الوجوه الاربعه
ساد الصمت في الصالة الكبيرة لدرجة أن صوت دقات الساعة المعلقة على الحائط صار يشبه ضربات المطرقة. مروان كان واقفاً مكانه كأنه تمثال من الملح، عينيه بتتحرك برعب بين الوجوه الأربعة.. يوسف اللي واقف بكل شموخ وباصص له بعينين حادتين، وياسين اللي ضامم حواجبه بضيق، وفريدة وكاميليا اللي ماسكين في فستان أمهم بس عيونهم بتلمع بذكاء مخيف.
شاهيناز، أم مروان، كانت ساندة على درابزين السلم وجسمها كله بيترعش، تبص لدنيا وتبص للأولاد، والذهول شل لسانها. الشبه مكنش محتاج تحليل دي إن إيه، الشبه كان صارخ، كأن مروان اتنسخ أربع مرات واتوزع على الملامح دي.
البنت الشقراء، “جيجي”، بدأت تفرك إيديها وتتلفّت حواليها، الضحكة المتميزة اللي كانت على وشها اختفت، وقالت بصوت حاد ومجروح:
”مروان! أنت سامع الولد ده بيقول إيه؟ مين دول؟ ومين الست دي؟ أنت مش قلت لي إنك مكنتش متجوز قبلي غير واحدة ومحصلش نصيب عشان مابتخلفش؟”
دنيا مالت براسها لورا، وابتسمت ابتسامة هادية كلها ثقة وفخر، وبصت لجيجي وقالت بنبرة ناعمة بس تذبح:
”معلش يا حبيبتي، أصل مروان بيه دايماً ذاكرته ضعيفة في الحاجات المهمة.. دايماً بيحب يفتكر اللي على مزاجه بس.”
مروان حاول يلاقي صوته، بلع ريقه الصعب اللي كان زي الشوك في حلقه، وخطى خطوة لِقدام، صوته طلع مخنوق ومرعش:
”دنيا.. إيه.. إيه المهزلة دي؟ أنتي جاية هنا تعملي إيه؟ ومنين العيال دول؟ أنتي عايزة تبوظي حياتي وخلاص؟”
يوسف مقبلش إن حد يرفع صوته على أمه، خطى خطوة تانية قدام مروان، ورغم إنه طفل عنده ثمان سنين، إلا إن نظرته كانت قوية لدرجة خلت مروان يرجع خطوة لورا تلقائياً. يوسف قال بصوت واضح ورزين:
”مامي مابتجذبش.. ومابتبوظش حاجة. أنت اللي سألتك سؤال ومردتش عليه.. أنت بابا اللي سابنا؟”
شاهيناز أخيراً لقت صوتها، صرخت وهي بتنزل السلم بسرعة وممرمغة هيبتها في الأرض:
”مروان! انطق! العيال دول ولادك؟ العيال دول من صلب الشافعي؟”
دنيا ضحكت ضحكة خفيفة، وسحبت أولادها الأربعة لحضنها، وبصت لشاهيناز وقالت:
”أهلاً يا طنط شاهيناز.. كل سنة وأنتي طيبة. أظن الشبه مش محتاج كلام. تمن سنين وأنا بربي لوحدي، تمن سنين وأنا بكبر وببني وبنجح، في الوقت اللي ابنك العزيز كان بيفهمكم فيه إني عاقر عشان يداري على عاره وخوفه من المسؤولية. لما بعتلي الرسالة دي عشان يذلني ويوريني الخاتم الألماظ وخطيبته الجديدة، قولت عيب.. لازم أجي وأجيب معايا الهدايا الحقيقية اللي حرم نفسه منها.”
مروان كان حاسس إن الحيطان بتلف بيه، العيلة كلها اللي كانت قاعدة على السفرة—عمامه وخيلانه وأولاد عمامه اللي كانوا جايين يباركوا له على شبكته الجديدة من بنت الحسب والنسب—كلهم قاموا ووقفوا، والنظرات بدأت تتحول من ذهول لـ اتهام واحتقار. مروان لف لدنيا وقال بغل مكتوم:
”أنتي كدابة! أنتي جاية تتبلي عليا بعد تمن سنين؟ أنتي سقطتي! أنتي قولتلي إنك سقطتي!”
دنيا قربت منه، وعينيها تحولت لكتلة من النار، وقالت بصوت واطي بس واصل لكل ركن في الصالة:
”أنا عمري ما قولتلك إني سقطت يا مروان. أنت اللي لما قولتلك إني حامل في أسبوعي الأول، قولتلي دي لعبة عشان تكلبشيني، ورميت في وشي ورقة طلاقي، وجمعت هدومك وسافرت بره مصر وغيرت خطوطك. أنا مكنتش أعرف إني حامل في أربع توائم.. ربنا عوضني بيهم عن قسوتك وندالتك. ولما دورت عليك عشان أقولك إنهم ولادك، لقيتك مسحت كل خيط يوصلني ليك.. فقررت إني أمحيك من حياتي زي ما محيتنا.”
جيجي، خطيبته، مأستحملتش المنظر، بصت لمروان بقرف، وقلعت الخاتم الألماظ الكبير ورامته في وشه:
”أنت طلعت بني آدم مقرف وندل.. بتتبرى من عيالك وتكذب على عيلتك وعلى الست اللي ه تتجوزها؟ أنا خسارة فيك ثانية واحدة.”
ولفت وضهرها وخرجت برا الفيلا وهي بتخبط كعب جزمتها في الأرض بقوة، وسابت مروان واقف لوحده وسط حطام كدبه.
مروان بص للخاتم اللي وقع على الأرض، وبعدين بص لولاده، وفجأة، كبرياءه انكسر تماماً لما شاف يوسف وياسين باصين له بنظرة مفيهاش أي حب، نظرة خالية من أي مشاعر، كأنهم بيبصوا لشخص غريب في الشارع.
شاهيناز قربت من العيال، عينيها دمعت، وحاولت تمد إيدها تلمس كاميليّا الصغيرة اللي شبه مروان وهو صغير بالملي:
”يا حبيبتي.. يا ولاد ابني.. تعالوا في حضني..”
لكن كاميليا رجعت لورا واستخبت ورا ضهر دنيا، وفريدة قالت برقة بس بحسم:
”احنا مابنحضنش حد مانعرفوش.. ومامي هي عيلتنا وبس.”
الكلمة كانت زي السك..ينة في قلب شاهيناز ومروان. دنيا ظبطت شنطتها على كتفها، وبصت لمروان ونظفت إيديها كأنها بتنفض تراب، وقالت:
”أنا جيت هنا بس عشان أكسر عينك زي ما حاولت تكسر عيني، وعشان أثبتلك إن اللي سيبتها مكسورة وراحت لبيت أهلها بدموعها، رجعتلك كسبانة كل حاجة.. رجعت بـ أربع رجالة وسند، ورجعت وهي صاحبة أكبر شركة مقاولات في القرية الذكية. أنت معندكش حاجة تديها لعيالي يا مروان.. لا فلوسك تلزمنا، ولا اسمك يشرفنا. عيالي متشالين في عيوني ومكتوبين باسمي وباسم عيلتي اللي صانتني.”
مروان وقع على الركبة بتاعته على السجادة، وبدأ يعيط بهستيريا، حاسس بالندم القاتل، الندم اللي هيعيش معاه بقية عمره لما شاف تمن سنين من الفرحة والضحك والأمومة الأبوة ضاعوا منه عشان خوفه وأنانتيه. حاول يمد إيده يمسك رجل دنيا:
”دنيا.. سامحيني.. خليني أشوفهم.. خليني أكون أبوهم..”
دنيا بصت له من فوق لتحت ببرود تام، ومسكت إيدين ولادها الأربعة وقالت:
”الأبوة دي للرجالة اللي بتشيل.. مش للي بيهربوا. يلا يا أولاد.. طيارتنا مستنيانا عشان نلحق غدا العيد مع جدو.”
ولفت دنيا وضهرها، ومشت بخطوات ملكية سريعة وواثقة وسط ذهول العيلة كلها اللي فضلت تلوم مروان وتصرخ فيه، وخرجت للجنينة، والعيال حواليها بيضحكوا وفرحانين بالرحلة وبالطيارة. ركبوا الهليكوبتر، والمراوح بدأت تلف وتعلى لفوق، طارت بيهم في السما الصافية، ودنيا بتبص من الشباك على الفيلا اللي بتصغر تحتها، وحست لأول مرة إن حمل تمن سنين انزاح من على قلبها، وإن حقها رجع كامل مكمل ومن غير ما تخسر ولا نقطة كرامة.
الطيارة طارت بيهم في الهوا، والعيال بدأوا يغنوا ويضحكوا مع مامي، ودنيا حضنتهم كلهم وهي عارفة إن المستقبل بتاعهم لوحدهم، وإن الصفحة القديمة اتقفلت واتحرقت ومبقاش ليها وجود، والقصة انتهت بأجمل نصر ممكن ست تعيشه.
