احمد وعيلته

الصرخة التانية اللي طلعت من مريم مكانتش مجرد صوت ألم، دي كانت شرارة ولعت في نفوخ أحمد. حس بنبضات قلبها السريعة وهي بتنهج في حضنه، وجسمها اللي بقا زي الريشة من كتر التعب مش قادر يشيلها. نزل معاها بالراحة على الأرض، ساند ضهرها على تقفيل المطبخ الألوميتال، وعينيه مش مفارقة وشها اللي بقا لونه أصفر زي الليمونة.

“مريم.. ردي عليا يا مريم! حاسة بإيه؟” صوت أحمد كان بيترعش، الخوف لأول مرة يكسر هيبته وصوته اللي دايما ناشف من شقا الفجالة.

هي مكانتش قادرة تتكلم، يدوب بتشاور على بطنها وصوابعها بتغرس في قماشة جلابيتها البيتي، وبتتنفس بسرعة كأن الهوا هرب من المطبخ كله. الغضب اللي جواه تحول لطاقة مرعبة، سابها ثانية واحدة ووقف على باب المطبخ، وبص على الصالة.

الحاجة فوزية كانت لسه بتزق اللب بصباعها الكبير وتف Gele في الطبق، وشيماء بتعدل بوزها قدام الكاميرا عشان الإضاءة تطلع مظبوطة. أحمد زعق بعلو صوته، زعقة هزت نجفة الصالة القديمة: “أنتوا إييييييه؟ بني آدمين ولا صخر؟! مفيش دم؟! البنت بتموت جوه!”.

أمه لوت بوزها ونزلت رجلها من على الكنبة ببطء: “جرى إيه يا واد يا أحمد؟ ما تعليش صوتك عليا عشان حتة بت لا راحت ولا جت، تلاقيها بس بتمثل عشان تلم عليك وتعمل حكاية، ما إحنا ياما حملنا وولدنا في طشت الغسيل ومجرالناش حاجة”.

دعاء سابت التيك توك وقالت بلؤم: “تلقيها كلت حتة مخلل زيادة والضغط علي عليها، متعملش فيها سبع البرمبة يا أخويا”.

أحمد في اللحظة دي حس إن الناس دول مش أهله، دول ناس غريبة، ناس بتاكل في لقمته وبتشرب من دمه وفي الآخر عايزين يهدوا البيت على دماغه. سابهم ورجع للمطبخ من غير ما يرد، وطى على مريم وشالها بين إيديه، بالرغم من الحمل والوزن، شالها كأنها بنته الصغيرة. خرج بيها والصالة كلها عيونها وسعت لما شافوا مريم وشها غرقان عرق ومغمى عليها بين إيديه.

“أنت رايح فين بالبت دي في نص ليل؟” أمه وقفت وسألته بنبرة فيها شك.

أحمد مابصلهاش حتى، وهو خارج من الباب قال بكلمتين بس زي الرصاص: “حسابكم معايا لما أرجع.. لو رجعت ولقيت حد فيكم هنا، مش هيحصل كويس”.

نزل السلم جري، تلات درجات في تلات درجات، كأنه شايل روحه بين إيديه. في شارع ضيق من شوارع إزبت الشلبي، الجو كان كتمة والرطوبة عالية، الميكروباصات والتوكتوك ماليين الدنيا وصوت الكلاكسات مش بيهدا. أحمد قعد يزعق في وسط الشارع: “تاكسي! حد يلحقني بتاكسي يا ناس!”.

ربنا سخر له أسطى عبده، راجل جدع من جيرانه، كان لسه بيركن عربيتة الفيرنا المتهالكة. أول ما شاف منظر أحمد ومريم، فتح الباب اللي ورا بسرعة: “اركب يا أحمد، اخلص يا بني!”.

طول الطريق للمستشفى الحكومي القريبة، أحمد كان حاطط رأس مريم على حجر بيمسح على وشها ويقول لها: “قومي عشان خاطري.. قومي يا مريم أنا ضهرك، أنا أسف.. أسف إني سبتهم يعملوا فيكي كده”. مريم فتحت عينيها نص فتحة، وهمست بصوت مسموع بالعافية: “الشنطة يا أحمد.. الشنطة السمرة بتاعتي في الدولاب.. فيها الكشكول.. اقرأ الكشكول يا أحمد.. أومك.. أمك عايزة..”.

مكملتش الجملة وغابت عن الوعي تاني. وصلوا المستشفى، الدكاترة والممرضين جيروا بالترولي، شالوها من إيد أحمد ودخلوها أوضة الطوارئ، والممرضة زقته بره: “استنى هنا يا أستاذ، ممنوع الدخول”.

أحمد قعد على دكة حديد مصدية في طرقة المستشفى، ريحة الميكروباص والكلور خانقاه. حط راسه بين إيديه والدموع اللي حبسها طول السنين اللي فاتت في الغربة والشقا نزلت. افتكر كلام مريم عن الكشكول. “كشكول إيه؟ وشنطة إيه؟”.

الساعة بقت اتنين بالليل، الدكتور خرج وعلامات التعب على وشه، أحمد جري عليه: “طمني يا دكتور بالله عليك، مراتي وابني بخير؟”.

الدكتور قلع النظارة وقال بنبرة جادة: “الحمد لله، لحقناها في آخر لحظة، تسمم حمل حاد وضغطها كان واصل للسما، ده غير إن جسمها مجهد جداً كأنها كانت بتشيل حديد، زائد ضغط عصبي ونفسي شديد. إحنا سيطرنا على الوضع والنبض استقر، بس لازم تفضل تحت الملاحظة 48 ساعة، وممنوع منعا باتاً أي زعل أو مجهود، وإلا هنضطر نولدها قيصري فورا والجنين لسه مكتملش في الثامن وده خطر عليه”.

أحمد حس براحة مؤقتة، بس كلام الدكتور عن الإجهاد والضغط العصبي قاد النار في صدره من تاني. دخل بص على مريم من ورا زجاج الأوضة، كانت مركبة محاليل ونايمة زي الملاك، وشها بدأ يرجع له لونه بالتدريج.

“مش هسيب حقك يا مريم، والبيت اللي اتهانتي فيه، مش هيدخلوه تاني”.

أحمد ساب المستشفى وأم أسطى عبده اللي جت تقف جنب مريم بعد ما كلمها، وركب توك توك ورجع على الشقة. جواه بركان شغال، بس المرة دي بركان بارد، بركان تخطيط وتفكير.

وصل البيت الساعة تلاتة الفجر. فتح الباب بالراحة. المفاجأة إن الصالة كانت زي ما هي، الزبالة في كل مكان، بس أمه وإخواته كانوا نايمين في الأوضة الكبيرة وأوضة الأطفال كأنهم في فندق. دخل أوضته هو ومريم، قفل الباب بالترباس، وراح على الدولاب.

قلب في الهدوم لحد ما لقى الشنطة القماش السمرة اللي مريم قالت عليها. فتح السوستة وطلع منها كشكول سلك صغير، غلافه عليه ورد دبلان. قعد على السرير وفتح أول صفحة.

خط مريم كان صغير ومرعوش، الكشكول كان عبارة عن مذكرات يومية بدأت من يوم ما أمه وإخواته جم يقعدوا معاهم بحجة إن شقتهم بتتمحر.

أحمد بدأ يقرأ، وكل سطر كان بيمر على قلبه كأنه مية نار:

“15 إبريل: أحمد نزل الشغل من ستة الصبح، أول ما الباب اتقفل، حماتي دخلت عليا الأوضة، صحتني وزعقت وقالت لي قومي سوي شقة إخواتك واعملي لهم فطار يفوقوا، لما قلت لها يا ماما أنا في الشهر السادس والتعب ماسكني، قالت لي: بلا دلع ماسخ، أحمد شغال طافح الدم عشان يأكلك وأنتي قاعدة زي الهانم، لو مش عاجبك سيبيله البيت وغوري لبيت أبوكي الميت.”

أحمد بلع ريقه بصعوبة وقلب الصفحة:

“2 مايو: شيماء ودعاء خدوا الفلوس اللي أحمد كان سايبها للجمعية من على التسريحة، ولما واجهتهم، دعاء قالت لي: دي فلوس أخونا، وأنتي حتة جربوعة جاية من ملجأ مالكيش كلمة هنا، وحماتي وقفت معاهم وقالت لي لو فتحتي بوقك مع أحمد هقوله إنك بتسرقي فلوسه وبتوديها لخالك.. أنا خايفة أقول لأحمد ليتعصب وهو مش ناقص هم وشغل.”

أحمد دموعه نزلت على الورق، السطور اللي بعد كده كانت أصعب، إهانات يومية، تلميحات بأصلها ويتمها، تشغيلها كأنها خادمة لثلاث بنات شابات قاعدين قدام التلفزيون. لحد ما وصل لصفحة مكتوبة من تلات أيام بس، الصفحة دي خلته يقف على حيله وجسمه كله يتنفض.

“22 يونيو: أنا سمعت مصيبة.. كنت واقفة ورا باب المطبخ وسمعت حماتي بتتكلم مع شيماء في الصالة. حماتي كانت بتقول لها: البت دي فرفورة ومش هتحمل تربية الواد، أول ما تولد، أنا هاخد الواد أربيه عندي، وهخلي أحمد يطلقها ويرميها بره، هي ملهاش حد يسأل عليها، والواد ده ابن ابني ومن حقي، وشيماء ردت عليها وقالت لها: أيوة يا ماما عشان أحمد يكتب الشقة باسم الواد وتفضلي أنتي المتحكمة في كل حاجة.. أنا بموت من الرعب يا رب، خايفة ياخدوا ابني مني، خايفة أقول لأحمد ما يصدقنيش ويقول دي أمي.. أنا ماليش غيرك يا رب.”

أحمد قفل الكشكول، والدموع جفت في عينيه تماماً. اتحول لشخص تاني خالص. الغضب اتشال وحل محله برود مرعب، برود الراجل اللي ميبقاش عنده حاجة يخسرها. الخطة اتكونت في دماغه في ثواني.

طلع تليفونه وكلم صاحب المخزن اللي شغال فيه، الحاج مرسي، راجل صاحب فضل وكلمته مسموعة في المنطقة وشارى أحمد لجميله وأمانته.

“أيوة يا حاج مرسي.. أنا أسف على الإزعاج في وقت زي ده.. بس طالب خدمتك كراجل وأب..”. وحكى له كل حاجة في خمس دقائق. الحاج مرسي صوته خشن من الزعل وقال له: “نص ساعة وأكون عندك يا أحمد، ومعايا رجالة من الحتة، اللي ملوش خير في مراته اللي شايلة عرضه ملوش خير في حد، وأمك وإخواتك دول لازم يتربوا”.

أحمد قعد على الكرسي في الصالة، مستني الصبح يطلع. الساعة بقت ستة الصبح، النور بدأ يشقشق ويدخل من البلكونة، وصوت بياعين الفول والفراخ بدأ يظهر في الشارع.

أول واحدة صحيت كانت أمه، الحاجة فوزية. خرجت من الأوضة وهي بتمط في جسمها وبتتثاءب: “إيه ده؟ أنت قاعد كده ليه يا أحمد؟ والست مريم فين؟ لسه بتدلع في المستشفى؟ قوم يا واد جيب لنا فطار وطعمية سخنة من عند عمك إبراهيم”.

أحمد مبصلهاش، فضل باصص للباب. في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخل الحاج مرسي ومعاه تلات رجالة من عمال المخزن، شايلين في إيديهم حبال وكراتين فاضية.

الحاجة فوزية اتخضت ورجعت ورا: “إيه ده؟ مين دول يا أحمد؟ أنت جايب رجالة غريبة بيتنا ليه في الصباحية دي؟”.

إخواته البنات صحيوا على الصوت وخرجوا يجروا، شيماء لفت طرحتها بسرعه ودعاء مستغربة.

أحمد وقف، طوله وعرضه هيبته رجعت، بصلهم ببرود وقال: “دول مش غُرب يا فوزية هانم.. دول اللي جايين ينقلوا عزلاكم بره الشقة دي”.

فوزية صوتها علي وصوتت: “يا لهوي! بتطرد أمك يا أحمد؟ عشان حتة البت الجربوعة دي؟ بتبيع أمك اللي ربتك؟”.

أحمد طلع الكشكول من جيبه ورماه تحت رجليها: “أنا مبعتش أمي.. أمي هي اللي باعتني لما فكرت تسرق ابني وتخرب بيتي. أمي هي اللي داست على مراتي الحامل وشغلتها خدامة لإخواتي الهوانم اللي قاعدين يتمطعوا. الكشكول ده فيه كل يوم عشتوه هنا، بالدقيقة والثانية، بالشتيمة والإهانة وسرقة فلوس الجمعية”.

شيماء وشها جاب ألوان ودعاء استخبت ورا أمها.

أحمد كمل وصوته بقا زي الرعد: “الشقة دي إيجارها بفلوسي، والعفش ده أنا اللي شقيت فيه، واللقمة اللي في بطونكم دي من عرقي. من اللحظة دي، ماليش أم اسمها فوزية، وماليش إخوات بنات. الحاج مرسي والرجالة هيشيلوا كل لبسكم وحاجتكم، وهينزلوها في الشارع. وقدامكم نص ساعة، لو لقيت واحدة فيكم هنا، هعمل محضر في القسم بالسرقة اللي في الكشكول وبشهادة الدكاترة في المستشفى عن حالة مراتي، وهحبسكم كلكم”.

الحاجة فوزية حاولت تعمل نمرة العياط والوجع: “آه يا ضهري.. الحقوني يا ناس الواد اتهبل وعايز يرمي أمه في الشارع!”.

الحاج مرسي اتدخل ووشه غضبان: “بس يا ست أنتِ! عيب على سنك، بدل ما تصوني عرض ابنك وتشيلي مراته في غيبته، كنتوا بتنهشوا فيها؟ أحمد راجل وجدع، والي بتعملوه ده ميرضيش ربنا. يلا يا رجالة، لموا الهدوم دي في الكراتين واطلعوا بيها بره”.

العمال بدأوا يشتغلوا بهمة، يفتحوا الدواليب ويلموا الهدوم ويرموها في الكراتين. البنات بقوا يصوتوا ويعيطوا من الكسوف والخوف، خصوصاً لما جيران الشارع بدأوا يتجمعوا على الصوت وبصات الناس من الشبابيك بقت مليانة احتقار ليهم بعد ما الحاج مرسي فهم الحتة كلها بره هما عملوا إيه في البنت اليتيمة الحامل.

في خلال ساعة، كانت الصالة فاضية تماماً من أي أثر ليهم، وكراتين الهدوم والشنط مرمية في الشارع تحت البيت، وأمه وبناتها واقفين في وسط الشارع مكسورين، والناس بتبص لهم بقرف. أمه بصت لفوق وزعقت: “ماشي يا أحمد.. والله ما هسيبك، والواد ده مش هتشوفه!”.

أحمد قفل الشباك ببرود، ومسح الشقة كلها بنفسه، كنس ومسح ورتب كل حاجة لحد ما ريحة البيت بقت نضيفة وتدخل النفس. قفل الشقة ونزل، راح للمستشفى.

دخل أوضة مريم، كانت صحيت وقاعدة وساندة ضهرها على المخدة. أول ما شافته، عينيها اتملت دموع وخوف: “أحمد.. أنا..”.

أحمد قرب منها، قعد على طرف السرير، واخد إيدها بين إيديه وباسها: “البيت نضف يا مريم.. نضف خالص ومبقاش فيه غيري أنا وأنتي وابننا اللي جاي. أهلي مابقاش ليهم وجود في حياتنا، والكشكول ده..”. طلع الولاعة وولع في الكشكول في سلة المهملات اللي في الأوضة لحد ما بقا رماد: “.. وده اتحرق، ومعاه كل الأيام السودة اللي عشتيها”.

مريم عيطت، بس المرة دي دموع راحة، دموع سند وأمان. حضنته بكل قوتها: “أنا بحبك أوي يا أحمد.. كنت خايفة تضيع مني”.

“أنا اللي كنت ضايع ورجعتلك يا قلب أحمد”.

عدى أسبوعين، مريم رجعت الشقة، وأحمد بقا ينزل شغل وردية واحدة بس عشان يفضل جنبها، والحاج مرسي زود له مرتبه تقديراً لظروفه وأمانته. البيت كان هادي ومليان حب وفرحة مستنية المولود الجديد.

في يوم، كانت الساعة تنين الظهر، أحمد كان قاعد في الصالة بيقشر لمريم برتقال وهي بتضحك، فجأة جرس الباب رن.

أحمد قام فتح الباب وهو مبتسم، بس الابتسامة اتمحت فورا من على وشه.

قدام الباب كان واقف راجل ضخم، لابس بدلة سودا وشكله غريب ومش من المنطقة خالص، ووراه اتنين حراس شخصيين. الراجل بص لأحمد بنظرة حادة وباردة، وطلع من جيبه ظرف أسود كبير ومرسوم عليه شعار غريب وعريق، وقدمه لأحمد.

أحمد استغرب: “أنت مين؟ وعايز إيه؟”.

الراجل رد بصوت رخيم وهادي يبعث على الرعب: “أنا المحامي الخاص بعائلة (السيوفي).. الظرف ده فيه ورق رسمي، وبلاغ من النيابة. ابنكم اللي هيتولد بعد أسبوعين.. مش بتاعكم لوحدكم. الست الحاجة فوزية باعت لنا سر قديم من عشرين سنة، والطفل ده وريث شرعي لنصف ثروة السيوفي.. وإحنا جايين ناخده بالقانون.. أو بالدم”.

أحمد حس إن الدم جمد في عروقه، والظرف الأسود في إيده بقا أتقل من جبل المقطم، ومن جوه الصالة سمع صوت مريم وهي بتقول: “مين على الباب يا أحمد؟”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *