لما اخوه جوزي توفي مراته رفضت ترجع عند اهلها

لما أخو جوزي اتوفى مراته رفضت ترجع عند اهلها وفضلت عايشه معانا في بيت العيله
، كانت حجتها ان حماتها متتحرمش من حفيدها، لحد ما اكتشفت انها طمعانه في جوزي وحماتي طارت من الفرحه بالخبر، وقتها بس اتخليت عن طيبتي المعتاده وحضرتلها مفاجأه متخطرش على دماغ بشر!!!!!
من بعد وفاة سلفي جوهر، الله يرحمه، والكل كان شايف سمر مراته الست الأصيلة اللي مفيش منها.. أهلها جم يخدوها بكرامتها، بس هي عيطت واتشبثت في جلابية حماتي وقالت أموت ولا أتحرمش من ريحة الغالي، وابني مش هيتربى بعيد عن ستي وحماتي اللي في مقام أمي. الكلمتين دول خلوا حماتي تشيلها من على الأرض شيل، وبقت هي السنيورة المفضلة، وأنا اللي بقالي سنين بخدم وأشيل، بقيت في المرتبة التانية.
في الأول، كنت بقول معلش، مكسورة ومجروحة ونيتها طيبة. بس مع الوقت، بدأت عيني تلمح حاجات غريبة.. نظرات وحركات متتفاتش على ست بتفهم. لما إيهاب جوزي يرجع من الشغل، تلمح خياله من شباك أوضتها، تنزل جري.
لو شافتني واقفة في المطبخ بعمل الأكلة اللي بيحبها، تدخل بكل رقة وتقولي
عنك يا ابتسام يا حبيبتي، إنتي شقيانة طول اليوم وتعبانة، سيبيلي أنا طاجن البامية ده أكمله، إيهاب بيحب عمايل إيدي في الصلصة.
وتبصلي بابتسامة صفرا، وتاخد الملعقة من إيدي. ولما الأكل يتغرف، تجري هي تقدمهوله وتقوله بدلال
دوق بقى واديني رايك، عملتهولك مخصوص بإيديا عشان عارفة إنك بتحبه.
بدأت الحكاية تزيد عن حدها؛ ضحك وهزار معاه في الرايحة والجاية، وقعدة بالساعات في الصالة بحجة إنها مخنوقة وبتتكلم مع أخو جوهر اللي في مقام أخوها. والغريب إنها مكنتش بتعرض تساعدني في أي حاجة في البيت، غير في الأكل والشرب اللي

يخص إيهاب وبس!
لحد ما في يوم، دخلت وراها المطبخ ولقتها بتجهز صينية القهوة بتاعته، وقفت قدامها وبعين حمرا قولت ببرود
لا شكرًا يا سمر.. ارتاحي إنتي، أنا هعمل لجوزي حاجته بنفسي، متحرمش منك يا حببتي.
بصتلي ولوت بوزها، ومن يومها والحرب الباردة بقت على المكشوف.
لحد ما جه اليوم اللي الأقنعة فيه اتكشفت كلها على طربيزة العشا. كنا قاعدين بناكل كلنا وحماتي شايله عماد ابن جوهر على رجلها وبتاكله وهيه مبسوطه، وفجأة سمر سابت المعلقة وتنهدت تنهيدة جابت من آخر صدرها، وبدأت تحكي بنبرة غلبانة مكسورة وهي بتوجه كلامها لحماتي
حقك عليا يا ماما.. أنا شكلي هاضطر أسيب البيت وارجع لأهلي خلاص.. أصل قريبتي فايزة لما كانت عندي انهارده، قالتلي إن أهلي باعتينها تقنعني أرجع، عشان الناس بدأت تتكلم.. ويقولوا قاعدة في بيت فيه رجالة بعد ما جوزها اتوفى، والناس مبترحمشي يا ماما.
حماتي اتنفضت من مكانها، وقالت بعصبيه
يقطع لسان اللي يتكلم عليكي بنص كلمة! مين ده اللي يفتح بقه علينا.. وبعدين فايزة قريبتك دي مش كانت أرملة برضه، وقاعدة في بيت أهل جوزها ومحدش فتح بقه؟.
سمر هنا بدأت تلعب الدور صح؛ نزلت دموع تماسيح، وعملت نفسها حزينة وقالت بصوت مرتعش
أيوة يا ماما.. هي فعلاً كانت أرملة وقاعدة، بس أصل.. أصل أخو جوزها طلبها للجواز علشان يربي عيال أخوه ويسكت لسان الناس!.
في اللحظة دي، إيهاب كان بياكل بنهم ومش مركز في حوارات الستات، حاطط راسه في الطبق وبياكل بصمت تام. بس أنا؟ أنا كنت شربت اللعبة كلها، وفهمت السيناريو الملاكي اللي سمر بتفرشه من شهور. وبصيتلها ولقيت عينيها بتلمع بخبث وهي مستنية الرد.
حماتي، وطبعًا من فرحتها بالفكرة اللي نزلت عليها من السما، صقفت بايديها وقالت بفرحة طيرتها من الأرض
طب ما ده كلام عين العقل! وإحنا يمنعنا إيه؟ ما إحنا ممكن نعمل كده بالظبط، وإيهاب يتجوزك ونخرس الناس كلها، والواد يتربى في حجري وحجر عمه!.
إيهاب أول ما سمع الجملة، شرق، والأكل وقف في زوره، وفضل يكح لحد ما وشه ازرق، وبص لأمه بذهول وقال
بتقولي إيه يا ماما؟! جواز إيه؟!.
حماتي اتجاهلتني تمامًا، وكأني كرسي محطوط وسطهم، ولا عملت أي اعتبار لكسرتي أو وجودي، وبصت لإيهاب وقالت بقسوة وأنانية
وفيها إيه يا ابني؟ إنت هتعمل كده عشان ابن أخوك الغالي ومراته الغلبانة.. وبعدين سمر مرات أخوك طيبة وأصيلة ومش هتمانع.. مش كده يا سمر؟.
سمر نزلت راسها في الأرض بكسوف مصطنع ومقرف، وقالت بنبرة خافتة
أنا معاك في اللي تشوفيه يا حماتي.. عن إذنكم.
وقامت بسرعة جرت على أوضتها عشان تقفل الباب وتفرح بانتصارها.
أول ما سمر مشيت، إيهاب وقف وضرب بإيده على الطربيزة وقال بزعيق
إنتي ازاي تقولي كده يا ماما؟! ازاي تفكري في حاجة زي دي أصلاً ومن غير ما تاخدي رأيي أو رأي مراتي؟.
حماتي قامت ببرود، وقالتله بنبرة حاسمة مفيهاش رجوع
ده اللي هيتم وده الصح، والناس مش هتاكل وشنا، وأنا قولت كلمتي وخلاص.
وسابته ودخلت أوضتها ورزعت الباب.
إيهاب فضل واقف مصدوم، لف وشه وبصلي.. كان مستني مني زلزال، عياط، صويت، خناق.. خصوصًا إني منطقتش ولا بكلمة طول القعدة، وفضلت ملامحي أهدأ من هدوء المقابر.
قرب مني وقال بنبرة قلق
ابتسام.. إنتي سامعة ماما بتقول إيه؟ إنتي ساكتة ليه؟.
بصيتله وابتسمت ابتسامة هادية جدًا، قومت من على الكرسي ولميت الأطباق وبكل برود وقولتله
سمعت يا حبيبي.. هي حماتي بس حساسة شوية والظاهر الموضوع أخدها حبتين.. دلوقت تفكر فيها وتلاقي نفسها غلط وتنسى الحكاية دي خالص.. يلا تصبح على خير.
سبته واقف مكانه مشلول من رد فعلي، ودخلت نمت بهدوء غريب.. هدوء يسبق العاصفة.
أول ما الصبح طلع، والنور شقشق، قومت من السرير قبل أي حد في البيت. نزلت المطبخ بهمة ونشاط، وبدأت أحضر الفطار.. بس المرة دي، وأنا بأقول لنفسي لحد هنا وخلاص.. طيبتي اللي ضيعت حقي هتدفن انهارده، وأي حد يبص لحياتي أو لجوزي هعمي عنيه.
بعد شوية، سمعت صوت رجلين نازلة على السلم.. كانت سمر.
بصيت عليها، لقيتها قلعة اللون الأسود تمامًا! لابسة عباية ملونة ومكياج خفيف، ووشها منور من الفرحة والشماتة اللي باينة في عينيها وهي بتبصلي وكأنها بتقولي خلاص.. بقيت شريكتك في الراجل والبيت.
وقفت قدامي بتبتسم بثقة وثقالة دم، وهي متعرفش إيه اللي مستنيها والمفاجأه اللي كنت شيلهالها لليوم ده
ومفيش دقايق ولعبتي بدأت وسمر اتجمدت مكانها والدم هرب من عروقها من الصدمه !!!!!!!!
سمر نزلت آخر درجة في السلم وهي رافعة راسها لفوق، وعينيها فيها ثقة غريبة، كأنها خلاص ضمنت إن البيت كله بقى في صفها. وقفت قدامي عند رخامة المطبخ وقالت وهي بتضحك
صباح الخير يا ابتسام.
رفعت عيني من على صينية الفطار وابتسمت بهدوء
صباح النور.
كانت مستنية تشوف في وشي غيرة أو غضب أو حتى دمعة. لكن لما ملقتش أي حاجة، ارتبكت ثانية صغيرة ورجعت تبتسم.
قربت من الترابيزة وقالت
شكلك نمتي كويس.
الحمد لله.
أصل اللي حصل امبارح كان صعب شوية.
ليه يعني؟
قصدي كلام ماما.
حطيت كوباية الشاي قدامها وقلت
عادي يا سمر… كل واحد بيقول رأيه.
اتلخبطت من رد فعلي.
في اللحظة دي نزلت حماتي، وبعدها إيهاب.
أول ما حماتي دخلت المطبخ قالت بصوت عالي
صباح الخير يا
حبايب
لمحة نيوز

قلبي.
وبعدين بصت لسمر وقالت بحنان مبالغ فيه
صباح الخير يا بنتي.
أما أنا فعدت من جنبها كأني هوا.
كنت مستنية اللحظة المناسبة.
وفجأة سمعنا خبط على باب البيت.
حماتي استغربت.
مين جاي بدري كده؟
مسحت إيدي في المريلة وقولت
أنا مستنياه.
كلهم بصوا لي باستغراب.
خرجت فتحت الباب.
دخل راجل محترم في أواخر الخمسينات، لابس بدلة شيك ومعاه ملف كبير.
وراه ست كبيرة في السن وشاب.
سمر اتجمدت أول ما شافتهم.
لونها اتغير فجأة.
حماتي سألت
مين الناس دي يا ابتسام؟
لفيت وبصيت لهم بهدوء
اتفضلوا… اتفضلوا اقعدوا.
سمر قامت واقفة بسرعة.
إنتوا جايين هنا ليه؟
الراجل رد بصرامة
عشان الوقت جه يا مدام سمر.
هنا حماتي بدأت تقلق.
حد يفهمني فيه إيه؟
فتحت الملف وحطيته قدامهم.
وقولت
بما إن الكل بقى بيتكلم عن الشرف والسمعة وكلام الناس… فقلت لازم كلنا نعرف الحقيقة.
إيهاب بصلي بدهشة.
حقيقة إيه؟
أشرت للراجل.
فقال
أنا المحامي الخاص بوالد المرحوم جوهر.
الصمت نزل على المكان.
سمر كانت بتتنفس بسرعة.
أما أنا فكنت مركزة عليها.
المحامي كمل
المرحوم جوهر قبل وفاته بست شهور كتب وصية موثقة.
حماتي شهقت.
وصية؟
أيوة.
وطلع ورقة مختومة.
الوصية بتنص إن في حالة وفاة جوهر، يتم بيع نصيبه من البيت وتسليم قيمته لابنه عماد في حساب بنكي تحت إشراف جده من ناحية الأب.
الكل سكت.
سمر كانت بتبص للأرض.
المحامي أكمل
وفي بند تاني مهم.
إيهاب قال
إيه هو؟
إن زوجة المرحوم يحق لها الإقامة في البيت لمدة سنة واحدة فقط من تاريخ الوفاة لحين ترتيب أوضاعها.
حماتي فتحت بقها.
سنة واحدة؟
أيوة.
بس سمر قالت إن جوهر كان عايزها تعيش معانا طول العمر.
المحامي هز راسه.
ده غير موجود في أي ورق رسمي.
في اللحظة دي سمر صرخت
كدب!
المحامي طلع نسخة تانية.
دي صورة من الوصية.
إيهاب خدها وبدأ يقرا.
كل كلمة كانت بتكسر الخطة اللي سمر رسمتها.
أنا كنت عارفة بالموضوع من أسبوع.
لأن والد جوهر الحقيقي كان عايش في محافظة تانية، ومقطوع التواصل من سنين بسبب خلافات قديمة.
ولما عرف باللي بيحصل، بعت المحامي يدور على حق حفيده.
حماتي بصت لسمر.
الكلام ده صحيح؟
سمر بلعت ريقها.
أنا… أنا معرفش.
الشاب اللي كان واقف ساكت طول الوقت اتكلم أخيرًا.
تعرفي.
كل العيون اتجهت له.
لأنك استلمتي نسخة من الوصية بعد الوفاة بأسبوع.
سمر اتجمدت.
وأنا حسيت إن الضربة جابت هدفها.
الشاب طلع ظرف من جيبه.
ودي صورة من الاستلام بتوقيعك.
حماتي خطفت الورقة.
بصت عليها.
وبعدين بصت لسمر.
إنتي مخبية علينا ده كله؟
سمر بدأت تعيط.
كنت خايفة.
خايفة من إيه؟
خايفة يخرجوني من البيت.
أنا لأول مرة اتكلمت.
ولا خايفة تضيعي الفرصة؟
لفتلي بعين مليانة كره.
فهمت إنها عرفت إني ورا اللي بيحصل.
حماتي كانت مصدومة.
يعني كل الفترة دي وإنتي عارفة إن إقامتك مؤقتة؟
سمر سكتت.
وده كان اعتراف كافي.
إيهاب سحب نفس طويل.
وقال بحزم
ليه يا سمر؟
كنت لوحدي.
وده يديكي حق تخبي الحقيقة؟
مردتش.
المحامي قفل الملف.
إحنا مش جايين نطرد حد النهارده.
كلنا بصينا له.
إحنا جايين نبلغكم إن السنة انتهت من شهرين بالفعل.
الصمت رجع من جديد.
أما سمر فكانت حرفيًا على وشك الانهيار.
لكن المفاجأة الأكبر لسه مجتش.
لأن الست الكبيرة اللي كانت قاعدة ساكتة طول الوقت رفعت رأسها وقالت
وأنا كمان عندي كلام لازم يتقال.
سمر شهقت أول ما شافتها كويس.
وقالت بخوف
خالتي أمينة…
الست بصتلها بوجع.
أيوة يا سمر… خالتك اللي كذبتي عليها وعلى الناس كلها.
حماتي سألت
فيه إيه تاني؟
أمينة مسحت دموعها وقالت
البنت دي رفضت ترجع لأهلها مش عشان حفيدك.
وسكتت لحظة.
ثم قالت الجملة اللي قلبت البيت كله
البنت دي كانت بتقول من يوم وفاة جوهر إنها هتتجوز إيهاب مهما حصل.
وفجأة…
وقع طبق الشاي من إيد حماتي واتكسر على الأرض.
صوت تكسير الطبق ملّى المكان، لكن محدش اتحرك.
كل واحد كان واقف في مكانه كأن الزمن وقف فجأة.
حماتي بصت لخالة سمر أمينة بعينين متسعين وقالت
إنتِ بتقولي إيه؟
أمينة هزت راسها بحزن.
بقول الحقيقة اللي كنت ساكتة عليها من شهور.
سمر صرخت بعصبية
كفاية! كفاية بقى!
لكن أمينة كملت وكأنها مش سامعاها.
يوم الأربعين بتاع جوهر، لما رجعت معايا البيت، قعدت تعيط شوية، وبعدها قالتلي بالحرف الواحد أنا مش هرجع بيت أهلي، وأنا أولى بإيهاب من أي حد.
إيهاب حس كأن حد ضربه على دماغه.
أنا؟!
أيوة يا ابني.
سمر بصت حواليها في ذعر.
كانت حاسة إن الأرض بتسحب من تحت رجليها.
أما أنا، فكنت قاعدة بهدوء.
مش شماتة.
لكن لأن كل حاجة بدأت تظهر لوحدها.
حماتي بصت لسمر.
الكلام ده حصل؟
لا!
يبقى خالتك بتكدب؟
سمر اترددت.
وأول غلطة عملتها إنها متعرفتش ترد بسرعة.
أمينة قالت
لو بكدب قولي إني بكدب.
سمر سكتت.
إيهاب لأول مرة صوته بقى حاد.
جاوبي.
كنت مضايقة وساعتها مش واعية لكلامي.
يعني قولتي؟
قولت كلام وأنا منهارة!
لكن محدش اقتنع.
لأن كل الأحداث اللي فاتت بقت راكبة على بعضها بشكل واضح.
القهوة.
الأكل.
الاهتمام الزايد.
النظرات.
القعدات الطويلة.
كل حاجة فجأة بقى ليها تفسير.
حماتي نفسها بدأت تستوعب.
لكن المشكلة إنها كانت مستمرة تدور على مخرج لسمر.
وقالت
حتى لو قالت كده مرة وهي متضايقة، مش معناها حاجة.
بصيت لها وأنا ساكتة.
عرفت إن لسه عندها أمل في المشروع اللي كانت بتحلم بيه.
المحامي قام وقف.
إحنا بلغناكم باللي لازم يتبلغ.
وقبل ما يمشي قال
وبالمناسبة… حساب عماد فيه مبلغ كبير من ميراث والده، وممنوع أي حد يتصرف فيه غير لما يتم السن القانوني.
وبص لسمر مباشرة.
وده قرار قضائي.
كان واضح إنه بيوجه رسالة معينة.
وبعد دقائق خرج هو وخالة أمينة والشاب.
وسابوا البيت مولع.
أول ما الباب اتقفل، حماتي بصت لسمر.
قوليلي الحقيقة.
سمر كانت منهارة.
لكنها قالت بسرعة
والله بحبكم كلكم.
إيهاب رد بحدة
محدش سألك بتحبي مين.
سكتت.
سألتك كنتي بتفكري في إيه؟
مكنتش بفكر.
كدب.
أول مرة أسمع إيهاب يقولها الكلمة دي في وش حد من أهله.
سمر بدأت تعيط بصوت عالي.
كلكم واقفين ضدي.
أنا اتكلمت أخيرًا.
محدش وقف ضدك يا سمر.
بصتلي بكره.
لا… إنتِ بالذات.
ابتسمت بهدوء.
أنا بس خليت الحقيقة تتكلم.
سمر قربت مني خطوة.
إنتِ اللي جبتيهم.
أيوة.
سكتت.
وأكملت
لما حسيت إن فيه حاجة غلط، بدأت أدور.
لقيت الوصية.
ولقيت ناس كتير كانت عارفة وساكتة.
ولقيت إنك بتلعبي لعبة كبيرة أوي.
حماتي بصتلي بصدمة.
يعني إنتِ كنتي مخططة لكل ده؟
لا يا ماما.
أمال؟
كنت بدافع عن بيتي.
الكلمة وقعت ثقيلة.
لأنها كانت الحقيقة.
أنا مش عملت مؤامرة.
ولا ظلمت حد.
أنا بس رفضت أستنى لحد ما ألاقي نفسي ضيفة في حياتي.
إيهاب قرب مني.
ولأول مرة من شهور حسيت إنه شايف اللي أنا شايفاه.
قال بهدوء
حقك.
سمر شهقت.
وكأن الجملة دي كانت آخر حاجة مستنياها.
لكن اللي حصل بعدها كان أغرب.
لأن عماد ابنها الصغير نزل من فوق.
كان عنده حوالي سبع سنين.
واقف على السلم وبيبص للكل.
واضح إنه سمع جزء من الكلام.
نزل ناحية إيهاب بسرعة.
.
وقال
عمو إيهاب… هو إحنا هنمشي؟
الصمت رجع تاني.
الطفل ملوش ذنب في أي حاجة.
وده اللي وجع الكل.
إيهاب نزل لمستواه.
لا يا حبيبي.
بجد؟
بجد.
الولد ابتسم.
أما سمر فبكت أكتر.
يمكن لأول مرة تحس بالخوف الحقيقي.
لأنها فهمت إن اللعبة انتهت.
لكن ابنها ممكن يدفع التمن.
إيهاب قام وقال بحزم
عماد مش هيتأذي.
وبص لسمر.
لكن لازم يبقى فيه حدود.
حماتي سألت
يعني إيه؟
يعني كل واحد يعرف مكانه.
ولأول مرة، حماتي مردتش.
يمكن لأنها بدأت تشوف الصورة كاملة.
أو يمكن لأنها اكتشفت إن الحلم اللي كانت راسماه مش
هيحصل.
عدى اليوم

كله في توتر.
محدش بيتكلم.
محدش بيضحك.
حتى عماد كان حاسس إن فيه حاجة كبيرة حصلت.
وبالليل، وأنا في أوضتي، كنت فاكرة إن الموضوع انتهى.
لكن الساعة كانت حوالي عشرة.
وفجأة سمعت صوت خناق في الصالة.
خرجت بسرعة.
لقيت سمر واقفة قدام حماتي.
وشها أحمر من العياط.
وحماتي نفسها كانت مصدومة.
أول ما شافتني سمر قالت
كويس إنك جيتي.
فيه إيه؟
ضحكت ضحكة غريبة.
وقالت
بما إن الحقيقة بقت مهمة أوي عندكم… تحبوا تعرفوا الحقيقة كلها؟
إيهاب خرج من أوضته هو كمان.
حقيقة إيه؟
رفعت سمر عينيها.
وكان واضح إنها وصلت لمرحلة اليأس.
وقالت
الحقيقة اللي خلتني أفضل هنا من أول يوم.
ثم بصت مباشرة ناحية حماتي وقالت
السبب الحقيقي مش إيهاب وبس…
وسكتت ثواني.
ثم قالت
السبب الحقيقي إن جوهر قبل ما يموت كان مخبي سر كبير عنكم كلكم.
اتجمدت حماتي مكانها.
وقالت بخوف
سر إيه؟
ردت سمر وهي تمسح دموعها
السر اللي لو اتكشف… هيغير تاريخ العيلة كلها.
وتجمد الجميع في أماكنهم من الصدمة.
أول ما سمر قالت الجملة دي، حسيت إن البيت كله حبس نفسه.
حماتي قامت واقفة مرة واحدة.
سر إيه؟ انطقي!
سمر كانت بتتنفس بسرعة، ووشها كله دموع.
لكن المرة دي مكنش باين عليها إنها بتمثل.
إيهاب قرب خطوة.
سمر، متلعبيش بالأعصاب.
هزت راسها.
والله ما بلعب.
أنا فضلت ساكتة أراقبها.
لأول مرة من شهور حسيتها مش مسيطرة على الموقف.
حماتي زعقت
هتنطقي ولا لأ؟!
سمر بلعت ريقها وقالت
قبل ما جوهر يتوفى بشهر تقريبًا، طلب مني أقعد معاه لوحدنا.
سكتت ثواني.
كان تعبان جدًا وقتها… وقالي لو حصله حاجة لازم أوصل رسالة لأمه.
حماتي قربت منها بسرعة.
رسالة إيه؟
سمر نزلت عينها للأرض.
قالي إن فيه ورق قديم مخبيه في صندوق خشب فوق سطح البيت.
الكل بص لبعضه.
إيهاب قال باستغراب
ورق إيه؟
معرفش.
أمال؟
قالي بس إن أمه لازم تشوفه لوحدها.
حماتي اتوترت.
وليه مقولتيش من بدري؟
سمر بصت لها.
كل ما كنت أحاول أقولك كنت بخاف.
تخافي من إيه؟
من اللي مكتوب فيه.
أنا بدأت أحس إن فيه حاجة ناقصة في الحكاية.
وقولت
وإنتِ عرفتي اللي جوه الصندوق؟
سمر سكتت.
وده كان كفاية.
إيهاب قال بحدة
يعني فتحتيه؟
أيوة.
رغم إنه أمانة؟
نزلت دموعها.
كنت خايفة.
حماتي مسكت طرف الطرحة بعصبية.
فيه إيه جوه؟
سمر ردت بصوت ضعيف
جواب.
وبعدين؟
وجواب تاني.
وبعدين؟
وشهادة ميلاد قديمة.
في اللحظة دي كلنا استغربنا.
إيهاب قال
شهادة ميلاد مين؟
سمر رفعت رأسها ببطء.
شهادة ميلاد جوهر.
حماتي شهقت.
يعني إيه؟
سمر قالت
الشهادة القديمة غير الشهادة اللي معاكم دلوقتي.
سكتت الصالة كلها.
حتى عماد الصغير كان واقف مش فاهم حاجة.
أنا حسيت إن الكلام داخل في منطقة خطيرة.
لكن سمر كملت
في الشهادة القديمة اسم الأب موجود… لكن اسم الأم مختلف.
حماتي اتراجعت خطوة للخلف.
كأن حد ضربها.
مستحيل.
دي الحقيقة.
إيهاب قال بسرعة
أكيد مزورة.
معرفش.
أمال عرفتي منين إنها حقيقية؟
من الجواب.
حماتي كانت على وشك تقع.
قعدت على الكرسي وهي بتقول
هاتي الورق.
سمر بصتلها.
الورق معايا.
هاتيه.
طلعت تجري على أوضتها.
وبعد دقائق رجعت بصندوق صغير.
كان قديم فعلًا.
ومترب من فوق.
حطته قدام حماتي.
إيهاب فتحه.
طلع منه ظرفين وشهادة ميلاد قديمة.
حماتي كانت إيديها بتترعش.
فتحت أول جواب.
وبدأت تقرا.
كل سطر كانت بتقراه كان وشها بيتغير.
لحد ما دموعها نزلت فجأة.
إيهاب اتوتر.
فيه إيه؟
لكنها مردتش.
كملت قراءة.
وبعدين قفلت الورقة.
وقعدت تبكي بصمت.
أنا لأول مرة أشوفها بالشكل ده.
إيهاب خطف الجواب من إيدها.
وقراه.
وبعد لحظات رفع عينه بصدمة.
أنا استغربت.
حد يفهمني؟
إيهاب بصلي.
وقال بهدوء
الجواب من أبويا الله يرحمه.
وبعدين؟
كان كاتب لأمي إنه اتجوز قبلها بفترة قصيرة.
اتسعت عيني.
إيه؟
والجواز ده انتهى بسرعة.
سمر قالت
كمل.
إيهاب بلع ريقه.
والست دي توفت بعد الولادة.
الصمت رجع تاني.
ثم أكمل
والطفل اللي اتولد منها… هو جوهر.
اتجمدت الدنيا كلها.
حماتي بدأت تعيط.
أما أنا فكنت مصدومة.
إيهاب كمل بصوت متقطع
أبويا كتب إنه خاف من كلام الناس وقتها… فسجل جوهر باسم أمي وهي وافقت تربيه كابنها.
حماتي أغمضت عينها.
وقالت بصوت مكسور
أيوة… كنت عارفة.
كلنا بصينا لها.
حتى سمر نفسها اتفاجئت.
إيهاب قال
كنتِ عارفة؟!
هزت راسها وسط دموعها.
من يوم ما اتولد.
أمال ليه مخبية؟
عشان كان ابني.
وسكتت.
ثم قالت
عمري ما فرقت بينه وبينك.
الكلمة دي خلت إيهاب يهدأ فجأة.
لأنها كانت صادقة.
جوهر عاش ومات وهو حاسس إنه ابنها.
وده الأهم.
بعد ساعة كاملة من الكلام والبكاء، بدأت الصورة تتضح.
الحكاية كلها كانت سر قديم في العيلة.
سر محدش كان ناوي يفتحه.
وسمر لما عرفته، خافت تستخدمه أو تقوله.
لكن بعد ما حست إنها خسرت كل حاجة، قررت تطلعه.
وفي النهاية…
طلع السر مؤلم.
لكن مش فضيحة.
ولا جريمة.
ولا حاجة تهد بيت.
بالعكس.
خلّى الكل يفتكر قد إيه حماتي تعبت وربت ولد مش ابنها البيولوجي وعمرها ما فرقت بينه وبين ابنها الحقيقي.
وفي الليلة دي…
قعدت حماتي في أوضتها تعيط على جوهر لحد الفجر.
أما سمر فكانت قاعدة لوحدها.
مكسورة.
لأن آخر ورقة كانت في إيدها اتحرقت هي كمان.
لكن رغم كل اللي حصل…
كنت حاسة إن لسه فيه حساب لازم يتقفل.
حساب سنين من الخداع والاستغلال.
وحساب محاولة سرقة حياتي وجوازي.
ولأول مرة…
سمر هي اللي كانت خايفة من اللي جاي.
عدت كام يوم بعد اللي حصل، والبيت بقى هادي بشكل غريب.
الهدوء ده مكانش راحة.
كان هدوء ناس كل واحد فيهم بيعيد حساباته.
حماتي بقت تقعد بالساعات في أوضة جوهر، تمسك صوره وتعيط. بعد ما السر القديم اتكشف، حبها ليه مزادش ولا نقص، لكنها كانت حاسة بالذنب إنها شالت السر ده سنين طويلة.
أما إيهاب، فبقى أكثر هدوءًا وأكثر قربًا مني.
يمكن لأول مرة من شهور طويلة فهم حجم الضغط اللي كنت عايشة فيه لوحدي.
وفي المقابل، سمر اتغيرت تمامًا.
اختفت الضحكة الواثقة.
واختفت النظرات اللي كانت بتضايقني.
وبقت طول الوقت قافلة على نفسها باب الأوضة.
لكن المشكلة إن وجودها في البيت بقى مستحيل يستمر بنفس الشكل.
مش عشان الخلافات.
ولا عشان اللي حصل.
لكن لأن كل حاجة بقت واضحة.
وفي ليلة من الليالي، كنا قاعدين في الصالة.
أنا وإيهاب وحماتي.
وفجأة خرجت سمر من أوضتها.
كانت لابسة هدوم الخروج.
ووراها عماد شايل شنطة صغيرة.
بصينا لها كلنا.
قالت بهدوء
عايزة أتكلم.
حماتي اتوترت.
خير يا بنتي؟
سمر أخدت نفس طويل.
وقالت
أنا راجعة بيت أهلي.
ساد الصمت.
حماتي قامت واقفة.
راجعة فين؟
عند أهلي.
ليه؟
سمر ابتسمت ابتسامة حزينة.
عشان ده الصح.
حماتي قربت منها.
محدش طردك.
عارفة.
يبقى ليه؟
سمر بصتلها بعينين مليانين دموع.
لأن وجودي هنا بقى غلط.
ولأول مرة من شهور، حسيت إنها بتتكلم بصدق.
كملت كلامها
أنا فضلت أضحك على نفسي كتير.
يعني إيه؟
يعني كنت فاكرة إن لو فضلت هنا هعوض اللي فقدته.
نزلت دموعها.
كنت فاكرة إني أقدر أرجع الإحساس بالأمان بأي طريقة.
وسكتت لحظة.
ثم قالت
بس الحقيقة إني كنت بضيع نفسي.
حماتي بدأت تعيط.
يا بنتي…
لا يا ماما.
كانت أول مرة تناديها ماما من غير تمثيل أو مبالغة.
حضرتك عملتي معايا خير عمره ما هيتنسي.
يبقى خدي عماد وكملي حياتك هنا.
هزت رأسها.
لا.
ليه؟
لأن كل واحد لازم يعيش حياته.
وبعدين بصت ناحيتي.
أنا استعديت لأي كلمة جارحة.
لكنها فاجأتني.
قربت مني وقالت
أنا ظلمتك.
سكت البيت كله.
يمكن أكتر حد ظلمته في البيت ده هو إنتِ.
أنا فضلت ساكتة.
فكملت
كنت بشوفك عقبة بيني وبين اللي أنا عايزاه.
…
وكل مرة كنت بحاول أخد مكان مش مكاني.
الدموع نزلت من عينيها.
سامحيني لو تقدري.
الكلام كان مفاجئ لدرجة إني معرفتش أرد بسرعة.
وبعد لحظات قلت
ربنا يسامحنا كلنا.
هزت
رأسها.
وكان واضح إنها
مش مستنية أكتر من كده.
بعدها لفت ناحية إيهاب.
وقالت
أنا آسفة.
إيهاب رد بهدوء
ربنا يوفقك.
وبس.
لا أكتر ولا أقل.
لأن بعض الجروح بتقفل.
لكن أثرها بيفضل موجود.
في اليوم التالي، أهل سمر جم ياخدوها.
وخرجت من البيت هي وابنها.
قبل ما تمشي، عماد جري على إيهاب
وقال
هتيجي تزورنا يا عمو؟
ابتسم إيهاب وربت على شعره.
أكيد يا بطل.
الولد فرح.
وخرج ماسك إيد أمه.
وأول ما باب البيت اتقفل وراهم، حسيت كأن حمل تقيل جدًا اتشال من فوق صدري.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت بعد شهور.
لأن سمر بدأت تعتمد على نفسها.
رجعت تكمل تعليمها اللي كانت سايباه.
وخدت كورسات.
وبعد فترة اشتغلت.
وبقت مسؤولة عن نفسها وعن ابنها.
وكل فترة كانت تبعت صور لعماد وهو بيكبر.
من غير مشاكل.
ومن غير تمثيل.
ومن غير ألعاب.
أما حماتي، فاحتاجت وقت طويل عشان تتعود على غياب حفيدها من البيت.
لكنها كانت بتزوره باستمرار.
وكل أسبوع تقريبًا كانت تروحله.
أما أنا وإيهاب…
فكأننا بدأنا جوازنا من جديد.
بعد سنين من التنازلات والصمت.
بقى فيه كلام.
وفيه حدود واضحة.
وفيه احترام.
وفي ليلة، كنا قاعدين في البلكونة بعد ما الدنيا هديت.
إيهاب بصلي وقال
تعرفي أكتر حاجة ندمت عليها؟
إيه؟
إني سيبتك لوحدك تحاربي كل ده.
بصيتله وسكت.
فكمل
كنت فاكر إن تجاهل المشكلة هيحلها.
وطلع؟
ابتسم.
طلع بيكبرها.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وقلت
المهم إننا اتعلمنا.
هز رأسه موافقًا.
وبعد لحظة صمت قال
بس قوليلي بقى.
نعم؟
إنتِ كنتي هادية أوي يوم ما ماما قالت موضوع الجواز.
ضحكت أكتر.
أيوة؟
كنتِ مخططة لإيه وقتها؟
ابتسمت وأنا بافتكر اليوم ده.
اليوم اللي قررت فيه أبطل أكون الست اللي بتسكت على حساب نفسها.
وقلت
ولا حاجة.
بجد؟
كنت بس ناوية أخلي الحقيقة تتكلم.
إيهاب ضحك.
والحقيقة قلبت البيت كله.
بصيت للسماء وقلت
الحقيقة عمرها ما بتخوف اللي ماشي صح.
ومع أول نسمة هوا دخلت البلكونة، حسيت أخيرًا إن المعركة انتهت.
مش لأن حد كسب وحد خسر.
لكن لأن كل واحد رجع لمكانه الصحيح.
وساعتها بس…
رجعت السكينة للبيت من تاني.
تمت القصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *