السرير الابيض الصغير بتاع المستشفى

السرير الأبيض الصغير بتاع الفندق كان هو الشاهد الوحيد على كمية الغل والهدوء المرعب اللي اتولدوا في قلب نادية في الليلة دي. فريدة كانت نايمة زي الملاك، تجهل تماماً إن أبوها وعمتها وجدتها سابوها في الشارع وهي لسه لحم أحمر عشان “يربوها”. نادية كانت ساندة ضهرها على المخدة، واللاب توب منور قدام عينيها، وصوت تكتكة صوابعها على الكيبورد كان أشبه بصوت عداد قنبلة موقوتة بتجهز للانفجار.

هي مش أي محامية، هي نادية علام، اللي مفيش عقد عقاري أو قضية نزاع على ملكية في الدقي والمهندسين إلا ومرت تحت إيدها. طارق اتجوزها وهي واقفة على رجليها، شاريها بفلوسها، شقتها تمليك ورثاها عن والدها الله يرحمه ومكملة تمنها من شقاها، والعقد مسجل شهر عقاري “مكفول الحماية”، يعني مفيش صرصار يقدر يهوب ناحيتها بالقانون. بس طارق كان دايما عنده عقدة النقص دي، حاسس إنه قليل، وأمه الحجة نوال كانت بتغذّي العقدة دي جواه كل يوم بكلمتين من عينة “الست لما تحس إنها صاحبة الفضل بتركب جوزها يا ابن بطني، اكسر عينها عشان تعرف إنك الراجل”.

نادية مكنتش بتعيط، الدموع جفت في عينيها وبقت جمر. فتحت ملف وورد وبدأت تصيغ الشكوى. مش مجرد بلاغ عادي، دي خلطة قانونية محترمة: “دعوى طرد للغصب، وبلاغ ترويع واستغلال قهر امرأة في فترة نفاس، ومنع حيازة بالقوة”. كتبت كل حرف بحرفية شديدة، وضمت للسمعيات تسجيل المكالمة اللي دارت بينهم، لأن تليفونها فيه خاصية التسجيل التلقائي. طارق ومروة وأمه سجلوا إدانتهم بنفسهم وصوتهم طالع زي الفل وهم بيقولوا “غيرنا الباسورد عشان تتربى”.

ساعة اتنين تلاتة، الفجر كان بيأذن ونادية مالمحتش النوم. قفلت اللاب توب وطلعت تليفونها، وكلمت “عم محروس”، النجار اللي بيقفلها قضايا العقارات وبتاع الأقفال الذكية اللي بتتعامل معاه في الشركات.

“صباح الخير يا عم محروس.. معلش صحيتك.”

“ست نادية! يا فندم ألف مبروك المولود، تؤمري بالروح، صاحي والله ورايح الورشة.”

نادية صوتها كان زي الس*كينة: “الله يبارك فيك يا عم محروس. عايزة منك خدمة العمر. تجيلي على شقتي اللي في الدقي الساعة عشرة الصبح، ومعاك أحدث قفل إلكتروني في السوق، بس يكون بيشتغل ببصمة الصباع والوش، وميتفتحش بأي كود نهائي، ومعاك اتنين رجالة بآلتهم عشان هنشيل الكالون القديم خالص.”

عم محروس فهم نبرة صوتها، الست دي لما تتكلم كده يبقى في حرب: “من عيني يا ست الهوانم، عشرة بالدقيقة هكون واقف قدام الباب.”

قبل ما تنام الساعتين اللي فاضلين، بعتت رسالة لـ “كريم”، زميلها في المكتب والمسؤول عن العلاقات العامة والمحاضر في قسم الدقي.

“كريم، تصحى تروح النيابة، تسلم المحضر ده للمستشار (فارس)، وتقوله نادية علام بتقولك طارق غصب شقتي وأنا لسه والدة من تلات أيام وبنتي في الشارع. عايزة قرار تمكين على الشقة دي في ظرف 24 ساعة، والإخلاء بالقوة الجبرية لو لزم الأمر.”

نامت نادية وهي حاضنة بنتها، وابتسامة خفيفة على وشها.. ابتسامة تخوف.

في الجونة، الشمس كانت طالعة والجو يجنن. طارق كان قاعد على الشيزلونج قدام البحر، لابس الشورت والنظارة الشمسية وبيشرب عصير، وجنبه أمه الحجة نوال بتعدل الهدمة بتاعتها وفرحانة بالهوا، ومروة أخته عمالة تتصور سيلفي للمنظرة على إنستجرام.

الحجة نوال بضحكة لئيمة: “تفتكر تليفونها هيرن إمتى يا طارق؟ تلاقيها دلوقتي بتلف حوالين نفسها ومش لاقية حد يشيلها هي والبنت.”

طارق خد بق من العصير وقال بثقة مزيفة: “تلقيها بايتة عند صاحبتها نهى، بس زمانها هتموت وتكلمني. أنا قفلت التليفون من الصبح عشان تتربى بجد. الست دي كانت فاكرة إن شهادتها وشغلتها مخلينها فوق الناس، اهي لفت لفت وقعدت في الشارع.”

مروة نزلت الموبايل وقالت بغل: “أحسن يا أبيه، دي كانت بتدخل الشقة تحسسنا إننا ضيوف عندها، قال إيه ‘محدش ينقل الفازة دي من مكانها عشان غالية’، بكره ترجع تبوس رجلك ورجل ماما عشان ترجعلها الباسورد.”

طارق ضحك وهز رأسه، وهو جواه إحساس مزيف بالانتصار، إحساس الراجل اللي قدر أخيراً يكسر مناخير الست اللي كانت دايماً أعلى منه بفلوسها ونجاحها.

الساعة عشرة الصبح بالثانية، كانت نادية واقفة قدام باب شقتها في الدقي. شايلة فريدة في حمالة البيبي على صدرها، وواقفة بكل ثبات، مفيهاش أثر للضعف بتاع امبارح. عم محروس وصل ومعه المساعدين، وبدأوا الشغل فورا.

“شيل الكالون ده خالص يا عم محروس، وارميه في الزبالة.”

“حاضر يا ست نادية.”

صوت الشنيور والدق كان مالي الممر. الجيران بدأوا يفتحوا الأبواب يستطلعوا الأمر. خرجت الحاجة صفاء، جارتها في الدور، وبصت لنادية بذهول: “نادية يا بنتي! حمد الله على سلامتك، إيه اللي بيحصل ده؟ وإيه الدق ده وإنتي لسه والدة؟”

نادية ابتسمت بهدوء وقالت: “الله يسلمك يا طنط صفاء. طارق غير الباسورد امبارح وسافر الجونة وسابني بره أنا والبنت في المطر. فبغير الكالون عشان أدخل بيتي.”

الحاجة صفاء شهقت وصقفت بإيدها على صدرها: “يا لهوي! يا ابن نوال! يعمل كده فيكي وإنتي لسه بدمك والبنت ملهاش كام يوم؟ ده إيه الجبروت ده! والبيت بيتك أصلاً!”

نادية بكل برود: “معلش يا طنط، كل واحد بيعمل بأصله. ادعيلي بس.”

في خلال ساعة، كان الكالون الجديد راكب. قفل أسود شيك جداً، بيشتغل ببصمة صباع نادية وبصمة وشها بس. مفيش أرقام، مفيش كروت، مفيش أي ثغرة. دخلت نادية شقتها، الريحة كانت كتمة، الشقة مكانتش نضيفة لأن الحجة نوال ومروة كانوا بايتين فيها قبل السفر بليلة وهي في المستشفى، وسايبين وراهم كركبة ومواعين في الحوض كنوع من فرض السيطرة.

نادية محطتش إيدها في حاجة. كلمت شركة نظافة محترفة: “عايزة فريق يجيلي حالا، الشقة تتقلب وتتطهر، وأي هدوم أو حاجات تخص طارق أو أهله تتلم في كرتونة وتترمي في المخزن اللي تحت في البدروم.”

على العصر، كانت الشقة بتبرق بريحة اللافندر، وسرير فريدة جاهز، ونادية أخدت الدش الدافي اللي كانت بتحلم بيه، وقعدت على الكنبة بتشرب ينسون وبترضع بنتها، وجنبها كريم المحامي بعتلها رسالة على الواتساب: “البلاغ اتقدم يا فندم، وقرار التمكين والمنع من التعرض صدر فوري ومعانا قوة من قسم الدقي هتتحرك معاكي وقت اللزوم لو حد حاول يتعرضلك، ومعانا أمر بتسليمك الشقة تسليم فعلي خالي من أي شاغل.”

نادية ردت عليه: “تمام يا كريم. خليهم معاك ف الموعد. طارق وأهله زمانهم راجعين بعد يومين تلاتة لما الفلوس تخلص معاهم.”

مرت أربع أيام. طارق في الجونة بدأ يحس بالصمت المريب. نادية مبعتتش رسالة واحدة، متصلتش، منزلتش ستوري واحدة على الواتساب، كأنها اختفت من الكوكب.

الحجة نوال بدأت تقلق: “إيه يا طارق؟ البت دي مكلمتكش؟ لا تكون راحت عملتلك محضر في القسم؟ دي محامية ولسانها طويل.”

طارق بثقة مهزوزة: “محضر إيه يا ماما؟ هتقول إيه؟ جوزي قفل الباب في وشي؟ القسم هيقولها دي مشاكل زوجية وروحوا المحكمة، والمحاكم بتاخد سنين، وهي لسه والدة ومش هتقدر تلف على الأقسام. تلاقيها عند أبوها أو أهلها ومكسوفة تتكلم.”

مروة: “يا أبيه يلا نرجع، الجو هنا بدأ يبرد، وأنا زهقت من الأوتيل، وعايزة أرجع شقة الدقي نغير جو هناك شوية قبل ما الكلية تبدأ.”

طارق: “يلا بينا، زمانها دلوقتي استوت على نار هادية، نرجع ونفتح لها الباب بشرط تكتب تنازل عن نص الشقة باسمي، عشان نضمن إنها متفتحش بقها تاني.”

الحجة نوال: “عفارم عليك يا ابن بطني، كده الراجل الصح.”

يوم الأحد بالليل، الساعة كانت حوالي تسعة. الشارع في الدقي كان هادي. عربية طارق وقفت قدام العمارة، ونزل منها هو وأمه وأخته، شايلين شنط الهدوم والهدية اللي جابوها من هناك، وعلامات الانتصار والراحة على وشوشهم.

دخلوا الأسانسير، وطلعوا الدور الرابع.

طارق وقف قدام الباب وهو بيبتسم لـ أمه: “جاهزة يا ماما تشوفي منظرها وهي جاية تعيط؟”

الحجة نوال: “جاهزة يا حبيبي، وريني طول رقبتها هيحصل فيه إيه.”

طارق مد إيده عشان يكتب الباسورد على القفل.. بس إيده وقفت في الهواء.

الملامح اتغيرت، والابتسامة اتمحت تماماً.

مكان القفل القديم، كان فيه جهاز أسود غريب، شاشته مطفية، ومفيش فيه لوحة أرقام أصلاً!

طارق بربكة: “إيه ده؟ فين البتاع اللي كان هنا؟”

مروة قربت: “في إيه يا أبيه؟ فين الأرقام؟”

طارق بدأ يخبط على الباب: “نادية! نادية افتحي!”

الباب متهزش سنتيمتر واحد. الباب مصفح وقوي.

جوه الشقة، نادية كانت سامعة كل حاجة. كانت قاعدة في الصالون، حاطة رجل على رجل، ولابسة عباية شيك جداً، وبتشرب قهوة بهدوء. فريدة كانت نايمة في أوضتها جوه. نادية ملمستش الباب، سابته يخبط لحد ما جاب آخره.

الحجة نوال بصوت عالي: “بت يا نادية! افتحي الباب! إنتي غيرتي القفل؟ إنتي اتجننتي؟ افتحي يا بت بدل ما نكسره عليكي!”

في اللحظة دي، نادية قامت بكل برود، وفتحت الباب نص فتحة، وسندت بكتفها على الإطار. بصتلهم من فوق لتحت بنظرة خلت طارق يحس بقشعريرة في ضهره.

نادية بنبرة هادية ومستفزة: “خير؟ بتخبطوا كده ليه؟ في حد يخبط على بيوت الناس بالأسلوب ده؟”

طارق وعينيه طالع منها شرار: “بيوت الناس إيه يا روح أمك؟ افتحي الباب ده فورا! إيه القفل اللي إنتي حطاه ده؟ وإزاي تتجرأي تغيري قفل بيتي؟”

نادية ضحكت ضحكة رنت في الممر كله: “بيتك؟ بيت مين يا طارق؟ إنت شكلك الشمس لحست دماغك في الجونة. ده بيتي أنا، ملكي أنا، ورث أبويا وشقا عمري. إنت هنا كنت مجرد نزيل، استضافة.. والزيارة انتهت.”

الحجة نوال اتعصبت وصوتها جاب لآخر الشارع: “جرى إيه يا مقصوفة الرقبة؟ إنتي هتسوقي فيها؟ ده بيت ابن بكرى، وهو الراجل والكلمة كلمته، غوري من وشنا خلينا ندخل الشنط، وإلا والله هخلي أيامك كلها سودا!”

نادية بصت للحجة نوال وقالتلها: “حجة نوال، لمي لسانك عشان السن بس، وعشان متبيتِيش في التخشيبة النهاردة. الشقة دي ملكي بالقانون، ومعايا قرار تمكين وإخلاء بالقوة الجبرية لأي حد يحاول يقتحمها. إنتوا بره.. وهتفضلوا بره.”

طارق هجم على الباب وحاول يزق نادية: “أنا هوريكي مين اللي هيفضل بره يا نادية! أنا هكسر دماغك دي!”

قبل ما إيده تلمس الباب، طلع من الأسانسير تلات رجالة بلبس ميري، ومعاهم كريم المحامي.

أمين الشرطة بصوت جهوري: “جرى إيه يا فندم؟ في إيه هنا؟”

طارق اتجمد مكانه وبص وراه برعب. كرم المحامي قرب وطلع محفظة أوراق رسمية ووراها لأمين الشرطة وللظابط اللي ظهر وراهم: “يا فندم، دي الأستاذة نادية علام، المالك القانوني للشقة، وده طارق وأهله، صادر ضدهم محضر بعدم التعرض وقرار تمكين حصر رقم (…) لسنة 2026، والآن هم بيحاولوا يقتحموا الشقة بالقوة ويهددوها وهي في فترة نفاس.”

الظابط بص لطارق بنظرة حازمة: “بطاقتك يا استاذ.”

طارق وإيديه بترعش: “يا باشا دي مراتي، وده بيتنا، دي مشاكل عائلية…”

الظابط قاطعه بحدة: “مشاكل عائلية في المحكمة، لكن قدامي ورق رسمي بيقول إن الشقة ملك الست دي لوحدها، وإنتوا مغيرين الكالون ومطلعينها بره وهي لسه والدة. اخلوا الممر حالا، وأي محاولة للمس الباب أو التعدي باللفظ، هاخدكم كلكم على القسم بتهمة التعدي على ملكية خاصة والترويع.”

مروة بدأت تعيط من الخوف وتستخبى ورا أمها، والحجة نوال وشها جاب ألوان، وبقت تبص لنادية بذهول مش مصدقة إن البنت الهادية اللي كانت بتستحمل كلامها بقت بالحزم والجبروت ده.

نادية بصت لطارق وقالتله بنبرة مسمومة: “شنط هدومك وهدوم أهلك اللي كانت جوه، هتلاقيها تحت في البدروم في كراتين، لفها ببلاستر كويس عشان الفئران متبهدلهاش. ومفاتيح عربيتك اللي باسمي والشريحة اللي بتدفعها من حسابي، هسحبهم منك رسمي بكره الصبح.”

طارق بصالها والدموع محبوسة في عينيه من قمة الإهانة والكسرة قدام أمه وأخته والشرطة: “بتعملي فيا كده يا نادية؟ بترميني في الشارع قدام الناس؟”

نادية قربت منه وهمست عشان محدش يسمع غيره: “إنت اللي بدأت اللعبة دي يا طارق.. لما سبتني في المطر وبنتي عمرها تلات أيام عشان ‘تربيني’. أنا بقا مبربيش.. أنا بفرم. طلاقك هيوصلك على يد محضر، ونفقة فريدة هتدفعها مليم ينطح مليم، وإلا السجن مستنيك. يلا.. مع السلامة.”

قفلت نادية الباب في وشهم، وصوت القفل الإلكتروني وهو بيقفل بتكة أوتوماتيكية كان زي صوت رصاصة الرحمة على الجوازة دي.

طارق وقف في الممر، شايل شنطة السفر في إيده، وأمه بتشد في هدومه وبتقوله “يلا يا ابني نمشي من هنا الفضيحة بقت بجلاجل”، وأخته بتعيط. نزلوا السلم وهم مش عارفين يروحوا فين، الكبرياء اتمسح بالأرض، والكسرة كانت مفيهاش رجوع.

جوه الشقة، نادية راحت لأوضة فريدة، شالتها براحة وضمتها لصدرها وهي بتبتسم. قعدت على المهد الهادي، وبدأت تهزها وتغني لها بصوت واطي وناعم. كانت عارفة إن المعركة القضائية لسه في أولها، وطارق مش هيسكت وهيحاول ينتقم بكل الطرق القذرة اللي يعرفها، لكنها كانت جاهزة، ومستعدة لكل خطوة.

وفجأة.. وهي بتهز البنت، تليفونها نور برقم غريب.

ردت بهدوء: “ألو؟”

جاءها صوت راجل غامض، صوته رخيم وفيه نبرة تهديد صريحة: “مبروك الشقة الجديدة يا سيادة المحامية.. بس افتكري إن طارق مش لوحده، والورق اللي إنتي مخبياه في الخزنة بتاعتك، مش هيحميكي من اللي جاي.. الحكاية لسه مبدأتش يا نادية، واجهزي للهدية الكبيرة اللي هتوصلك بكره الصبح.”

الخط قطع.

نادية تجمدت في مكانها، وعينيها وسعت وهي بتبص للتليفون.. الورق اللي في الخزنة؟ مفيش حد على الكوكب يعرف موضوع الورق ده غير شخص واحد بس.. والشخص ده مات من خمس سنين!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *