والبادي اظلم
أنا ليلى.. والاسم ده في حد ذاته حكاية طويلة ومؤلمة، لأن حياتي فعلاً، ومن غير أي مقدمات، قلبت ليل أسود كحل، ضلمة مالهاش آخر وفي لحظة ما كنتش أتوقعها ولا كانت تخطر لي على بال. أنا هنا مش جاية أحكي مجرد قصة عادية من قصة “ضرة” وجوز خاين وكسرة نفس ست، لأ، الموضوع أكبر من كده بكتير.. أنا بحكي عن “تار” باخده بدم بارد، تار هادي ومخطط له ومفيش فيه تراجع، والبادئ كان أظلم، واللي حفر حفرة لازم يقع فيها.
الحكاية بدأت في يوم خميس، فاكراه كويس جداً كأنه امبارح. الجو من الصبح كان مخنوق ويكتم النفس، والتراب الأصفر مالي شوارع القاهرة ومغطي العربيات والشبابيك، الهوا نفسه كان تقيل ويجيب الاكتئاب. كنت قاعدة في صالة بيتي، مفيش ورايا حاجة غير أفكاري، ومستنية ريهام،
أخت جوزي عصام. ريهام دي بقا.. كانت هي “الشوكة” اللي دايماً مغروسة في ظهري، لسانها زي المبرد ما بيسبش حد في حاله، وعينيها دايماً راشقة في اللي في إيدي، باصة لي في الرايحة والجاية وفي عيشتي وفي شقتي. بس أنا، طوال السنين اللي فاتت، كنت ببلع لها الزلط، وأسكت على الكلمة وتلقيح الكلام عشان خاطر عصام وحبي ليه، وعشان خاطر حماتي كمان، اللي كانت من أول يوم معتبراني “الخدامة البريمو” اللي في البيت، اللي بتعمل كل حاجة، تشيل وتحط وتنضف وتطبخ، ومالهاش صوت ولا حق تعترض.
وفجأة، وسط السكوت ده، الباب خبط. مش أي خبط، دي كانت خبطات رزلة، ورا بعضها وبعنف، خبطات مفيش فيها أي ذوق. من غير ما أسأل “مين”،
عرفت علطول إنها هي، مفيش غيرها بيخبط بالطريقة المستفزة دي. قمت وفتحت الباب، ولقيتها في وشي.. لابسة على السنجة وعشرة، ومشخصة بآخر شياكة، وريحة برفانها النفاذ سبقاها ومغطية على الصالة كلها، ومعاها ولادها التلاتة. من غير حتى ما تقول سلام عليكم، راحت رامية لي العيال في وشي وزقاهم لجوه وهي بتقول بنبرة كلها أمر:
— “خدي يا ليلى، ولادي أمانة في رقبتك النهاردة، بّيتيهم عندك عشان أنا وماما معزومين في فرح قرايب جوزي في المنصورة، وإنتي عارفة السفر والدوشة هناك هتبقى عاملة إزاي، والولاد في وسط الزحمة دي هيبهدلونا ويلبخوا الدنيا، فقلت مفيش غير ليلى حبيبتي تشيلهم.”
أنا اتنهدت بضيق وبصيت للعيال وبصيت لها، وحاولت على قد ما أقدر أكتم خنقتي وضّيقي اللي كان واصل لآخره، وقلت لها بصوت هادي ومتردد:
— “بس يا ريهام.. أنا كنت ناوية أرتاح النهاردة خالص، الجو برا تراب وأنا تعبانة ومجهدة من تنضيف البيت طول الأسبوع، وبعدين إنتي عارفة إن عصام بقاله يومين في مأمورية شغل تبع الشركة في أسوان، ولسه راجع بكرة تعبان من السفر، يعني كنت عايزة أهدي البيت شوية.” (بقلم نرمين عادل همام)
ريهام ما اهتمتش بكلامي ولا تفرق معاها راحتي أصلاً. ردت عليا ببرود تام ملوش مثيل، وهي بتتحرك بخطوات واثقة ومستفزة وبتعدل طرحتها وتبص لنفسها قدام مراية الصالة الكبيرة، وقالت لي وهي بتضحك ضحكة صفرا:
— “ما هو عشان عصام مش هنا يا حبيبتي ومسافر، أنا قولت أجي وأسليكِ بالعيال وبدوشتهم.. إنتي عارفة إن البيت من غير عيال “يقبض القلب” وبيبقى كأنه مدافن، وأهو تملي وقتك باللعب معاهم والطلبات بتاعتهم بدل القعدة لوحدك دي اللي تجيب الهم.”
الكلمة دي.. “البيت من غير عيال يقبض القلب”.. نزلت على قلبي زي مية النار، حيرتني وحرقت أحشائي من جوه. ريهام بتلقح كلام وهي عارفة هي بتوجعني في إيه بالظبط. بقالنا 7 سنين كاملين متجوزين،
ومفيش “نونو” واحد مالي علينا البيت ولا سامعين صوت طفل. السبع سنين دول لفّينا فيهم على دكاترة مصر كلهم، والدكاترة كلهم قالوا وأكدوا إن المشكلة الطبية كاملة عند عصام هو، مش عندي أنا.
بس أنا، بأصلي وعمى قلبي وحبي ليه، سترت عليه وشيلت الليلة كلها لوحدي. قولت قدام حماتي وقدام ريهام وقدام الكل إن العيب مني أنا، وإن أنا اللي مش بخلّف، عشان ما كسرش نفسه كرجل قدام أهله، وعشان أحافظ على كرامته ورجولته في عيونهم. وتمن “الستر” ده والتضحية دي، كان تجريح حماتي وريهام فيا ليل نهار، ورمي كلام، ونظرات شفقة مزيفة تقطع في الفروة. (بقلم نرمين عادل همام)
كتمت دموعي بالعافية، ومسكت نفسي بالعافية، ودخلت المطبخ عشان أحضر عشا سريع للولاد وأخلص من زنهم. وقفت قدام البوتاجاز والدموع محبوسة في عيني، وفجأة..
وسط السكون ده، سمعت صوت زغاريط عالية أوي، وصوت مزيكا صاخب وكلام كتير ملوش ملامح جاي من الصالة، الصوت كان طالع من “التابلت” بتاع ابن ريهام الكبير. خرجت بسرعة وبصيت عليه، لقيت الولد فاتح “فيديو كول” مع ابن خالته اللي كان موجود هناك في قلب الفرح في المنصورة، والولد كان فرحان وبيتكلم بصوت عالي وبيقول لقريبه:
— “وريني يا مازن الكوشة بسرعة.. وريني ريهام وهي بترقص هناك والناس حواليها!”
قربت من الشاشة بخطوات تقيلة، خطوات مرعوبة من اللي ممكن تشوفه، والفضول كان بياكلني، والشيطان في اللحظة دي كان واقف ورايا بيوزني في ودني ويقولي بصي.. وبصيت،
ويا ريتني ما بصيت، يا ريتني عميت ولا شوفت الكابوس ده. الكاميرا لفت في إيد الولد الصغير وراحت جايبة الكوشة اللي في صدر قاعة فخمة أوي ومتزينة بالورد والأنوار. العروسة كانت قاعدة زي القمر، ملامحها بريئة وعيلة صغيرة يا دوبك في أول عشرين سنة، منقاة على الفرازة، والعريس بقا..
العريس اللي قاعد جمبها وبيوشوشها كان عصام! أيوه، عصام جوزي وسندي وحبيبي! عصام اللي المفروض إنه في حر ونار أسوان بيشقى ويتعب في مأمورية شغل عشان خاطر بيتنا، كان قاعد هناك في الكوشة لابس بدلة شيك جداً، والضحكة من الودن للودن، ضحكة صافية وفرحانة ما شوفتهاش منه ولا من زمان بقالي سنين وسنين.
في ثانية واحدة، الدنيا كلها لفت بيا، الصالة اتهزت من تحت رجلي، وحسيت إن في سكاكين تلمة وبمية نار بتقطع في جسمي وحشايا. الصدمة شلت حركتي، والدم هرب من عروقي. كنت في الأول عايزة أصرخ بأعلى صوت عندي، ألم الجيران والشارع كله عليا، كنت عايزة أكسر الشقة دي حتة حتة فوق دماغ عيال أخته، وأروح هناك أطربق الفرح على دماغهم..
بس فجأة، وفي لحظة غريبة، سكت تماماً. السكوت ده مكنش ضعف، السكوت ده كان المرار كله، لأن الست لما بتتجرح جرح العمر وتسكت فجأة، بتبقى أخطر من القنبلة الموقوتة اللي مستنية تفرقع في الكل. رفعت إيدي وبصوابع بترتعش مسحت دمعة يتيمة كانت هتنزل من عيني، وقولت لنفسي بنبرة كلها غل وتحدي:
“لو واجهته دلوقتي، هيقولي ده شرع الله وإنتي مابتخلفيش، وهيقلب التربيزة عليا ويرميني الرمية السودة في الشارع.. لأ، أنا مش هبقى الضحية، أنا هحرق قلبه وقلب كل اللي وزوه وشاركوا في الملعوبة دي، بس على نار هادية أوي لحد ما يستووا.”
تاني يوم، العصر كده، ريهام وحماتي رجعوا من السفر والضحكة مالية وشوشهم والشماتة والنصر باينين في عينيهم، قعدوا يحكوا بالتفصيل الممل عن الفرح وعن الجمال وعن “صاحب عصام الانتيم” اللي اتجوز وعصام كان واقف معاه، وهما طبعاً فاكرين إني عبيطة وهبلة ومش فاهمة حاجة وهتاكل معايا الحكايات دي.
أنا مسكت نفسي وبلعت السم، ومثلت قدامهم ببراعة إني تعبانة جداً ومجهدة، ومحتاجة أروح أقعد عند أمي يومين تلاتة أغير جو وأرتاح. لما عصام كلمني، وقولتله، وافق بسرعة الصاروخ، طبعاً وافق ومصدقش عشان يفضاله الجو تماماً مع العروسة الجديدة ويهيص بمزاحه من غير ما يشيل همي. (بقلم نرمين عادل همام)
لميت هدومي وروحت بيت أهلي، وأول ما وصلت واطمأنيت، اتصلت بـ نورا.. نورا دي تبقى بنت خالتي، وسبحان من خلقها، جمالها يهد جبال، بيضا وعيونها تكحل بلد، بس حظها في الدنيا كان مايل ومقندل. اتطلقت من فترة من راجل غني جداً ومفترى، ورجعت تعيش في بيت إخواتها الصبيان اللي مبهدلينها ومطلعين عينيها ومخليينها مجرد “دادة” ببلاش لعيالهم وزوجاتهم. قعدت معاها في أوضتها على انفراد، وبصيت في عينيها وقولت لها بجدية:
— “نورا.. عايزة تعيشي ملكة متوجة؟ عايزة تنتقمي من صنف الرجالة كله اللي كسر بخاطرك وبهدلك؟”
نورا بصت لي باستغراب ودهشة وقالت:
— “إزاي بس يا ليلى؟ أنتي شايفة حالي.. أنا ست مطلقة ولا حيلة لي ولا قوة في الدنيا دي.”
رديت عليها بكل ثقة وقوة:
— “هجوزك “راجل” هينقلك نقلة تانية خالص، من الفقر والبهدلة دي لقصور وعز، بس هو عيبه الوحيد إنه متجوز وعينه زايغة وبيموت في النسوان.. بس أنتي بجمالك وشطارتك ودلعك هتنسيه حتى اسم مراته واللي خلفوها.”
سألتني بلهفة وفضول واللمعة رجعت لعينها:
— “مين ده يا ليلى؟ قوليلي عليه بسرعة!”
طلعت الموبايل وبكل هدوء فتحت الاستوديو ووريتها صورة طارق.. طارق ده يبقى جوز ريهام، أخت عصام جوزي. (بقلم نرمين عادل همام)
طارق ده بقا، كان راجل “هفأ” وشخصيته ضعيفة جداً قدام ريهام، كانت ممشياه على العجين مايلخبطوش وكاتمة على نفسه، وهو من جواه كان هيموت ويتجوز عليها عشان يخلص من قرفها بس كان مرعوب وخايف من لسانها الطويل ومن عصام وأهله. اتفقت مع نورا على الخطة بالملي، وفهمتها هتعمل إيه بالظبط، ورجعت بعد يومين على بيتي وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
أول ما رجعت، شمرت إيدي وعملت “عزومة ملوكي” فاخرة، فيها كل ما طاب ولذ من الأكل، وعزمت ريهام وطارق وحماتي، وطبعاً، رتبت إن نورا تكون موجودة وتدخل عليهم بصفتها “ضيفة الشرف” في الليلة دي.
نورا دخلت الصالة بخطوات ناعمة زي النسمة، كانت لابسة فستان شيفون هادي أوي ورقيق، ومفصل على جسمها بذكاء من غير ابتذال، ملامحها كانت بتنطق رقة وجمال، ورسمت على وشها حتة خجل يجنن العقل ويسحر أي حد يشوفها. طارق أول ما عينه جت عليها، حرفياً اتصدم، المعلقة وقعت من إيده على الطبق وعملت رنة، وعينه ما نزلتش من عليها ثانية واحدة، كأنه شاف حورية نازلة من السماء،
وفضل متنح ومبحلق في تفاصيلها. ريهام أخته، اللي قاعدة جمبه، كانت قاعدة بتغلي ونار الغيرة والغل بتاكل في أحشائها، عينيها كانت بتطلع شرار وهي بتبص لنورا من فوق لتحت، بس في نفس الوقت مش عارفة تمسك عليها غلطة واحدة، ولا قادرة تفتح بقها بكلمة، لأن نورا كانت بتتعامل بذكاء شديد، كانت “بنت ناس” جداً في أسلوبها، ومؤدبة، وكلامها طالع بالقطارة وبمنتهى الرزانة والهدوء.
وفضلنا قاعدين، والأجواء مشحونة بالتوتر المكتوم، ولما خلصنا أكل وقومنا، وإحنا بنشرب الشاي في الصالة، قولت بصوت واضح ومسموع وموجه لطارق بالذات عشان أرمي الصنارة:
— “يا بخته والله، وألف هنا ومبروك للي هيكون من نصيبه وياخد نورا.. دي ست بيت شاطرة ومفيش منها اتنين، وهادية، وأمنيتها في الدنيا دي ونفسها بس في “ضفر عيل” تراعيه وتكبره وتعيش مع جوزها في هدوء واستقرار بعيد عن المشاكل.” (بقلم نرمين عادل همام)
طارق أول ما سمع الكلمتين دول، ريقه نشف وبلعه بصعوبة، وصدره بدأ يعلى وينزل ونفسه يضيق من كتر التوتر والإعجاب اللي هيموته، وبقى مش على بعضه في القعدة.
وقبل ما السهرة تخلص وهمّا بيستعدوا عشان يمشوا، اتدخلت أنا بكل خبث وبمنتهى البراءة المصطنعة، وبصيت لطارق وقولتله:
— “معلش يا طارق، طالما إنتوا نازلين بالعربية، ممكن تواصل نورا معاك في طريقك؟ لأن الوقت اتأخر أوي برا، ومواقف الميكروباصات في الساعادي بتبقى زحمة ومتبهدلة، وأنا بخاف عليها.” طارق طبعاً وافق ووشه نور، وريهام كانت هتموت من الغيظ بس مقدرتش تعترض قدام الناس.
تاني يوم الصبح بدري، الموبايل رن، لقيتها نورا. فتحت الخط ولقيت صوتها فيه ضحكة نصر وفرحة مش سايعاها، وقالت لي بلهفة:
— “الحقي يا ليلى.. طارق ما صدق وكلمني، وأخد رقمي وقال لي إنه معجب جداً بنباهتي وعنده ليا “شغل” بمرتب محترم في المكتب بتاعه عشان نفضل على تواصل!” ضحكت في اللحظة دي من كل قلبي، ضحكة غل طالعة من وسط الوجع، وقولت لها بنبرة كلها ثقة ويقين:
— “استنارة غامضة يا طارق.. وقعت في الفخ برجليك. الجولة الجاية وعليها الدور هخلي ريهام تلطم بالصوت الحي في الشارع، وعصام جوزي الغالي هيعرف ويتأكد إن ليلى اللي سكتت وبانت مستسلمة، مكنتش ضعيفة، لأ.. دي كانت بتحفرله درس قاسي وعمره ما هينساه طول ما هو عايش.” (بقلم نرمين عادل همام)…تابع للجزء الثاني والاخير
