جالي انهيار حكايات صافي هاني
أنا انهرت في أوضة ابني اللي لسه مولود بعد ما جالي تعب مفاجئ خطير، في نفس الوقت اللي جوزي سابني فيه وسافر يقضي عيد ميلاده في قرية سياحية فاخرة. بعد تلات أيام، رجع البيت والابتسامة مالية وشه، وشايل في إيده هدية غالية اشتراها لنفسه.. بس اتصدم لما لقى الأوضة ساكتة تماماً، السرير فاضي، وكل حاجة في المكان بتقول إن في كارثة حصلت هنا.
اسمي إيمان، والموضوع ده حصل معايا من فترة قريبة.
بعد عشر أيام بس من ولادتي لابني مروان، كنت واقفة في أوضته وفجأة حسيت إن جسمي مش قادر يتعافى، ومش طبيعي خالص بعد الولادة.
حسيت إن في حاجة غلط.. حاجة غلط قوي.
صحتني كانت بتسحب مني، وكل حركة كنت بعملها كانت أصعب من اللي قبلها.
همست بوجع وعجز رامي.. أرجوك الحقني.
جوزي مابصليش حتى، كان واقف في الطرقة بيظبط لياقة قميصه الغالي وبيتفرج على نفسه في المراية بكل برود.
شنطه كانت جاهزة ومتقفلة، وفسحة عيد ميلاده كانت مستنياه.
قلتله وأنا بنهج أنا مش طبيعية.. مش قادرة أقف على رجلي.
رامي اتنهد بزهق كأني بضايقه أو بعطله عن حاجة مهمة.
وقال ببرود يا إيمان، ما كل الستات بتتعب بعد الولادة، عادي يعني!
.
رديت عليه لأ، التعب ده مش طبيعي.
قاللي أمي خلفت تلاتة وعمرها ما اتكلمت ولا اشتكت!.
الدنيا بدأت تلف بيا، وإيديا بقت تترعش بطريقة مرعبة.
اترجيتو وأنا ببكي عشان خاطر ربنا الحقني.. أنا حاسة إني محتاجة مستشفى فاعلاً.
بصلي لحظة.. بس مكنش في عينه أي خوف أو قلق عليا، كان باين فيهم بس الضيق والزهق.
زعق وقال بلاش دراما بقى وتمثيل! ده و عيد ميلادي، ارحميني.
بصيت له وأنا مش مصدقة القسوة اللي في عينه.
قلتله أنا بموت ومحتاجة مساعدة.
رد عليا بعصبية وأنا محتاج أرتاح وفصلان! إنتي بس بتعملي الحركات دي عشان تخليني أقعد وماسافرش مع أصحابي وتنكدي عليا.
عنيا بدأت تغلش ومبقتش قادرة أشوف كويس رامي.. عشان خاطري…
قال وهو خارج الست اللي هتعاونك في البيت هتيجي يوم الإثنين.. خدي مسكن وبطلي دلع.
وأضاف وهو بيقفل الباب ماتتصليش بيا إلا لو البيت بيولع فاعلاً!.
شال شنطه وخرج من باب الشقة، وبعد ثواني سمعت صوت عربيته وهي بتبعد في الشارع.
وبعدها.. مابقاش في غير السكوت، سكوت مرعب ومخيف.
حاولت أتحامل على نفسي وأمد إيدي عشان أطول الموبايل، بس رجلي خانتني تماماً ووقعت على الأرض.
في نفس اللحظة، مروان بدأ يصرخ ويعيط في سريره، وصوته كان بيقطع في قلبي حتت.
حاولت أزحف عشان أوصل له، بس مكنتش قادرة أتحرك شبر واحد، جسمي كان بيتقل أكتر وأكتر مع كل ثانية بتعدي.
وفجأة، شاشة الموبايل نورت.. إشعار من الفيسبوك.
بصوابع بتترعش فتحت الفيديو.. وكان رامي.
واقف في تراس الشاليه الفاخر بتاعه في وسط الجبال، والمنظر وراه يجنن، وفي إيده كاس عصير ومبسوط ع الآخر.
كان بيضحك.. بيضحك من قلبه!
وقال للكاميرا وهو بيهزر تحية لكل راجل قادر يستحمل نكد الستات! ساعات لازم تشتري دماغك وتختار نفسك.. كل سنة وأنا طيب!.
أصحابه وراه قعدوا يصقفوا ويهيصوا، والفيديو يرجع يتعاد تاني.. وتاني..
كل سنة وأنا طيب.. كل سنة وأنا طيب..
الكلمات دي كانت بتتردد في وداني زي الصدى وأنا مرمية على الأرض مش قادرة أتحرك ولا أخد نفسي.
هو كان بيحتفل وبيفرح.. وأنا كنت بحارب عشان ماغيبش عن الوعي.
صوت عياط مروان بدأ يضعف ويهدى، وإيديا ورجليا سقعوا زي التلج، والدنيا بدأت تسود وتضلم قدام عنيا بالتدريج.
في اللحظة دي بالذات، فهمت حقيقة مرعبة.. الراجل اللي ائتمنته على نفسي وشيلت اسمه، فضّل الفسحة والانشكاح على أم ابنه، وعلى بيته وعياله.. باعنا في لحظة.
غمضت عنيا.. والدنيا اختفت من حواليا، وآخر حاجة سمعتها كانت صرخة مروان الضعيفة والطلب للمساعدة.
بعد تلات أيام، رامي رجع البيت وهو بيغني وفرحان، وفتح الباب بكل حماس.
كان لابس في إيده ساعة جديدة غالية اشتراها لنفسه كهدية من السفرية، ودخل وهو متوقع إن الحياة طبيعية والبيت مستنيه.
بس أول ما خطى عتبة الباب، اتصدم من الهدوء الغريب اللي مالي المكان.
أوضة البيبي كانت كأنها مهجورة، السرير فاضي.. مفيش طفل، مفيش زوجة، مفيش أي حس في الشقة.
الضحكة اختفت من وشه في ثانية، وشنطة السفر وقعت من إيده، والساعة الجديدة اتخبطت في الأرض واتدشدت ميت حتة.
زعق برعب إيمان! إنتي فين؟
مفيش رد.
مروان!
برضه مفيش أي صوت.
الرعب ملى ملامحه، ولأول مرة في حياته يبان عليه الخوف الحقيقي؛ لأنه وهو واقف وسط الأوضة الفاضية دي وبيدور حوليه، اتأكد إن أنانيته وسفريته كلفتوه خسارة كل حاجة يملكها.
بس اللي رامي مكنش يعرفه.. إنه بعد ما مشي وساب البيت، في حد مكنش متوقع خالص دخل الشقة دي.
حد حس إن في حاجة مش طبيعية، وسمع صوت عياط مروان الهستيري. . حد خد قرار شجاع غير حياتنا كلنا بعد كده وللأبد.
لمحة نيوز
السؤال هنا بقى
مين اللي أنقذنا من الموت ده؟ وإيه الحقيقة الصادمة اللي رامي هيعرفها أول ما يوصلهم؟
… القصة كاملة هتلاقوها في أول كومنت
رامي واقف في وسط الصالة زي المجنون، عقله عاجز يستوعب الهدوء المرعب ده، رجليه شالته وخرج يجري في الشارع يسأل الجيران والبواب وهو بينهج وشه غرقان دموع مراتي فين؟ حد شاف إيمان؟ ابني فين يا ناس؟.
كل الجيران كانوا بيبصوا له بنظرات عتاب وكره، مفيش حد ريح قلبه بكلمة، لحد ما البواب قاله بأسى يا أستاذ رامي، المدام تعبت وجاتلها الإسعاف ونقلوها على المستشفى العام.. بس الكلام ده من تلات أيام!.
رامي حس إن الأرض بتلف بيه، ركب عربيته وطار على المستشفى، وطول الطريق كان بيفتكر كلماتها أنا بموت ومحتاجة مساعدة.. وكلماته القاسية ليها ماتتصليش بيا إلا لو البيت بيولع. ضميره كان بياكل فيه صاحي، وعرف فاعلاً إن أنانيته ضيعت بيته.
وصل المستشفى وجري على مكتب الاستقبال يسأل عنها وعن ابنه، الموظف بصه بقرف وقاله الحالة في الرعاية المركزة، والطفل في الحضانة.. بس ممنوع تدخلهم إلا بإذن من الأستاذ أحمد.
رامي اتصدم وقال بعصبية أحمد مين؟ أنا جوزها وأبو الواد!.
في اللحظة دي، ظهر من وراه شاب ملامحه كلها غضب وحزن.. مكنش حد غريب، ده كان أحمد ابن عم إيمان، والشخص اللي مقاطعينهم من سنين بسبب مشاكل عائلية قديمة.
أحمد قرب من رامي ومسكه من هدومه وزعق فيه بصوت زلزل المكان ليك عين تيجي يا ناقص الرجولة؟ سايب مراتك بتموت من نزيف حاد بعد الولادة، وابنك بيموت من الجوع، وماشي تتفسح وتهيص؟!.
الناس اتلمت وأحمد كمل وهو بيعيط وقهرته مالية
وشه أنا لولا ربنا بعتني في اليوم ده عشان كنت جاي أصالحكوا وأنهي الخلاف اللي بينا، وسمعت صوت الواد الصغير وهو بيموت من الصريخ، والباب مكنش مقفول كويس.. لولا إني دخلت وشيلتها وهي غرقانة في دمها وقاطعة النفس، كانت زمانها م
اتت هي وابنك!.
الدكاترة اتدخلوا وبعدوا أحمد عن رامي اللي كان واقف منهار ومش قادر ينطق كلمة واحدة، مكسور قدام نفسه وقدام ربنا إنه اتخلى عن أمانته في وقت ضعفها.
أحمد بص لرامي بقرَف وقاله الكلمة اللي نهت كل حاجة إيمان فاقت من شوية، وأول حاجة طلبتها إنها مش عايزة تشوف وشك، وطلبت مني أرفعلك قض..ية طلاق للضرر.. وبإذن الله هحرمك من ابنك اللي هنت كرامة أمه وسيبتها للموت عشان شهوتك وفسحتك.. فوق يا رامي، البيوت اتقفلت في وشك خلاص.
… القصة كاملة وتفاصيل المحكمة هتلاقوها في الفيديو الجاي
رامي حس إن خنجر غرس في قلبه، الكلمات طلعت من بوق أحمد زي الرصاص. مكنش قادر يدافع عن نفسه ولا يقول كلمة واحدة، لأن كل حرف قاله أحمد كان حقيقة بتعري أنانيته ونذالته.
وقف رامي قدام زجاج الرعاية المركزة وبص على إيمان من بعيد؛ كانت موصلة بأجهزة ومحاليل، ووشها باهت وخسيس من التعب. حاول يدخلها، بس الممرضة منعتو وقالتله بلهجة حاسمة المريضة عاطية أوامر مشددة إنك ماتدخلش، وأي ضغط عليها دلوقتي خطر على حياتها. اتفضل اخرج برة.
لف رامي ودموعه مغرقة وشه، وراح ناحية حضانة الأطفال. بص على ابنه مروان من ورا الإزاز، حتة لحمة حمراء بين الأجهزة، كان بيموت من الجوع لولا ستر ربنا وتدخل أحمد في الوقت المناسب. في اللحظة دي، رامي حس بالندم بياكل في روحه، وعرف إن الساعة الغالية والفسحة والشاليه وكل لحظة انبساط عاشها على حساب وجع مراته وخوف ابنه، مكنتش تسوى ضفر واحد فيهم.
مرت الأيام، وإيمان خرجت من المستشفى بالسلامة ورجعت على بيت أهلها رفقة ابنها مروان، ورفضت تماماً ترجع شقة الزوجية أو حتى ترد على اتصالات رامي ورسايله المستعطفة. أحمد مأخرش ثانية، وفعلاً رفع قض..ية طلاق للضرر، وقدم للمحكمة تقرير المستشفى الطبي اللي بيثبت حالة إيمان والنزيف الحاد اللي جالها، مع شهادة الجيران والبواب إن الزوج سابها وهي في حالة وضع وتعب وسافر يتفسح، بالإضافة للفيديو اللي رامي نزله على صفحته وهو بيفتخر بأنه ساب مراتها وتعبها عشان يتبسط.
في جلسة المحكمة، القاضي بص لرامي بنظرة لوم شديدة وقاله البيوت أمانة، والزوجة ستر وسكن، وإنت ضيعت الأمانة وسبت لحمك ودمك للموت عشان متعتك الشخصية. الإسلام أمرنا بالرفق بالقوارير، وإنت مكنش في قلبك رحمة.
حكمت المحكمة بطلاق إيمان طلاقاً للضرر، وتمكينها من كافة حقوقها الشرعية وحضانة ابنها مروان، مع إلزام رامي بنفقة شهرية كبيرة.
خرج رامي من قاعة المحكمة لوحده، خسيس ومكسور. خسير مراته اللي صانته، وابنه اللي كان المفروض يتربى في حضنه، وخسير كرامته واحترام الناس ليه. وبقى عايش في شقته الفاضية، كل ما يبص في أركانها يسمع صدى صوت عياط ابنه ونفس مراته المكتوم، ويدرك إن الأنانية مابتجيبش غير الخراب، وإن اللي بيبيع أهله في وقت الشدة، بيصحي يلقى نفسه لوحده في الآخر.
مرت الشهور، ورامي بقى زي الغريب في دنيته، عايش بطولِه في الشقة اللي كانت في يوم من الأيام مليانة بحس إيمان وضحتها. كل ما يعدي من جنب أوضة مروان الفاضية، قلبه يتعصر من الندم. حاول يروح لبيت أهلها أكتر من مرة، يشيل فلووس أو يطلب يشوف ابنه، بس أحمد كان دايماً واقف له بالمرصاد، وبيمنعه يدخل حارتهم من الأساس، تنفيذاً لرغبة إيمان اللي حسمت أمرها ومبقتش طايقة تسمع اسمه.
إيمان من ناحيتها، ركزت كل طاقتها في تربية ابنها مروان وفي شغلها. الصدمة قوتها مكسرتهاش، وبدعم من أحمد وأهلها، قدرت تقف على رجلها من تاني وتثبت لنفسها وللدنيا إنها مش محتاجة لراجل اتخلى عنها في وقت ضعفها. مروان كبر وبقى يملى عليها الدنيا، وكل يوم كان بيعدي كان بيأكد لها إن ربنا نجاها ونجى ابنها عشان يعوضها عن كل الوجع اللي شافته.
أما رامي، فدايرة الندم كانت بتضيق عليه كل يوم أكتر. أصحابه اللي كان بيسافر معاهم ويهيص على حساب بيته، أول ما عرفوا باللي عمله وبقضيته في المحكمة، بدأوا يتهربوا منه ويتحاشوا الكلام معاه، لأن الراجل اللي ملوش خير في مراته وابنه، ملوش خير في حد. حتى الساعة الغالية اللي اشتراها لنفسه في سفرية الشؤم ديك، فضلت مكسورة على أرضية الأوضة، مكسورة زي حياته وزي صورته قدام نفسه.
وفي يوم من الأيام، كان رامي قاعد في الشقة لوحده في ضلمة الليل، سمع صوت عياط طفل جاي من الشقة اللي جنبهم. الصوت فكره فجأة بليلة الانهيار، وبصرخات مروان الضعيفة اللي سابها ومشي. انهار رامي على الأرض وبكى بحرقة، وعرف إن العقاب الحقيقي مش بس خسارة القض..ية ولا الفلوس، العقاب الحقيقي هو الوحدة، وإنه هيعيش اللي باقي من عمره شايل ذنب إنه باع أمانة ربنا عشان لحظة متعة زائلة، وبقى عبرة لكل شخص يفتكر إن الأناني ممكن يكسب في الآخر.
