هاشم وامل

الجزء الأول

الكاتبة ملك إبراهيم

هاشم السيوفي عنده 35 سنة. طويل، كتافه عريضة، دقنه دايماً مهندمة، وعينه فيها حِدة بتخلي أي حد يفكر مرتين قبل ما يكدب عليه. ابن عيلة المسيري بتاعة الحديد والصلب. فلوس تتكلم، وأراضي، ومصانع، واسمه بيتفتح له ألف باب. بس رغم كل ده، هاشم كان دايماً حاسس إنه محبوس في قفص دهب.

 

من سبع سنين بالظبط، قابل أمل توفيق.

 

أمل كانت سكرتيرة في الدور السادس في شركة المسيري. بنت 24 سنة، وشها مدور زي القمر، وضحكتها بتخلي يومك ينضف. من أسرة بسيطة ساكنة في شبرا. أبوها توفيق موظف على المعاش، وأمها ست بيت بتعمل أحلى صينية بطاطس في المنطقة. لا عندها عربية ولا فيلا، بس عندها كرامة وعزة نفس تهد جبل.

 

أول مرة هاشم شافها كانت داخلة عليه المكتب بملف، وقعت من التوتر والقهوة ادلقت على البدلة بتاعته اللي تمنها مرتب شهرين. استعدت تتفصل في نفس اليوم، بس هو بص للبدلة وبصلها وقال:

“فداكي.. المهم إنتي كويسة؟”

 

ومن يومها بدأت الحكاية. فطار متأخر في المكتب، مكالمات بعد الشغل، ويوم خميس اعترفلها وهو بيوديها لحد أول الشارع عشان أبوها ميرضاش حد يوصلها لحد البيت. قال لها: “يا أمل.. أنا مش شايف حياتي من غيرك”.

 

أمه، الحاجة فريال المسيري، وقفت له زي الصخرة.

“تتجوز حتة سكرتيرة؟ بنت البواب؟ الناس تقول علينا إيه؟ إحنا المسيري!”

أبوه سكت، بس السكوت بتاعه كان رفض أتقل من الكلام.

أخوه الكبير عبدالله، دراعه اليمين في الشغل، قاله: “هاشم.. الجواز نسب. وإنت بتناسب لنا كلنا مش بتناسب ل نفسك بس”.

 

هاشم عنيد. وقف قدامهم كلهم وكتب كتابه على أمل في قاعة صغيرة حضرها 20 نفر بس. مفيش فرح كبير، مفيش صور في الجرايد. أهله قاطعوه 6 شهور، لحد ما أبوه تعب ودخلوا المستشفى، فهاشم رجع، واتصالح مع عيلته.

 

عاشوا 3 شهور بس مع بعض في فيلا صغيرة في التجمع. 3 شهور كانوا بالعمر كله. كانت بتصحيه الصبح تحط له الفطار، وتراجعه في جدول أعماله كأنها لسه السكرتيرة بتاعته. كان بيرجع آخر الليل يلاقيها مستنياه ويسهروا مع بعض.

 

بعد 3 شهور جاله سفرية شغل مهمة لباريس. مصنع جديد وشراكة مع شركة فرنساوية. كان لازم يقعد أسبوعين.

يوم السفر، أمل حضنته في المطار وقالتله: “خلي بالك من نفسك.. ومتطولش عليا”.

قالها: “أسبوعين ويعدوا هوا. هرجع نطلع شهر عسل تاني، ماشي؟”

ضحكت وهزت راسها.

 

فات الأسبوع الأول، وكان بيكلمها فيديو كل يوم. يحكي لها عن برج إيفل، وهي توريه الأكل اللي طبخته وصورته عشان لما يرجع تعملهوله.

 

اليوم التامن الساعة 3 الفجر بتوقيت باريس، تليفونه رن. عبدالله أخوه.

“ألو.. عبدالله خير؟”

صوت عبدالله كان متكسر: “البقاء لله يا هاشم.. أمل.. أمل عملت حادثة على الدائري وهي راجعة من عند أمها.. العربية اتقلبت.. ماتت في ساعتها”.

 

هاشم مفهمش. “نعم؟ أمل مين اللي ماتت؟ إنت بتقول إيه؟”

“يا هاشم شد حيلك.. الدفنة كانت العصر. مكنش ينفع نستنى. الإجراءات خلصت… دفناها في مدافن العيلة”.

 

قفل السكة، وهاشم واقف في نص الأوضة في الفندق، وماسك التليفون. الدنيا سكتت مرة واحدة. لا صوت، لا نفس، لا باريس، لا شغل. بس جملة واحدة بتتكرر: “دفناها”.

 

تاني يوم الصبح كان في طيارة. 4 ساعات طيران كأنه 4 سنين. وصل القاهرة وطلع من المطار على المدافن عدل. عبدالله وأمه كانوا مستنيينه. أمه بتعيط، وعبدالله وشه في الأرض.

 

وقف قدام قبر رخام أبيض جديد، مكتوب عليه بالخط الكوفي:

“المرحومة أمل توفيق .. زوجة هاشم المسيري”

“توفيت يوم 12 مارس 2019”

 

نزل على ركبه. مسك الرخام بإيده. كان بارد. برد غريب دخل في عضمه.

“أمل؟.. أنا جيت.. مش قولتيلي متطولش؟”

 

محدش رد. التراب لسه جديد، وزرع الصبار اللي جنب القبر لسه متسقاش.

 

من اليوم ده وهاشم اتغير. قفل الفيلا اللي عاشوا فيها وباعها. رجع قعد في قصر العيلة، بس ساكت. شغله كبر أكتر، بقي اسم المسيري في كل حتة، بس هو نفسه مبقاش موجود. كل خميس بعد صلاة المغرب، لازم يروح المدافن. يقعد ساعتين يتكلم مع القبر، يحكي لها عن الشغل، عن أمه اللي تعبت، عن عبدالله اخوه اللي بقى مدور الشركة معاه.

 

أهله عرضوا عليه بنات وزراء ورجال أعمال. أمه اتحايلت عليه.

“يا بني الضنا غالي.. لازم تِخلف ولد يشيل اسمك”.

كان رده ثابت: “أنا اتدفنت معاها يوم 12 مارس. أنا بس اللي بتأخر على القبر شوية كل يوم وبروح”.

 

سبع سنين عدوا. 2019 بقت 2026. هاشم بقى 35 سنة. بس القبر لسه زي ما هو، والحزن لسه زي ما هو…يتبع

 

الفصل الثانى

مكتب هاشم في الدور الـ25. إزاز من الأرض للسقف، والتجمع كله تحته. الساعة 10 الصبح، وعبدالله قاعد قدامه بيشرح صفقة الحديد الجديدة.

 

تليفون هاشم الداخلي رن. السكرتيرة: “هاشم بيه، مدام ليلى مرات عبدالله بيه على التليفون، بتقول ضروري”.

 

هاشم بص لعبدالله، فتح الاسبيكر.

ليلى صوتها متوتر: “يا هاشم الحقني. مروان ابني عامل مصيبة في المدرسة، والمديرة بتقول لازم ولي الأمر يجي حالاً. وعبدالله تليفونه مقفول من ساعة الاجتماع.. وأنا في المستشفى مع ماما، مش هعرف أتحرك دلوقتي خالص”.

 

عبدالله قفل ملف الصفقة بسرعة

عبدالله ضرب كف على كف: “يا دي النيلة، عندي توقيع عقود كمان نص ساعة مع الوفد الألماني. مش هينفع أتحرك”.

 

هاشم قام لبس الجاكيت: “خلاص أنا هروح. مروان ابن أخويا. هاتيلي رقم المديرة يا ليلى”.

 

بعد 20 دقيقة كان هاشم بيركن العربية الـG-Class قدام بوابة المدرسة. الأمن عرفه من شكله ومن اسم المسيري. دخل على مكتب المديرة.

 

المديرة ست خمسينية اسمها ميس منال، لابسة نضارة وقاعدة ورا مكتب خشب ضخم. مروان قاعد على كرسي في الركن، وشه في الأرض، وماسك قلم رصاص مكسور.

 

ميس منال وقفت: “هاشم بيه المسيري بنفسه؟ أهلاً يا فندم.. كنا محتاجين والد مروان”.

“أنا عمه، وجاي مكان أبوه. خير يا ميس منال؟ الواد عمل إيه؟”

 

“مروان شد التوكه بتاعة زميلته تولين، شعرها اتقطع وفضلت تعيط. الموضوع بسيط بس سياسة المدرسة لازم ولي أمر الطرفين يقعدوا مع بعض. والدة تولين على وصول دلوقتي”.

 

الباب خبط، ودخلت دادة ماسكة إيد بنت صغيرة.

 

تولين.

ست سنين، شعرها بني ناعم لحد كتفها، مربوط بنص توكه والتانية مروان قطعها. عينيها واسعة، وسودة، وفيها لمعة. لابسة يونيفورم المدرسة الكحلي.

 

أول ما هاشم عينه جت في عين البنت، قلبه عمل حاجة غريبة. حاجة ماحسهاش من سبع سنين. نفس ملامح حبيبته ، نفس العيون اللي كانت بتبص له زمان.

بلع ريقه وقال في سره: “مش معقول.. البنت دي شبهها”.

 

مروان أول ما شاف عمه استخبى وراه.

“يا عمو أنا مكنش قصدي.. هي اللي مردتش تديني الاستيكة بتاعتها”.

 

هاشم مكنش سامع. عينه على تولين اللي قعدت على الكرسي وفضلت تبص في الأرض وتفرك في إيديها، نفس الحركة اللي أمل كانت بتعملها لما تتوتر.

 

ميس منال قالت: “دقيقة واحدة، مامت تولين وصلت”.

 

الباب اتفتح.

 

ست داخلة وهي بتنهج، طرحتها مظبوطة، لابسة طقم سادة شيك، وفي إيدها شنطة صغيرة. وشها شاحب من القلق على بنتها.

أول ما عينيها جت في عيون هاشم، هي شهقت وحطت إيدها على بوقها.

وهو قام وقف مرة واحدة، الكرسي اللي وراه وقع، ووشه بقى خالي من الدم.

 

الدنيا لفت بيه، وريحة البرفان بتاعها هي هي، ريحة الياسمين اللي كان جايبهولها قبل ما يسافر.

 

اسمه طلع من بوءه مبحوح، مصدوم، كأنه طالع من قبر:

“أمل…!!”

 

سكت المكتب كله. ميس منال، مروان بص لعمه، وتولين رفعت وشها لأمها.

 

والست اللي لسه داخلة، عينيها دمعت، وشفايفها اترعشت وهي بتبص لهاشم، كأنها شافت عفريت طالع من ماضي مدفون من سبع سنين.

يتبع…

الفصل الثالث

أمل أول ما شافت هاشم واقف قصادها، وشها جاب مية لون. في لحظة مسكت تولين، حضنتها في صدرها كأنها بتحميها من رصاصة، وعينيها كلها فزع.

 

هاشم قرب خطوة، صوته طالع مش ثابت:

“أمل.. إنتي.. إنتي عايشة؟ إزاي؟ أنا دفنتك بإيدي.. ده قبرك أنا بزوره كل أسبوع !”

 

أمل ساكتة. شفايفها بتترعش، وعينيها بتهرب من عينه. ضاغطة على كتف تولين لدرجة إن البنت قالت: “ماما بتوجعيني”.

 

ميس منال واقفة متسمرة، مش فاهمة حاجة. حاولت تلم الموقف:

“يا أستاذ هاشم اتفضل اقعد.. أستاذة أمل اهدي.. إحنا بس بنحل مشكلة بسيطة بين الولاد”.

 

فتحت الملف اللي قدامها وبدأت تقرا بصوت رسمي عشان تهدي الجو:

“تمام.. الطالب: مروان عبدالله المسيري.. الصف الأول الابتدائي.. والطالبة: تولين هاشم المسيري.. نفس الصف”.

 

وسكتت فجأة. رفعت النضارة وبصت للورقة وبصت لهاشم وبصت لأمل.

“هاشم المسيري؟.. هو حضرتك تبقى…”

 

الاسم نزل على دماغ هاشم زي الصاعقة.

“تولين هاشم المسيري”

 

بص للبنت اللي ماسكة في ايد أمها بفزع. نفس العيون، نفس الوش المدور، نفس كل حاجة .

قرب خطوتين ونزل على ركبه قصاد البنت، صوته اتحول لجنون:

“يعني إيه؟.. يعني إيه تولين هاشم المسيري؟.. دي بنتي؟.. أنا عندي بنت؟.. وأنا معرفش؟!.. سبع سنين معرفش إن عندي بنت؟!”

يتبع في الجزء الأخير

 
الجزء الأخير

الكاتبة ملك إبراهيم

“يعني إيه؟.. يعني إيه تولين هاشم المسيري؟.. دي بنتي؟.. أنا عندي بنت؟.. وأنا معرفش؟!.. سبع سنين معرفش إن عندي بنت؟!”

بص لأمل وعينه حمرة، دموع وغضب وصدمة:

“ومراتي.. مراتي اللي قالوا لي ماتت.. ودفناها.. ووقفت على قبرها.. عايشة؟.. عايشة كل السنين دي ومخبية بنتي عني؟!”

 

أمل لسه حاضنة تولين، صوتها طالع بالعافية ومبحوح: “ملكش دعوة بينا”.

شالت بنتها على كتفها وطلعت تجري من المكتب.

 

هاشم اتنفض وقام وراها زي المجنون. ميس منال بتنادي عليه، ومروان واقف مش فاهم حاجة.

 

لحقها في طرقة المدرسة قبل بوابة الخروج. مسك دراعها وقفها.

“استني هنا! فهميني! سبع سنين يا أمل! سبع سنين بزور تراب! وإنتي عايشة؟ ومخلفة مني بنت وأنا معرفش؟ ليه؟!”

 

أمل لفت وشها، عينيها فيها دموع بس فيها قسوة متدربة عليها:

“عشان مكنتش عايزة أعيش معاك. أنا مبقتش أحبك يا هاشم. من يوم ما سافرت باريس وأنا خدت قراري. ابعد عني وعن بنتي. تولين بنتي أنا وبس، وملكش أي حق فيها”.

 

ساب دراعها، بس ملامحه اتجمدت. هاشم بقاله 15 سنة بيدير صفقات بمليارات، ويقرا كدب الرجالة من رمشة عين.

وبص في عين أمل.. الكدب واضح، والخوف أوضح، والوجع مالي نن عينيها.

 

قال بصوت واطي بس يرعب:

“كدابة”.

 

قرب منها خطوة، وتولين مدفونة في حضنها بتعيط.

“عينيكي بتقول إن في حاجة غلط. إنتي مش أمل اللي كانت بتحبني وتتمنى ليا الرضا أرضى. في حد هددك يا أمل. في حد هددك تبعدي عني السنين دي كلها. مين؟ انطقي.. عبدالله؟ أمي؟ مين اللي دفنك حي جوه قلبي؟”

 

أمل رجعت خطوة لورا، وشها اصفر: “ابعد عننا يا هاشم.. لو قربت لنا هتندم.. أنا مش عايزاك”.

 

خدت بنتها وخرجت من بوابة المدرسة بتركب عربية فيرنا قديمة مستنياها، وسابت هاشم واقف في نص الحوش، والمديرة والدادات والأطفال بيتفرجوا عليه، وهو لأول مرة في حياته مش عارف يتحرك.

 

بس جواه نار قامت.

نار سبع سنين كدب.

ونار أب شاف بنته لأول مرة ومش عارف يلمسها.

ونار راجل عرف إن موت حبيبته كان تمثيلية، والمخرج بتاعها لسه عايش.

يتبع…

الفصل الرابع

هاشم ساب المدرسة وركب عربيته، إيده بتترعش على الدركسيون. وصل برج المسيري وطلع الدور 25 من غير ما يرد على أي حد. دخل على مكتب عبدالله، رزع الباب.

 

عبدالله كان بيوقع ورق، اتفزع: “فيه إيه يا هاشم؟ وشك مقلوب ليه؟”

 

هاشم رمى نفسه على الكرسي، وعينه بتاكل عبدالله:

“أمل عايشة يا عبدالله.. مراتي عايشة.. وعندي منها بنت اسمها تولين.. ست سنين”.

 

القلم وقع من إيد عبدالله. وشه جاب ألوان، وقام وقف:

“إنت بتخرف بتقول إيه؟ أمل مين؟ البنت ماتت ودفناها.. إنت اتجننت؟”

 

هاشم خبط على المكتب: “بطّل كدب! أنا شفتها بعيني في مدرسة ابنك مروان. بنتي شبهها بالمللي، واسمها في الملف تولين هاشم المسيري!”

 

عبدالله توتر، عرق على قورته، ولف حوالين المكتب:

“يا هاشم اهدى.. اهدى واسمعني.. البت دي أكيد كانت بتلعب بيك. تلاقيها هربت مع واحد بتحبه وسابتك. مادام كدبت عليك مرة، تكدب ألف مرة. ابعد عنها.. ولمصلحتك انساها هي وبنتها”.

 

الكلمة نزلت على هاشم زي البنزين على النار. عينه احمرت، والغيرة كلته:

“هربت مع واحد؟!”

 

خرج من المكتب ورزع الباب وراه. دخل مكتبه وطلب كبير الحرس بتاعه، راجل اسمه شوقي:

“شوقي.. عايزك تجيبلي ملف واحدة اسمها أمل توفيق. كانت مراتي. عايز أعرف عايشة فين، بتشتغل فين، بتكلم مين، بتتنفس إزاي.. من يوم ما اختفت لحد النهاردة. ابدأ من ملف بنتها في مدرسة فيوتشر انترناشونال”.

 

تاني يوم الصبح، الملف كان على مكتبه.

العنوان: شقة إيجار في الهرم، أوضتين وصالة.

الشغل: سكرتيرة في شركة “النور للاستيراد والتصدير” في المهندسين.

الحالة الاجتماعية: أرملة.

 

أرملة. شاف الكلمة، ضحك ضحكة مجنونة.

 

الساعة 11 الضهر كان واقف قدام شركة النور. شركة صغيرة في الدور التالت عمارة قديمة. دخل الريسبشن، مفيش غير مكتب خشب عليه كمبيوتر قديم، وقاعدة عليه تولين.

 

لوحدها. ماسكة قلم ألوان وبتشخبط في كراسة. أول ما شافته رفعت وشها.

 

هاشم قلبه وقع. قرب منها بالراحة، نزل على ركبه عشان يبقى في طولها، وصوته طلع غصب عنه حنين، حنان أب محروم:

“ازيك يا تولين؟”

 

البنت اتكسفت ومسكت في الكراسة: “الحمد لله”.

“ماما فين؟”

“عندها اجتماع جوه.. قالتلي استناها هنا ومكلمش حد غريب”.

ابتسم نص ابتسامة وجع: “بس أنا مش غريب يا تولين.. أنا.. أنا صاحب ماما من زمان”.

 

مد إيده ومسح على شعرها بالراحة، صوابعه بتترعش. نفس ريحة شعر أمل وهي صغيرة. نفسه يقولها “أنا بابا” بس لسانه اتشل.

“رسوماتك حلوة أوي.. بتحبي تلوني إيه؟”

“بحب أرسم بيت كبير.. فيه جنينة.. وماما وبابا”. وسكتت فجأة.

“وبابا فين؟” سألها وصوته اتخنق.

هزت كتفها: “ماما بتقول مسافر.. بس هو مش بيجي خالص”.

 

في اللحظة دي، باب قاعة الاجتماعات اتفتح.

 

أمل خرجت وهي بتظبط ورق في إيدها، بتضحك ضحكة عملية مع موظف.. وأول ما عينها جت على المنظر.. هاشم قاعد على ركبه قدام بنتها، وإيده على شعر تولين..

 

الورق وقع من إيدها. وشها اتخطف، وصرخت:

“هاشم!! إنت بتعمل إيه هنا؟!”

 

جريت شالت تولين من على الكرسي وحضنتها، وبصت لهاشم بعيون كلها رعب وغضب.

“قولتلك ابعد عننا! إنت عايز من بنتي إيه؟!”

 

هاشم قام وقف، طوله غطى عليها، وعينه مابين وجع السنين وغضب السؤال اللي ملوش إجابة:

“عايز أعرف ليه بنتي بتقول أبويا مسافر ومش بيجي.. وأنا كنت ميت كل يوم على قبر فاضي”.

يتبع…

الفصل الخامس والأخير

أمل شايلة تولين وحاضناها كأنها درع، وصوتها بيترعش:

“هاشم ابعد عننا.. أرجوك.. إنت مش فاهم حاجة”.

 

هاشم خطوة بخطوة بيقرب، وعينه سوده من الوجع والغضب:

“مش فاهم إيه؟ مش فاهم إنك كدبتي عليا موت؟ مش فاهم إن عندي بنت ومكنتش أعرف أسمع كلمة بابا؟ لازم أفهم يا أمل.. لازم تتكلمي”.

 

أمل عينيها دمعت، باصة في الأرض، شفايفها بتتحرك بس مفيش صوت. الخوف باين في كل حركة منها.

 

هاشم صبره نفد، مسك دراع المكتب اللي جنبه:

“اسمعي.. لو فضلتي ساكتة، أنا هاخد بنتي غصب عنك. بالقانون، بالفلوس، بأي طريقة. تولين بنتي، وهتتربى في حضني. وإنتي.. إنتي حرة”.

 

أمل شهقت، ضمت تولين أكتر: “مستحيل.. متقدرش تاخدها مني”.

“جربي”. قالها ومشي، وسابها واقفة بتعيط.

 

رجع الشركة، وشه نار. قبل ما يدخل مكتب عبدالله، وقف. الباب موارب. سمع صوت أخوه بيكلم ليلى مراته في التليفون، صوته واطي وندمان:

 

“يا ليلى أنا تعبان.. كل يوم ضميري بياكلني.. من يوم ما سمعت كلامك إنتِ وأمي زمان.. وروحنا لأمل.. وهددناها.. قولنالها لو مبعدتش عن هاشم، هنحرم هاشم من الميراث، وهنتبري منه، وهنرميها هي وأهلها في الشارع بفضيحة.. البت كانت حامل في الشهر التاني.. وخافت عليه.. سابت كل حاجة وهربت.. وأنا اللي اتصلت بهاشم وقولتله ماتت.. ودفنّا كفن فاضي يا ليلى.. أنا دفنت قلب أخويا حي”.

 

الدنيا اسودت في وش هاشم. زق الباب برجله.

 

عبدالله اتنفض، والتليفون وقع من إيده.

“هاشم.. إنت.. سمعت؟”

 

هاشم ما اتكلمش. بس عينه كانت بتق*تل. قرب من أخوه، ومسكه من لياقة قميصه، رفعه من على الكرسي:

“كفن فاضي.. سبع سنين من عمري.. وبنتي بتكبر من غيري.. عشان الفلوس؟ عشان كلام الناس؟”

 

عبدالله دموعه نزلت: “سامحني يا أخويا.. أمك هي اللي خططت.. وأنا اللي نفذت.. كنت فاكر بعمل الصح.. فاكر إنها مش مقامك.. بس أنا ظلمتك.. ظلمتها وظلمت بنتك”.

 

هاشم ساب أخوه، ووقع على الكرسي، وحط وشه بين إيديه. مفيش صريخ، مفيش ضرب. بس وجع سنين نزل دموع.

 

بعد ساعة، كان واقف قدام شقة الهرم. خبط.

 

أمل فتحت، وشها أصفر. أول ما شافته، حاولت تقفل الباب.

 

حط رجله منعها، صوته هادي بس مكسور:

“عرفت كل حاجة يا أمل.. عرفت إنك سيبتيني عشان تنقذيني منهم.. عرفت إنك شيلتي ذنبهم لوحدك.. وربيتي بنتنا لوحدك.. ونمتي جعانة لوحدك”.

 

أمل سندت على الباب وانهارت في العياط: “كانوا هيضيعوك.. قالولي هتبقى فقير.. هتتشرد بسبب جوازك مني.. مقدرتش.. مقدرتش أكون السبب في كسرتك”.

 

هاشم مسح دموعها بصوابعه، نفس الحركة اللي كان بيعملها من سبع سنين:

“وأنا إيه؟ مكنتش اتكسرت؟ أنا كنت ميت يا أمل.. عايش ميت”.

 

بص جوه الشقة، تولين واقفة ورا الكنبة، بتتلصص بخوف.

 

هاشم نزل على ركبه وفتح دراعه: “تعالي يا تولين”.

 

البنت بصت لأمها، وأمل هزت راسها بدموع.

 

تولين جريت في حضن أب شافته من يومين، بس قلبها عارفه من يوم ما اتولدت.

 

هاشم شالها، وباس راسها، وبص لأمل:

“أنا اللي لازم أطلب السماح.. سامحيني إني مصدقتش إنك ممكن تسيبيني من غير سبب.. سامحيني إني عشت سبع سنين وأنا فاكر إنك سبتي الدنيا، وإنتي كنتي عايشة بيها لوحدك عشاني”.

 

أمل قربت، وحطت راسها على كتفه، ودموعها غرقت قميصه: “وأنا آسفة إني خبيت.. آسفة إني حرمتك من بنتك”.

 

هاشم ضمهم الاتنين.

“خلاص.. مفيش أسف تاني.. من النهاردة، مفيش كدب، مفيش خوف، مفيش ناس. في أنا وإنتي وتولين وبس”.

 

وتولين في حضنه، لأول مرة قالت الكلمة اللي كانت محبوسة:

“بابا”.

 

هاشم غمض عينه، والسبع سنين العجاف خلصوا في حضن واحد.

 

بعد شهر، كان الفرح الحقيقي. في جنينة فيلا المسيري الجديدة اللي هاشم كتبها باسم أمل وتولين. عبدالله واقف بعيد بيتفرج بدموع، ووالدته فريال لأول مرة شايلة حفيدتها وفرحانه.

 

والقبر اللي في مقابر العيلة.. اتشال من عليه اسم أمل..والحياة رجعت لهم من تاني.

الكاتبة ملك إبراهيم

النهاية. ❤️

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *