جرس الحقيقة

حـماتي كسـرت الكوبايـة في وشـي عشـان الطماطـم …لكـن اللـي حصـل بعد رنـة الجـرس قـلب البيـت كـله !

— بطّلي بقى الكلام ده مرة واحدة! تروحي تتأمري في بلدك، إنما هنا الكلمة كلمتنا إحنا! … صرخت أمينة، وصوتها بيرتعش من العصبية وفيه نبرة شماتة واضحة.

— قليلة الأصل! …. ورمت الكوباية بكل قوتها على أرضية المطبخ. اتكسرت حتت صغيرة طارت في كل حتة، واحدة خبطت في رجل الكرسي والتانية اتدحرجت ناحية الشباك.
— اخرسي! البيت ده إحنا اللي بنمشيه، ومحدش يرفع صوته علينا!
كانت سارة واقفة في نص المطبخ بالروب، شعرها منكوش وإيديها بتترعش من السخونية. وشها مرهق وعينيها مطفية من التعب. من شوية كانت بتحاول تفهم حماتها إنها مش قادرة تساعدها النهارده في تخليل الطماطم وتجهيز المونة.

— يا طنط أمينة، والله قلتلك إني تعبانة أوي. بكرة أول ما أقوم هعمل كل اللي انتي عايزاه…

— بكرة؟! ….صرخت أمينة بصوت دوّى في الشقة كلها.
_ بكرة الطماطم هتبوظ! هو أنا جايبة تلات أقفاص طماطم عشان أتفرج عليهم يعني؟!

كان أحمد قاعد على السفرة، ماسك موبايله ومش رافع عينه منه. حتى لما الكوباية اتكسرت ما اتحركش. فضل يقلب في الشاشة كأن اللي بيحصل حواليه ميخصوش.

بصتله سارة بحسرة… حصري على صفحة روايات و اقتباسات….في تلات سنين جواز، عمره ما وقف جنبها قدام أمه.
— أحمد….. قالتها بصوت واطي، وكأنها آخر محاولة للنجدة. — اتكلم لو سمحت…
— متدخليش جوزك في حكايات الستات! ….
قاطعتها أمينة بسرعة..
_ إنتي فاكرة نفسك مين؟ عايشة في بيتي وبتاكلي من خير ابني ولسه بتجادلي كمان؟!

في اللحظة دي حاجة اتكسرت جوا سارة.
وشها احمر، وقلبها بيدق بعنف.
— بيتك إيه بس؟! إحنا شارينا نص الشقة ولسه بندفع أقساطها لحد دلوقتي!

كشرت أمينة باستهزاء.
— شارين؟! وبفلوس مين؟! ابني شغال ليل نهار، وإنتي بتعملي إيه؟ قاعدة في المكتب قدام الورق والتكييف!

— يا أمي خلاص بقى… تمتم أحمد.

لكن كلامه طلع ضعيف مالوش أي قيمة.
— خلاص إيه؟! … لفت ناحيته بعصبية…
_ بص لمراتك! جاحدة! أنا ربيتك لوحدي سنين طويلة، وفي الآخر هي اللي بقت صاحبة الكلمة عليك؟!

من ورا باب الشقة كانت أصوات الجيران باينة.
سارة تخيلت أم محمد واقفة ورا العين السحرية بتسمع كل كلمة… حصري على صفحة روايات و اقتباسات
أكيد بكرة العمارة كلها هتعرف خناقة “الطماطم والمخلل”.

راسها كانت بتلف..من السخونية…ومن الإهانة.
ومن عبثية الموقف كله.
— عارفين إيه؟ …قالت وهي مسنودة على التلاجة.
— اعملوا اللي إنتوا عايزينه. أنا داخلة أنام.
#حكايات_مني_السيـد
— جربي بس تتحركي من مكانك! … صرخت أمينة وهي بتمسك لوح التقطيع الخشب.

وفجأة…جرس الشقة رن.
مرة….واتنين….بإلحاح.
الكل سكت….وبعد ثواني الجرس رن تاني.

— ده خالي سيد…. قال أحمد وهو بيبص في الساعة.
— كنت قايله ييجي النهارده عشان نتكلم في موضوع الأرض اللي في البلد.

في ثانية واحدة وش أمينة اتغير.
العصبية اختفت.
وظهر مكانها ابتسامة مصطنعة.
— افتح يا أحمد….. قالت بهدوء.
— وإنتي يا سارة عدلي شكلك شوية، ما تفضحناش قدام الناس.

كانت سارة هترد، لكن الباب اتفتح ودخل خال سيد.
راجل في أواخر الخمسينات، جسمه ضخم ونظرته حادة ومحدش يقدر يضحك عليه بسهولة.

بص حواليه وشاف إزاز الكوباية المكسور على الأرض.
— إيه يا جماعة؟! هو كان في خناقة ولا إيه؟! … قال وهو داخل.

ابتسمت أمينة غصب عنها.
— لا أبداً يا أخويا، مفيش حاجة. تعالا اقعد أعملك شاي.

لكن خال سيد ما كانش من الناس اللي بتعدي الأمور بسهولة.
قرب من السفرة وقعد، وبص لسارة اللي كانت بتحاول تداري دموعها.
— حصل إيه هنا؟ أنا سامع صوتكم من أول السلم.

وطت سارة راسها من الكسوف.
لكن أمينة سبقتها بالكلام.
— ولا حاجة… البنت بس عندها دور برد، والشغل متراكم.
— دور برد؟ …. كررها خال سيد باستغراب.
— طب وإيه علاقة دور البرد بكل الصويت ده؟

جمعت سارة شجاعتها وقالت:
— عندي حرارة داخلة على تسعة وتلاتين. كل اللي طلبته إننا نأجل شغل المونة لبكرة.

— ودي فيها إيه يعني؟ …. سأل بهدوء.

اتجمدت أمينة مكانها.
— يا سيد، إنت عارف إني بحب كل حاجة تبقى في معادها!

— والمرض له معاد يا أمينة؟ …. قاطعها وهو بيهز راسه.
— دي بنت تعبانة مش مجرمة.

اتوتر أحمد في كرسيه.
— أمي بس كانت متضايقة شوية.

ضحك خال سيد بسخرية.
— متضايقة؟! دي كانت مولعة البيت.

وقفت أمينة وهي بترتعش من الغضب.
— قصدك إيه بالكلام ده؟
بصلها خال سيد بثبات وقال:
— قصدي إن الوقت جه تبطلي تدخلي في حياة الناس، وتبطلي تضغطي على اللي حواليكي بالشكل ده.

فتحت أمينة بقها ترد…لكن قبل ما تنطق…باب الشقة اتفتح بعنف من برّه…والكل اتلفت ناحية الباب بصدمة ووو…..!!!!
#حكايات_مني_السيـد
اتخشب الكل في مكانهم، والعيون كلها اتعلقت بباب الشقة اللي اتفتح بضربة واحدة قوية. الصدمة لجمت لسان أمينة، وأحمد وقف من على الكرسي والموبايل وقع من إيده على السفرة وعمل صوت رنة مكتومة.
اللي كان واقف على الباب ما كانش حد غريب… دي كانت “الحاجة فاطمة”، والدة سارة!
كانت واقفة ونفسها عالي، ملامحها اللي متعودين عليها بالهدوء والطيبة كانت مقلوبة غضب وعينها بترمى شرار. وراها كان واقف ابنها الكبير “مصطفى”، عضلاته مشدودة وعلامات النرفزة واضحة على وشه. الحاجة فاطمة دخلت خطوتين جوة الصالة من غير حتى ما تسلّم، وعينها لقطت المنظر في ثانية: بنتها سارة واقفة دبلانة وشعرها منكوش وبتترعش، والإزاز المكسور مالى أرضية المطبخ، وأحمد وخاله قاعدين زي المتهمين.
الحاجة فاطمة بصت لأمينة بنظرة حادة وقالت بصوت قوي هز الحيطان:
— لحد هنا وبس يا أمينة! أنا بنتي مش جايباها من الشارع عشان تتهان في بيتها، ولا هي جارية عندك عشان ترمي الكوبايات تحت رجليها!
أمينة اتوجعت من المفاجأة، ووشها جاب ألوان، لكنها حاولت تلم الموضوع بسرعة وببرود مصطنع قالت:
— أهلاً يا أمة الله… ادخلي الأول، إيه الدخلة دي؟ وبعدين إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟ دي خناقة عادية بين ستات بيوت، وإنتي عارفة سارة دلوعة شوية.
مصطفى اتدخل وصوته كان زي الرعد:
— دلوعة؟! الست اللي حرارتها تسعة وتلاتين وبتموت من التعب تبقى دلوعة؟ إحنا سامعين صوت صويتك وجبروتك وإحنا طالعين على السلم! لولا إننا كنا جايين نطمن عليها بعد ما كلمتنا الصبح وقالت إنها تعبانة، ما كناش عرفنا بنتنا بيحصل فيها إيه هنا!
أحمد حاول يتدخل بنبرة مهزوزة:
— يا جماعة صلوا على النبي، حصل خير… دي حاجة بسيطة والله وأمي ما تقصدش…
قاطعته الحاجة فاطمة وهي بتبص له بحسرة وقلة قيمة:
— اسكت خالص يا أحمد! إنت بالذات ما تنطقش! تلات سنين وبنتنا صاينا الريد وصايناك، مستحملة طبع أمك ومقضياها “حاضر ونعم”، وفي الآخر تقعد تتفرج عليها وهي بتتهان وبتمرض ومتهونش عليك بكلمة حق؟ الراجل اللي ما يحميش مراته في بيته، ما يستاهلش تشيل اسمه!
الكلام نزل على أحمد زي السكينة، وطى راسه في الأرض ومش عارف ينطق. في الوقت ده، الخال سيد وقف من مكانه، وعدل جلبابه وبص للحاجة فاطمة ومصطفى باحترام وقال:
— حقكم عليا أنا يا جماعة… كلامك صح يا حاجة فاطمة، وأنا كنت لسه بوقف أمينة عند حدها. اللي حصل هنا ما يرضيش ربنا، وسارة بنتنا كلنا وما نقبلش عليها الإهانة.
أمينة لفت لأخوها بعصبية وغل:
— بقى كده يا سيد؟ بتبيع أختك عشان خاطر ناس غريبة؟ وبتصغرني قدامهم؟
بصلها الخال سيد بنظرة لوم قوية وقال:
— إنتي اللي صغرتي نفسك يا أمينة لما نسيتي الأصول. البنت مريضة، وبدل ما تعمليلها لقمة دافية تاكلها، بتكسري الكوبايات في وشها عشان تلات أقفاص طماطم؟ هي دي الأصول اللي تربينا عليها في البلد؟
سارة في اللحظة دي ما قدرتش تستحمل أكتر، دموعها نزلت بشلال على وشها السخن، وحست إن رجليها مش شايلاها. الحاجة فاطمة جريت عليها وأخدتها في حضنها، وطبطبت عليها وهي بتقول:
— خلاص يا قلب أمك، محدش هيمس شعرة منك تاني… طول ما أنا عايشة على وش الأرض، كرامتك من كرامتي.
بصت سارة لأمها بصوت مبحوح ومنهار:
— ياما… أنا تعبت أوي… مش قادرة خلاص… كل يوم على الحال ده، وأحمد كأنه مش موجود… أنا شلت كتير فوق طاقتي عشان أحافظ على البيت، بس البيت ده ملوش أمان.
مصطفى قرب من سارة وأخد من إيدها المفاتيح، وبص لأحمد وأمه وقال بنبرة حاسمة مفيهاش رجوع:
— سارة هتيجي معانا شقتنا لحد ما نشوف الموضوع ده هيرسى على إيه. والهانم الكبيرة اللي فرحانة بأقفاص الطماطم، تخلي ابنها يخللها بنفسه! الشقة دي نصها بفلوس أختي، وحقها هيجيلها لحد عندها بالقانون وبقعدات الرجالة.
أمينة صرخت وهي بتشوح بإيدها:
— مع السلامة! الباب يفوت جمل! فاكرين نفسكم هتلووا دراعنا؟ ابني يطلقها بكرة ويجيب ست ستها!
أحمد اتخض من كلمة الطلاق وبص لأمه بذهول:
— يا أمي طلاق إيه؟! بس بقى كفاية!
لكن الخال سيد قاطعه وضرب كف بكف وقال لأمينة:
— إنتي بتخربي بيت ابنك بإيدك يا أمينة؟ والله العظيم لو سارة مشيت من البيت ده بسبك، لأنا ولا هعرفك ولا هتدخليلي بيت تاني، والأرض اللي في البلد دي مش هتشوفي منها مليم واحد!
أمينة اتجمدت مكانها لما سمعت سيرة الأرض والفلوس، وبصت لأخوها بصدمة، النبرة الشمتانة والقوية اختفت فجأة وحل مكانها الخوف من خسارة كل حاجة.
مصطفى ما استناش يسمع كلام تاني، سند سارة اللي كانت هيمى عليها من السخونية والتعب، والحاجة فاطمة لمتلها عباية وتأشيرة سريعة تستر نفسها بيهم. وهم ماشيين ناحية الباب، سارة لفت وشها وبصت لأحمد نظرة أخيرة… نظرة كانت مليانة خيبة أمل مفيش بعدها رجوع، نظرة بتقول له إن الخيط الأخير اللي كان رابطها بيه اتقطع خلاص.
خرجوا وقفلوا الباب وراهم بعنف، سابوا الشقة غرقانة في سكوت قاتل ومخيف.
أحمد قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه، حاسس بالندم والضعف بيأكلوه من جوة. الخال سيد بص لأمينة بقرف وقال:
— مبروك عليكي يا أمينة… خربتي البيت، وفرحتي الجيران فينا. أنا ماشي، ومش عايز أشوف وشك لحد ما تعقلي وتعرفي ربنا.
خرج الخال سيد هو كمان، ومفضلش في الصالة غير أحمد وأمه وأقفاص الطماطم اللي كانت متبعثرة في البلكونة والمطبخ. أمينة بدأت تبرطم بكلام مش مفهوم وهي بتحاول تداري كسرتها وخوفها، وقربت من أحمد وقالت بصوت واطي:
— أحمد… متزعلش يا حبيبي، دي واحدة متسلطة وأهلها جايين يعملوا نمرة… بكرة هترجع تبوس إيدك عشان تسامحها.
أحمد رفع راسه، وعينه كانت حمرا من كتمان الدموع والغضب، وبص لأمه بصة عمرها ما شافتها منه قبل كده، وقال بنبرة جامدة وزي السكينة:
— مش هترجع يا أمي… سارة مش هترجع تاني… وإنتي اللي ضيعتيها مني.
سابها ودخل أوضته وقفل الباب وراه بالمفتاح، وساب أمينة واقفة لوحدها في نص الصالة، الضلمة بدأت تلمس المكان، وصوت تكتكة الساعة كان عالي ومرعب.
في نفس الوقت، تحت العمارة، مصطفى كان بيسند سارة ويركبها العربية ووالدتها بتدعي عليها وهي بتبكي. سارة كانت باصة من شباك العربية على الشقة اللي عاشت فيها تلات سنين، وحست بغصة في قلبها… لكن وسط الوجع ده كله، حست لأول مرة بنوع من الراحة، كأن الجرس اللي رن ما كانش مجرد خبطة على الباب، ده كان طوق النجاة اللي خرجها من جحيم كانت هتموت فيه.
العربية اتمشت في شوارع القاهرة والجو كان بدأ يبرد، وسارة غمضت عينها وهي بتفكر في اللي جاي… يا ترى أحمد هيقدر ياخد خطوة ويصلح اللي انكسر؟ ولا الحكاية انتهت هنا عند أقفاص الطماطم وكوباية الإزاز المكسورة؟
وفي الشقة فوق، أمينة كانت واقفة في المطبخ، بتبص على الطماطم بنظرة غريبة، وفجأة تليفونها رن برقم غريب، ولما ردت، وشها اتقلب تماماً والخط من إيدها وقع، والصدمة المرة دي كانت أكبر من كل اللي فات ووو…..!!!!
الخط مال من إيد أمينة ووقع على الرخامة، عمل صوت خبطة عالية رنت في المطبخ الفاضي. رجليها مابقيتش شايلاها، ساندت بضهرها على الحيطة ونفسها بدأ يتكتم. الصوت اللي جالها في التليفون كان صوت “الحاج عبد الصمد”، كبير عيلة جوزها المرحوم في البلد، الراجل اللي كلمته سيف على الرقاب ومحدش يجرؤ يكسرله كلمة.
الكلام اللي قالهولها في الكلمتين الصغيرين دول كان كفيل يوقف الدم في عروقها: *”بيتك بيتخرب يا أمينة وأنا نايم في خطي؟ الخال سيد قالي على كل حاجة، والأرض اللي بتتخانقوا عليها دي، سارة ليها فيها حق الشفعة ونصيبها من فلوس أحمد اللي دفعها من شقا عمره محمي بورق رسمي تحت إيدي.. جهزي نفسك إنتي وابنك، بكره القعدة الكبيرة في دوار العيلة، ولو البنت مجاتش وحقها رجعلها، متلوميش إلا نفسك!”*
أمينة كانت فاكرة إن اللعبة في إيدها، وإنها بالصوت العالي والتمثيل هتقدر تلم الموضوع وتخوف سارة وأهلها، مكنتش تعمل حساب إن أخوها سيد هيروح يبلغ العيلة في البلد ويقلب الطاولة عليها في ثانية واحدة.
خرجت من المطبخ وهي بتجر رجليها، راحت عند باب أوضة أحمد وبدأت تخبط بإيد بتترعش:
— أحمد… افتح يا أحمد… الحقني يا ابني، عمك عبد الصمد كلمني وقلب الدنيا عليا! افتح عشان نشوف هنعمل إيه!
من جوة الأوضة مكنش فيه أي رد، السكوت كان زي القبر. أحمد كان قاعد على السرير، باصص للسقف والظلام محاوطه. كلام حماته “الحاجة فاطمة” كان لسه بيرن في ودنه وزي المطرقة اللي بتهد كيانه: *”الراجل اللي ما يحميش مراته في بيته، ما يستاهلش تشيل اسمه”*. حاسس بنقص وعجز ممرمغين كرامته في الأرض. عمره ما تخيل إن سلبيته وخوفه من زعل أمه هيوصلوه للنقطة دي.. النقطة اللي يخسر فيها البنت الوحيدة اللي حبت وشالت طمعه وطمع أمه تلات سنين.
أما تحت العمارة، فالعربية كانت بتتحرك ببطء وسط زحمة شوارع الجيزة. سارة كانت ساندة راسها على الشباك، والدموع جفت على وشها بس ملامحها كانت دبلانة والحرارة لسه مأثرة عليها. والدتها الحاجة فاطمة كانت ماسكة إيدها وبتقرألها قرآن بصوت واطي، ومصطفى سايق وعينه في المراية كل شوية يبص على أخته بحزن ممزوج بالغل.
مصطفى كسر السكوت وقال بنبرة حاسمة:
— متزعليش يا سارة.. اللي حصل ده كان لازم يحصل من زمان. إنتي اللي جيت على نفسك كتير، والناس دي مبيتمرش فيها المعروف. أحمد لو كان فيه رجا، مكنش ساب أمه تكسر الكوباية في وشك وإنتي بتموتي من السخونية.
سارة اتنهدت تنهيدة طويلة خرجت من غاوي قلبها وقالت بصوت مبحوح:
— أنا مش زعلانة على الشقة يا مصطفى، ولا زعلانة على المونة والطماطم والكلام الفاضي ده.. أنا زعلانة على عمري اللي هان، زعلانة على إني أمنته على نفسي وهو أول واحد باعني وصغرني قدام أمه. أنا كنت بشوف نظرات الشماتة في عين طنط أمينة كل ما أحمد يسكت، كنت بحس إني غريبة ماليش ضهر.
الحاجة فاطمة ضغطت على إيدها وقالت:
— ضهرك موجود يا قلب أمك.. إحنا عايشين وموجودين، وبيت أبوكي مفتوحلك. والجدع ده لو مندمش وجالك زاحف على ركبه يبوس الأرض اللي بتمشي عليها، مش هيشوف ضفرك تاني. بس المرة دي مفيش رجوع غير بشروطنا إحنا، وبورق يضمن كرامتك قبل فلوسك.
وصلوا شقة العيلة، ومصطفى ساعد سارة تطلع، وأول ما دخلت أوضتها القديمة، حست بحضن دافي افتقدته من سنين. غيرت هدومها وأمها عملتلها كمادات وادتها العلاج، وسابتها تنام عساها تنسى لو كام ساعة الكابوس اللي عاشته.
على الجانب الآخر، شقة أمينة كانت قايدة نار. أحمد فتح الباب أخيراً بعد إلحاح أمه وصراخها. طلع وش عيونه حمرا وملامحه قاسية، وبص لأمه اللي كانت رايحة جاية في الصالة زي الفريرة.
— عايزة إيه يا أمي؟ مش خربتيها خلاص وارتحتي؟ الطماطم أهي مالي الشقة، روحي خلليها وافرحي بيها!
أمينة زعقت بحدة بس كان فيها نبرة خوف واضحة:
— طماطم إيه وزفت إيه دلوقتي يا أحمد! عمك عبد الصمد كلمني.. خالك سيد راح قاله على كل حاجة، والراجل قالب الدنيا وبيقول إن سارة ليها ورق في البلد ومكتوب باسمها حق الشفعة في الأرض الجديدة اللي كنا عايزين نشتريها بفلوسك! البنت دي طلعت مش سهلة وربطانا من رقبتنا!
أحمد ضحك بسخرية ووجع:
— مش سهلة؟ سارة اللي كانت بتديني مرتبها كله كل أول شهر عشان نسدد أقساط الشقة ونشتري الأرض دي طلعت مش سهلة؟ سارة اللي وافقت تكتب الأرض باسمي واسمك عشان متزعلش طلعت مش سهلة؟ لأ يا أمي، سارة كانت هبلة ومغفلة عشان وثقت فينا، وإحنا اللي كنا طماعين وعينينا فارغة.
أمينة ضربت على صدرها:
— إنت بتقف معاهم عليا يا أحمد؟ أنا أمك! أنا اللي ربيتك وسهرت عليك!
أحمد صرخ بأعلى صوته، لدرجة إن صوته سمع في المناور:
— وأنا مبعتش نفسي عشانك يا أمي؟! خسرت مراتي وكرامتي وبقيت عيل في عين الجيران وفي عين أهلها عشانك! ودلوقتي عمي عبد الصمد عايزنا في البلد؟ تمام.. هنروح، وخلينا نشوف الأصول اللي إنتي ضيعتيها هترجع إزاي!
الشمس طلعت وتاني يوم الصبح، كانت الأجواء مشحونة. في بيت الحاجة فاطمة، سارة قامت وكان حالها أحسن شوية بفضل العلاج، بس قلبها كان لسه تقيل. الباب رن، ومصطفى فتح لقى الخال سيد واقف على الباب وعلى وشه علامات الأسف والكسوف.
دخل الخال سيد وقعد مع مصطفى والحاجة فاطمة، وطلب يشوف سارة. أول ما سارة خرجت، الراجل وقف واعتذرلها بنفسه:
— حقك عليا يا بنتي.. أنا جيت هنا مش عشان أدافع عن أختي، أنا جيت عشان أقولكم إن عيلة المرحوم أبو أحمد في البلد عرفت كل حاجة. الحاج عبد الصمد باعتلي وباعت لأحمد وأمه، والقعدة النهاردة بالليل في دوار العيلة في القليوبية. وأنا جاي أطلب منك ومن مصطفى تيجوا معايا، عشان حقك يرجعلك قدام الكبير والصغير.
مصطفى بص لسارة، وسارة كانت مترددة، مش عايزة تشوف أحمد ولا أمه، ومش عايزة تدخل في حوارات ومشاكل تاني. بس الحاجة فاطمة قالت:
— هتروحي يا سارة.. هتروحي وتوقفي وسطيهم وراسك مرفوعة، عشان يعرفوا إن ليكي عيلة ورجالة ياكلوا الزلط عشانك. حقك المادي والشرعي هتاخديه، وكرامتك اللي اتهدرت بسبب قفصين طماطم هترجع قدام كبار البلد.
اتفقوا كلهم على السفر بالليل. وفي نفس الوقت، كانت أمينة وأحمد في المواصلات رايحين البلد. أمينة كانت طول الطريق ساكتة، الخوف واكل قلبها من مواجهة الحاج عبد الصمد، لأنها عارفة إن كلمته مفيهاش تراجع، وممكن يحرمهم من الميراث والدعم اللي بياخدوه من العيلة. أما أحمد فكان باصص من الشباك، بيفكر في سارة.. يا ترى هيشوفها النهاردة؟ وهل هتقدر تبص في وشه تاني بعد اللي عمله؟
الليل جه، ودوار الحاج عبد الصمد كان منور والأنوار مالية المكان. الكبار قعدوا على الكنب الخشب العريض، والقهوة السادة بتلف على الكل. في جهة قعد أحمد وأمه، وأمينة كانت حاطة طرحتها على وشها وموطية راسها لأول مرة. وفي الجهة التانية، دخل الخال سيد ومصطفى وسارة والحاجة فاطمة.
أول ما سارة دخلت، أحمد عينيه اتعلقت بيها.. كانت لابسة عباية سودا شيك، ورافعا راسها بثقة ووراها أخوها زي الحيطة السد. حواجب الحاج عبد الصمد اتقابلت وبص لأحمد وأمينة بنظرة ترعب، وضرب بعصايته على الأرض وقال بصوت جهوري:
— منورين يا جماعة.. القعدة دي معمولة عشان نصلح المايل، ونعرف مين اللي داس على الأصول ونسى شرع ربنا. إحنا عيلة عمر ما حد قال علينا إننا بنظلم ولية، ولا بنهين بنت ناس دخلت بيتنا بشنطة هدمها.
أمينة حاولت تتكلم وتدافع عن نفسها:
— يا حاج عبد الصمد، إنت مش عارف اللي حصل.. البنت سابت البيت…
قاطعها الحاج عبد الصمد بضربة عصاية تانية هزت الدوار:
— اخرسي يا أمينة! الكلام معايا أنا! الخال سيد حكالي كل حاجة، والجيران في العمارة أكدوا الكلام. البنت كانت مريضة وتعبانة وإنتي رميتي الكوباية تحت رجليها وصرختي فيها عشان شغل بيت ومونة؟ هو إحنا جايبين بنات الناس عشان نشغلهم سخرة؟
بص لأحمد وقال بنبرة لوم شديدة:
— وإنت يا أحمد؟ واقف تتفرج؟ فين رجولتك وفين شهامتك اللي تربيت عليها؟ مرتك تشقى معاك وتدفع معاك دم قلبها في أقساط الشقة، وبدل ما تشيلها في مرضها تسيب أمك تهينها؟
أحمد وطى راسه وقال بصوت مخنوق:
— غلطت يا عمي.. وأنا مستعد لأي حاجة سارة تطلبها عشان تسامحني.
مصطفى اتدخل وقال بقوة:
— سارة مش هتطلب حاجة يا حاج عبد الصمد.. إحنا اللي هنطلب. أختي حقها في نص الشقة يتكتب بملكيتها رسمي بعقد بيع وشراء ملوش علاقة بالجواز. والأرض اللي هنا في البلد، نصيب أحمد يتكتب ل سارة منه الجزء اللي دفعته من فلوسها. والست الوالدة ترجع شقتها القديمة اللي في الدور الأرضي، وماتعتبش شقة أختي تاني إلا برضاها وبإذنها!
أمينة برقت عينيها ووقفت من مكانها وهي بتصرخ:
— نعم؟! تطلعوني من شقة ابني؟ وتكتبوا الشقة باسمها؟ دا بعدكم! ابني يطلقها بكرة وميخدوش مننا مليم واحد!
الحاج عبد الصمد بص لأمينة بنظرة خلتها تتسمر في مكانها، وقال ببرود قاتل:
— لو أحمد طلق، الشقة دي كلها بحق القانون والشرع هتبقى من حق سارة كتمكين، والأرض اللي هنا، أنا بنفسي هشتري نصيب أحمد وأديه ل سارة كاش فوق حقها، وإنتي يا أمينة مالكيش قعاد في البلد هنا ولا ليكي مليم عندي.. اختاري بقى، يا تمشي بالأصول وتتأسفي للبنت وأهلها وتنفذي الشروط، يا الطلاق يحصل وتخرجوا من المولد بلا حمص!
الكل سكت، وأحمد بص لأمه بنظرة رجاء إنها تسكت وتوافق، وسارة كانت قاعدة بتبص لأحمد ببرود تامة، كأن الموضوع مبقاش يخصها. أمينة كانت بتتنفس بسرعة، وعينها بتروح وتيجي بين الحاج عبد الصمد ومصطفى، وحست إن الدنيا كلها ضاقت عليها وما بقاش قدامها مفر.
وفجأة، وسط السكوت ده كله، تليفون مصطفى رن، بص في الشاشة وملامحه اتغيرت، وقام وقف وخرج برة الدوار بسرعة وهو بيتكلم.. وبعد دقيقة، دخل تاني ووشه مخطوف، وبص ل سارة وقال بصوت مرعوب ووو…..!!!!
الكل في الدوار اتلفت ناحية مصطفى، الصوت وقف تماماً والحركة اتجمدت. مصطفى كان واقف ماسك الموبايل وإيده بتهتز، وشه اللي كان من شوية قاسي وزي الحيطة السد بقى لونه أصفر وخالي من الدم. سارة قلبتها أكلها، وقفت من مكانها غصب عنها ونسيت تعبها وسخونيتها، وقربت من أخوها بخطوات مرعوبة.
— في إيه يا مصطفى؟ … قالتها بصوت مرعوب وبيرتعش. — أمي فيها حاجة؟ حد جرى له حاجة في البيت؟
مصطفى بلع ريقه بصعوبة وبص للحاج عبد الصمد، وبعدين بص لأحمد وأمينة اللي كانوا مستغربين المنظر، وقال بصوت مكتوم كأنه طالع من بير:
— الشقة… شقة سارة وأحمد… ولعت!
الكلمة نزلت على الدوار زي قنبلة. أحمد وقف من مكانه كأن صدمة كهربا ضربته، وأمينة صرخت وضربت على صدرها:
— يا مصيبتي! شقة ابني؟ شقا عمري وشقا ابني ولع؟! إزاي؟ ومين اللي عمل كده؟!
مصطفى كمل وهو بيبص في الأرض وبيمسح العرق من على وشه:
— البواب كلمني… بيقول النار مسكت في المطبخ وطلعت على الصالة، الشقة كلها بقت كوم تراب، والمطافي هناك دلوقتي بتحاول تسيطر على الحريق قبل ما يوصل لباقي الأدوار في العمارة.
في ثانية واحدة، القعدة اتفضت. الحاج عبد الصمد وقف وضرب بعصايته وقال:
— مفيش قعاد هنا.. يالّا بينا على الجيزة نشوف المصيبة دي حصلت إإاي!
سارة حست إن الدنيا بتلف بيها، دموعها نزلت بس المرة دي مش من القهر، دي من الصدمة. تلات سنين من عمرها، بكل تفصيلة، بكل حتة جهاز جابته بدم قلبها وشقاها، كل ركن كانت بتمسحه وبتهتم بيه.. كله طار في الهواء وبقى رماد. بصت لأحمد لقت وشه ضايع، كأنه مش مستوعب إن الشقة اللي كانت محور الخناق والوجع مبقاش ليها وجود أصلاً.
أما أمينة، فكانت ماشية بتولول وتصوت في الدوار:
— يا خراب بيتك يا أحمد! يا شقا عمرك اللي ضاع يا ابني! ده غضب ربنا علينا… لأ، دي عين! عين وصابتنا!
الخال سيد زعق فيها وهو بيزقها ناحية العربية:
— اركبي وانتي ساكتة يا أمينة! بطلي كلامك ده بقى! شوفي وراكي إيه وإيه اللي عملتوه في البنت عشان ربنا يوريكوا آية في ثانية واحدة!
العربيات اتحركت بأقصى سرعة على طريق مصر الإسكندرية الزراعي متجهة للجيزة. السكة كلها كانت سكوت قاتل في عربية مصطفى وسارة والحاجة فاطمة. سارة كانت باصة من الشباك والظلام محاوط الطريق، حاسة إن ربنا جاب لها حقها بس بطريقة مرعبة، طريقة خلتها تخاف من قهرتها ودعوتها اللي طلعت من قلبها وهي مظلومة.
وصلوا الشارع بعد أكتر من ساعة ونص. الشارع كان مقلوب، عربيتين مطافي واقفين وصوت السرينة لسه شغال، والناس والجيران ملمومين في كل حتة. الدخان الأسود كان مالي المكان وطالع من شبابيك الدور الثالث.. شقة سارة وأحمد.
أمينة أول ما نزلت من العربية جريت وصوتت:
— بيتي! شقة ابني! يا خرابك يا أحمد!
أحمد جرى وراها وهو حاسس بنار جوة صدره أكبر من النار اللي في الشقة. مصطفى وسند سارة والحاجة فاطمة وقفو بعيد، الجيران أول ما شافوا سارة جريوا عليها، وأم محمد واقفة بتعيط وتقول:
— حمد الله على سلامتك يا بنتي.. قدر الله وما شاء فعل، المهم إنك مكنتيش جوة.. لو كنتي جوة بالمرض اللي كان عندك ده مكنتيش هتقدري تخرجي!
سارة بصت لأم محمد وقالت بذهول:
— هي النار بدأت منين يا أم محمد؟
أم محمد بصت لأمينة اللي كانت بتصوت وراحت قايلة بصوت مسموع للكل:
— من المطبخ يا بنتي.. البواب بيقول إن الست أمينة قبل ما تسافر معاكم البلد، كانت حاطة أقفاص الطماطم في المطبخ، وظاهر سابت بوتاجاز ولا عين شغالة عشان تسلق طماطم ولا تعمل صلصة، ونسيت تفصلها من اللخمة والخناق.. الغاز سِرب والنار مسكت في المطبخ كله ولعت في الخشب!
الكلام نزل على أمينة زي الصاعقة. صويتها وقف فجأة، ووشها جاب ألوان الطيف، وبصت حواليها لقت عيون الجيران وعيون الحاج عبد الصمد والخال سيد كلهم بيبصولها بنظرات قاتلة.
أحمد لف لأمه ببطء، وعينيه كانت مليانة غضب وكسرة عمره ما حس بيها قبل كده، وقال بصوت مكتوم ومرعب:
— الطماطم؟ … الطماطم اللي كنتي هتق*تلي سارة عشانها؟ هي اللي ولعت في الشقة؟ هي اللي ضيعت شقا عمري؟!
أمينة بدأت ترجع لورا وهي بتهز راسها برعب:
— لأ يا أحمد.. والله ما أقصد.. أنا كنت مستعجلة عشان نلحق نسافر، ونسيت.. نسيت العين اليمين شغالة.. والله ما أقصد يا ابني!
أحمد ضحك ضحكة هستيرية، ضحكة وجع خلت كل اللي واقفين يتأثروا. حط إيده على وشه وقعد على الرصيف وسط التراب والمية النازلة من خراطيم المطافي، وبقى زي الطفل الصغير اللي ضاع منه كل حاجة في ثانية.
الحاج عبد الصمد قرب من أمينة وبصلها بقرف شديد وقال:
— شوفتي تدبير ربنا يا أمينة؟ طمعك وجبروتك وقلة أصلك هما اللي خربوا بيت ابنك. كنتي جاية تتخانقي على الشقة ومين يملكها ومين يقعد فيها؟ أهي الشقة بقت تراب، ومفيش حد هيقعد فيها. ربنا ميرضاش بالظلم، وانتي ظلمتي ولية غلبانة ملهاش ذنب غير إنها استحملتك.
في اللحظة دي، رجال المطافي خرجوا وأعلنوا إن الحريق انطفى تماماً بس الشقة “تفحمت” بالكامل، ومفيش أي حاجة تنفع تخرج منها سليمة.
مصطفى بص لأحمد وهو قاعد على الرصيف، ورغم كل الغل اللي كان جواها ناحيته، حس بصعبانية عليه، بس كرامة أخته كانت فوق كل شيء. قرب من أحمد وقاله بنبرة جافة:
— أحمد.. الشقة وضاعت، والحمد لله إن أختي مكنتش فيها وإلا كانت راحت ف داهية بسبب الإهمال والجبروت. إحنا ورقنا وحقنا المادي هناخده بالمعروف وبأصول القانون، وسارة من النهاردة ملهاش صلة بيك ولا بوالدتك.
أحمد رفع راسه وبص لسارة اللي كانت واقفة بعيد، عيونهم اتلاقت وسط الدخان والدموع. أحمد كان بيبصلها بنظرة رجاء أخيرة، نظرة مستنجد بيغرق، كان نفسه تقوم وتقوله أنا جنبك.. بس سارة لفت وشها الناحية التانية وركبت عربية أخوها مع والدتها من غير ما تنطق بكلمة واحدة.
العربية مشيت وسابت وراها الرماد والخراب.
بعد أسبوع من الحادثة، الأجواء كانت هديت شوية بس النفوس متهدتش. سارة كانت قاعدة في بيت أبوها، صحتها رجعتلها بفضل ربنا واهتمام أمها، بس كانت قاعدة بتفكر في مصيرها. الباب رن، ودخل مصطفى ومعه محامي العيلة، وحطوا ورق على التربيزة قدامها.
— إيه ده يا مصطفى؟ … سألت سارة بهدوء.
مصطفى قعد وقالها:
— ده ورق دعوى الطلاق وإبراء الذمة يا سارة. الشقة ولعت وأحمد ميبقاش حيلته حاجة يديهالك كاش، بس الحاج عبد الصمد نفذ كلمته، وأجبر أحمد يكتبلك نصيبه في أرض البلد كـ تعويض عن حقك في الشقة وعن جهازك اللي ضاع، والورق ده عشان تمضي عليه وتنهي الحكاية دي رسمي وتتطلقي للضرر وبكل حقوقك.
سارة مسكت القلم وإيدها كانت ثابتة. مكنتش حاسة بتردد، الخوف اللي كان جواها زمان من لقب “مطلقة” اتمحى تماماً مع الدخان اللي طلع من شقتها. مضت على الورق وهي حاسة إنها بتقفل كتاب أسود من حياتها.
وفي نفس الوقت، في شقة قديمة مكركبة في الدور الأرضي بالبلد، كانت أمينة قاعدة على كنبة قديمة، ملامحها عجزت عشر سنين لورا. الخال سيد قاطعها ومبقاش يدخل بيتها، والحاج عبد الصمد حط عليها حراسة في مصاريف الأرض ومبقتش تاخد غير الفتات. وأحمد؟ أحمد بقاله أسبوع مبينطقش كلمة واحدة مع أمه، بينزل من النجمة يشتغل ويرجع بالليل يرمي جسمه على السرير وعينه في السقف، كأنه جسد من غير روح.
أمينة بصت لابنها وقالت بصوت واطي ومكسور:
— أحمد.. كل لقمة يا ابني، إنت مبتاكلش بقالك كام يوم.. عشان خاطري سامحني، أنا كنت عايزة مصلحتك.
أحمد لف وشه ليها، وعينيه كانت خالية من أي مشاعر، وقال بنبرة باردة خضتها:
— مصلحتي؟ إنتي خربتي بيتي، وضيعتي مراتي، وصغرتيني قدام الناس، وخلتيني عايش زي الميت. مصلحتي إنك سيبتيني من غير ضهر ومن غير كرامة. أنا هطلق سارة بكرة يا أمي، وهديلها كل اللي تطلبه، وبس تخلص الإجراءات، أنا هسيب البلد وهسيب الشقة دي، ومش عايز أشوف وشك تاني!
أمينة صرخت وبكت وجريت وراه بس هو قفل الباب في وشها، وسابها لوحدها مع دموع الندم اللي ملهاش أي قيمة بعد ما الفأس وقعت في الرأس.
وفي الجيزة، وتحديداً بعد مرور شهر على الحادثة، سارة كانت واقفة في المكتب بتاعها، لابسة طقم شيك ووشها منور وفيه ابتسامة أمل غابت من سنين. كانت بتجهز ورق لشغل جديد، وفجأة تليفونها رن برقم غريب. ردت وقالت:
— ألو.. مين معايا؟
جالها صوت ضغيف ومبحوح، صوت عرفته كويس أوي من بين مليون صوت.. صوت أحمد!
— سارة.. أنا عارف إن ماليش عين أكلمك، وعارف إن كل حاجة انتهت.. بس أنا واقف تحت مكتبك دلوقتي، ومحتاج أشوفك خمس دقائق بس، لأخر مرة قبل ما أسافر.. أرجوكي متكسفينيش ووو…..!!!!
سارة اتسمرت في مكانها والسمّاعة في إيدها، دقات قلبها بدأت تزيد لثواني، مش من شوق ولا من ضعف، لكن من شريط ذكريات كامل مر قدام عينها في لمحة عين. بصت من شباك المكتب العالي على الشارع تحت، شافت عربيته المركونة على جنب، وشافته هو واقف ساند ضهره عليها، باصص للأرض وراسه مكسورة، ومبقاش فيه حتة من كبرياء زمان.
أخدت نفس طويل، وحست إنها قوية.. قوية لدرجة تخليها تواجهه من غير ما تتهز ولا تدمع.
— خمس دقايق يا أحمد.. مش أكتر من كده، وأنا مستنياك في الكافيه اللي تحت المكتب.
قفلت السكة من غير ما تسمع رده، أخدت شنطتها ونزلت. أول ما دخلت الكافيه، لقطته قاعد في ركن بعيد، وشه خاسس، وعينه حواشيها سودا من قلة النوم والهم. أول ما شافها داخلة، وقف بسرعة كأنه تلميذ واقف قدام ناظر المدرسة.
سارة قعدت ببرود وحطت شنطتها على التربيزة، وشاورت له يقعد.
— اتفضل يا أحمد.. أنا وقتي ضيق، قولي إيه اللي جابك؟
أحمد بلع ريقه وبص لإيدها المفرودة على التربيزة، لقى صباعها فاضي، الدبلة اللي كانت مابتتخلعش من إيدها تلات سنين مابقاش ليها أثر. غصة وقفت في حلقه وقال بصوت واطي ومبحوح:
— سارة.. أنا مش جاي عشان أقولك ارجعي، وأنا عارف إن ماليش حق أطلب ده اصلاً. أنا جاي عشان أطهر نفسي قدامك.. جاي أقولك إني آسف.. آسف على كل ليلة نمتي فيها دمعتك على خدك بسببي، آسف على كل مرة صغرتك فيها قدام أمي ووقفت أتفرج، آسف إني مكنتش الراجل اللي يملى عينك ويحميكي.
سارة بصلته بثبات، ملامحها مكنش فيها غضب، كان فيها هدوء مرعب، الهدوء اللي بيجي بعد ما العاصفة تدمر كل حاجة. وقالت بنبرة هادية وزي السكينة:
— الأسف ده جاي متأخر أوي يا أحمد.. جاي بعد ما الشقة بقت رماد، وبعد ما كرامتي اتهانت في بيتك، وبعد ما وقفت بتموت من السخونية وأمك كانت عايزة تضربني بلوح الخشب عشان تلات أقفاص طماطم! الأسف مبيصلحش الكوباية اللي اتكسرت في وشي.. ولا بيعوضني عن تلات سنين عيشتهم وأنا حاسة إني عايشة مع واحد غريب ملوش كلمة في بيته.
أحمد دارى وشه بإيديه وصوته بدأ يتهز:
— عندك حق في كل كلمة.. أنا كنت أعمى، كنت فاكر إن بر الوالدين إني أظلم مراتي عشان أرضي أمي، ومكنتش فاهم إن الظلم ميرضيش ربنا. أنا نفذت كل شروط عمي عبد الصمد ومصطفى أخوكي، ومضيت على ورق التنازل عن الأرض، وبكرة الصبح ورقة طلاقك هتوصلك لحد عندك بكامل حقوقك.. أنا مش جاي أفاصل في حقك، حقك على راسي.
سارة هزت راسها:
— وده اللي خلاني أنزلك يا أحمد.. إنك على الأقل في الآخر عِرفت الأصول وجبت حق الله بالمعروف من غير محاكم وقضايا تبهدلنا.
أحمد رفع عينه وبصلها بنظرة رجاء أخيرة:
— أنا مسافر يا سارة.. جالي عقد شغل في السعودية، هسيب البلد كلها.. الشقة راحت، والأرض مبقاش ليا عين أقعد فيها وسط أهلي بعد ما عمي عبد الصمد صغرني قدام الكل وعلمني الأدب. أنا هسيب أمي هنا في شقتها القديمة في البلد، وهسافر ومش عارف هرجع إمتى.. بس كان لازم قبل ما أمشي أسمع منك كلمة واحدة.. إنتي مسمحاني يا سارة؟
سارة سكتت لثواني، بصت في عينه وشافت الندم الحقيقي، الندم اللي بيجي بعد فوات الأوان. اتنهدت وقالت:
— مسمحاك يا أحمد.. مسمحاك عشان ربنا يوفقني في حياتي اللي جاية، وعشان مش عايزة يربطني بيك ولا بذكرياتك أي غل أو وجع. أنا قفلت صفحتك من يوم ما خرجت من الشقة وهي بتولع.. ربنا يسهلك حالك في سفرك، ويهدي والدتك لنفسها.
وقفت سارة، أخدت شنطتها، وبصتله بصة أخيرة، بصة وداع مفيهاش رجوع. سابته وقامت مشيت بخطوات ثابتة وواثقة، طالعة لمكتبها ولمستقبلها الجديد. أحمد فضل قاعد مكانه، باصص على أثرها والدموع نزلت من عينه لأول مرة، حس إن خسارة سارة كانت أكبر عقاب ربنا كتبه عليه في الدنيا، خسارة ملهاش تعويض.
عدت الأيام والشهور، ومرت سنة كاملة على الحادثة اللي قلبت حياة الكل.
في شقة الحاجة فاطمة، الأجواء كانت مليانة فرحة وزغاريط. الشقة كانت متزينة بالورد والأنوار، ومصطفى واقف في الصالة لابس بدلته وشغال يستقبل الضيوف والابتسامة مش مفارقة وشه. جوة الأوضة، كانت سارة واقفة قدام المراية، لابسة فستان رقيق ومكياج هادي مبرز جمال ملامحها اللي رجعلها صفاها وراحتها.
سارة مكنتش سارة بتاعة زمان.. الدبلانة الخايفة من صوت حماتها. سارة النهاردة كانت ناجحة في شغلها، متمكنة من نفسها، ووشها منور بضحكة طالعة من القلب. الباب اتفتح ودخلت الحاجة فاطمة وهي بتزغرد ودموع الفرحة في عينها:
— بسم الله ما شاء الله يا قلب أمك! قمر منور.. ربنا يسعدك يا بنتي ويعوض صابرك خير.
سارة جريت على حضن أمها وبست إيدها:
— كلو بدعاكي ليا ياما.. وبوقفتك انتي ومصطفى جنبي. لولاكم مكنتش هبقى واقفة الوقفة دي النهاردة.
الحاجة فاطمة طبطبت عليها:
— إنتي تستاهلي كل خير يا سارة.. و”كريم” ابن حلال ويستاهلك، شريكي وصاينك من أول يوم دخل فيه بيتنا، وعارف قيمتك كويس. الراجل يبان من أول خطوة يا بنتي، وهو من أول يوم جاب أهله وكتب كتابكم النهاردة عشان يدخل بيكي بيته وهو رافع راسه قدام الدنيا كلها.
في الصالة برة، المأذون كان قاعد وبدأ يكتب الكتاب. كريم، المهندس المحترم اللي اتعرف على سارة في الشغل وشاف فيها الست الأصيلة المكافحة، كان قاعد جنب مصطفى وحاطط إيده في إيده. مصطفى بص لكريم وقاله بنبرة رجولة:
— أنا بلمنك أمانة يا كريم.. سارة مش مجرد أخت، دي حتة من قلبنا.. شافت كتير وتعبت، وعايزك تعوضها عن كل وجع شافته.
كريم ضغط على إيد مصطفى وقال بثقة وأمانة:
— سارة في عيني يا مصطفى.. وحقها عليا أشيلها على راسي فوق، وبيت المودة والرحمة اللي هنبنيه سوا مش هيدخله غير الفرحة بإذن الله.
المأذون قال جملته الشهيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، والدوار اتملى بالزغاريط والفرحة، وسارة دمعت دموع الفرحة وهي بتوقع على قسيمة الجواز، حاسة إن ربنا قفل باب العذاب وفتح لها طاقة قدر وعوض ملوش آخر.
وعلى الجانب الآخر، وفي نفس الليلة، كانت الأجواء مختلفة تماماً في شقة البلد القديمة بالدور الأرضي.
الشقة كانت ضلمة ومكركبة، التراب مغطي العفش القديم. أمينة كانت قاعدة على الكنبة، لافة طرحة سودا حوالين راسها، ملامحها عجزت وبقت كرمشتها باينة، وعينها مطفية ومفيهاش لا حس ولا خبر. كانت قاعدة لوحدها، مفيش حد بيسأل عليها ولا جارة بتعتب بابها بعد ما الجيران كلهم عرفوا طبعها وجبروتها اللي خرب بيت ابنها.
الخال سيد مكنش بيدخلها، والحاج عبد الصمد بيبعت لها مصاريفها الأساسية مع البواب من غير ما حد من العيلة يكلمها. تليفونها رن بصوت عالي كسر سكوت الشقة القاتل. جريت عليه بإيد بتترعش، كانت فاكرة إنه أحمد.
— ألو.. أحمد؟ يا ابني كلمني يا أحمد ريح قلبي!
جالها صوت غريب، صوت صاحبة البيت اللي أحمد مأجرها في الرياض:
— السلام عليكم.. أخت أمينة؟ أنا بكلمك من طرف أحمد ابنك.
أمينة قلبها وقع في رجليها:
— خير يا بنتي؟! أحمد فيه حاجة؟! جرى له إيه؟!
— أحمد تعب فجأة يا حاجة، وجاتله جلطة خفيفة من الزعل والضغط العصبي والشغل ليل نهار.. هو دلوقتي في المستشفى وحالته استقرت الحمد لله، بس الدكتور منعه من الحركة والزعل، وهو مش قادر يتكلم، بس طلب مني أكلمك عشان أطمنك ومتقلقيش عليه لو غاب في التليفون.
الخط قطع، وأمينة وقعت على الأرض والصرخة اتكتمت في صدرها. بصت حواليها في الشقة الفاضية، لقت نفسها وحيدة، خسرت كل حاجة.. خسرت أختها، وخسرت ابنها وصحته وشبابه اللي ضاع في الغربة بسببها، وخسرت كرامتها وسط الناس.
افتكرت في اللحظة دي يوم ما كانت واقفة في المطبخ ورمت الكوباية في وش سارة، وافتكرت صراخها وجبروتها وهي بتقول: “البيت ده إحنا اللي بنمشيه!”. بكت بحرقة وندم، وعرفت إن الدنيا دوارة، وإن ظلم الولية الغلبانة مبيعديش بالساهل عند ربنا.. طمعها في الشقة والأرض وطمعها في لوي دراع بنوت الناس، رجع عليها بالخراب والوحدة والمرض.
بعد مرور سنتين..
في أحد الأحياء الهادية والجديدة، كانت سارة واقفة في بلكونة شقتها الواسعة والشمس منورة المكان. الشقة كانت متزينة بذوق عالي، وفيها دفا مكنتش شيفاه زمان. سارة كانت شايلا في إيدها طفل صغير عنده كام شهر، شبهها في عيونها الواسعة وفي طيبتها.
دخل كريم البلكونة وهو شايل كوبايتين عصير دافي، حطهم على التربيزة وحضن سارة من ضهرها وباس راس ابنه الصغير “يوسف”.
— واقفة بتفكري في إيه يا سارة؟ العصير هيبرد يا حبيبتي.
سارة لفت وشها وبصت لكريم بابتسامة مليانة رضا وأمان:
— مش بفكر في حاجة يا كريم.. كنت ببص للشمس وبحمد ربنا على العوض الكبير. بجد يا كريم، ربنا لما بيقفل باب، بيفتح أبواب من حيت لا نحتسب.
كريم ابتسم وضغط على إيدها:
— إنتي اللي طيبة وأصيلة يا سارة، وتستاهلي كل حاجة حلوة في الدنيا. يالّا بينا ندخل عشان مصطفى وأمي زمانهم على وصول عشان يتغدوا معانا.
سارة دخلت الصالة وهي شايلا ابنها، وبصت لشقتها الجديدة، حست إن الخراب القديم والرماد مكنش نهاية القصة.. ده كان مجرد بداية لحياة حقيقية، حياة مبنية على الأصول، والمودة، والرحمة اللي ربنا أمر بيها.
وعرفت سارة إن رنة الجرس اللي قلبت البيت زمان، مكنتش مصيبة.. دي كانت الإشارة الإلهية اللي خرجتها من الضلمة للنور، وعلمتها إن المظلوم لو صبر، حقه بيرجعله تالت ومتلت، والظالم بياكل في نفسه لحد ما يخلص عليه عمله.
وانتهت حكاية “الطماطم والمخلل” اللي بدأت بخناقة وكسر كوباية، وبقت مجرد ذكرى بعيدة في كتاب اتقفل واترمى في الرماد، وبدأت حكاية جديدة مليانة فرحة وأمل وعوض جميل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *