بعد دفن امي

بعد دفن أمي بأربعين يوم بس، أختي رمت مرتبتها القديمة في الزبالة وهي مبتسمة…
لكن أول ما شفت المرتبة وهي بتتحمل على عربية الخردة، افتكرت آخر جملة أمي قالتها قبل ما تموت
يا ليلى… لو عايزة تعرفي مين سرق عمرك كله، أوعي تخلي حد ياخد المرتبة دي.
ساعتها افتكرتها بتهذي من الوجع…
لكن بعد أقل من ساعتين، كنت بجري وسط مخزن مليان عفش مرمي، عشان اطلع اللي كان مستخبي جواها، عرفت إن أمي ما كانتش بتحاول تحافظ على مرتبة قديمة…
كانت بتحاول تدفن سر هيهدّ عيلتنا كلها.
أختي الكبيرة فايزة رمت مرتبة أمي القديمة في الزبالة وقالت لي ببرود
بصي يا ليلى، كفاية بقى تدوير في القذارة.. المرتبة دي مافيش فيها غير البق وقرف العيا بتاع الكبار.
كنت واقفة جنب صندوق الزبالة الكبير في ساحة مجمع العمارات بعد ما خلصنا صوان الأربعين بتاع أمي..
كنت لابسة فستان أسود وحاضنة الجلابية بتاعة أمي في إيدي، وبراقب اثنين من عمال النقل وهم بيزقوا مرتبة رمادي فيها هبطة غويطة في النص، وبيركبوها في عربية النقل.
أمي نامت على المرتبة دي 22 سنة..
عليها نامت بعد أول جرعة كيماوي، وكانت بتلم خصلات شعرها اللي بتوقع على المخدة في داري مننا عشان مانتوجعش..
وعليها قعدت جنبها وأنا بأكلها الشوربة المضروبة في الخلاط بالمعلقة..
وفي شهرها الأخير، مسكت إيدي وهي نايمة عليها وهمست لي
يا ليلى.. مهما حصل، أوعي تخلي حد ياخد المرتبة دي.
ساعتها، افتكرتها خايفة من المستشفيات.. خايفة من الكبر.. أو خايفة إن أغراضها تقع في إيد الغربا.
أختي الكبيرة فايزة وقتها قالت للدكتور قدامنا أمي مخها خرف وبقت بتقول أي كلام.
ودلوقتي، المرتبة خلاص بتترمي، وفايزة واقفة عند مدخل العمارة بمانيكير جديد في إيدها، ومفاتيح شقة أمي، وعلى وشها نظرة

شخص حاسس إنه خلاص ورث كل حاجة.
قالت لي وهي بتأفف ليلى، بلاش تعملي فضايح ومنظرة في الشارع.. أمي ماتت خلاص، والمرتبة دي معفنة ولازم ننضف الشقة دي ونفضيها.
رديت عليها بس هي طلبت مننا بالاسم مانتخلصش منها!
فايزة ابتسمت بسخرية وقالت أمي برضه كانت بتطلب مننا نأكل الحمام في البلكونة ونسيب التلفزيون شغال عشان أبوكِ الله يرحمه يسمع النشرة!
هنقعد بقى نعمل كل ده؟
كنت عاوزة أرد عليها، بس واحد من العمال رزع باب العربية الحديد..
المرتبة القديمة اختفت ورا الباب، وحسيت ساعتها إن آخر مكان كان ممكن أسمع فيه صوت أمي ضاع للأبد.
أمي كان اسمها الحاجة فاطمة.. ماتت وهي عندها 74 سنة. آخر تلات سنين في عمرها كانوا عذاب ووجع مستشفيات، ومواعيد أدوية بالدقيقة، وليالي من غير نوم، وأجهزة طبية محاوطة السرير، وزرقان في إيدها من كتر المحاليل والكانولات.
أنا كنت عايشة في محافظة تانيةومش عشان سبتها أو بعت عنها..
جوزي اتنقل شغله هناك، وابني بدأ جامعته هناك، وأقساط شقتنا كانت مكتفانا..
بس كنت بسافر لها كل أسبوعين، وساعات أكتر.
كنت ببعت فلوس الأدوية، وبدفع تمن الممرضات اللي بيجوا يقعدوا معاها، وبشتري كل المستلزمات، وبسوق بيها للمستشفيات كل ما تجيلي الفرصة.
أما فايزة، فكانت عايشة على بعد 15 دقيقة بس من شقة أمي. الكل كان بيقول فايزة هي اللي جمبها.. فايزة هي اللي شايلها.
جمبها؟ ماشي.. إنما شايلاها؟ عرفت الحقيقة بعدين.
بعد المدافن على طول، فايزة بدأت تتكلم في موضوع الشقة.
قعدنا في مطبخ أمي، وكان فيه كوبايتين شاي على الترابيزة جمب علبة بسكوت أمي مالحقتش تأكلها، ونضارة القراية بتاعتها ذات الإطار البني..
كنت بصل للنضارة وافتكرها وهي ماسكة فواتير النور والمياه وبتقربها من عينيها أوي عشان تقراها.
فايزة قالت وهي بتشرب الشاي ليلى، لازم نتصرف بعقل.. أمي ماسابتش ورقة ولا وصية، والقانون بيقول الميراث النص بالنص..
بس عشان نكون صرحا مع بعض، أنتِ ماكنتيش بتراعي أمي بجد، أنا اللي شيلت الليلة كلها.
رديت بوجع أنا اللي كنت دافعة تمن علاجها كله!
فايزة شاورت بإيدها باستهانة وقالت كلنا دفعنا.. بلاش تقيسي الحب بالفلوس والوصولات.
تاني يوم على طول، فايزة طلبت مرتبة جديدة للشقة، وقالت تبرر ده لازم الشقة يبان شكلها نضيف عشان لما نعرضها للبيع، مش عاوزين المشتري يشم فيها ريحة عيا ومستشفيات.
الكلمة دي وجعتني أكتر من كلامها عن الميراث..
بالليل، خالو رأفت جارة أمي وأعز صاحبة ليها من وتلاتين سنة دخلت الشقة، شافت السرير فاضي وسندت على الباب وقالت بزهول ليلى.. فين المرتبة بتاعة أمك؟
قلت لها بصوت مخنوق فايزة رمتها.
خالتو رأفت قعدت على أقرب كرسي بصدمة وقالت يا نهار مش فايت!
يا ويلة قلبي.. أمك كانت كل ما تشوفني تقول لي لو ليلى جت، قولي لها أوعي تخلي حد ياخد المرتبة..
هناك الحقيقة كلها.. كانت خايفة فايزة تقلب الشقة وتدمر الدنيا وهي بتدور عليها.
جسمي كله اتجمد……….
جسمي كله اتجمد
خالتو رأفت بصّتلي كأنها عارفة حاجة أنا لسه مش واخداها بالكامل، وقالت بصوت واطي فيه رجفة
المرتبة دي أمك كانت بتحلف إنها مش هتترمي لو حصل اللي حصل.
فايزة دخلت علينا فجأة من باب الشقة، ماسكة كيس قمامة، وقالت ببرود وهي شايفة شكلنا
إيه الدراما دي تاني؟ المرتبة اتلمّت خلاص، والزبالة اتشالت. خلصنا.
خالتو رأفت وقفت مرة واحدة وقالت لها بحدة إنتِ رميتيها فين يا فايزة؟
فايزة رفعت كتفها في مقلب الزبالة اللي ورا العمارات واللي خدها خدوها، إحنا مالناش دعوة.
ساعتها حسّيت قلبي بيقع في رجلي.
مش بس لأنها رمتها
لأ
لكن لأنها قالت الجملة الأخيرة كأنها بتقفل باب عادي.
خالتو رأفت مسكت دراعي فجأة وقالتلي لازم نلحقها قبل ما تتكسر لو اتقطعت أو اتفرمت، خلاص كده هنفقد كل حاجة.
بصيتلها بصدمة كل حاجة إيه؟! إنتوا بتتكلموا عن إيه بالظبط؟!
سكتت لحظة وبعدين همست أمك ماكنتش مريضة بس يا ليلى أمك كانت مستخبية.
قبل ما أستوعب كلامها، كان صوت فايزة بيعلى من ورا إنتوا اتجننتوا رسمي! هتدوروا في الزبالة عشان مرتبة؟!
بس أنا ماكنتش سامعاها أصلاً
كنت بنزل السلم بسرعة غريبة، قلبي بيخبط في صدري، وخالتو رأفت ورايا بتجري وهي بتقول لو العمال لسه ما نقلوش الحمولة بعيد ممكن نلحقها.
أول ما خرجنا من العمارة، شوفت عربية الخردة بتتحرك ببطء ناحية أول الشارع
والراجل اللي سايقها رافع إيده كأنه خلاص قفل اليوم.
خالتو صرخت الحقينا يا ليلى دي مش هتتعوض!
جريت بكل قوتي، لحد ما رجلي بدأت توجعني
وكل خطوة كانت بتخليني أفتكر صوت أمي وهي بتقول
أوعي تخلي حد ياخد المرتبة دي
العربية زادت سرعتها
والمسافة بيني وبينها كانت بتكبر
وفجأة
الراجل اللي في الكابينة بص في المراية وهدّى السرعة لحظة واحدة كأنه شاف حاجة جوه الحمولة
نفس اللحظة اللي خالتو رأفت صرخت وقفه! وقف العربية دي حالاً!!غطاء الصندوق اتزحلق ببطء ببطء مُخيف كأنه حد من جوه هو اللي بيزقه مش العمال.
الراجل رجع خطوة لورا وقال بصوت مبحوح أنا مش هقرب والله مش هقرب!
خالتو رأفت مسكت إيدي جامد، إيدها كانت ساقعة بصي يا ليلى متخافيش من اللي هتشوفيه خدي نفس واحدة بس.
بس أنا ماكنتش سامعة غير صوت واحد بيتكرر جوا دماغي يا ليلى
الغطاء اتفتح نص فتحة
وطلعت ريحة غريبة مش ريحة زبالة
ريحة دواء قديم ومحلول وقطن طبي مبلول.
وفجأة
بانت حاجة رمادية جوه المرتبة مش قماش بس
فيها شكل كأنه متكور كأنه بيتنفس.
فايزة صرخت لأول مرة اقفلوا! اقفلوا بسرعة!!
لكن كان خلاص
لمحة نيوز

فات الأوان.
الحاجة اللي جوه المرتبة بدأت تتحرك بوضوح
وتتفتح ببطء كأنها بتفك نفسها من سنين حبس.
وطلع صوت أمي تاني بس المرة دي أوضح ليلى ما تسيبيهاش تتفتح
اتجمدت.
هي؟ مين هي؟!
المرتبة اتشدّت من جوه فجأة وسمعنا صوت تمزق خفيف
كأن قماش بيبقى بيتشق من غير ما حد يلمسه.
وفجأة حاجة وقعت على أرض العربية.
مش جسم كامل
لكن ملفوفة في قماش أبيض قديم مربوط بخيط غامق.
خالتو رأفت همست دي مش المرتبة اللي رموها
الراجل قال وهو بيترعش أنا مش فاهم أنا طلعت مرتبة عادية إزاي ده حصل؟
فايزة رجعت لورا خطوة خطوتين وبقت تبص للملف كأنه هيهجم عليها.
وفي اللحظة دي
الملف اتزحزح لوحده.
الخيط اللي عليه ابتدى يفك ببطء شديد
كأن في إيد مش باينة بتفكه من الداخل.
وخالتو رأفت قالت بصوت شبه بكاء يا ليلى أمك ماكانتشي خايفة من المرتبة
سكتت لحظة
وبعدين كملت كانت خايفة من اللي مستخبي جواهاالعربية وقفت فجأة كأنها اتخبطت في إشارة مش موجودة
الراجل نزل من الكابينة وهو بيتمتم فيه حاجة بتتحرك جوه أنا كنت فاكرها أوهام.
قلبي اتجمد أكتر من الأول.
خالتو رأفت جريت ناحية الصندوق الخلفي بتاع العربية، وخبطت عليه بإيدها افتحه يا ابني بسرعة!
الراجل بص لنا باستغراب إنتوا عايزين مرتبة قديمة تعملوا عليها كل الفيلم ده ليه؟
بس قبل ما يمد إيده
الصندوق نفسه اتخبط من جوه.
خبطة واحدة.
وبعدين خبطة تانية أقوى.
سكون غريب نزل على المكان حتى صوت الشارع كأنه اختفى.
الراجل رجع لورا وقال أنا مش فاتح حاجة بتتحرك!
فايزة وصلت فجأة وهي لاهثة، وشايلة شنطة إيدها إنتوا بتعملوا إيه؟ هتفضحونا وسط الناس!
لكن أول ما سمعت الخبطة اللي من جوه، وشها اتغير.
دي أول مرة أشوف الخوف في عينيها.
خالتو رأفت بصتلها وقالت ببطء إنتِ عارفة اللي جوه صح؟
فايزة ردت بسرعة زيادة عن اللزوم أنا معرفش حاجة!
لكن إيديها كانت بترتعش.
الصندوق اتخبط تاني بس المرة دي كان أقوى وكأنه بيتفتح من نفسه.
الراجل صرخ يا نهار أبيض! افتحوا بسرعة!
ومد إيده ناحية القفل
وفي اللحظة اللي صوته طلع فيها الحديد وهو بيتفتح
طلع صوت مكتوم من جوه صوت ست ضعيفة شبه أنين
يا ليلى
رجلي خدتني من الصدمة.
ده صوت أمي أو حاجة شبهه مستحيل يكون حقيقي
خالتو رأفت همست وهي بتبصلي قلتلك أمك كانت مستخبية
والصندوق بدأ يتفتح ببطء شديد كأن اللي جواه مش عايز يطلع أو خايف يبانالصمت اللي بعد الجملة كان أخطر من أي صدمة قبلها.
فايزة اتجمدت مكانها عينيها وسعت كأنها أول مرة تسمع الاسم يتقال كده صريح.
وخالتو رأفت بصت لها بسرعة تمسحي إيه يا فايزة؟!
لكن فايزة كانت بتتهرب بعينيها، وبتحاول تقرب من العربية ده تسجيل قديم أكيد متركب أمي كانت بتخرف في آخرها!
بس صوت الشريط ماوقفش
كان بيكمل
وصوت أمي كان أهدى من أي مرة لو سمعتي الكلام ده، يبقى أنا خلاص مش قادرة أقول الحقيقة وأنا عايشة
وفجأة
في الخلفية دخل صوت تاني في التسجيل.
صوت رجل غريب.
خليكي ساكتة والورق يتغير، ومحدش يعرف حاجة.
قلبي وقع.
خالتو رأفت همست ده مش صوت واحد مريض ده تهديد
فايزة فجأة صرخت اقفلوا الشريط ده!!
وجريت ناحية العلبة الخشب تحاول تقفلها
لكن أول ما لمستها
العلبة اتقفلت في إيدها لوحدها بعنف، وضربت صباعها.
صرخت من الألم ورجعت لورا.
وفي نفس اللحظة
الكاسيت شغّل نفسه تاني بصوت أعلى.
وصوت أمي رجع تاني لكن المرة دي كان بيبكي
ليلى أبوكي ما ماتش زي ما قالوا لك
الدنيا اسودت في عيني.
خالتو مسكتني بسرعة قبل ما أقع.
وفايزة وقفت مكانها وشها اتجرد من أي لون.
الراجل بتاع العربية قال بصدمة إيه الكلام ده؟!
لكن الشريط كمل الجملة اللي كسرت كل حاجة
اتقتل واللي عمل كده عايش لحد دلوقتي في البيت اللي بنبيعه
سكتت ثانية
وبعدين
قالت أمي آخر جملة
والمفتاح في المرتبة اللي رمتوهاالملف الأبيض اتفك الخيط بتاعه آخر عقدة ووقع على أرض العربية بصوت مكتوم.
الكل سكت.
حتى فايزة.
كأن المكان كله وقف نفس واحد.
خالتو رأفت همست ما تبصييش غير بعينك يا ليلى ومتلمسيش حاجة إلا لما أفهمك.
لكن إيدي كانت اتحركت لوحدها.
قربت
خطوة واحدة
وبعدين فتحت طرف القماش.
وفجأة
اتسمر جسمي.
جوه القماش ماكنش جثة ولا حاجة مرعبة زي ما كنت متخيلة
كان فيه علبة خشب صغيرة قديمة مقفولة بقفل نحاس، وعليها حروف محفورة بإيد مهزوزة
ف ف
فايزة اتنفضت لما شافت الحروف.
دي دي مش حاجة لينا!
خالتو رأفت بصتلها بسرعة إنتِ عارفة الحروف دي؟
فايزة بلعت ريقها لا مفيش حاجة
بس صوتها كان بيكذبها.
الراجل اللي سايق العربية قال بعصبية أنا همشي من هنا أنا مش داخل في المصيبة دي!
لكن قبل ما يتحرك
العلبة الخشب نفسها خبطت من جوه.
خبطة خفيفة.
وبعدين اتنين.
وبعدين صوت زي حد بيحاول يفتح الغطا من الداخل.
أنا رجعت خطوة لورا وأنا ببص في إيه جواها؟!
خالتو رأفت قالت بصوت واطي جدًا دي مش علبة عادية دي حاجة أمك كانت مخبياها طول حياتها
فايزة فجأة صرخت اقفلوها! ارموها في أي حتة وخلاص!
لكن الوقت كان فات.
القفل النحاس وقع لوحده على الأرض.
وغطاء العلبة اتفتح ببطء شديد
وفي اللحظة اللي اتفتح فيها
طلع صوت تسجيل قديم صوت شريط كاسيت بيتشغل لوحده
وصوت أمي رجع تاني
بس المرة دي واضح جدًا
لو وصلتي للعلبة دي يا ليلى يبقى فايزة ما لحقتش تمسح الحقيقةاتقفل الباب بعنف لدرجة إن زجاج الشباك في الصالة رنّ.
وقفت مكاني.
الضلمة في أوضة النوم بقت تقيلة كأنها بتضغط على صدري.
خالتو رأفت صرخت من ورا الباب ليلى! افتحي! افتحي بسرعة!
بس المفتاح ماكانش في إيدي والباب كان اتقفل من جوه مش من برّه.
سمعت حركة خفيفة جوا الشقة
خطوات.
واحدة اتنين وبعدين وقفة.
وبعدين صوت نفس.
قريب جدًا مني.
لفّيت ببطء
ومفيش حد.
بس المرتبة اللي واقفة جنب الحيطة
بدأت تتسطّح لوحدها.
كأن حد نايم عليها تاني.
وفجأة
النور اللي في الأوضة يومض مرة مرتين وبعدين استقر على إضاءة ضعيفة.
وساعتها شفتها.
علبة الخشب كانت مفتوحة تاني على الأرض.
والشريط لسه شغال بس الصوت بقى متقطع.
ليلى لو إنتي سمعاني ما تثقيش في اللي بيقول الحقيقة دلوقتي
صوت أمي كان بيضعف كأنه بيتسحب.
وفجأة دخل صوت رجل تاني على التسجيل لكن المرة دي واضح أكتر
اقفلي الموضوع يا فاطمة قبل ما بنتك تعرف كل حاجة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
وبعدين
صوت الباب الداخلي للأوضة دولاب الملابس اتفتح لوحده ببطء شديد.
واللي كان جواه خلى رجلي تتهز.
ملف نفس الملف الأبيض.
بس المرة دي
مفتوح.
وجواه ورق أصفر قديم وتقارير مستشفى وأسماء
وأول اسم عيني وقعت عليه كان
ليلى
وقبل ما أمد إيدي
الدولاب اتقفل فجأة بعنف.
ومن وراه سمعت صوت رجولي واضح جدًا
لقيتيه أخيرًا العربية كلها اتجمدت.
حتى صوت الشارع اللي حوالينا كأنه اتسحب فجأة.
المفتاح في المرتبة اللي رمتوها
الجملة فضلت معلّقة في الهوا كأنها مش عايزة تخلص.
فايزة بصّتلي لأول مرة من غير عصبية بصّة حد اتكشف بالكامل.
خالتو رأفت مسكت دراعي جامد يبقى لازم نرجع حالاً.
الراجل بتاع العربية اتعصب أنا مليش دعوة! أنا همشي!
بس قبل ما يدوس بنزين
العربية نفسها ما اتحركتش.
كأنها اتقفلت على حاجة مش عايزة تسيبها.
الراجل حاول تاني مفيش فايدة.
فايزة همست بصوت مكسور مستحيل المستحيل ده يكون حقيقي
قربت منها وخالتو سألتها بحدة إنتِ كنتِ عارفة إيه عن أبوها؟
سكتت.
سكتت ثواني طويلة زيادة عن اللزوم
وبعدين قالت جملة واحدة كسرتنا كلنا
أنا أنا كنت عايزة أدفن الموضوع ده معاها.
قلبي نزل تحت.
قبل ما أسألها يعني إيه جريت.
جريت من غير ما أبص ورايا.
رجعت على العمارة بسرعة مجنونة دخلت المدخل طلعت السلم تلات أدوار وأنا بتخبط

في الحيطان.
وأول ما وصلت قدام شقة أمي
لقيت الباب مفتوح.
مش موارب
مفتوح على آخره.
والشقة اللي كانت من ساعة فاضية كان فيها صوت حركة جوه.
همس
وخبط خفيف كأن حد بيدوّر على حاجة بسرعة.
خالتو رأفت لحقتني وهي بتنهج متدخليش لوحدك!
بس أنا دخلت.
وكل خطوة جوه الشقة كانت بتجيب صدى مختلف كأن المكان اتغير.
وصلت أوضة النوم
السرير مكانه فاضي.
لكن المرتبة
اللي كانت مرمية من شوية
كانت واقفة على جنب الحيطة.
كأن حد رجّعها مكانها.
وبجانبها
كان فيه خربشة جديدة على القماش.
حروف متكتوبة بإيد مهزوزة
افتحي قبل ما هو يوصل
وفجأة
صوت باب الشقة اتقفل ورايا بعنف اللي طلع من المرتبة ماكنش حاجة كاملة كان زي فراغ بيتكوّن قدامي.
بس وسط الفراغ ده ظهر ملف ورق تاني أصغر، متغلف بغلاف بلاستيك سميك، وكأنه متخبّى مخصوص جوه المرتبة من سنين.
وقبل ما أمد إيدي
الملف اتسحب لورا لوحده.
كأن حد شدّه من جوا المرتبة.
رجلي اتثبتت في الأرض.
مين هنا؟! صرخت لأول مرة بصوت عالي.
مفيش رد.
لكن صوت النفس الرجولي رجع تاني أقرب من أي مرة ما تسأليش افتحي بس.
في نفس اللحظة
باب الشقة اللي كان مقفول من شوية اتفتح تاني.
وخالتو رأفت صوتها دخل بسرعة ليلى! أنا فتحت الباب! إنتِ فين؟!
بس أنا كنت شايفة حاجة واحدة بس
الملف وهو بيتسحب ناحية المرتبة تاني كأنه بيتبلع جواها.
جريت بسرعة ومسكت طرفه قبل ما يختفي.
وساعتها
إيدي لمست حاجة مش ورق.
كانت ميدالية نحاس صغيرة مربوطة بخيط قديم.
نفس الخيط اللي شفته في العلبة قبل كده.
الميدالية عليها نفس الحروف ف ف
وفجأة
الصوت الرجولي اتغير بقى غاضب سيبيها دي مش بتاعتك!
والمرتبة نفسها اتشدّت من تحت إيدي بعنف لدرجة إنني اتسحلت خطوة لورا.
وخالتو دخلت الأوضة في اللحظة دي، وشها اتغير لما شافت المرتبة بتتحرك إيه اللي بيحصل هنا؟!
لكن قبل ما أجاوب
النور رجع مرة واحدة.
والمرتبة كانت ثابتة.
كأن مفيش حاجة حصلت.
بس الملف
اختفى.
وخالتو بصت للأرض وقالت بصوت واطي اللي بيدوّر عليه خلاص لقى إشارة إنه وصل.
وفجأة رفعت عينها ليّا وقالت جملة خلت قلبي يقف
بس لسه ما وصلش للسبب الحقيقياتجمد الدم في عروقي.
الصوت ماكانش من التسجيل ولا من التليفون ده كان صوت حقيقي جاي من جوه الشقة.
لقيتيه أخيرًا.
الدولاب كان لسه بيتهز كأنه حد ماسكه من جوه.
خالتو رأفت فضلت تخبط على الباب من برّه افتحي يا ليلى! في حد معاكي؟!
بس أنا ماكنتش قادرة أرد.
بصيت ناحية أوضة الصالون مفيش حد.
بصيت ورايا نفس الفراغ.
بس الورق اللي وقع من الدولاب كان مفتوح قدامي.
تقارير مستشفى ختم قديم وأسماء أطباء.
وفي النص سطر مكتوب بخط مختلف
سبب الوفاة حادث مدبّر.
قلبي وقع.
وفجأة
المرتبة اتحركت.
مش حركة بسيطة دي اتحركت كأن حد قام منها.
وببطء بدأت تقرب ناحيتي.
خطوة وراها خطوة.
أنا رجعت لورا لحد ما ضهري خبط في الحيطة.
وساعتها
النور انقطع.
ضلمة كاملة.
بس في الضلمة دي سمعت نفس الصوت الرجولي أقرب
أمك كانت عارفة إنك هتيجي هنا لوحدك
إيدي اتلمست في الحاجة اللي جنبي لقيت حاجة معدنية.
مفتاح صغير.
نفس المفتاح اللي في الشريط.
أول ما مسكته
سمعت خبط عنيف على باب الشقة من جوه.
مش من برّه زي خالتو
لا
من نفس المكان اللي أنا فيه.
افتحي بسرعة قبل ما هو يوصل!
صوت أمي واضح مرعوب.
لكن قبل ما أفهم مين هو
المرتبة اتفتحت قدامي مرة واحدة وكأنها انشقت من النص.
واللي طلع منها خلا صوتي يختفي تمامًا خالتو رأفت ما كملتش جملتها.
الصوت اللي قالته كان تقيل كأنه اعتراف مش مجرد كلام.
أنا بصّيت لها سبب إيه؟ إنتوا مخبيين إيه عني؟!
لكن قبل ما ترد
الميدالية النحاس اللي كانت في إيدي سخنت فجأة.
سخونة مش طبيعية كأنها اتلسعت من جوه.
فسيبتها تقع على الأرض تلقائيًا.
وما إن لمست الأرض
سمعنا صوت خبط قوي جاي من تحت الشقة.
مرة اتنين تلاتة
كأن حد بيخبط من جوه الأرض نفسها.
خالتو رجعت خطوة ووشها اصفر ده مستحيل
فايزة
دخلت فجأة.
مش جري زي الأول لأ بهدوء غريب.
وشها كان ميت تقريبًا.
وقالت بصوت مكسور إنتي فتحتيها صح؟
بصيت لها فتحت إيه؟!
سكتت ثانيتين وبعدين قالت
اللي أمي كانت بتخاف منه
وفجأة الخبط اللي تحت الأرض وقف.
وسكوت تام.
لكن السكوت ده ما استمرش غير ثانية واحدة
لأن المرتبة بدأت تنتفخ تاني.
بس المرة دي مش من فوق
من تحت.
كأن حاجة طالعة منها ببطء.
وخالتو صرخت اقفليها! اقفلي أي حاجة فيها!
لكن قبل ما نتحرك
قماش المرتبة اتشقّ من النص.
وطلع منه ورق كتير متغلف مربوط ومختوم بختم رسمي قديم.
كل الورق كان مكتوب عليه نفس الكلمة
سري للغاية
وفجأة
باب الشقة اتقفل لوحده تاني.
بس المرة دي
ماكانش في حد فتحه من جوه ولا من برّه.
الصوت الرجولي رجع، لكن أقرب كأنه واقف ورا ضهرنا مباشرة
اللي فتحتيه يا ليلى مش مرتبة.
سكت لحظة
وبعدين كمل
دي مقبرة ورق ومفتاحها في إيدك دلوقتي خالتو رأفت بصّت للورق اللي على الأرض، وبعدين بصّتلي، وصوتها كان مهزوز لأول مرة يا ليلى افتحي الورق ده دلوقتي.
فايزة رجليها خدت خطوة لورا لأ لو الورق ده اتفتح، كل اللي بنحاول ندفنه هيتفك
الصوت الرجولي اللي كان حوالينا اختفى فجأة كأنه مستني القرار مني أنا.
مديت إيدي ببطء وفتحت أول ملف.
سطر واحد بس كان واضح
ملف وفاة أحمد السامرائي إعادة فتح التحقيق
الدنيا لفت بيا.
أحمد السامرائي أبويا.
الملف وقع من إيدي، لكن خالتو التقطته بسرعة وفتحته أكتر ووشها اتغير تمامًا.
ده ده تقرير تعديل رسمي مش حادثة ده تزوير.
فايزة انهارت في الأرض أنا كنت عارفة بس ماكنتش قادرة أقول أمك هي اللي كانت بتحمينا كلنا من اللي جاي.
بصيت لها بصدمة تحمينا من مين؟!
قبل ما حد يرد
صوت تسجيل أمي رجع تاني من الميدالية اللي على الأرض، لكن المرة دي أوضح لو وصلتي للحقيقة يا ليلى يبقى اللي قتل أبوكي عرف إنك بدأتي تدوري
وفجأة
باب الشقة اتفتح بقوة.
بس المرة دي
مش خالتو ولا حد مننا.
رجل غريب دخل، لابس بدلة غامقة، وشه هادي بشكل مخيف مبروك وصلتي لنقطة البداية.
خالتو همست ده هو
الرجل بصلي مباشرة أمك كانت ذكية خبّت الحقيقة في أكتر حاجة مستحيل حد يدور فيها الوجع.
خطى خطوة جوه.
بس دلوقتي مفيش حاجة مستخبية.
سكت لحظة وبص للمرتبة.
اقفليها يا ليلى أو افتحيها للآخر.
بصيت للمرتبة وبصيت للملف وبصيت لفايزة اللي بتترعش.
وفجأة فهمت.
دي مش مجرد مرتبة دي بداية قصة اتدفنت سنين.
مديت إيدي ناحية القفل الأخير في الملفات
وفي نفس اللحظة الصوت وقف تمامًا.
والإضاءة سابتنا في سكون كامل.
والقرار كان في إيدي أنا وحدي.
لكن الحقيقة كانت خلاص خرجت للنور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *