يوم الولاده

يوم الولاده
الثانى
وقف ماجد مذهولاً أمام الورقة التي كشفت له الحقيقة المرة، كيف تجرأت على فعل ذلك؟ كيف تحملت عبء الحمل والوحدة والطلاق بصمت مطبق، بينما كان هو يغرق في كبريائه الزائف ويطلق أحكامه القاسية؟ لم يكد يستوعب الصدمة حتى دخل مساعده الطبي ليقطعه عن أفكاره ويخبره بحدوث مضاعفات في حالة ولاء، ضغطت جرس الطوارئ بقوة في الغرفة، انطلق ماجد كالمجنون تاركاً خلفه كل أوراقه، اندفع نحو غرفتها ليجد الأطباء يحاولون السيطرة على نزيف حاد جديد، صرخ في الجميع ليفسحوا له المجال، لم يكن هناك وقت للتردد، أمسك الأدوات وبدأ التدخل الجراحي السريع وسط ذهول الجميع من حدة انفعاله، كان يرى الموت يحيط بولاء مرة أخرى، تذكر التقرير الذي قرأه للتو وشعر ببركان من الغضب يغلي بداخله، ليس غضباً منها بل من نفسه، كان يوبخ ذاته في كل حركة يقوم بها، يطلب منها أن تصمد، يعدها بأن هذا العذاب سينتهي، أن النزيف سيتوقف، أن الحياة ستعود لمجراها الذي أفسده بيده، كانت الدقائق تمر ثقيلة كأنها دهور، قلبه يضطرب مع كل نبضة يظهرها الجهاز، الممرضات حوله يراقبن الرجل الذي يعرفنه كدكتور صارم وقاسٍ يتحول الآن إلى إنسان منكسر يحارب الموت ليفتدي أغلى ما كان يملك، أخيراً بدأ النزيف يتباطأ، وبدأت المؤشرات تستقر ببطء، تنفس ماجد بعمق لدرجة أن صدره كاد ينفجر، مسح جبينه بيده الملطخة بالدماء، ونظر إلى وجهها الشاحب الذي بدأ يستعيد شيئاً من لونه، جلس على الكرسي بجانبها، كان الجو في الغرفة خانقاً، والهدوء الذي ساد بعد العاصفة لم يزده إلا رهبة، قرر أن يظل بجانبها حتى تفتح عينيها، لم يعد يهمه الوقت ولا المواعيد ولا نظرة المجتمع، كان يريد فقط أن يعتذر، أن يطلب المغفرة، أن يفسر لها لماذا لم يسأل ولماذا لم يبحث، بينما كان يغوص في هذه الأفكار، تحركت يد ولاء ببطء، لم تكن قوة كافية، لكنها كانت كافية ليسمع ماجد صوت أنفاسها وهي تستعيد وعيها، فتحت عينيها، نظرت حولها بتشتت، ثم وقع بصرها عليه، حاولت أن تبعد يده الممسكة بيدها، لكنه قبض عليها بقوة أكبر، قال بصوت مخنوق لا تتركيني يا ولاء، أنا عرفت الحقيقة، عرفت كل شيء، لم تكن مجرد زوجة، كنتِ بطلة في قصتي التي كتبتها بظلمي، نظرت إليه بعيون دامعة وعاتبة، لم تنطق، لكن نظرتها كانت كافية لتجعله يشعر بأن كل كلمات العالم لن تشفي جرحاً غائراً في قلبها، كان يعلم أن الطريق أمامهما طويل وشاق، وأن ندبات الماضي لن تلتئم في ليلة واحدة، لكنه كان مستعداً لبذل حياته كلها مقابل نظرة رضا واحدة منها، ساد الصمت مرة أخرى، ولاء أغمضت عينيها من جديد بسبب التعب، لكن يدها ظلت في يده، وكأنها تعلن له أنها، على الرغم من كل شيء، ما زالت هنا، وما زالت تعيش، وما زالت تنتظر منه أن يثبت لها أنه تغير فعلاً، في تلك اللحظة أدرك ماجد أن الرحلة نحو استعادة قلبها قد بدأت للتو، وأن عليه أن يواجه ليس فقط ماضيه، بل كل الأخطاء التي جعلت هذه اللحظة ممكنة.
ظل ماجد جالساً بجوار فراشها لا يبرح مكانه وكأن حراستها باتت مهمته الوحيدة في الحياة، كان يراقب كل تغير في ملامحها وكل رعشة في أهدابها، عقله لا يتوقف عن استرجاع تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم الذي نطق فيه بكلمة الطلاق، كان يجلد ذاته بذكرى وجهها الذي ذبل في لحظة انكسارها، وبينما كان الغروب يلقي بظلاله الهادئة على الغرفة، بدأت ولاء تسترد وعيها بشكل كامل، أخذت نفساً عميقاً وأخرجت زفيراً جعل صدرها يرتفع ويهبط بانتظام، فتحت عينيها وأخذت تنظر في أرجاء الغرفة بتيه، حتى استقرت عيناها على ماجد الذي كان يراقبها بلهفة المحب المذنب، لم تكن هناك كلمات قادرة على اختصار تلك المسافة الشاسعة بينهما، حاولت أن تشيح بوجهها عنه لكنه منعها برفق شديد، اقترب منها وهمس بصوت متهدج يملؤه الندم الذي كسر كبرياءه، لم يكن يعلم أن جرحها أعمق من مجرد طلاق، ولم يكن يدرك أن صمتها كان صرخة استغاثة لم يسمعها في زحام غروره، ولاء نظرت إليه بعينين لا تزالان تحملان بقايا خوف، وبصوت ضعيف أشبه بالهمس سألته عن الطفل، ماجد أسرع ليطمئنها بأن الصغير في أمان تام تحت رعاية أفضل الأطباء، وأنه يشبهها في كل ملامحها، رأى في عينيها لمعة أمل ممزوجة بوجع، هي لم تكن تنتظر مبررات، كانت تنتظر اعترافاً يداوي كرامتها المهدورة، ماجد لم يتردد، انحنى أمامها وكأنه يطلب صك الغفران، أخبرها أن حياتهما معاً كانت مسرحية عبثية أدارها بظنونه الخائبة، واعترف لها بأنه لم يحب أحداً كما أحبها، وأن رحيلها أطفأ في قلبه كل معاني الفرح، ولاء صمتت طويلاً، كان الصمت في الغرفة يحكي قصصاً لم تُروَ، ثم رفعت يدها المرتجفة ووضعتها على يده، في تلك اللحظة شعر ماجد بأن الجليد الذي غلف علاقتهما لشهور بدأ يذوب، لكن فجأة انفتح باب الغرفة ودخل عمُّه، والد ولاء، بوجه يكسوه القلق والغضب المكتوم، توقف عند الباب ينظر إليهما بذهول، لم يكن يعلم كيف يواجه الرجل الذي طرد ابنته في لحظة ضعفها، ماجد وقف بسرعة، كان يعلم أن العاصفة القادمة هي مواجهة الحقيقة أمام عائلته، نظر إلى ولاء التي أغمضت عينيها خوفاً من حدوث صدام، كان يعلم أن هذا اللقاء لن يمر بسلام، وأن عليه أن يختار بين التمسك بكبريائه وبين التضحية بكل شيء من أجل استرداد كرامة زوجته وابنه، اتخذ خطوة نحو عمّه، كان يعلم أن كل كلمة سيقولها ستكون بداية لرحلة طويلة من الاعتذار، استعد للمواجهة التي ستحسم مصيرهما، بينما ظلت ولاء في مكانها، تترقب ما سيقوله ماجد في أول اختبار حقيقي لرجولته وتوبته أمام من تسبب هو في ألمهم لشهور طويلة.
وقف ماجد في مواجهة عمه الذي كان يرتجف من شدة الغضب والحزن في آن واحد، نظرات الرجل المسن كانت كالسياط تنهال على وجه ماجد، الذي لم يجد مفراً من الانحناء تحت ثقل خطيئته، تقدم عمه بخطوات ثقيلة نحو الفراش ليرى ابنته المنهكة، ثم التفت إلى ماجد بصوت مشحون بمرارة السنين وقال له إن الغفران لا يُشترى بكلمات، وأن ما فعله في حق ولاء لا يمحوه اعتذار ولا توبة عابرة، ماجد لم يدافع عن نفسه، بل خفض رأسه وأقر بكل ذنوبه، معترفاً أمام الجميع وأمام الله بأنه كان أعمى ببصيرته وقاسياً بقلبه، ولاء كانت تتابع هذا المشهد بقلب يمزقه الحنين والانكسار، شعرت بضعف شديد يسري في أوصالها، فتدخلت الممرضة لتطلب منهم الهدوء التام لأن حالتها لا تحتمل هذا الضغط النفسي الحاد، خرج عمه من الغرفة ليترك ماجد في مواجهة جديدة مع نفسه ومع ولاء، اقترب منها ببطء، لم تكن هناك مسافة كافية لكي يبتعد، كان يشعر بأن أنفاسها المتقطعة هي المسؤولة عن حياته كلها، أخبرها بأنه لم يعد يطلب منها العودة لزوجته، بل يطلب منها أن تسمح له بأن يكون خادماً لأجلها ولأجل طفلهما حتى تستعيد عافيتها، ولاء نظرت إلى السقف بدموع صامتة، فكرت في كل تلك الليالي التي نامت فيها وهي تحتضن وسادتها بدموعها، وفي لحظة الولادة التي كانت فيها وحيدة تخشى الموت، سألت ماجد بصوت مبحوح عن سبب بقائه رغم معرفته بكل شيء، وعن السبب الذي جعله يتغير في تلك اللحظات، ماجد لم يجد إجابة سوى صدق شعوره بالخسارة، اعترف لها بأن الموت الذي رآه في عينيها كان هو المرآة التي أظهرت له قبح أفعاله، في تلك الأثناء، ومن خلال نافذة الرعاية المركزة، لمح ماجد حركة غير طبيعية في الممر الخارجي، كان هناك طاقم طبي يهرع نحو حضانة الأطفال، شعر بنبضات قلبه تتسارع، أحس بخطر يهدد صغيره الذي لم يره إلا للحظات، ترك ولاء وخرج مسرعاً نحو الحضانة، كان يرى الفوضى تعم المكان، صرخ في الجميع ليسأل عما حدث، أشار أحدهم بيده نحو الصغير الذي تدهورت حالته التنفسية بشكل مفاجئ، في تلك اللحظة شعر ماجد بأن العالم كله يضيق عليه، الصغير الذي يمثل رابط الحياة الوحيد بينه وبين ولاء يصارع الموت، وماجد يقف أمام خيار مستحيل، هل يعود لولاء ليخبرها بالحقيقة أم يظل هنا ليحاول إنقاذ ابنه الذي قد يرحل في أي ثانية، كانت لحظات من الرعب المطلق، شعر فيها بأن لعنة الماضي تطارده في كل زاوية، وأن القادم أصعب بكثير مما كان يتخيل، استجمع قواه مرة أخرى، لبس القفازات للمرة العاشرة في ذلك اليوم، ودخل غرفة الحضانة ليخوض معركته الكبرى، بينما كانت ولاء في غرفتها تشعر ببرودة غريبة تسري في قلبها، وكأنها تدرك أن شيئاً ما قد حدث لصغيرها، حاولت التحرك بضعف، تمنت لو كانت قادرة على النهوض، كان الصمت في الممر يقطعه صوت الأجهزة، وماجد وسط هذه المعركة كان يناجي ربه ألا يحرمه من هذه الفرصة، ألا يجعل هذا الطفل هو ضريبة قسوته، كان يرى في ملامح الصغير المزرقة انعكاساً لذنبه، وكان يدرك أن حياتهما معاً معلقة بخيط رفيع جداً سيتحدد مصيره في اللحظات القادمة.
بينما كان ماجد يصارع لإنقاذ حياة صغيره داخل الحضانة وسط صرخات أجهزة الإنذار التي تملأ الأرجاء، كانت ولاء في غرفتها تتخبط في دوامة من الهواجس، شعرت ببرودة لا تحتمل تغزو أطرافها وكأن روحاً منها قد انتزعت، حاولت النهوض رغم الإعياء الشديد، جسدها يرتجف كأنها في عاصفة ثلجية، كانت تتشبث بحافة السرير بكل قوتها، تهمس باسم طفلها وتستغيث بالله ألا يذيقها طعم الفقد مرة أخرى، في تلك الأثناء كان ماجد قد نسي تماماً كونه طبيباً جراحاً يتبع البروتوكولات، لقد تحول إلى أبٍ مكلوم يحاول بكل ذرة من طاقته إخراج ابنه من براثن الموت، كانت يداه الماهرتان تتحركان بسرعة فائقة لتعديل أنبوب الأكسجين وتأمين تنفس الطفل، بينما كان عرق جبينه يتساقط كالمطر على وجهه الذي غاب عنه كل ملامح السكي..نة، الممرضات من حوله كن يراقبن بذهول كيف يتحول هذا الرجل إلى وحش كاسر يصارع القدر، وفجأة، وبينما كان ماجد يهمس في أذن الصغير بكلمات الحب والاعتذار الممزوجة بالدموع، توقفت نبضات الجهاز عن الصراخ لتتحول إلى نغمة متصلة خافتة، ساد صمت مرعب في الحضانة جعل أنفاس ماجد تتوقف في صدره، نظر إلى شاشة الجهاز التي أظهرت استقراراً طفيفاً، تنهد بعمق لم يعرف له مثيلاً، لم يصدق أن طفله قد استجاب لندائه وعاد إلى الحياة مرة أخرى، مسح دموعه بسرعة، ثم ألقى نظرة أخيرة على صغيره الذي بدأ صدره يتحرك بهدوء، وخرج من الغرفة مسرعاً، كانت قدماه تكادان لا تحملانه من شدة الإرهاق، اتجه مباشرة نحو غرفة ولاء، كان يعلم أنها استيقظت وشعرت بما حدث، وما إن فتح الباب حتى وجدها جالسة على طرف السرير، وجهها مليء بالترقب والخوف، نظرت إليه بعينين تائهتين تنتظران خبراً لا تجرؤ على السؤال عنه، ماجد اقترب منها ببطء، جلس عند قدميها، أمسك يديها الباردتين ووضعهما على وجهه الذي كان لا يزال يحمل آثار المعركة، همس لها بصوت مرتعش يقطر بالراحة: لقد عاد يا ولاء، عاد إلينا، ابنا الذي أردتُ قتله بجهلي تمسك بالحياة ليمنحنا فرصة لا نستحقها، ولاء لم تتمالك نفسها، انفجرت في بكاء مرير، بكاء غسل كل جراح السبع أشهر الماضية، لم تعد قادرة على الحديث، لكنها ضمت يديه بكل ما أوتيت من قوة، كان هذا التصرف بمثابة إعلان عن بداية صفحة جديدة، صفحة لم تُكتب كلماتها بعد، لكنها بالتأكيد لن تكون مثل سابقاتها، في تلك اللحظة خيم الهدوء على المكان، هدوء لم يكن غياباً للصوت، بل كان شعوراً بأن العاصفة قد هدأت أخيراً، وأن ماجد وولاء قد اجتازا الاختبار الأكثر قسوة في حياتهما، جلسا معاً في ذلك الصمت الطويل، يراقبان أضواء المستشفى الخافتة، وكأن العالم من حولهما توقف ليفسح المجال لهما لترميم ما انكسر، كان ماجد يدرك أن طريقهما لا يزال مليئاً بالأشواك، وأن عائلتها لن تغفر له بسهولة، لكنه كان يعلم أيضاً أن وجود هذا الطفل بينهما هو الرابط الذي لا يمكن قطعه، وهو الأمل الذي سيعيش من أجله، وفي أعماقه كان يقرر أنه من الآن فصاعداً سيعيش ليعوضهما عن كل لحظة ألم تسبب فيها، ولن يسمح لأي قوة في الأرض أن تبعده عنهما مجدداً، مهما كلفه الأمر ومهما كانت التضحيات القادمة في طريقهما المجهول… يتبع
يوم الولاده الثالث والاخير
بدأ الليل يلقي بظلاله الثقيلة على أروقة المستشفى الموحشة التي لم تعد صدى خطوات المارين فيها تثير انتباه ماجد، كان جالساً على كرسي بلاستيكي صغير بجانب ولاء التي غلبها النوم أخيراً من فرط التعب والإعياء، عيناه كانتا معلقتين بقطعة من قلبه في الحضانة، وكان عقله يراجع شريط ذكرياته الطويل بمرارة شديدة، لم يكن يصدق كيف تحول من زوج متسلط يملؤه الغرور إلى رجل يرتجف خوفاً من فقدان عائلته، فجأة دقت الساعة معلنة انتصاف الليل، وقبل أن يغرق في أفكاره السوداوية، انفتح باب الغرفة ببطء ودخل عمه بخطوات متثاقلة يحمل في عينيه نظرات غريبة تجمع بين الشفقة والحنق، اقترب من ابنته النائمة ووضع يده على رأسها بحنان، ثم التفت نحو ماجد الذي وقف في حضوره كأنه متهم ينتظر حكم الإعدام، لم يتحدث العم في البداية، بل أشار له بأن يتبعه إلى خارج الغرفة، سار ماجد خلفه بخطوات متثاقلة، وفي الممر الطويل الخالي إلا من ضوء المصابيح الخافتة، توقف العم والتفت إليه ليخرج من جيبه مجموعة من التقارير الطبية التي أخفتها ولاء طوال تلك الشهور، كانت التقارير تفضح جهل ماجد وكبرياءه، وتكشف كيف أن العقم لم يكن يوماً من الأيام مشكلتها كما ادعى في لحظات غضبه، بل كان الأمر مجرد صدفة قدرية تأخرت في الحدوث، صرخ العم في وجه ماجد بصوت مكتوم ولكنه جارح، محملاً إياه مسؤولية الضياع الذي عاشته ابنته وحيدة، سقط ماجد على ركبتيه في الممر، لم يكن قادراً على النطق بكلمة واحدة، فكل عذر سيقدمه سيكون أوهن من أن يستر به فضيحة أفعاله، في تلك اللحظة شعر ماجد أن الغفران بات بعيداً جداً، وأن كل محاولاته لإنقاذ الموقف ما هي إلا محاولات يائسة لترميم جدار انهار بالفعل، وبينما كان العم يوبخه بقسوة، سمعا صوت صراخ مكتوم قادم من جهة الحضانة، تجمدت الدماء في عروق ماجد، انطلق بكل سرعته تاركاً عمه خلفه دون أن ينظر إلى الوراء، وصل إلى الحضانة ليجد الطاقم الطبي في حالة استنفار قصوى، كان طفله يعاني من تشنجات حادة أدت إلى توقف التنفس مجدداً، لم يفكر ماجد في كبريائه، لم يفكر في عمه أو في نظرة المجتمع، قفز بكل ثقله ليتولى الإنعاش بنفسه، كانت يداه تتحركان بسرعة جنونية بينما كان قلبه يصرخ في صمت، كان يرى ابنه وهو يلفظ أنفاسه، وفي تلك اللحظة التي تلاشت فيها كل الحدود، أدرك ماجد أن نجاتهما لا تعتمد فقط على مهارته الطبية، بل على معجزة إلهية تطلب منه صدق التوبة، استمر في عملية الإنعاش لقرابة الساعة، عرق يتصبب من جبينه، وأنفاسه تتسارع، حتى استجابت الرئتان الصغيرتان للنبض من جديد، سقط ماجد أرضاً من الإرهاق الشديد بينما كانت الممرضات ينظرن إليه بإعجاب وشفقة، عاد إلى غرفته ليجد ولاء قد استيقظت وهي تتابع المشهد من باب الغرفة الموارب، كانت دموعها تنهمر بصمت، وفي تلك اللحظة التقت عيناهما، لم يكن هناك حاجة للكلام، فالموقف وحده كان يكفي ليعلن أن المعركة لا تزال مستمرة، وأن الأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت القلوب التي انكسرت قادرة على الالتئام مجدداً أم أن الجروح ستظل شاهدة على لحظة قسوة غيرت مجرى حياتهما للأبد.
مرت تلك الليلة كأنها دهور من العذاب المكتوم وماجد يراقب ولاء التي استردت وعيها التام لكن صمتها كان أشد وطأة عليه من أي صراخ أو عتاب، كانت عيناها تتجولان في أرجاء الغرفة وكأنها تبحث عن مخرج من كابوس لا ينتهي، حاول الاقتراب منها مراراً وتكراراً لكنه كان يرتد خائباً أمام نظراتها الجامدة التي تفتقر إلى أي دفء ألفه في سنواتهما الأولى، كان يدرك تماماً أن كسر القلوب لا يُجبر باعتذار بسيط وأن الغفران الذي يرجوه يتطلب معجزة تتجاوز حدود المنطق والطب، فجأة اهتزت أروقة المستشفى على وقع صوت الممرضة التي كانت تهتف باسمه من بعيد وهي تركض في الممر لتخبره بأن الطفل قد بدأ يفتح عينيه لأول مرة ويحتاج إلى وجود والديه بجانبه، تجمدت الدماء في عروق ماجد وشعر بوهن شديد في ركبتيه، نظر إلى ولاء التي بمجرد سماعها الخبر انهمرت دموعها بصمت كشلال من الوجع والرجاء، حاول مساعدتها على النهوض من فراشها لكنها دفعت يده برفق وأصرت على الاعتماد على نفسها رغم ضعفها الشديد، سار بجانبها بخطوات بطيئة ومتعثرة بينما كان قلبه يخفق بعنف في صدره كأنه طائر محبوس، وصلا إلى الحضانة ورأيا ذلك الكائن الصغير الذي يصارع الحياة وهو يحدق في الفراغ بعينين تشبهان عيني ولاء كثيراً، وقف ماجد خلفها يراقب تفاعلها مع طفلها، كانت تمسح على زجاج الحضانة بأطراف أصابعها المرتجفة وتهمس بكلمات لا يسمعها غيرها، وفي تلك اللحظة التي تلاقت فيها نظراتهما عبر زجاج الحضانة، أحس ماجد بأن الحواجز التي بناها بغروره بدأت تتصدع، كان يرى في ابنه الذي كاد يفقده دليلاً على وجود فرصة أخيرة للبقاء، لكن فجأة تعالت أصوات الأجهزة مرة أخرى بشكل غير متوقع، تشنج الطفل وأخذ يتقلب في فراشه الصغير مما جعل ولاء تصرخ بذعر وتضرب الزجاج بيديها المنهكتين، لم يتردد ماجد لحظة واحدة، اقتحم الحضانة مرة أخرى واندفع نحو الصغير بكل ما أوتي من مهارة وخبرة، كان يشعر أن هذه هي اللحظة الفاصلة التي ستحدد مصيرهما جميعاً، صرخ في الممرضات لإحضار الأدوات الطبية الضرورية، كان يدلك صدر الصغير ويناجيه بصوت متهدج أن يظل معه، كانت ولاء تقف في الخارج تراقب المشهد بقلب يتقطع، صلت وتضرعت لله بكل جوارحها ألا يحرمها من هذا الروح الذي جاءت به للدنيا وسط كل هذا الخراب، استمر الصراع لعدة دقائق كانت أطول من عمرهما معاً، حتى ساد صمت مطبق في الغرفة، نظر ماجد إلى الجهاز ووجد أن نبضات الطفل بدأت تنتظم من جديد بشكل مذهل، زفر ماجد بقوة وخرج من الغرفة وقد غطى وجهه بيديه من شدة التأثر، وجد ولاء واقفة في مكانها، لم تعد تبكي، بل كانت تنظر إليه بنظرة غامضة لا يستطيع تفسيرها، اقترب منها ووقف أمامها مباشرة، لم يعد هناك مكان للهرب أو للكذب، أخبرها بصدق أنه مستعد للتخلي عن كل شيء، عن مهنته ومكانته، فقط ليكون بجانبهما ويحاول أن يغسل بدموع ندمه ذنوب الأمس، ولاء هزت رأسها ببطء شديد، نظرت إلى صغيرهما ثم عادت لتنظر إلى ماجد وقالت بصوت بالكاد يخرج من بين شفتيها إن الوقت وحده هو الذي سيقرر ما إذا كان قلبه قد تغير فعلاً، لكنها في تلك اللحظة لم تبعد يدها عندما وضعها ماجد برفق على كتفها المرتجف، كان هذا هو الضوء الأخضر الذي انتظرته روحه المعذبة لتبدأ في مواجهة الغد المجهول.
مرت الأيام داخل جدران المستشفى الباردة كأنها رحلة في عالم آخر لا يعرف غير رائحة المعقمات وأنين الذكريات، كان ماجد يرى في ملامح ولاء الشاحبة انعكاساً لسنوات عمرهما التي ضاعت بين جدران الخصام، ظل ملازماً لها ولطفلهما الذي بدأت صحته تستقر تدريجياً وكأن روحاً جديدة دبت في جسده الهزيل، في تلك الليلة التي كان فيها القمر يرسل ضوءه الخافت عبر نافذة الغرفة، جلس ماجد عند قدميها يطلب منها السماح ليس كطبيب بل كرجل يدرك الآن فقط قيمة ما فقده في لحظة طيش، أخبرها عن الندم الذي ينهش في أعماقه كلما رأى طفلها يحمل ملامحها التي طالما غيبها عن ناظريه، كان يتحدث بكلمات تخرج من قلبه لتستقر في قلبها المثقل بالجراح، ولاء كانت تنصت إليه بصمت تام، عيناها تحكيان قصصاً من الألم والحرمان، وبدأت الستارة التي تفصل بين قلبيهما تتلاشى تدريجياً أمام اعترافاته الصادقة، فجأة اقتربت الممرضة لتخبرهما أن الفحوصات الأخيرة للطفل أظهرت تعافياً كاملاً وأن باستطاعتهما مغادرة المستشفى في غضون يومين، شعرت ولاء بقلبها ينبض بشيء لم تعرفه منذ زمن، ليس فرحاً محضاً بل شعوراً غريباً بالمسؤولية تجاه ما ينتظرهما في الخارج، نظرت إلى ماجد الذي كان يراقبها بلهفة وترقب، وبصوت متهدج قالت له إن العودة للحياة التي كانت قبل سبعة أشهر ليست خياراً متاحاً، لأن تلك الحياة قد ماتت مع آخر كلمة قاسية قالها لها في ذلك اليوم المشؤوم، ماجد لم يغضب، بل انحنى برأسه مقراً بصواب حديثها، ووعدها بأنه لا يطلب العودة للماضي بل يطلب فرصة لبناء حياة جديدة تماماً، حياة تقوم على الصدق والاحترام المتبادل، في تلك اللحظة رن هاتف ماجد وكان عمه الذي سأله عن حالتهما بصوت يملؤه التوجس، لم يتردد ماجد في إخباره بكل شيء، وبأن ولاء وابنهما أصبحا بخير وبأنه سيظل بجانبهما مهما كلفه الأمر، أدرك ماجد حين أغلق الهاتف أن العالم الخارجي بانتظارهما بتحدياته الكبرى، وأن خروجهما من هذا المستشفى سيكون بداية لاختبار حقيقي لن يرحم فيه الناس بذاكرتهم، لكنه شعر بنوع من الطمأنينة التي لم يعرفها من قبل، طمأنينة الشخص الذي ألقى بحمولته الثقيلة من الكبرياء وبدأ يرى الطريق بوضوح، بينما كانت ولاء تغمض عينيها وهي تمسك بيد طفلها، كانت تشعر بأن القادم يحمل الكثير من التغييرات، وأن القدر الذي جمعهما في غرفة العمليات تلك لم يكن مجرد صدفة بل كان بداية لنهاية ألم طويل قد يفتح الباب لشيء أعمق مما كانا يظنان، وبينما كان الفجر يبزغ بخيوطه الذهبية، وقف ماجد ينظر إلى الأفق، مدركاً أن التحدي الحقيقي ليس في ولادة الطفل، بل في ولادة العائلة من جديد من رحم المعاناة.
جاء يوم الخروج من المستشفى محملاً بمشاعر متناقضة تتأرجح بين الأمل والرهبة، وقف ماجد أمام البوابة الكبيرة يحمل طفله الصغير بين يديه بحذر شديد كأنه يحمل أثمن ما في الوجود، كانت ولاء تسير بجانبه بخطوات واهنة لكنها كانت شامخة في نظراتها التي لم تعد تنكسر أمام عاصفة ذكرياتهما، استقلا السيارة وانطلقا في طريق طويل كانا قد سلكاه قبل سبعة أشهر في لحظة فراق مأساوية، لكن هذه المرة كان الهواء يغلفهما بصمت مشوب بالترقب، ماجد كان يختلس النظر إليها بين الفينة والأخرى، يرى في ملامحها وجهاً مألوفاً وغريباً في آن واحد، كان يحاول أن يجد مداخل للحديث دون أن يثير جراحها، لكن الصمت كان أبلغ وأقسى في نفس الوقت، وصلا إلى المنزل القديم الذي كان شاهداً على قصة حبهما التي تحطمت على صخرة سوء التفاهم، وعندما فُتح الباب، اندفعت ذكريات الماضي لتغمر المكان؛ كل زاوية فيه كانت تروي حكاية من العتاب أو العشق الضائع، دخلت ولاء البيت ببطء، كانت تشعر بأنها غريبة في مملكتها التي أُخرجت منها قسراً، بينما كان ماجد يتبعها بخطوات خجولة، لم يترك يدها ولا طفلهما، كان يحاول أن يملأ الفراغ الذي خلفته سنوات الغياب، لكنه كان يعلم أن كل شيء قد تغير للأبد، وبينما كانت ولاء تتفقد المكان، توقفت عند باب الغرفة التي شهدت صراعهما الأخير، نظرت إلى ماجد الذي كان يقف خلفها يراقبها بلهفة، همست بصوت يحمل شجن السنين بأنها لا تطلب منه أن يعود الرجل الذي كان، بل تطلب منه أن يكون الإنسان الذي اكتشف الحقيقة عندما كان الموت يحدق بهما، ماجد اقترب منها ببطء، لم يلمسها، لكنه وضع يده على الحائط بجانبها وكأنه يحميها من أشباح الماضي، أكد لها أن كل ذرة في كيانه قد تغيرت، وأنه سيكرس حياته ليثبت لها أن الندم ليس مجرد كلمة، بل هو رحلة طويلة من الأفعال التي ستمحو ظلام الماضي، في تلك اللحظة دخل عمهما إلى الغرفة ومعه بعض المستلزمات للطفل، كانت نظراته مليئة بالتقييم لما يحدث، لم يتكلم ولكنه ترك لهما المساحة ليواجها الحقيقة، ولاء أخذت طفلها وجلست على الأريكة القديمة التي كانت تقضي عليها لياليها وحيدة، ونظرت إلى ماجد الذي وقف أمامها يتأمل ملامحهما، كان يشعر بأن القادم من حياتهما سيكون أصعب مما مضى، لأن عليهما ليس فقط التغلب على الماضي، بل بناء ثقة مهشمة من جديد، ومع اقتراب الليل، خيم الهدوء على المنزل، وكان ماجد يجلس في الشرفة يراقب النجوم، يتساءل كيف ستبدأ حياتهما في ظل هذه التركة الثقيلة، كان يعلم أن الطريق طويل، لكن وجود الطفل الصغير في الغرفة المجاورة كان هو البوصلة التي توجهه نحو البقاء والاستمرار رغم كل العواصف التي لا تزال تلوح في أفق مستقبلهما المجهول.
مرت الأسابيع الأولى بعد العودة إلى البيت كأنها تدريب يومي على الصبر والحذر، كان ماجد يمارس أدواراً لم يعتد عليها، يتنقل بين مهام الأبوة ومتطلبات زوجته التي بدأت تستعيد عافيتها النفسية ببطء، كانت الأيام تمر وسط صمتٍ يذوب شيئاً فشيئاً بفعل الأفعال لا الأقوال، وفي صباح يوم ربيعي مشمس، وبينما كان ماجد يراقب ولاء وهي تلاعب طفلهما الذي بدأ يطلق أولى ضحكاته البريئة، شعر بأن قلبه الذي قسى لسنوات قد انصهر أخيراً، اقترب منهما وجلس على الأرض بجانبهما، نظر إلى ولاء التي لم تعد تتهرب من نظراته، بل قابلت نظراته بابتسامة خافتة تحمل في طياتها بقايا وجع لكنها تنبئ عن بدايات جديدة، أخبرها ماجد بصوت يملؤه اليقين بأنه قرر بيع العيادة القديمة والبدء في مشروع طبي يخدم المنطقة التي يسكنان فيها، ليكون قريباً منهما ولا يغيب لحظة واحدة عن تفاصيل نمو ابنه، ولاء نظرت إليه بعمق وقالت إن كل ما تريده هو أن يظل هذا الصدق الذي وجدته في عينيه حين كاد يرحل طفلهما هو الأساس الذي تبنى عليه حياتهما، لم تكن هناك وعود براقة، بل كان هناك عهد ضمني بأن الماضي بكل مآسيه قد دُفن في تلك الغرفة التي شهدت آلام الولادة والمواجهة، نهض ماجد، أمسك بيد زوجته ورفعها وقبلها برقة أمام ابنهما، وكأنه يختم عقداً جديداً من المودة والرحمة، وفي تلك اللحظة التي تلاشت فيها كل غيوم الشك والندم، أدركا أن الحياة لم تمنحهما فرصة ثانية بالصدفة، بل كافأتهما على صمودهما في وجه العاصفة، فتح ماجد نافذة البيت المطلة على الحديقة، ودخل النسيم العليل ليمسح غبار الماضي عن أرجاء المكان، كانت ولاء تقف بجانبه، ممسكة بيده بقوة، بينما كان الصغير يهمس بكلماته الأولى وسط جو من السكي..نة التي افتقداها طويلاً، لم يعد ماجد ذلك الطبيب المغرور، ولا ولاء تلك الزوجة المكسورة، لقد أصبحا كياناً واحداً ولد من رحم المعاناة، كيانٌ يعرف الآن أن الحب ليس مجرد كلمات، بل هو استعداد دائم للمغفرة والتضحية من أجل من نحب، وبينما كان الغروب يلون السماء بألوان الأمل، أغلق ماجد باب الغرفة على كل ذكريات الحزن، ونظر إلى مستقبلهما الذي يمتد أمامهما كطريق مفتوح، مدركاً أن رحلتهما لم تنتهِ، بل هي الآن فقط تبدأ بقلوب أنقى وأرواح أكثر تماسكاً أمام قسوة الأيام، وكأن كل ما مروا به لم يكن سوى اختبارٍ لمدى قدرتهم على التمسك ببعضهم في أصعب الظروف، وهكذا طويت الصفحة الأخيرة من كتاب ألمهما لتبدأ فصول جديدة عنوانها المحبة والوفاء والبدايات التي لا تعرف المستحيل، وسط ضحكات الطفل الذي كان الرابط الأبدي بينهما، أدركا أن كل دمعة ذُرفت كانت ثمناً لهذا الاستقرار الذي ينعمان به الآن، وأنه لا شيء أغلى من العائلة التي تستحق كل قطرة عرق وكل تضحية لتبقى متماسكة مهما اشتدت عواصف الزمن. تمت
روايات منال عباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *