقعي ع الارض وقعتي ف حضنه.. شوف يااخي..!!
وانفعلت واعتدلت بجلستها والنبره الناعمه تحولت لأخرى حاده..
-ايه ف حضنه دي.. لو سمحت احترم نفسك.. انا مسمحلكش
قاطعها بقلة تهذيب وهو يشيح بيده وينظر إليها باشمئزاز من أعلى رأسها لاخمص قدميها..
-بلا اسمحيلي بلا بتاع.. احترمي نفسك انتي ياباشمهندسه.. بالذمه دي هدوم واحده محترمه.. انا لو معرفكيش كويس كنت قولت عليكي رقاصه..
أشارت بسبابتها على صدرها بصدمة..
-رقاصه.. انا مضطره انسحب من النقاش.. حضرتك بجد ب..
قاطعها ثانية باستهزاء وقد اكفهرت نظراته وليل عيناه أظلم من غياهب المحيط..
-تنسحبي ايه. انتي مفكره نفسك شغاله في وكالة أهلك..!! اخر مره هشوف الهدوم دي عليكي ياايه.. وأنا مش بعيد تحذيري مرتين..
.. لا ليس الآن.. لن تبكي أمامه ، صمتت ثواني قليله ثم قالت ببرود تسلحت به ..
-وياتري حضرتك قولت الكلام ده لكل الموظفات اللي هنا ولا انا بس..
اصطكت أسنانه ببعضها غضباً.. هو يعرفها ويحفظها أكثر من نفسه.. يعلم نزاهة أخلاقها.. ولكن لابد من قرصة أذن كي تعود لرشدها.. وهو أيضاً معذور منذ أن رآها والنيران تأكل قلبه.. رد بغيظ..
-والله انا مشفتش حد غيرك كان في حضن زميله ومقضيهاا..
ابتلعت تلك الغصه الحارقه وقالت بنبره حزينه مستفهمه..
-مقضيها.؟؟ شكراً يافندم.. أي أوامر تانيه!!
أطرق برأسه لحظات وكأنه يستجمع شتات روحه.. ثم مسح صفحه وجهه بهدوء.. ورفع نظراته إليها ، نظرات تبدو منكسره تحمل من العتاب مايعجز اللسان عن قوله.. باغتها بسؤال..
-مش عايزه تسأليني عن حاجه..
تفاجأت.. كانت تود أن تخرج قبل أن يفتح أي حديث عن الماضي ، ارتبكت قليلاً.. إلا أنها تسلحت بالثبات الزائف الذي تحاول أن تحافظ عليه في محيطه.. عضت على شفتها بقووه ثم رمقته بنظرات تائهه حائره.. وتسائلت بنبره منخفضه بالكاد التقطها..
– هو ايه اللي حصل لرجلك..؟!
بدا وكأنه تلقى صفعه على وجهه.. والاستغراب كان يحتل قسماته.، رمقها بنظرات خابت أملها ونبره مجروحه ذبيحه..
عايزه تقوليلي انك من بعد ما سبتيني وانتي ماهنش عليكي تعرفي أخباري أو تطمني علياا..!!
كيف لحياه أن تفرق بين اثنين كانا أقرب مايكونا من بعضهما.. كيف لها أن تتركه هكذا ببرود.. كيف أن ترميه خلف ظهرها وكأنه مجرد مرحله وانتهت ولا حاجه له.. والمزيد والمزيد من التساؤلات تدور برأسه من يوم فراقهم أو بالأحرى يوم أن غدرت به وتركته متحججه بحجه واهيه غبيه مثلها.. ولكن منذ أن رآها والسؤال الذي أحتل كل ذره بكيانه.. كيف يخبرها أنه أشتاق دون أن يبدو كرجل منهزم..!
والهروب أسلم حل.. نهضت من مكانها وخطوتان والثالثه ف الرابعه كانت ممسكه بمقبض الباب.. وقبل أن تفتحه كانت قبضته تشد على يدها بعنف.. وأصبحت هي أمامه لا يفرقهما سوى سنتيمترات قليله .. مازال ممسك بيدها يشد عليها حد الألم علها تشعر ولو بجزء بسيط مما يشعر به.. ويده الأخرى كانت بجانب رأسها ليحاصرها ولا مجال للهرب..
اقترب منها حد تلامس الأنفاس.. وعيناه الليليه صارت كغابة محترقه.. سألها بصوت مبحوح..
-سيبتيني ليه..!!
أغمضت عينيها بشده.. وتنهيده مكتومه من ماضي بعيد أطلقتها.. ثم قالت بصوت متهدج..
– حازم.. مش حابه اتكلم في حاجه انتهت..
جز على أسنانه قهراً.. واقترب أكثر برأسه ، عيناها أسيرة عيناه الغاضبه ورائحته تكاد تسكرها.. همس بحده والهمسه موجهه من ثغره لشفتيها..
-انتهت من نحيتك انتي.. انا منهتش حاجه..
ومثلما اقترب ابتعد.. ولاها ظهره لدقيقه ، كانت كافيه بأن يلتقطا أنفاسهما اللاهثه .. حاول استعادة رباطة جأشه ثم قال بحسم بعد أن استدار لها..
-مفيش حاجه انتهت بينا يا أية.. والعلاقه اللي انتي نهتيها من تلت سنين لسه مكمله لحد دلوقتي.. مش حازم السيوفي اللي يتساب يا.. يا أيه..
…………….
**”الفصل الثالث” **
الحياة يالها من مخادعة.. نعيش فيها وفق قوانين وضعتها هي ، تاركة لنا الاختيار نتصرف كما نشاء.. نقع ونقاوم.. نعشق ثم نفترق تعتصرك بمشاغلها وتطحنك بين شقي رُحِيها.. إلى أن تأتي تلك اللحظة الغادرة والتي فيها نكتشف بأننا نسير وفق هواها..!!
وهو يدور بدائرة مغلقة البداية كانت ترضيه ككل البدايات جميلة وناعمة تخطف القلب.. كليته كانت من اختياره أم فرضت عليه لا يذكر.. عمله والذي سعي إليه هل يريده أم لا لا يعرف.. كل مآ يعرفه أنه وللأسف سقط سهواً في فلكها يدور حولها مجبر أم مخير لايهم .. لا يهتم سوا بأن تسقط هي الأخرى بمداره.. لما لا تشعر به…؟!
وبداية يومه كانت دخوله إلى مكتب المدير الجديد حانقاً يشعر بالحرارة تجتاحه بينما يشتعل غضباً.. وها هو يقف أمام سكرتيرته يطلب الدخول..
-ممكن اقابل الباش مهندس لو سمحتي..
قالها مهند للسكرتيره الخاصه ب “حازم”..
إجابته بتهذيب..
-طب ثواني هستأذنه..
غابت عنه دقيقه ونصف ثم عادت إليه بابتسامه هادئه وبيدها أشارت له بالدخول..
-اتفضل مستر حازم مستنيك..
.. طرق الباب ودخل سريعاً دون انتظار أذنه بالدخول.. عدة خطوات رتيبه غاضبه وكان يقف أمامه ،كان مهند يرتدي حلته الرماديه وقميص أبيض وشعره مسرح بعناية كعادته.. رمقه حازم بدهشه وحاجب مرفوع من دخوله كالعاصفه عليه.. ليقطع دهشة حازم صوت مهند المنفعل دون داعي..
-دلوقتي حضرتك كان ف شغل مكلفني بيه مستر أيهم مع أنسه أمنيه زميلتي.. والانسه بتقول انها هتكلم حضرتك انها تشتغل المشروع ده لوحدها.. وأنا فاكر كويس ان حضرتك قولت ان الشغل هيمش زي ماهو..!!
رفع حازم حاجبيه بريبه ، ثم اتسع بؤبؤ عينيه.. واحتمالان نُصب عيناه.؛ الواقف أمامه أما مجنون أو “ضارب حاجه” احتمالان ليس لهما ثالث.. ولأن حازم دائما حسن النيه.. فافترض بأنه مجنون فقرر مهادنته وسياسته..
-ممكن تقعد طيب الأول.. تحب اطلبلك ايه لمون يهدي أعصابك شويه ولا قهوه؟!
حمحم مهند بحرج وجلس بضيق من عصبيته وتسرعه.. هتف بنزق..
-مفيش داعي.. انا مش جاي علشان اشرب حاجه..
رفع حازم سماعة هاتفه وطلب من سكرتيرته اثنان من القهوه المره.. ثم توجه بالحديث لمهند والذي من اهتزاز رجليه يبدو أن شئ ما قام بتعصيبه.. قال حازم بصوته الهادئ..
– ي باشمهندس أنا أعتقد أني قولت ف الاجتماع اللي حصل من أربع أيام أن الشغل ماشي زي ماهو وان انا مش هتدخل في أي حاجه ف الوقت الحالي.. بما اني لسه معرفتش نظام الشغل ايه ولا حتى المشاريع الحاليه مين مُكلف بيها.. بالنسبه للمشروع المشترك بينك وبين الباشمهندسه امنيه ف أكيد هيفضل مشترك بينكو ..
ثم تابع وبريق عيناه ازداد خبثاً..
– وبعدين يعني دانا قولت ان أكيد الباشمهندس مهند هو اللي هيفيدني في الشغل بما انك بتشتغل هنا من زمان.. وكمان اللي لاحظته أن علاقتك كويسه بالكل .. ف كنت حابب أن أعرف تفاصيل الموظفين هنا منك..
وجائت القهوه واخذ رشفه سريعه ثم استفسر مهند..
– مش فاهم.. تفاصيل ايه اللي عايزني اقولهالك..؟
– تفاصيل هنا ف الشغل ياباشمهندس.. يعني أنا مثلا لاحظت أن الأستاذ أحمد علطول واقف مع الاستاذه أميره ف انا عايز اعرف عشان اقدر احدد ده يأثر ع الشغل ولا لا..
والصياد رمي الطعُم والبرئ التقطه بسهوله.. ليجيبه بنبره “أبو العُريف”
-الأستاذ أحمد والأستاذه أميره متجوزين حضرتك.. متقلقش..
وحازم تابع بمكر الثعالب..
-طب كويس.. شوفت ابتديت تفهمني ازاي.. والأستاذ رامي مدير الحسابات بردو مرتبط بالباشمهندسه أيه؟! اصل شوفتهم واقفين مع بعض..
وإجابة مهند كانت سريعه ونبرة دفاع وكأن أية” بنت أخته” ومن الازم التوضيح..
– لأ طبعا الباشمهندسه أيه مثال للأدب والاحترام.. تلاقي رامي هو اللي وقفها أو كلمها.. هو رامي ده دايما كده أي تاء تأنيث لازم متعديش من تحت ايده..
وحازم نال الإجابة التي ود سماعها.. ودور مهند بالنسبه له انتهى.. وابتسامه صفراء كنوع من المجامله رسمها على وجهه وقال بعملية ..
-طب تمام شكرآ ياباشمهندس.. وزي ماقولتلك الشغل انا مينفعش أتدخل فيه ف الوقت الحالي.. بس انا عندي ثقه فيكو.. وثقة فيك انت تحديداً.. تقدر تتفضل على مكتبك وتكمل شغلك..
وقف مهند وعدل من جاكيته وحيّاه برأسه شاكراً.. وخرج من مكتب حازم مطمئناً وعلى ثغره ابتسامه منتصره عكس دخوله تمامآ..
…………..
لما الراجل يتكلم الست متعندش معاه..
متقولوش حاضر في كلام تاني يوم تنسااه..
تفهمه وتقدر قيمته لو عايزه تكمل وياه..
تلك الكلمات لأغنية ما كان مهند يدندها عند دخوله المكتب المشترك مع زميلتيه أية وأمنية واللتان تبادلتا فيما بينهما نظرات ريبه واستغراب من تصرفه ومزاجه الرائق على غير عادته طبعاً.. ومهند مستمر بدندنه الكلمات الملحنه.. لما الراجل.؛……. ونظراته الغامضه موجهه لامنيه فقط وثغره مزين باببتسامه منتصره شامته.. واحتلت علامات الاستفهام ملامح أمنيه وتوجست من نظرته..
عقدت مابين حاجبيها.. وانكمشت ملامحها بتساؤل وفضول لم تستطع كبته..
-هو في ايه.. مش بعادتك يعني.. مزاجك رايق وبتغني ولا كأنك كنت هتكسر المكتب ده ع راسنا امبارح..
ضحك ملئ شدقيه.. ضحكه رأتها من وجهة نظرها مستفزة.. ليقول بصوت أجش ساخر موجهاً لها دون الأخرى..
-تحبي نشتغل ع المشروع أمته.. انا بقول دلوقتي عشان مفيش وقت ومستر حازم مستعجل..
لم تستطع كبح جماح غيظها.. وسألت بحده ظهرت في صوتها..
-انا لسه متكلمتش مع مستر حازم.. اكيد لما ا….
قاطعها مهند بإشارة من كفه.. وضحكته اتسعت شيئاً فشيئاً..
-أنا كنت عنده دلوقتي.. واتكلمنا ع المشروع وقال كل شئ هيمشي زي ماكان.. وقال يعني فيما معناه انه مش عايز حد يكلمه وكده.. كلك نظر يعني..
كتمت أيه ضحكتها بكفها وهي ترى تبدل ملامح أمنيه المغتاظه وتلونها باللون الأحمر القاني.. برقت عينا أمنية الشبيهه بلون القهوة الذائبه بغضب
ثم قالت من تحت أسنانها..
– ع فكره متفرحش اوي كده انا ممكن اروح اكلمه دلوقتي وهو هيوافق علطول.. بس ماشي مجتش ع المشروع ده بس بعد كده هيبقى فيه كلام تاني..
جلجلت ضحكاته عالياً ورؤيتها هكذا تنعشه.. ف استكمل غناؤه.. وأية لم تستطع أن تكتم ضحكتها أكثر من ذلك فاطلقت العنان لضحكاتها .. لتنهض أمنيه حانقة تضرب الأرض بكعب حذائها بعصبية تاركة لهما الغرفة عسى أن تحترق بهما…
…….
الرجل دائماً طماع.. إن منحتيه بسمة رغب بقبلة.. وإن امسك بكفك طمع بذراعك كله ، وأن كان حوله الكثيرات لن ينجذب إلا لفتاة لم تعره انتباهاً..
وذلك كان حال رامي وهو يراها أمامه دون المقدرة على أخذها ونيلها كما يتمنى.. تسير أمامه بغنجها الطبيعي والذي وللأسف يستهويه وبشده..
كعب حذائها الرفيع بدلاً من أن يضرب الأرض يضرب رأسه بشده.. لا يحبها يعلم هذا جيداً ولكن يريد أن يضيفها لقائمة حريمه وأياً كانت الطريقه سينفذها كي ينالها..
اقترب منها، بخطوتان كان مقابلاً لها ..يشرف عليها بطوله الذي يفوقها بالكثير حتى وهي ترتدي الكعب.. همس بصوته الاجش..
– محتاج أتكلم معاكي ي أيه.. بس ف مكان تاني غير الشركه طبعاً..
قلبت عيناها بفتور واسمها مجرداً دون أنسه أشعل ضيقها.. مجرد رؤيته تقُبض قلبها يصدرها..
-حضرتك أولاً وللمره العشرين هقولك اسمي أنسه أية الله.. ثانياً معتقدش أن فيه كلام بيني وبينك جوه الشركه اصلاً عشان يبقى فيه براها ثالثاً
.. قالتها وابتعدت خطوتان..
– وحضرتك بتكلمني لازم يكون فيه مسافه كافيه بينك وبيني..
ابتلع ريقه الجاف من حدتها معه.. حك لحيته بقلة صبر حاول اخفاؤه ثم هتف مبرراً..
-أنا عارف كل اللي قولتيه ي أنسه أيه.. وربنا يعلم انا بحترمك اد ايه.. وطالما انتي رافضة أن اقابلك بره الشركه.. فخلاص ياستي اللي تشوفيه،
.. ثم استطرد بنبرة هدوء مزيف..
أنا كنت عايزك تحددي ميعاد مع مامتك عشان عايز أطلب ايدك منها..
اتسعت عيناها بشدة وانعقد لسانها عن النطق.. ليأتي صوت خشن من وراؤها ..
-هو ينفع بردو تخطب واحده مخطوبه يا اووستاذ…!! قولتي اسمك ايه اه اه رامي؟
احتلت الصدمة قسماته والاستفهام كان من نصيبه.. سأل بخفوت
-الآنسة اية اتخطبت أمته..؟
وأية وبغباء متوارث ومستأصل بعائلتها عقدت حاجبيها ودارت بعينيها ولسانها همس بتساؤل غبي..
-هو انا مخطوبه وانا معرفش..؟
لف حازم ذراعه حول خصرها بتملك حصري له مقربها منه وقد اتسعت حدقتا عينيها واحمر وجهها خجلاً وارتباكاً من لمسته لها والتي ما أن شعرت بها حتى سارت رجفة خفيفة بطول ظهرها.. هتف حازم بحسم وهو يشدد على كلماته وعينيه ترسل نظرات تحذيريه لرامي المندهش أمامه..
– انا وايه اتخطبنا امبارح.. ف الحقيقه كنا هنعلن انهارده عن الخطوبه.. بس انت استعجلتنا يا استاذ رامي..
ثم رمق “الحمقاء” بتهديد والتي كادا حاجبيها أن يعانقا السماء من صدمتها من أن ترفض أو تعترض حتى..
وكأن بإمكانها الرفض أو القبول فاعلان خطبتها أمام رامي والقليل من الموظفين الذين شاهدوا العرض وبالتأكيد سيخبرون البقيه وسينتشر الخبر . ويده الموضوعه على خصرها واقترابه منها حد الالتصاق شلّو لسانها ، وأسكتوها عن الكلام..
وزع رامي نظراته المتسعه بصدمه بينهما تارة وعلى يده المحفورة بخصرها تارة أخرى.. ليفيق سريعاً من حالة الصدمة التي انتابته.. ثم قال بصوت مغتاظ وهو يضرب بكفه على كتف مديره مهنئاً..
– لا بجد. بجد يعني الف مبروك.. ده خبر عظيم اووي.. احنا اكيد اكيييد لازم نحتفل..
رمق حازم كفه الموضوعة على كتفه باشمئزاز واضح كالشمس.. نفضها عنه بقلة إحترام واضحه.. ثم قال ب ابتسامة سمجه..
-الله يبارك فيك يا استاذ رامي.. عقبالك..
ثم سحبها خلفه دون اعتراض منها وكأنها مغيبة إلى مكتبه ، تحت همس القلة الحاضرين للمشهد ونظرات رامي الحاقده المشتعلة..
استدار رامي وقد اكفهرت قسماته.. محدثاً نفسه بغل من بين أسنانه وسبه بذيئه خرجت من طرف لسانه ..
-يابنت ال*** بقى انا بترسمي عليا الشرف وانتي مدوراها.. وكمان وقعتي المدير
.. وأكمل بوعيد وشيطانه بدأ بحياكة الخطط له..
-طب وحياة أمي مانا سايبك..!
…….
وما أن خطيا مكتبه حتى صفق الباب بوجه سكرتيرته والتي استغربت من مظهرهما ودخولهما معاً واياديهما متعانقة.. ترك كفها بحدة وولاها ظهره ينزع عنه ربطة عنقه بغضب ، وفك أزار قميصه العلويه، ثم استدار لها
واحمرار عيناه وانعقاد حاجباه وتقطيبة ملامحه كبركان علي وشك الإنفجار
وبنبرة مليئه بالغيره والانفعال..
-عاجبك اللي حصل بره ده.. أنا كنت عارف ان غباءك وتخلفك هيوصلك لكدة والله..
وهي من وقت دخولها وهي على حالها وعينيها متمركزه علي اللاشئ كأنها صنم ونبرته الحانقه الخشنة أزعجتها وعادت بها من تيهها.. لتتسائل بذهول..
– انت ايه اللي انت عملته ده.. ازاي تحط ايدك عليا وتقول إن إحنا مخطوبين
قال ثائراً.. وقد انتفخت اوداجه غضباً..
-خطوبة الهم والحزن.. اه والله العظيم.. مش انا بحبك بس قسما بالله انتي تصرفاتك بترفعلي ضغطي…
سألته باستنكار واعتراض ليس بوقته..
– انا برفعلك ضغطك؟!
حدق بها بقوة.. ليجيبها هادراً
-هو ده اللي سمعتيه.. ومسمعتيش بحبك.. اعمل فيكي ايه بجد
وتجاهلت هي صراحة الكلمه كما تجاهلت غيرته وتتجاهل اي شئ ممكن أن يعيدها إليه.. زفرت بضيق ثم قالت ببدايه بكاء..
-قولي انا اعمل ايه!! وفجأه المدير الجديد بيقول انه خطيبي وبتاع.. أنت متخيل بيقولو علياايه؟
ألقى عليها نظرات حارقه وقد تحولت عيناه باحمرارها كبركة من الدم القاني.. ليصيح بحنق..
-وبالنسبه لرامي وانتو واقفين سوا وشكلكو مش لطييف خالص. ايه ده عادي بالنسبالك..
وقفت أمامه وثبتت نظراتها بنظراته الغاضبه وحاولت أن تبدو قويه أمامه كي لا يبتلعها بمظهره هذا.. فقالت بثقة زائفة..
-انت مالك انا كنت هعرف اوقفه عند حده..
ليقاطعها بعصبيه وأشاره من كفه..
-ما تبس بقى يابت.. لو كنت عارفه توقفيه عند حده مكنش اتجرأ ولمسك ولا كان اتجرأ وعزمك بره..
لمحت أية عروقه النافرة والشرر المتصاعد من عينيه.. ارتبكت وعدلت من خصلاتها بأصابع مرتجفه وزاغت نظراتها عنه وبحرج قالت..
-هو انت سمعت..
اجابها متهكماً..
-اه ياختي سمعت الحوار كله م الاول..
.. وقف بصلابة أمامها بينما كانت هي تشتعل غيظاً وحرجاً ثم قال بحده بعد أن امسك بكفها يعدد عليها بقوة. .
– أولاً الهدوم دي مش هتتلبس تاني وقسما بربي لو شوفتك لابسه الهدوم دي تاني هقطعهالك..
ثانياً ممنوع منعاً باتاً اشوفك واقفة مع اللي اسمه رامي ده حتى لو وقفك سيبيه وامشي.. ياريت متكلميش مع حد أصلاً يكون أفضل
ثالثاً هتتصلي دلوقتي بامك وهتعرفيها أن احنا اتقابلنا واتصالحنا وجاي بالليل عشان هنلبس الدِبل
رابعاً وده الأهم معتش فيه هروب.. أول ما هتلبسي دبلتي هتكوني ملزمه اودامي قبل الناس بأنك تعامليني كخطيب يعني
love ماشي
hugg اوكي
Kiss ميضرش..
شغل البوز وبرميل النكد اللي انتي منقوعه فيه ده مشفوش
فهماني؟..
نزعت كفها منه بعنف.. ثم هدرت به..
-حيلك حيلك.. ايه ده كله.. ماتاخدني جاريه عندك احسن..
انا مش موافقه ع اي حاجة م اللي قولتها دي..
امتعض وجهه ورد هازئاً
-عنك ماوافقتي.. عندك الحيطان كتير اخبطي راسك ف اي واحده فيهم..
وقبل أن تفتح ثغرها ثانية بسبابته أغلقه تحت نظراتها الغاضبه المشوبه بخجل إثر لمسته لشفاهها ونبضاتها زادت الضعف .. وتحدث بصرامة وحزم..
-ششششــ مش عايز اسمع حرف واحد انا راجع أخد حقي وانتي حقي.. انتهينا.. روحي جهزي نفسك يللا..
……
وحازم .. حين يقرر شئ ينفذ فوراً..
وهي.. عليها احترام القرار دون مناقشه أو رفض..
وعلى المتضرر اللجوء للجدار وطرق رأسه به..
…………
**”الفصل الرابع” **
.. وكان كلما رآها تذكر أول مرة تقابلا منذ أكثر من سبعة أعوام ، منذ أن كان في السنة قبل النهائية لكلية الهندسة وكانت هي في الصف الثالث الثانوي.. كان مع صديقيه ينووا الاحتفال بنجاحهم وصعودهم للسنة النهائية وكعادة أي احتفال لابد من السهر حتى الصباح الباكر في أي ملهى ليلي والمشروبات الغازية والخفيفه نوعاً ما نظراً لصغر عمرهم كانت أساس السهرة.. وعند رحيله كان يقود سيارته بنصف وعي ونصف عين مغلقة.، إلى أن وقفت أمامه فتاه ترجوه الوقوف.. انحني عن مساره فجأه وأوقف سيارته بجانب الطريق.. ترجل منها والغضب يحتل قسماته بسبب تلك الغبيه التي كانت ستودي بحياته وحياتها معه.. استدار لها وما أن رأها حتى هدأ كانت فتاه قصيره ذات عينتان سوداء وشعر حريري طويل كاللليل ينسدل على كتفيها.. كانت مذعوره ترتجف بشدة.. اقترب منها سريعاً بعد أن عاد وعيه إليه نسبياً.. وسألها قلقاً..
-مالك في ايه؟!
كانت تبكي بشدة.. فتاة وحيدة تقف على قارعة الطريق بالتأكيد حدث شيء سئ لها..
-انا بيتي ف الشارع اللي ورا وبابا وقع ع الارض وهو بيصلي.. ومفيش نفس ولا بيرد عليا أرجوك ساعدني..
وكأي رجل دون تفكير كان يركض خلفها حتى شقتها في الدور الثالث.. إلى أن وجد والدها مكوّم على الارضيه يفترش أمامه سجادة الصلاة..
-أرجوك أسنده معايا..
وبالفعل أسنده وقام بحمله ونزل به الدرج حتى وصلا لسيارته وضعه بالمقعد الخلفي وهي جلست بجوار والدها تبكي وتبتهل..وللامانه كان ونعم الرجل..
دقائق وكانو بمشفي قريب.. ومع ذكر اسمه ولقب عائلته.. كان الدخول سهل..
ولكن الصعب والغير محتمل بكاؤها الذي مزق نياط قلبه عندما قال الطبيب المناوب مواسياً البقاء لله..
كانت شبه ضائعه تبكي وترتجف.. عيونها كانت كالدم من كثرة البكاء.. اقترب منها واجلسها على إحدى الكراسي المعدنيه بالمشفي وأخذ يمسح على شعرها بحنو ويربت على كتفها مهدئاً.. ولسبب ما احس بأنها مسوؤله منه ولا يمكن تركها بمفردها وهي كذلك كانت مطمئنة له.. ظل بجانبها وخاصة عندما علم بأن والدها لم يكن له أخ أو قريب ووالدتها منفصله عنه منذ سنوات وتعمل بإحدى الدول الخليجية معلّمة. . فجميع التعاملات والإجراءات والتصاريح قام هو بها وعند ذكر والده “فريد بيه السيوفي” تفتح كل الأبواب المغلقة .. ومن يومها وكان معها كظلها.. في البدايه لم يكن يحبها.. كان دنجوان الدفعه لقبه والذي استحقه وعن جدارة.. إلى أن صرحت له بحبها واحمرت الوجنتين خجلاً وعينيها يرتسمان بداخلها قلوب حمراء ليرتبك الدنجوان الوسيم و الذي ومنذ أن ارتبط بها وتاب عن الفتيات وتنازل عن لقب الدنجوان وماعاد الدنجوان دنجوان..
كان مجنون بها يتنفس ويعمل ويحاول كسب رضا والده لأجلها.. إلى أن غدرت به فجأة وتركته دون أن يعلم بالتسبب..! .
أفاق من شروده على صوت أمها وهي تبارك له..
-مبروك ياحازم.. كنت عارفه ان انتو هتكونو لبعض في الاخر..
فحازم كان يجلس بصالة منزل “أية” على إحدى الأرائك الوثيره وهي بجواره وخاتمه يزين بنصرها..
تحدث بابتسامه هادئة لوالدتها..
-الله يبارك فيكي.. انا عمري ماكنت هسيبها لحد غيري يانا يابلاش..
اعتدلت والدتها بجلستها.. ثم سألته
– طب هتقول لمامتك وباباك أمته ياحازم.. انا وافقت بس عشان مكنش انا السبب المرادي ف الفراق ما بينكو من تاني..
ورد سريعاً بنبرة صادقة واثقة..
-لا ربنا مايجيب فراق تاني انا ماصدقت..
ثم ابتسم بمشاغبة وغمزة شقية ل أيه الحانقة بجواره والتي تود أن تدق عنقه بيدها وكي يزيد من حنقها أكمل بتأليف كذبه سمجه كي يغيظها أكثر..
-انا قولت لأية نصبر أسبوع ولا حاجه هي اللي كانت مستعجله
مش كده ياحبيبتي.
وجزت على أسنانها وكل دروس الثبات الانفعالي تطبقها حاليآ.. والنظرة وعيد والنبرة مكتومة حانقة..
طبعًا ياحبيبي.. اومال ايه..
كتم ضحكته وقال بنبرة مستمتعه من مشاهدتها هكذا..
-حياتي
بثبات انفعالي انشاءالله ستطبقه وهي تقوم بدفنه أو مثلاً بتقطيعه وتوزيعه.. وبنفس ضحكته السمجه ردت..
-روحي
.. ونظرات الأم مرتابة من مظهرهم وطريقة كلامهم.. ولكنها آثرت الصمت وناولته العصير محاولة تقليل كلامها حفاظاً على سلامة عقلها.. وعسى أن يمر اليوم على خير..
………..
.. تقول الاسطوره أن المرأة لوحة رقيقة.. حالمية حد الخيال.. تبحث دائماً عن الحب في كل من حولها ، في أبيها وأخيها وزميلها وزوجها .. وما أن تلقاه حتى تتشبث به إلى المشيب..
تجلس أمامه قرابة الساعة.. تقضم اظافرها بغيظ ظاهر للكفيف ترمقه بنظرات نارية ذلك المتبجح الذي يجلس أمامها بعنجهيه وغرور وكأنه أخر رجال الكوكب.. تزفر أنفاساً ساخنة تود حرقه بها.. ستموت كمداً بسببه..
ومهند في حالة انتشاء.. والمزاج في أعلى درجات السعادة ف رؤيتها أمامه بهذا الشكل تجعل قلبه يرقص طرباً.. منذ أن بدئا بالمشروع سوياً وهو يقوم باذلالها حرفياً.. يأخذ رأيها دون العمل به.. يقوم هو بكل شئ متجاهلها
ولما لا فهو الرجل.. القوّام “اللي هيكسر دماغها الناشفه” بإذن الله.. ضحك بخبث وهو يمسك بأحد الأقلام الخشبية ثم ألقاه أرضاً..
– اووه.. امنيه لو سمحتي هاتي القلم اللي وقع ده انا مش فاضي..
وأمنيه خيالها واسع.. تخيلت بأنها أمسكت بكل الأشياء الموجوده على سطح المكتب وضربته بها. . ردت بحنق وهي تنحي أرضاً لجلب القلم..
ثم وضعته أمامه بعنف.. رمقها ببرود وعاد لعمله..
وبروده آثار جنونها.. جزت على اسنانها قائلة
-ممكن أعرف انا هشتغل أمته.. أو بالمعنى الأصح هتفضل تهمش دوري لحد أمته..
دون ان يرفع رأسه حتى اجابها بفتور..
-لحد ماتعتذري..
تحدثت باستنكار ورفض..
-اعتذر ع ايه انشالله.. المفروض انت اللي تعتذر..
ومهند عاقل وراسي وصبور لمده لاتزيد عن دقيقه ودقيقة ونصف.. ليرفع نظراته ولاتزال رأسه منكبه علي الأوراق أمامه قائلاً بهدوء مزيف لا يستسيغه..
-راجعي نفسك.. هتلاقيكي من نفسك بتعتذريلي..!!
وهي عنيدة وتلك الصفة كانت أهم صفه يتميز بها برجها.. زجرته بحدة
-مش هعتذرلك ولو أنطبقت السما ع الأرض..
هز رأسه بيأس وابتسامته الساخرة رسمها على ملامحه.. تابع عمله دون رد ليأكلها الغيظ منه ومن بروده المفاجئ.. فضربت بكفها على سطح مكتبه غاضبة..
– ممكن افهم بقى هنفضل كده لحد أمته؟!
والإجابة بسيطه حد اللا حد.. والنبرة تحمل بين طياتها شئ يصعب عليه قوله..
– لحد ماتفهمي..
والاستياء والغضب وصلا لذروتهم.. نهضت من مكانها بعنف.. وتركت له المكتب بالمشروع بكل شئ.. ليخلع عنه قناعه البارد وظهرت ملامحه ونظراته الغامضه.. وهزة رأس يائسة محبطة منها..
………
.. دخلت مكتبه دون طرق أو استئذان بعد أن مرت بالسكرتيرة وسمحت لها بالدخول مباشرة.. وكيف لا وهي الخطيبة الحالية والزوجة المستقبلية..
جلست على الكرسي المقابل له بنزق وتأفف ف الباشا سليل البشوات “عايش الدور ومصدق نفسه”.. أما هو فكان يتأملها صامتاً مبتسماً.. ف الجميله سمعت الكلام والملابس الضيقه استبدلت بأخرى فضفاضه إلى حد ما.. كانت ترتدي بنطال من القماش الأسود وبلوزه من الشيفون باللون الارجواني تتجاوز فخذيها بقليل وشعرها متجمع بجديلة فرنسية على إحدى كتفيها.. مظهرها أرضاه فاتسعت ابتسامته من حنقها البادي على وجهها..
ليقول الماكر متلاعباً بها يحاول استفزازها..
-صباح الخير ياخطيبتي ياحبيبتي.. بقى كده متجيش لخطيبك حبيبك تصبحي عليه.. لا حتى تردي ع رسالتي
واستفزازه لها أثار شياطينها دفعة واحده.. انتفضت بجلستها وزمجرت بحديثها..
-حازم انت عايز تجنني خطوبة ايه اللي بتتكلم عنها.. أنت هتكدب الكدبه وتصدقها..!!
والماكر استمر بالتلاعب وقال بمراوغه وهو يغمز بأحدي عينيه ..
-كدبة ايه بس صلى ع النبي ياخطيبتي ياحياتي.. ده حتى عيب ف حق الخاتم القمر اللي ف صابعك ده..
لمست الخاتم بأناملها الرقيقة.. توترت ثم لوت شفتيها ونظرت نحوه بغلً لطيف تبرر..
-انت عايزني أقلع الخاتم عشان ماما تفتحلي تحقيق وسين وجيم؟!
ضحك باستخفاف وهو يهز رأيه يمين ويسار بخفة.. ثم اقترب بجزعه منها وهمس باستهزاء..
-فكك م الجو الفاكس ده.. انتي لو عايزه تقلعي الخاتم هتقلعيه ياخطيبتي ياروحي..
نال منها لن تكذب ولكنها ستنكر.. قالت بوجه يكاد ينفجر من الغيظ..
-اااه حرام عليك انت عايز تشلني..!!
وخرِب الأخلاق كان وقح زمانه وربنا تاب عليه.. ليردف بخبث مبطن..
-متخديش الموضوع على صدرك اوي ألا يكبر..
وأية بغباء منقطع النظير متوارث عن أمها وأجدادها استفهمت بأعين متسعه وفاه مفتوح..
-هو ايه ده اللي يكبر..؟
ليكتم ضحكته من غبائها ووقاحته .. وعلى نفس مكرهه برر ببراءة مصطنعه..
-الموضوع.. مالك ف ايه؟
احمر الخدين خجلاً من حديثه المتواري ونظراته الوقحة.. كزت على اسنانها وسبته بخفوت..
– وقح
-سمعتك على فكره..
قالت بقوة زائفة..
-مانا قصدي انك تسمعني ومش خايفه منك
اتسعت ابتسامته وعيناه تومضان ببريق عابث..
-ولما انتي جامده اوي كده ماتقربي مني ياخطيبتي يانور عيني..
برقت عيناها السوداء وقالت بحدة وهي تضرب الأرض بقدمها متذمرة..
– انا لو خنقتك دلوقتي محدش هيلومني ولا يقولي تلت التلاته كام.. انا ماشيه أحسن ماارتكب جنايه..
وبالفعل خرجت وتركته وهي تتوعد وتقسم وتسب وتقذف وشياطين العالم أجمع يتراقصون أمامها.. وعلى مظهرها جلحلت ضحكته الرائقه.. ضحكته والتي افتقدها منذ أن فقدها..
……
كانت اية تجلس بالمقهي القريب من الشركة والذي اعتادت المجئ إليه .. بجوارها أمنيه والتي اتفقت معها على اللقاء هنا وأمامها العديد من المناديل المستهلكة بسبب بكاؤها ممسكه بمنديل أخر تزفر به بقوة ثم تلقيه أمامها باهمال..
وامتعضت أيه من المنظر ولكنها حبست امتعاضها وقالت بمواساه..
– ممكن تهدي وتقوليلي بتعيطي ليه.. هو مهند طول عمره كده عادته يعني ولا هيشتريها..
هتفت من بين دموعها بصوت مبحوح من أثر البكاء..
-كل همه اني اعتذرله.. طب ماهو اللي غلط الأول.. مش عارفه ليه بيعاملني كده..
لأ و كمان بكل برود بيقول اني مبفهمش..
وأية استنكرت واعترضت ومهما حدث لا تسمح لأي أحد بالتجاوز.. فكيف وهو يتهم صديقتها بعدم الفهم..
– يانهار اسود.. قالك كده ازاي..
سحبت منديل آخر.. واجابت بنحيب متواصل..
كنت بقوله ممكن افهم هنفضل كده لأمته.. لقيته رد عليا وقالي لحد ماتفهمي.
انا مبفهمش يايويو!!
والأخرى كتمت سبة كانت على طرف لسانها.. قالت بغيظ وقد اكتفت من غبائها..
-بصراحة آه..
رفعت نظراتها الباكية لها مندهشه ثم اردفت بنبره حزينه. .
-اخس عليكي يأيه حتى انتي..
وأية لم تستطع أن تكبح جماح لسانها هتفت بغيظ من تلك الغبيه..
-انتي بجد غبيه ولا بتستعبطي.. معقولة كل ده ومفهمتيش أن مهند بيحبك..!!
-مين بيحب مين؟!
وزيغ عينيها كان دليل على غبائها.. والصبر ثم الصبر حتى لاتقوم بقتلها.. فهدأت لتفهمها..
– بيحبك انتي ياهبلة
وفجأة انقطع البكاء.. واتسعت العينان والسعادة تراقصت على ملامحها ومن قبلهم قلبها.. قالت بصدمة ممتزجه بفرحة..
يالهوي بجد مهند بيحبني طب والله عنده حق انا فعلا اتحب..ااه قلبي مش مصدقه مهند اللي زي فلقة القمر ده بيحبني..
الحقيني وقوليلي اتصرف معاه ازاي..
واستنكرت أية..
– لا.. هو انا كمان اللي هقولك تعملي ايه معاه… كلك نظر بقى..
-والنبي ساعديني والنبي والنبي..
رفعت اية حاجبها وابتسمت بشيطنة وقد حلت برأسها فكرة..
-طب قربي تعالى..
والأخرى اقتربت حد تلامس انفيهما..
ف ابتعدت ايه تضحك بشده..
-لا متقربيش اوي كده هنتفهم غلط يخربيتك والجو ملبش اليومين دول
مالو برأسهم قليلا على الطاولة.. وهمسو فيما بينهما على ماستقوم به امنيه غداً.. داعيين الله الستر والتوفيق..
…….
“اليوم التالي صباحاً”
كان مهند يعمل على مكتبه والذي يعج بالفوضى.. أمامه العديد من الأوراق والأدوات.. بين كل دقيقة وأخرى ينظر بساعته ، منكب على الأوراق أمامه وباله مشغول بأخرى تأخرت ساعة كاملة.. وهو اشتاق.. اشتاق لعنادها وتقطيبة حاجبيها بدلال وردها لكلمته دون أن تفهم.. حتى غبائها أشتاقه ..! فمنذ أن خُطبت أية واصبح لديها مكتب خاص وهو لايضيع ثانية دون أن يستفزها أو يثير غيظها عسى أن تفهم..
صوت كعب حذائها يضرب الأرض بخفة.. ورائحة عطرها المسكر تسبقها معلنة عن وصولها.. عض على شفته السفلى بابتسامة رائقة دون أن يرفع رأسه..
-صباح الخير..
قالتها برقة بالغة وصوت ناعم كتغريد العصافير وهذا على غير العادة.. ليرفع مهند حاجبه باستغراب ويرمقها من أسفلها لأعلاها.. فكل شئ بها متغير ليس صوتها فقط أو محادثتها له وإنما أيضاً مظهرها بدأً من خصلاتها المنسدله على ظهرها بعد أن كانت دائماً معقوصه لأعلى رأسها.. وتلك البناطيل الضيقه استبدلت اليوم بفستان أزرق زادها انوثة ودلال .. رد تحيتها بتوجس..
-صباح النور..
جلست على مكتبها بمنتهى الرقة التي دخلت بها تهديه ابتسامات ناعمه وهذا على غير عادتهم معاً بالطبع.. كانت حلوة بشكل اغراه على أن يثور على صمته وعجرفته ويمسك بيدها ويعلن حبه لها وللجميع..
وباستغراب احتل ملامح وجهه منذ مجيئها سألها معقودي الحاجبين..
– انتي كويسة..
والسؤال بسيط واجابته أبسط بابتسامتها المنتظرة اي بادرة منه..
– طبعاً كويسة.. أنت كويس؟
مشطها بنظراته مدققاً بحملقة.. ثم رد قلقاً
– كويس..!
رنين هاتفها قطع تواصل النظرات بينهم.. لتأفف بضيق لطيف على قلب الجالس أمامها..
-واحد غبي أوي.. بجد مبيزهقش..
تدخل مستفهماً..
-هو مين ده اللي غبي؟!
أجابت بلا مبالاة تدربت عليها جيدأ بالأمس أمام مرآتها..
– واحد معرفوش.. كل شويه يتصل ومزودها أوفر بجد..
ومعقود الحاجبين زاد بانعقاد حاجبيه أكثر حتى كادا أن يتداخلا معاً وحدة نبرته جعلها تتأكد بأنها أصيبت الهدف بمهارة..
– وجاب نمرتك منين.. وبتردي ليه من الأساس على أرقام متعرفهاش
؟
– مش عارفة رديت عادي اول مره وقولتله ميتصلش تاني وبتاع .. ومن يومها بقى وهو مستلمني..
نهض من مكانه وزعق بها وهو يشير بكفه على هاتفها..
-وريني كدة الرقم ده وانا ارد عليه اوقفه عند حده..
سحبت الهاتف سريعاً ووضعته بحقيبتها ثم قالت بتوتر..
-مفيش داعي خلاص.. هو شويه ويزهق..
ولازال على وقفته وكفه الممدود واحمرار وجهه يعني أن اليوم لن يمر بسلام..
-قولتلك وريني موبايلك وانا هرد عليه..
ونهار أسود وفكرة حمقاء “وشورة مهببه” ومنك لله يا أية .. ف الغاضب الوسيم ابن الناس الصعايدة الطيبين لو امسك بهاتفها سيعلم بأن المتصل كانت أية ووقتها ستنكشف الخطة الجهنمية التي اتفقا عليها أمس سوياً.. مسحت العرق المتصبب على جبينها ورفعت خصلة سقطت على وجهها خلف اذنها وقالت بحسم زائف..
-قولتلك خلاص.. هو شوية ويزهق..
يكاد يتميز من الغيظ.. قال هادراً
-هو شوية ويزهق ولا انتي اللي عاجبك الوضع..
جحظت عيناها والحمره القانيه لونت وجهها.. قالت بلوم
-ايه اللي انت بتقوله ده.. عيب عليك والله..
هتف مُصّراً باحتدام..
– طب هاتي اكلمه وانهيلك اللي مضايقك ده..
وأشهر سلاح للمرأة هو البكاء.. حل سريع وفعال وأمن.. بلحظة كانت دموع مزيفة تجري على وجنتيها الورديتين.. ومهند ضعيف أمام دموع اي أنثى.. فكيف الحال وهي محبوبته وسارقة النوم من عينيه.. اقترب منها بحذر ورفع كفه لكتفها ولكنه أبعدها فلا يجوز لمسها .. ثم قال بنبرة حانية وقد خُطِف قلبه وزادت دقاته من منظرها الباكي..
-خلاص متعيطيش.. انا أسف بجد.. والله أسف انا مش قصدي انا مدب ودقة قديمة والله.. حقك عليا..
رفعت نظراتها إليه والعيون كأنها أصابتهاا رجفة الحب والتي أصيبت القلب قبلاً.. وبانشداه ودقات تضرب خافقها بعنف..
اقتربت منه خطوة وكانت مسافة كافية لتتأمل ملامحه المصريه الهادئه والمحببة للنظر ولأول مرة ترى تلك النظره بعيناه نظرة مهتمه حزينة متأثرة.. نظرة محب..!!
-مهند.!! .
وهمستها باسمه جعلت النار تشتعل بجسده واخر ذرة تعقل طارت منه..
أكملت هي بنفس الهمس الخافت..
– أنا اسفة..
غضن جبينه باستفسار ومازالا على نفس القرب وعناق النظرات..
-بتتأسفي ع ايه.
قالت ببساطة..
-ع اني مكنتش فاهمه..
سألها مستفهماً بملامح قلقة..
مش فاهمه ايه بالظبط..
مش فاهمه انك بتحبني وانك فعلا مهتم بيا..
اتسعت عيناه بذهول سرعان ما اخفاه وهو يطرق برأسه أمامها يحك رأسه بحرج وملامح الغضب والاهتمام ولّت وتبدلت بملامح خجل وتوتر أسر قلبها.. ضحكة رجوليه جميله كانت تزين ثغره.. سألها بصوت مبحوح
-مممممم.. طب وانتي
والمدلله تدللت زيادة على دلالها.. هزت كتفيها بغنج وهمست..
-مممممم معجبة..
استفسر بتلاعب..
– يعني ايه..
قالت وهي تلعب بخصلاتها التي انفلتت من جديلتها الجانبية..
يعني نمشيها معجبة عقبال ماننزل مصر ، وتجيب الحاج والحاجه يزورو الحاج والحاجه بتوعي وبعدها نشرب الشربات..
تبادلوا الضحكات فيما بينهما والأحاديث المشتركه باتت هادئه.. ووضع المشروع جانباً بالتأكيد ليس وقته.. ولأول مرة كانت ضحكاتهم تسمع للخارج دون زعيقهم و حدتهم .. وأدام الله عليهم العقل وهداهم الله.. قولو آميين …..
…….
**”الفصل الخامس والأخير” **
.. ستصل يوماً للنضج الذي يجعلك ترفض علاقة مؤقته.. أو صداقة باردة.. أو جدال أحمق.. أو التعلق بالزائفين..
“دوستويفسكي”
“العشق كعاهه مستديمه ما أن يصيبك لا يتركك الا بطلوع روحك من جسدك.. ”
.. بعد انتهاء يوم العمل الطويل كانت مرهقة تسير بخطوات بطيئه نحو المرآب كي تستقل سيارتها الصغيرة.. تحمل حقيبتها بكفها والكف الأخرى تدلك به عنقها المتعب.. ف السيد المبجل حازم كلفها بعمل فوق عملها استنزف كل طاقتها اليوم.. كل مآ تحلم به حالياً أن تنعم بنوم عميق دون استيقاظ، شعرت بخطوات خلفها تقترب منهاا بخفة ولا تعلم لما انقبض قلبها وانسحب الدم من وجهها خوفاً.. تحدت خوفها وقلقها واستدارت ف اصطدمت بأحدهم.. وقبل أن تصرخ كانت قبضته القاسية تكمم فمها..
-شششـ ده أنا متخافيش..
كان رامي هو من يتتبعها ويده مازالت على فاهها منعاً لصراخها ووجهه قريب من وجهها جداً..
-أنا عايز اتكلم معاكي.. لو شيلت ايدي وانتي صرختي هزعلك..
سحب كفه ببطء عن ثغرها والجنون يتطاير من عينيه..
ارتعدت رعباً من مظهره وحاولت الصراخ الا أنه أقترب منها بأنفاسه الكريهة وأخافها بحدة نبرته..
-صدقيني.. انا مش مضمون بلاش تلعبي معايا..
ودون انتظار كلماته كانت تصرخ وتضربه بكتفه أن يترك كفها والتي أمسكها بقبضته بشدة يسحبها خلفه عنوة إلى سيارته..
-سيبني ياحيوان انت .. أنت اكيد اتجننت..
دون ان ينظر إليها أو يعيرها انتباه مازال يسحبها عنوة وقال بوقاحة..
-ايه مش عايزه تيجي معايا ليه.. اشمعني هو روحتيله ولا عشان معاه فلوس.. جاية بتمثلي عليا انا يابت انك عفيفة..
صرخت ببكاء وبالفعل خافت وقبضه قلبها زادت وانتشرت بصدرها كله..
وما أن وصلا لسيارته حاولت الإفلات منه دون فائده كاد أن يفتح باب سيارته حتى فاجأه حازم وهو يديره إليه ولكمه في معدته.. انحني رامي على إثرها وامسك ببطنه متوجعاً.. وقعت أيه أرضاً ترتجف بقوة تستند بظهرها على السيارة تشاهده بضياع ونحيب متواصل.. ودون أن يعطيه الفرصة أن يستقيم لحقه بلكمه أخرى على وجهه.. ليمسك رامي بأنفه محاولاً إيقاف نزيفه.. ابتعد قليلا بخطوات مترنحه ثم صلب ظهره واعتدل رغم الألم ببطنه وأنفه.. رأي حازم يستند على عصاه ويستعد لضربهُ ثانيةً.. بسرعة البرق ازاح عصاه بساقه.. وما أن وقعت العصا حتى اختل توازن حازم مما أدى ٠إلى سهولة ضربه ولكمه من رامي.. وأية تبكي وتصرخ وعلى صوتها أخيراً جاء أحدهم من أفراد الأمن ..بدقيقة كان رامي بسيارته يقودها بسرعة جنونية هرباً..
اقتربت اية من جسد حازم المتكوم.. وفرد الأمن يسأل ونادي لزملاؤه ويسألون عما حدث.. وهو ليس معهم بل معها.. وضع يده على وجنتها وبقهر ممتزج بخوف سأل..
-انتي كويسه.. ابن ال*** ده حط ايده عليكي أو اذاكي بحاجه..
هزت رأسها نفياً ودموعها تتطاير..
-لا ملحقش يعمل معايا حاجه..
تنهد حمداً لله.. ثم قال بصوت متهدج من الألم..
-اسنديني.. وتعالى نطلع المكتب مش قادر اروح ولا اتلم على اعصابي..
وقفت بأرجل مرتعشه كالهُلام غير قادرة على الثبات .. ف جسدها الضعيف لن يقدر على رفعه ليأتي احد افراد الأمن ويساعده في الوقوف واستند حازم على عصاه ومن الجهه الأخرى كانت هي تستند على صدره تسير ملتصقه به مغمضة العينين …..
.. وأخيراً وصلا لغرفة مكتبه وما أن فتحت الباب حتى سرع بخطواته وقد بان العرج بها جلياً رغم أنه كان في الفترة السابقه يحافظ جيداً على مداراة حالته وكانت مشيته طبيعيه إلى حد ما.. ارتمي بجسده على الاريكة الجلدية العريضة الموجودة بمكتبه.. يغمض عينيه ويضع كفيه على رأسه والغضب يشوب ملامحه..
ظلت واقفة مكانها تناظره بقلق وخوف وما حدث لها بالأسفل ليس بهيناً..
وحمداً لله أنه انقذها باللحظة الأخيرة.. ف المجنون الآخر كان ينوي ضياعها..
فتح عيناه قسراً ثم رمقها بعينين لائمتين وتحدث بقهر رجل عاجز..
-لو مكنتش لحقتك.. انتي عارفه كان هيحصل ايه..
وتابع بألم..
-لو كنتي من الأول وقغتيه عند حده.. مكنش اتجرأ يعمل كده..
كانت تبكي بصمت وكلامه ونظراته العاتبة تضرب صدرها بقسوة.. دافعت وهي المجني عليها..
– والله العظيم عمري ما اديته وش لا هو ولا غيره.. وعشان كده عمل كدة..
اغمض عيناه ثانيةً وتلك المره هروباً من دموعها ، شد على خصلاته بعنف ثم نهض من مكانه وبانفعال كان يحاول باستماته كبحه زعق بها..
– كان ليه كل ده من الأول.. ليييييه.. عملت اييه أنا
اطرقت برأسها وخصلاتها تناثرت على وجهها.. ليمسك برأسها بقوةآلمتها يرفعها إليه ويبعد شعرها جانباً ناظراً بعمق موجع لعينيها..
-عايزه تعرفي اي اللي حصل لرجلي تمام هقولك بس ف المقابل هتقوليلي ايه اللي خلاكي تنسيني وتبعدي لدرجه انك حتى مسألتيش عليا ولا مره. أي اللي خلاكي تدوسي ع كل الحاجات الحلوة اللي عملتها لك والحب اللي بينا..
كتم قهره وحزنه وقال بحزن وملامح تأن من الألم من تذكره لما حدث..
-لما انتي اتصلتي بياا وقولتيلي إنك مسافره وقفلتي تلفونك من غير حتى ماتعرفيني حصل ايه او انا عملت ايه او حتى غلطت معاكي في ايه..
وقتها كنت زي المجنون احنا كنا اتنين الكل بيحلف بينا احنا قبل ماتسافري بيوم كنا كويسين جداً جداً سوا.. قولت لازم الحقك وفعلا خدت العربيه وباعلي سرعة كنت بسوق كأني في سبق وفي لحظة ويمكن أقل من اللحظه كمان كانت عربيه نقل طالعة ف وشي حاولت اعدي وأبعد عنها كان وقتي فات والعربيه انقلبت بيا…
ثم تابع وهو يهزها بقهر كسا نبرته وعيناه كانت حمراء كالدم وقلبه ينزف وجعاً لايحتمله. .
-كنت بين الحياه والموت وكان المفروض انك تبقى جمبي.. بس للأسف مسألتيش حتى.. الجرايد كلها كتبت عن الحادثه وكل الناس كانو جمبي ومعايا الا انتي..
.. ثم ضرب بقبضته على صدره وتابع بقهر..
-واللي قهرني اوي وجارحني منك اني مكنتش عايز اي حد منهم غيرك انتي وبس..
واخرتها وبكل برود بتقولي لي ايه حصل لرجلك.. للدرجادي بعتيني.. انا كنت هوا في حياتك… عاايز اعرف عملتي فينا ليه كده..
تركها لاهثاً وابتعد عنها قليلاً ينظر إليها واالانفعال كان على أوجه..
وهي كانت مصدومه تنظر بذهول ودموع حبيسة مقلتيها إلى عصاه التي يتكأ عليها.. لم تعد قدماها قادرة على الوقوف ترنحت قليلا بوقفتها ثم اقتربت من المكتب واستندت عليه بخصرها.. كانت تكتم شهقاتها تحاول الصمود والثبات أمامه.. رفعت نظراتها الباكية إليه كانت تبكي بحرقة والدموع الساخنة تحرق عينيها ووجنتيها..
همست ب آسف صادق
-انا أسفه..
ثم أطلقت العنان لشهقاتها لتشهق بقوة وبكاء يكاد يذبحه..
-والله العظيم أسفه..
ورفعت كفيها وغطت بهما عينيها وانخرطت في بكاء مرير.. اقترب هو منها.. اقترب حتى صار أمامها دون تلامس امسك بكفيها بلين وابعدهما عن وجهها لتأسر نظراته العاتبة نظراتها الآسفة.. تحدث بهدوء عكس مايجيش بصدره من نيران..
– ايه اللي حصل يا أيه.. حقي اعرف ايه اللي حصل..؟
زمت شفتيها حزناً وحاولت تهدئة حالها.. تمتمت بخفوت باكٍ..
-رحاب قالتلي على كل حاجه.. قالتلي انك قولتلها ع اللي حصل بينا..
انكمشت ملامحه بتساؤل نطقه..
-رحاب مين..؟
دار بعينيه قليلاً ثم تذكرها متشوشاً..
-اه اااه رحاب افتكرتها مالها البنت دي..؟
-رحاب قالتلي انك بتحبها وورتني رسايل بينكو.. وكمان انك قولتلها ع اللي حصل بيناا..
واستفهم غاضباً..
-رسايل ايه واحب مين.. انتي بتستعبطي!
جابهته بنظراتها وتحدثت بحدة..
-والله هو ده اللي حصل ورسايلك ليها شوفتها بعيني وحتى لو رسايلها كدب.. عرفت منين اللي انت عملته معايا ف عربيتك..
قال مدافعاً وقد وضع يده على صدره يقسم..
-والله والله انا معرفش ولا اي حاجه م اللي بتقوليه ده.. اللي اعرفه أو تحديداً اللي عرفته بعد ماسافرتي ووقت فترة علاجي انها مجنونة وكانت بتراقبني وحاجات كتير تانيه مش متذكرها حاليا ومش حابب اني اضيع وقتي واتكلم عنها..
ف الأكيد يعني أن رسايلها دي كانت فييك.. أما بالنسبة للتجاوز اللي حصل بينا. ف ده كان غصب عني وعنك والحمد لله لحقت نفسي وبعدت عنك قبل مايحصل اي حاجه نندم عليها..
انا كدة كده بحبك وعمري ماهحب غيرك
والله خسارة السنين اللي انتي ضيعتيها مننا بسبب حيوانة زي دي..
طأطأت برأسها بأسف ، واقترب هو أكثر وضمها لصدره بذراعه فاخفصت نظراتها وارتعش خافقها من اقترابه والتصاقه بها.. أنفاسه كانت تضرب صفحة وجهها بحرارة.. كان قوب قوسين أو أدنى من تقبيلها.. همس بصوت مبحوح..
-هو أنا موحشتكيش زي منتي وحشتيني..
ونبرته الهامسه كانت كافية بأن يتلون وجهها بالحمرة القانيه ورجفة سارت بطول ظهرها.. ارتبكت وارتجفت وحاولت الابتعاد.. وابتعادها يوازي إحكام ذراعه على خصرها والتصاقها به أكثر..
دفنت رأسها بصدره العريض تتشمم رائحته التي تسكرها وهمست بنبرة ملؤها الحنين..
-وحشتني.. وحشتني جداً..
شد من احتضانها وتحدث أمراً دون نقاش..
– انا هحجز تذاكر رجوع لمصر ليا وليكي ولمامتك.. والاسبوع ده هنكتب الكتاب والفرح هيبقى ف أقرب وقت.. خلااص كده كفايه اللي ضاع من عمرنا..
ثم تابع مازحاً..
-وبصراحة بقى لو ملحقتنيش واتجوزتيني مش هتعرفي تلميني م الشوارع بعد كدة..
ضحكت ضحكة جميله ناعمة وقد استعادت روحها من جديد وايمائة رأسها تعني موافقة والنجوم اللامعة بعينيها تتراقص فرحاً..
……..
.. **بعد عامان**..
((مهند وأمنية)).
كانت أنثى حتى جاء موعد الـ “فصلان”
-متنساش تجيب لبن وبامبرز وانت راجع..
ومهند العصبي بات مُحِب وباتت طباعه هادئة واجابته كانت قبلة على جبينها
-حاضر.. لو نسيتي حاجه كلميني..
وابتسمت بوله وودعته بقبلة وهمية قذفتها له بالهواء ليمسك بها وهو يغمز بشقاوة تعشقها..
… . وفي قانون الحب يحق لك أن تخطف من تحب..
………
((حازم و أية))
بعد رحله دامت عام ونصف مع العلاج الطبيعي اصبح يسير بشكل طبيعي وقد تخلص وللأبد من عكازه ؛ ومنذ قرابة ثلاثة أشهر رُزق بمولوده الأول ياسين.. والذي اعتبره غريمه لأنه سرق منه اهتمام زوجته..
كان يقف على باب غرفة مولوده الأول وشبيهه شكلاً ونوماً يراقبها بملل.. تأفف بنزق ثم تحدث بوجهٍ مقلوب ممتعض..
-مش خلاص نام.. يللا بقى تعالى ولا هتنامي جمبه..
اقتربت منه بنظرات عاشقه ووضعت رأسها على صدره تستند عليه ونظرت لمولودها النائم وتنهدت..
– بجد وهو نايم بيبقى كيوت اووي.. ببقى عايزه أكله..
تلاعب بحاجبيه بشقاوة وغمز بوقاحة باتت تعشقها..
-الواد ده علفكرة شبههي.. يعني ممكن تاكليني انا عادي..
إجابته “بسهوكة” تطيح بما تبقى من تعقله أرضاً..
– تؤ تؤ.. هو مش شبهك هو أحلى..
توهجت عيناه ببريق الرغبة وقد سأم الانتظار مال عليها بجسده يلتقط شفتيها بقبلة عميقة تبادلا الأنفاس بها، حتى فصلتها هي بخجلٍ لم يغادرها
عضت على شفتيها وهي ترمقه بتحذير لطيف..
-مينفعش هنا.. عيييب
ً-انا بردو بقول كده..
وبثانيه انحني ووضع ذراعه تحت ركبتيها والأخرى على ظهرها حملها بخفة فهد ينوي الانقضاض على فريسته وتوجه مسرعاً نحو غرفة نومهما.. وبصوته المشاغب هتف..
-الليله ليلتك يابطه..
فتح باب الغرفه بقدمه ثم انزلها وأمسك بمفتاح الباب ووضعه بالمزلاج وأغلق الباب ووضع المفتاح بجيب بنطاله البيتي..
ضحكت من تصرفه وقالت..
-افتح الباب يامجنون افرض ياسين صحي!!
-طلاق تلاتة منتي طالعة من الاوضه دي انهارده.. لو عيط أمك تتصرف معاه اومال هي لزمتها هنا ايه..
صوت ضحكاتها الغنجة تغويه وتشعله أكثر.. اقترب منها مكشراًعن أنيابه ، مشمراً عن ساعديه..
-بسم الله حلال الله أكبر..
…..
الحب حلاوته تكمن في تفاصيله ، تلك التي تأسر قلبك قبل عينك ، لا حب دون الاهتمام بكل تلك التفاصيل الصغيره.. بالظبط ك روايه ركضت لختامها دون أن تقرأ محتواها.. لتفاجأ فيما بعد بأن متعتها كانت في منتصف صفحاتها..
**تمت**
بقلم ريهام محمود.
