خيانه زوجي

**جوزي بعتلي “فويس” لحبيبته بالغلط.. سمعته كله، وحفظته، وبعته لأمه، ومديره في الشغل، وصاحبه الانتيم.**

* “يا حب، يوم السبت هقول لـ ‘منى’ إن عندي شغل في بورسعيد وهجيلك الفندق الساعة 6. المرة دي كل حاجة هتظبط.”

دي كانت أول جملة في “الفويس” اللي جوزي بعتهولي بالغلط.

كنت واقفة في المطبخ، بقلب شوربة لسان عصفور للعيال، والهدوم بتاعت المدرسة محطوطة على الكرسي والبوتاجاز شغال. الموبايل هز على الرخامة. شفت اسم “هشام” وفتحت الرسالة من غير تفكير، متعودة هو بيبعتلي فويس نوت طول ما هو في الشغل.

بس ده ما كانش ليا.

وقفت والكبشة في إيدي وصوتها بيملأ المطبخ:

* “متقلقيش منها، ‘منى’ بتصدق أي حاجة أقولها لو اتكلمت بهدوء. لقيت حجة العيال: هقولها إن أمي عايزة تشوفهم يوم الأحد، فكده يبقى معانا وقت أطول. وعربية الشركة مش مهم، محدش بياخد باله من عداد الكيلومترات لو سجلتها إنها زيارة شغل.”

الشوربة بدأت تغلي.

أنا ما اتحركتش.

الفويس كان مدته 5 دقايق و13 ثانية. عرفت التوقيت لأني سمعته مرة، واتنين، وتلاتة، كأن عقلي كان محتاج يتأكد إني مش بتخيل تدمير بيتي.

أنا “منى”، عندي 40 سنة، ومتجوزة “هشام” بقالنا 12 سنة. عندنا طفلين: “مازن” 11 سنة، و”جنا” 7 سنين. حياة عادية، من النوع اللي ما بيشوفش النور في الروايات: أقساط، واجبات، اجتماعات مدرسة، أدوار برد، أعياد ميلاد، خناقات على الفلوس، وأيام حد بنقضيها بالبيجامة.

كنت فاكرة إن ده مجرد روتين متعب، ما جاش في بالي لحظة إن هشام بيعمل “حجة غياب”.

في الفويس، كان بيكلم “كارلا”. ما قالش اسمها الأخير، بس ما كانش محتاج. كنت عارفة هي مين. “كارلا” هي منسقة الحفلات في شركة الأجهزة الطبية اللي هشام شغال فيها مدير مبيعات. ست “رسائل آخر الليل” عشان “تقفيل الصفقات”. الست اللي حضنتني مرة في حفلة الشركة وقالتلي:

* “يا منى، هشام دايما بيتكلم عن عيلته بكل حب.”

يا لها من موهبة في الكدب.. وببرفان غالي كمان!

في الـ 5 دقايق و13 ثانية دول، جوزي اتكلم عني كأني “إجراء إداري”. قال إني “مبقتش بطلب كتير”، وقال إن العيال “دوشتهم صعبة”، وقال إنه مستني المكافأة السنوية عشان “يعمل الصح” ويسيب البيت من غير وجع دماغ. وقال إن “كارلا” فاهماه أكتر لأنها “بتقدره”.

“بتقدره”.. كلمة جميلة لست بتستقبل جوز واحدة تانية في فنادق التجمع!

لما الفويس خلص، المطبخ سكت، إلا صوت الشوربة وهي بتغلي. طفيت النار. قعدت على كرسي. بصيت للموبايل كأنه تعبان لسه عاضضني.

معيطتش.

الدموع جت بعدين.

حفظت الفويس أول حاجة.

حملته على الإيميل ورفعته على السحابة (Cloud). بعتته لأختي “نيرمين” ومعاه رسالة قصيرة:

“لو حصلي أي حاجة غريبة بكرة، فكري نفسك إن ده موجود.”

اتصلت بيا فوراً.. ماردتش.

ماكنتش قادرة أسمع صوت حد. كنت محتاجة أتصرف قبل ما هشام ياخد باله من غلطته ويبدأ يكتب نسخته من القصة.

لأن رجالة زي “هشام” مش بس بيخونوا، دول بيعملوا “تعديل، حذف، إعادة صياغة”. يفضلوا يقولولك إنك بتبالغي، وإنك أسأتي الفهم، وإنها كانت هزار، وإنك حساسة زيادة، وإن الموضوع مش زي ما بان، وإنك لو كنتي اتكلمتي معاه لوحدك كان كل شيء اتغير.

أنا ماكنتش هديله فرصة يغير الحقيقة دي.

فتحت واتساب.

عملت جروب جديد وسميته بتاريخ اليوم: “14 مايو”.

ضفت فيه “حماتي” (طنط إلهام)، وأخوه “إيهاب”، و”خالد” صاحبه من أيام الجامعة، وأختي “نيرمين”، واتنين صحابنا المشتركين كانوا أشبين في فرحنا، وأستاذ “مراد” مديره المباشر، اللي كان عندي رقمه عشان نظمنا مرة عشاء نهاية السنة.

تمانية أشخاص.

صوابعي كانت بترتعش، بس ما تردددتش.

بعت الفويس.

وكتبت تحت منه:

“هشام بعتلي ده بالخطأ. وزي ما هو واضح في الأوديو، هو بيتكلم عني وعن ولادي، وبيستخدم موارد الشركة. أنا شايفة إن من حق الكل يعرف نفس المعلومات في نفس الوقت.”

وبعدين عملت “إسكات” (Mute) للجروب.

غسلت الحلة. جهزت لبس العيال. ورحت المدرسة خدت “مازن” و”جنا” زي أي يوم تلات عادي.

في الطريق، الموبايل في الشنطة كان بيتهز كأنه فيه خلية نحل.

ما فتحتوش.

اشتريت للعيال آيس كريم. “جنا” حكتلي إن زميلها قص لها شعرها بالمقص، و”مازن” اشتكى من الرياضة. هزيت راسي، سقت، وابتسمت لما كان لازم أبتسم.

الساعة 6:48 مساءً، هشام فتح باب البيت وهو باين عليه إنه راجل جاله تليفونات من كل حتة في حياته.

العيال كانوا بيحلوا الواجب في الأوضة.

بصلي.

* “منى..”

رفعت إيدي.

* “العيال هيتعشوا كمان 20 دقيقة، وبعدين الحمام. وبكرة الكل هيكون متكلم مع المحامي بتاعه.”

فتح بقه عشان يتكلم:

* “أنا ممكن أشرح..”

* “لا يا هشام. أنا بعت شرح مدته 5 دقايق و13 ثانية، كفاية أوي.”

وشه جاب ألوان..

* “ماكنش من حقك تبعتيه!”

هنا ابتسمت:

* “وماكنش من حقك تسجله.”وقف هشام مكانه كأنه متمثّل، وشه كان شاحب والدم هرب من عروقه، وعينيه بتتنقل في الصالة كأنه بيدور على مخرج لطوارئ مش موجودة. التليفون في جيبه ما بطلش زن، كان بيتهز ورا بعضه زي ضربات قلب سريعة مرعوبة.

​هو مش بس خسر بيته، هو خسر كل الحبال اللي كان بيتحامى فيها في لحظة واحدة.

​حاول يقرب خطوة، صوته كان واطي ومبحوح، محاولة بائسة منه عشان يسترد قناع “الراجل العاقل”:

​”منى.. أرجوكي، إحنا بقالنا 12 سنة مع بعض. بلاش نهد كل حاجة في لحظة غضب. الفويس ده كان.. كان مجرد كلام، نزوة، ضغط شغل، أنا عمري ما فكرت أسيبكم بجد. والجروب اللي عملتيه ده.. إنتي دمرتي شكلي قدام مديري وأمي!”

​بصيت له بمنتهى الهدوء، الهدوء اللي بيجي بعد الإعصار، الهدوء اللي بيخوف أكتر من الزعيق:

​”إنت اللي هديت يا هشام، إنت هديت من زمان بس كنت فاكر إنك بتبني في السر. وأنا مدمّرتش شكلك.. أنا بس ركبتلك مراية، واللي إنت شايفه دلوقتي هو حقيقتك.”

​دخلت أوضة الأطفال، قفلت ورايا الباب بهدوء، وقعدت وسط “مازن” و”جنا”. ساعدتهم يكملوا الواجب، أكلوا العشا، ودخلوا يناموا. طول الساعتين دول، كنت سامعة حركة هشام برة في الصالة، صوته وهو بيكلم حد في التليفون وبيعلي ويوطى، محاولات استعطاف، ومحاولات تبرير.. مكنش يهمني بيوجّه كدبه لمين دلوقتي، لأن السهم خلاص خرج.

​الساعة بقت 11 بالليل. العيال ناموا.

طلعت الصالة، لقيت هشام قاعد على الكنبة، حاطط راسه بين إيديه، وتليفونه منور على الطربيزة. لما حس بيا، رفع راسه، وبان على وشه غضب مكتوم بعد ما محاولات الاستعطاف فشلت:

​”أمي مابتشيلش التليفون من على ودنها وبتعيط، وأخويا قالي إني صغرت عيلتنا، ومديري.. مراد بعتلي رسالة رسمية على الإيميل بيطلب مني الحضور بكرة الساعة 9 الصبح في مكتب الموارد البشرية للتحقيق في استخدام عربية الشركة ومصاريف ‘الترفيه’.. إنتي ارتحتي كده؟ ارتحتي لما خربتي بيتي وشغلي؟”

​قعدت على الكرسي اللي قباله، وحطيت رجل على رجل:

​”بيتك إنت اللي خربته لما قست المسافة بيني وبينك بعداد كيلومترات عربية الشركة. وشغلك إنت اللي ضيعته لما خلطت بين الصفقات وقعدات الفنادق. أنا ماليش ذنب إنك غبي لدرجة إنك مش عارف بتبعت لمين.”

​قمت وقفت، وبصيت له بكل حسم:

​”شنطتك هدومك جاهزة في الأوضة التانية. هتاخدها وتخرج دلوقتي. مش عايزة نقاش، ومش عايزة حكايات. يوم السبت اللي كنت رايح فيه بورسعيد؟ اعتبره بدأ من النهاردة. روح لكارلا.. خلّيها تقدرك.”

​حاول يثور، حاول يزعق ويقول إن البيت بيته ومش هيخرج، بس لما فتحت تليفوني ووريت له شاشة الجروب، والرسائل اللي بدأت تيجي من أهله وصاحبه الأنتيم اللي كاتب له: “مش هقدر أدافع عنك يا هشام، إنت صغرتنا كلنا”.. أدرك إن موقفه بقى صفر.

​شال شنطته، وبصلي بمرارة وقبل ما يقفل الباب وراه قال:

​”إنتي مبقتيش منى اللي عرفتها.. إنتي بقيتي قاسية.”

​قفلت الباب وراه بالمفتاح والترباس.

لأول مرة من 5 ساعات، اتنفست.

​دخلت المطبخ، وبصيت لحلة لسان العصفور اللي بردت. فتحت الجروب اللي سميته “14 مايو”.. مسحت كل الأرقام منه، وسبت نفسي أخيراً أعيط. عيطت على الـ 12 سنة، على الروتين اللي كنت بحبه، على الأمان اللي طلع وهم.

​بس وأنا بمسح دموعي وببص للهدوم المغسولة والبيت الهادي، عرفت إن الوجع ده هو وجع الولادة الجديدة. منى اللي عندها 40 سنة مش هتبكي على لبن مسكوب، ومن بكرة الصبح.. في حياة جديدة هتترتب، على نظافة، ومن غير “حجج غياب”.
مر أسبوع على الليلة دي. سبع أيام كاملين، البيت فيهم كان غريب.. هادي زيادة عن اللزوم، بس هدوء خالي من التوتر اللي كنت عايشة فيه من غير ما أحس.

هشام ما جاش البيت من ساعتها، كان بيبعت رسايل استعطاف وندم من أرقام تانية بعد ما عملتله “بلوك” من كل حتة، رسايل من نوعية “أنا بتموت من غيركم” و”فكرتيني قاسي بس طلعتي أقسى”. لكن الحقيقة، مرارته ما كانتش عشان خسارتي، مرارته كانت عشان “الغطا” اتكشف.

يوم الأحد الصبح، رنيت على محامي شاطر من طرف أختي نيرمين، وحددت معاه معاد. وقبل ما أنزل، جالي تليفون من “طنط إلهام”.. حماتي.

كنت فاكرة إنها هتكلمني تدافع عن ابنها، أو تلومني إني فضحت الموضوع على الجروب. أخدت نفس طويل ورديت:

* “أيوة يا طنط.”

صوتها كان باين فيه الكبر والتعب، اتنهدت وقالت:

* “يا منى يا بنتي.. أنا مكسوفة منك. هشام غلط، وغلطه كبير في حق ربنا وفي حقك وحق ولاده. أنا ربيته بس معرفتش أطلع راجل يصون النعمة. أنا مش زعلانة منك إنك بعتي على الجروب، أنا زعلانة عليه وعلى خيبته. ولادك هما ولادي، وأي حق ليكي وليهم أنا ضهرك فيه.”

الكلمتين دول نزلوا على قلبي زي المايه الساقعة. حسيت إن خطوتي ما كانتش متهورة، بالعكس، دي حطت كل واحد قدام مسؤوليته الأخلاقية.

أما في الشركة، فـ “التحقيق الإداري” جاب من الآخر. أستاذ مراد (مديره) كلمني في التليفون بشكل شخصي بعد يومين عشان يطمن عليا وعلى العيال، وقال لي بوضوح: *”يا مدام منى، إحنا في الشركة بنحترم الأمانة، واللي يخون بيته وأولاده ويستغل عربية وميزانية الشغل لملذاته الشخصية، ملوش مكان وسطنا”*. هشام اتفصل “فصل تأديبي” بدون مستحقات كبيرة، وكارلا كمان اتنقلت لفرع تاني في المحافظات بعد ما سمعتها بقت على كل لسان في الشركة.

النهاردة، وأنا قاعدة في مكتب المحامي، وبمضي على ورق دعوى الطلاق والنفقة والمؤخر، بصيت من الشباك على الشارع وزحمة العربيات.

المحامي بصلي وقال:

* “مدام منى، إنتي متأكدة من كل الخطوات دي؟ مش عايزة تدي فرصة للوساطة؟”

ابتسمت ووقعت الاسمي بثبات:

* “الفرص بتتكتب لما يكون في غلطة يا متر، مش لما يكون في ‘خطة غياب’ متقفل فيها كل التفاصيل بعداد الكيلومترات.”

خرجت من مكتب المحامي، الهوا كان نضيف، والشمس مشمسة ودافية. رحت السوبرماركت، اشتريت حاجات الحلو اللي بيحبوها مازن وجنا.

عمري 40 سنة، والنهاردة ببدأ من الصفر. مش خايفة من الأقساط، ولا خايفة من التربية لوحدي. الخوف الحقيقي كان إني أعيش مغمية عيني مع راجل شايفني “إجراء إداري”.

رجعت البيت، فتحت الشبابيك ودخلت المطبخ أعمل غدا جديد، ولسان العصفور المرة دي.. استوى على نار هادية، ونضيفة جداً.

بعد سنة كاملة من الليلة ديك..

بصيت لنفسي في المراية وأنا بظبط فستاني قبل ما أنزل. النهاردة عيد ميلادي الـ 41. ملامحي متقيرتش كتير، بس النظرة اللي في عيني هي اللي اتغيّرت؛ مابقاش فيها الحيرة ولا الترقب، بقى فيها سلام وتصالح مع كل اللي فات.

السنة دي ما كانتش سهلة، كانت سنة إعادة بناء. كسبت ق*ضية الطلاق، وأخدت كل حقوقي وحقوق ولادي بقوة القانون، وبدعم من حماتي اللي فضلت على موقفها معايا لحد آخر لحظة. نزلت الشغل تاني، رجعت لمجالي القديم في الديكور وتنسيق المساحات، والقرش اللي بقيت بجمعه من تعبي بقى طعمه أ different وأكتر بركة.

مازن كبر وبقى يعتمد على نفسه ويساعدني، وجنا شعرها طول وبقت هي اللي بتسرحه لنفسها كل يوم الصبح قبل المدرسة. بيتنا مابقاش فيه خناقات على الفلوس بـ “خباثة”، ولا نظرات مكسورة. بقى فيه وضوح.. وصراحة.. وحب حقيقي.

أما هشام؟ عرفت إنه اشتغل في شركة أصغر بكتير، بمرتب أقل، ومن غير عربية ولا مميزات. وكارلا؟ سابته بعد أول شهرين لما أدركت إن “المدير الناجح” مابقاش وراه غير القضايا وأقساط النفقة. أوقات بيجي ياخد العيال في الويك إند، بيبصلي من بعيد بنظرة ندم، محاولش يتكلم تاني.. لأنه عارف إن “منى” اللي كان بيقفل عليها حكاياته القديمة، مابقتش موجودة.

رن جرس الباب، ولقيت العيال داخلين وفي إيديهم تورتة صغيرة شاريينها بمصروفهم، ومكتوب عليها بالكريمة: “بنتي الغالية.. سوبر ماما”.

ضحكت من قلبي وأنا بحضنهم.

زمان، كنت فاكرة إن نهاية الحكاية بتكون لما البيت بيتهد. بس النهاردة عرفت إن ساعات الهدد بيكون هو البداية الصح. أنا منى.. عندي 41 سنة، وبقيت بطلة قصتي، مش مجرد هامش في كتاب حد تاني.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *