الممرضه لقت ابر مسمومه في غرفه

الممرضة لقت إبر مسمومة مستخبية جوه مخدة ابن زعيم المافيا… وخلت أبوه الخطير يقع في حب الست الوحيدة اللي صدقت ابنه.
الساعة كانت ٢١٤ بعد نص الليل لما نادية شقت مخدة الولد الصغير… واللي وقع منها على الملاية البيضا خلاها تنسى حتى إزاي تاخد نفسها.
إبر.
عشرات الإبر.
صديانة، ومتدارية في عمق الإسفنج الطبي الغالي، وسنونها مغطية بمادة غامقة ولزجة، ريحتها مرة، باينة وسط ريحة مسحوق الغسيل والدم.
وراها، كان آدم الشرقاوي، عنده سبع سنين، بيعيط بصوت متقطع من آخر السرير، وإيديه الصغيرة بتحاول تحك ورا رقبته بكل قوته.
قال وهو بينهجان
العفريت… أنا قلتلهم إنه بيعضني.
إبهام نادية اللي كان لابس جوانتي بدأ ينزف، بعد ما واحدة من الإبر استخبت جوه الإسفنج وخرمت اللاتكس ووصلت لصباعها.
نبضها كان بيدق بعنف لدرجة إنها كادت ما تسمعش صوت مقبض أوضة النوم وهو بيتلف…
ببطء…
وبقصد…
من بره الأوضة.
من تلات أسابيع بس، كانت نادية ممرضة متخصصة في إصابات الأطفال، ولسه مخلصة شيفت أربعطاشر ساعة متواصلة في مستشفى كبير بالقاهرة. كانت مرهقة لدرجة إنها مش بتفكر في أي حاجة غير إنها تروح تنام.
الدنيا كانت بتمطر بغزارة وهي ماشية ناحية عربيتها، لحد ما لقت اتنين رجالة لابسين بدل فحمية وقفوا جنبها.
ولا رفعوا صوتهم…
ولا كانوا محتاجين.
واحد منهم قال
آنسة نادية… الأستاذ سليم الشرقاوي طالب يقابلك.
الاسم ده كان أي حد في القاهرة يعرفه.
رسميًا، سليم الشرقاوي كان واحد من أكبر رجال الأعمال في مجال النقل والمخازن والحراسة الخاصة.
لكن اللي الناس كانت بتقوله بعيد عن الكاميرات، إنه الراجل اللي الكل بيخاف منه.
كانوا بيقولوا إنه هو اللي بيحرك ناس بيحركوا ناس غيرهم.
وإن مسؤولين كبار بيردوا على تليفوناته حتى لو كانت الساعة اتنين الفجر.
وإن مفيش صفقة كبيرة بتتم من غير ما اسمه يتذكر.
لكن نادية عمرها ما اهتمت بالرجالة أصحاب النفوذ.
هي كان كل اهتمامها الأطفال العيانة.
وده كان السبب في الغلطة اللي وقعتها…
لما فتحت الظرف الكريمي اللي الراجل

مدهولها.
كان جواه عقد شغل كممرضة خاصة.
شهر واحد.
إقامة كاملة.
تبدأ فورًا.
بمرتب…
اتنين مليون ونص جنيه.
فضلت باصة للشيك وهي مش مستوعبة الرقم.
افتكرت فواتير علاج أمها.
وأقساط الكلية.
وإيجار أخوها الصغير.
وازاي مرتبها كل شهر بيخلص قبل ما حتى تلحق تفرح بيه.
ساعتها الراجل الطويل قال بهدوء
الموضوع يخص ابن الأستاذ سليم.
والجملة دي…
هي اللي خلتها توافق.
بعد ساعة واحدة، كانت نادية واقفة جوه قصر عيلة الشرقاوي في التجمع.
نجفة ضخمة منورة المكان كله، ورخام يلمع كأنه مش حقيقي.
ورجالة أمن واقفين في كل حتة بهدوء مخيف، لدرجة إنها ما كانتش بتاخد بالها منهم غير لما تلاحظ إنهم ثابتين بشكل غريب.
القصر كان جميل…
بس جماله ما كانش مريح.
كان أقرب لقلعة…
لابسة برفان.
دخل سليم الشرقاوي المكتب من غير حد يعلن وصوله.
نادية كانت متوقعة تشوف غرور.
ومتوقعة تشوف خطر.
لكن اللي شافته…
كان الحزن.
كان طويل، شعره أسود، جسمه رياضي، ولابس بدلة سودا مفصلة عليه كأنها اتعملت مخصوص عشانه.
عينيه الزرق كانوا باردين، ثابتين، يقدروا يسكتوا أي أوضة بمجرد ما يبصلها.
لكن تحت البرود ده…
كان فيه خوف.
خوف أب على ابنه.
قال
آنسة نادية.
ردت
أستاذ سليم.
قال
قريت ملفك.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
واضح إن الرجالة أصحاب السلطة بيحبوا يقولوا الجملة دي.
شفايفه اتحركت كأنه هيبتسم…
لكن رجع أب قلق تاني.
قال
ابني عنده سبع سنين… اسمه آدم. بقاله تلات شهور بيعاني من آلام شديدة محدش عارف سببها. تشنجات… حرقان في آخر رقبته… كوابيس… وضعف. وكل دكتور شافه قال مش عارف.
نادية اعتدلت في وقفتها.
الطبيبة جواها صحيت فورًا.
عمل أشعة؟
كلها سليمة.
تحاليل؟
متناقضة.
فحصتوا البيئة حواليه؟
آه.
بياخد أدوية إيه؟
شد على فكه وقال
هتشوفي كل حاجة بنفسك.
مين الدكتور المسؤول عنه؟
الدكتور شريف مراد.
الاسم وقتها ما كانش يعني لها أي حاجة…
لكن بعدين…
هيبقى أهم اسم في القصة كلها.
قرب منها سليم خطوة.
ريحة البرفان الجلدية الهادية اختلطت بريحة الدخان.
وقال بصوت مبحوح
أنقذي ابني…
وأنا هديكي أي حاجة تطلبيها.
أي حد كان هيسمع غرور.
لكن نادية…
سمعت اليأس.
وعشان كده…
وافقت تفضل.
أول مرة شافت فيها آدم، كان نايم على سرير طبي ضخم، حواليه أجهزة، وشاشات، ولعب غالية، وكتب أطفال شكلها جديد.
السقف كان مرسوم عليه سما مليانة نجوم بتنور بنور هادي.
لكن الولد اللي تحت النجوم…
كان مرعوب من النوم.
كان جسمه صغير على سنه، وشعره أسود تقيل، وعنده نفس عيون أبوه الزرق.
بس الفرق…
إن عيون سليم كانت بتفرض هيبتها.
أما عيون آدم…
فكانت بتسأل سؤال واحد بس
إنتي كمان هتأذيني؟
ابتسمت نادية وقالت برقة
أهلًا يا آدم… أنا نادية.
سألها
إنتي دكتورة؟
قالت
لأ.
ابتسم وقال
كويس.
ضحكت
مش بتحب الدكاترة؟
قال
بيتكلموا عليا كأني نايم… وأنا ببقى صاحي.
حست بحاجة وجعتها جواها.
وقالت
أنا مش هعمل كده.
بصلها وكأنه نفسه يصدقها…
بس اتعلم إن التصديق ممكن يكون خطر.
قعدت جنبه وفتحت النوتة.
قالت
باباك بيقول إن رقبتك بتوجعك.
رفع إيده الصغيرة ناحية آخر رقبته.
وقال بهمس
العفريت بيعضني.
كان سليم واقف عند الباب…
واتجمد مكانه.
لكن نادية حافظت على هدوئها.
أي عفريت؟
هز راسه.
بالليل… لما الدنيا تضلم… بيستخبى في المخدة… ويعضني… وساعتها بتحرقني.
بصتله وقالت من غير تردد
أنا مصدقاك.
ملامحه اتغيرت.
مش لأنها حلت اللغز…
لكن لأنها أول واحدة…
صدقته.
وده كان أول سبب خلا نادية تشك.
أما السبب التاني…
فكان الدكتور شريف مراد.
وصل بعد الضهر، لابس نضارة غالية، وشعره متظبط، وابتسامة ناعمة زيادة عن اللزوم.
سلم عليها كأنه بيعملها معروف.
وقال
أنا المسؤول عن حالة آدم.
قالت
تمام… يبقى أكيد معندكش مانع أراجع كل ملفاته.
ابتسامته وقفت لحظة.
أكيد.
بعد ما خلصت قراءة الملف، فكها وجعها من كتر ما كانت بتضغط على سنانها.
مهدئات كتير.
مرخيات عضلات أكتر.
وأدوية متراكبة من غير تشخيص واضح.
العلاج ده…
ما كانش شكله علاج.
كان شكله…
إسكات.
قالت للدكتور شريف
الجرعات دي كبيرة جدًا على طفل بالحجم ده.
رد
حالته معقدة.
قالت
معقدة مش معناها متهورة.
عينيه بردوا.
وقبل ما يرد…
دخلت ست بصوت ناعم.
بدأتي تعملي أعداء بدري أوي؟
لفت نادية.
كانت ياسمين الشرقاوي واقفة عند الباب.
لابسة بلوزة حرير، وحلق ألماظ، وابتسامة تجرح أكتر من السكينة.
كانت جميلة…
بس جمال بفلوس…
مش جمال فيه روح.
بصت على هدوم نادية وقالت بسخرية
عملي جدًا.
آدم لف وشه ناحية الحيطة.
نادية لاحظت.
وسليم لاحظ هو كمان.
قربت ياسمين من السرير، ولمست البطانية…
مش ابنها.
وقالت ببرود
لسه بيتعب؟
آدم مردش.
الدكتور شريف قال
التوتر بيتعبه… محتاج ينام أكتر.
قالت
يبقى خلوه نايم.
بصتلها نادية وقالت
ده مش علاج.
لفت ياسمين ناحيتها بعصبية.
إيه؟
قالت نادية بثبات
إننا نخدر طفل عشان يسكت… ده مش علاج.
في لحظة…
القناع وقع من على وش ياسمين.
وبان الكره اللي مستخبيه.
لكن صوت سليم قطع الجو.
آنسة نادية ليها كامل الصلاحية جوه أوضة آدم.
ابتسمت ياسمين فجأة وقالت
أكيد يا حبيبي… أي حاجة عشان آدم.
لكن وهي باصة لنادية…
كانت الرسالة واضحة
إنتي مالكيش مكان هنا.
خلال الأسبوعين اللي بعدهم، نادية فهمت إن للقصر ده طقس خاص.
سليم كان الرعد.
ياسمين كانت التلج.
الدكتور شريف كان الدخان.
آدم كان شمعة بتحاول ما تطفيش.
ونادية…
بدأت تكتشف إن فيه مصيبة مستخبية بين حيطان البيت.
نوبات آدم كلها كانت بتحصل بالليل.
ودايمًا بعد ساعات من النوم.
وبعد ما راسه تغوص جوه المخدة الطبية اللي الدكتور شريف كان مصر إنها ضرورية جدًا.
لكن في النهار…
كان واعي.
بيحب الديناصورات.
وكتب الفضاء.
والكارتون القديم.
وكان بيعشق لما نادية تقراله حواديت وتغير أصوات الشخصيات بطريقة مضحكة.
وساعات…
كانت ترفع عينها تلاقي سليم واقف عند الباب بيتفرج عليهم.
وكانت بتشوف في عينيه حاجة بيستخبى منها بسرعة.
مش القوة.
ولا الهيبة.
لكن…
حنان أب.
في الأسبوع التالت، سليم سافر اجتماع مهم.
ومن ساعة ما سافر…
كل حاجة في البيت اتغيرت.
ياسمين بقت أشرس.
والدكتور شريف بقى أجرأ.
ورجالة الأمن اتبدلوا مرتين في ليلة واحدة.
الساعة كانت تسعة ونص بالليل لما دخلت ياسمين أوضة آدم، وفي إيدها أمبول.
وراها الدكتور شريف.
وقفت نادية فورًا.
ده إيه؟
قالت
مهدئ.
خدت نادية الأمبول، وقرت اسمه.
وحست الدم بيتجمد في عروقها.
لأ.
استغربت ياسمين.
لأ؟
قالت بحزم
الجرعة

لمحة نيوز

دي خطر عليه.
قرب الدكتور شريف.
آنسة نادية…
قاطعتهم
لأ. مع الأدوية اللي واخدها، الحقنة دي ممكن توقف نفسه.
شدت ياسمين على سنانها.
واضح إنك ناسية مين اللي بيدفعلك مرتبك.
وقفت نادية قدام سرير آدم.
كلموا سليم.
سكتت ياسمين.
وقالت باستخفاف
فاكرة هيختار ممرضة مأجورة بدل مراته؟
ردت نادية وهي ثابتة
هيختار ابنه… وهو بيتنفس.
ساد صمت ثقيل.
وفجأة…
ابتسمت ياسمين.
وكانت أبشع ابتسامة شافتها نادية في حياتها.
قالت
تصبحي على خير.
أول ما خرجوا…
قفلت نادية الباب بالمفتاح.
بصلها آدم بخوف.
هي زعلانة؟
قالت بصراحة
آه.
بابا هيرجع؟
هيرجع.
بلع ريقه وقال
العفريت بييجي لما بابا يسافر.
قعدت جنبه، وحطت مقص الطوارئ جنبها.
وقالت بهدوء
يبقى الليلة دي…
هنستنى الوحوش سوا.
الساعة ٢١٤ الفجر…
آدم صرخ.
مش عيط…
صرخ.
نادية قامت من مكانها قبل ما تفوق بالكامل.
جسمه كان متشنج، وإيديه بتحك ورا رقبته بعنف.
ولما بصت…
شافت دم على كيس المخدة.
أحمر.
طازة.
رفعت آدم بسرعة وحذر.
ولما كشفت آخر رقبته…
شافت تلات علامات صغيرة مكان وخزات إبر.
بينزفوا.
بعدته عن السرير.
ومسكت المخدة.
كانت شكلها طبيعي.
ناعمة.
غالية.
نضيفة.
ضغطت عليها بإيدها…
مفيش حاجة.
ضغطت أكتر…
برضه مفيش.
ساعتها استخدمت كل وزنها، كأنها بتحاكي راس طفل بعد ساعات من النوم.
وفجأة…
سن إبرة خرم الجوانتي ووخز صباعها.
بصت للدم اللي بدأ ينزل.
ومسكت مقص الطوارئ.
وشقت المخدة.
الإبر نزلت منها بالعشرات.
صديانة.
ومستخبية.
ومتغطية بالمادة الغامقة.
وراءها آدم كان بيعيط وهو بيقول
أنا قلتلهم.
دموع نادية نزلت لأول مرة.
وقالت بصوت مخنوق
أيوه…
إنت قلت.
في اللحظة دي…
مقبض الباب اتحرك.
ومفتاح دخل في الكالون.
مسكت الأباجورة النحاسية

التقيلة، ووقفت قدام آدم.
وبرق السما لمع مع فتح الباب.
كان الدكتور شريف مراد واقف.
المرة دي…
ماكانش شايل شنطة الكشف.
كان ماسك في إيده حقنة مليانة سائل أصفر معكر.
أول ما بص على المخدة المقطعة على الأرض…
وشه اتغير.
ولأول مرة من ساعة ما نادية عرفته…
القناع وقع.
بصلها وقال بهدوء مرعب
ماكانش المفروض تدوري ورا الحقيقة بالشكل ده.
وفي اللحظة دي…
بدأت كل الأسرار اللي كانت مدفونة جوه قصر الشرقاوي…
تنزف.
كان الصمت اللي ساد الأوضة بعد ما شافت الدكتور شريف هو أثقل صوت سمعته نادية في حياتها. الريحة المرة اللي كانت طالعة من الإبر المبعثرة على الأرض اختلطت بريحة العرق البارد اللي بيدق من جبينه، وابتسامته الناعمة اللي كانت ما تفارق وشه طوال الأسابيع الماضية اتغيرت لشكل غريب، مش ابتسامة، مش غضب، هو شكل الراجل اللي خلاص ماعندهش حاجة يخسرها.
نادية رفعت الأباجورة النحاسية أكتر لفوق، وصوتها كان ثابت رغم إن قلبها كان بيحطم ضلوعها
إيه اللي بتعمله يا دكتور؟ ده إيه الحقنة دي؟ وإيه الإبر اللي كانت مستخبية جوه مخدة الطفل؟
شريف خطوة خطوة دخل الأوضة وقفل الباب وراه ببطء، ومسك المفتاح من الجانب التاني وحطه في جيبه. عينيه كانت بتتحرك بين نادية وبين آدم اللي كان متكور في الزاوية ورا السرير، بيحاول يخفي نفسه بكل ما يملك، وبيصدر صوت همس خافت خوفًا.
قال شريف بصوت منخفض، كأنه بيكلمنا نفسه
كنتِ ذكية أوي أوي يا آنسة نادية.. كان المفروض تاخدي الفلوس، تمشي، وتسيبي الأمور تمشي زي ما هي ماشية. كنتِ هتربحي كل حاجة، وماكانش هيحصلك أي مكروه.
ردت نادية بغضب حقيقي طلع من أعماقها
أربح إيه؟ أربح إنني أكون شريكة في تعذيب طفل بريء؟ ده اللي كنت بتعمله طول الفترة دي؟ بتوخزه كل ليلة عشان يصاب بآلام مجهولة؟ عشان إيه؟ عشان يثبت إن تشخيصك صح؟ ولا عشان حاجة تانية أوسخ من كده؟
ضحك شريف ضحكة قصيرة مسموعة، فيها سخرية مريرة
تشخيصي؟ أنا ما كنتش عاوز أثبت أي تشخيص.. أنا كنت عاوز شيء واحد بس آدم يبقى ضعيف، ما يقدرش يتكلم، ما يقدرش يشتكي، وكل ما يحس بألم يقولوا له عفريت أو كوابيس أو حالة نفسية.
في اللحظة دي، سمعوا صوت آدم الصغير من ورا السرير
ليه بتعمل كده؟ ليه بتكرهني؟
بص شريف للولد، ولأول مرة نادية شافت في عينيه نظرة كره حقيقي، نظرة مش طبيعية، نظرة كان فيها حقد موروث من سنين كتير
أنا مش بكرهك يا آدم.. أنا بكره اللي أنت وارثه.. أنت وارث كل حاجة ما كانش المفروض تخصك من الأساس.
نادية بدأت تربط الخيوط مع بعض، وحست ببرودة تسري في جسمها
ده مش عملك لوحدك.. ياسمين معاك صح؟ هي اللي ورا كل ده؟
سكت شريف لحظة، بعدين هز راسه ببطء
ياسمين؟ هي مجرد أداة.. زي ما أنا كنت أداة، زي ما كل واحد في البيت ده أداة لحد تاني. هي كانت عاوزة تتخلص من آدم عشان أولاد أخوها يورثوا اسم سليم وثروته، بس هي ما كانتش تجرأ تعمل حاجة لوحدها. كانت محتاجة حد يعرف الطب، حد يعرف كيف يخلي الألم يظهر من غير ما يظهر سببه في أي تحليل أو أشعة، حد يكون موثوق من سليم لدرجة ما يشكش فيه أبدًا.
وأنتِ كنتِ جيتِ في الوقت المناسب تمامًا.. لما سليم بدأ يشك شوية في حالته، لما بدأ يطلب دكاترة تانيين، كنتِ لازم تكوني إما معانا أو تتخلص منك. وكنتِ غبية.. صدقتِ الطفل، وبدأتِ تسألي أسئلة ما كانش المفروض تسأليها.
نادية فهمت كل حاجة دلوقتي.. فهمت ليه كان مصر على المخدة دي بالذات، ليه كان بيغيرها كل فترة، ليه كان بيقول إنها طبية خاصة ومصنوعة خصيصًا لآدم، ليه كان يمنع أي حد يلمسها غيره هو أو ياسمين. كل فترة كان بيزرع فيها إبر جديدة، محملة بمواد تسبب حرقان وتشنجات وآلام عصبية مؤقتة ما تظهرش في أي فحص، وكل ما الإبر تخلص مفعولها أو تظهر علاماتها، كان يستبدلها بغيرها.
والحقنة اللي في يده دلوقتي؟ نادية عرفت فورًا إيه هي.. مادة سامة قوية، لما تتحقن للطفل هتوقف قلبه في دقائق، والتحاليل هتقول إنها فشل عضوي مفاجئ أو نوبة قلبية، وحد مش هيشك في حاجة.
قالت نادية وهي بتحاول تاخد وقت، عشان عقلها يدبر طريقة للنجاة
وسليم؟ هو اللي أذيتوه إيه؟ عشان وثق فيكم؟ عشان هو كل اللي بيفكر فيه ابنه؟
اتغيرت ملامح شريف، وظهر على وشه التعب والخوف لأول مرة
سليم.. سليم ده راجل صعب أوي يا آنسة نادية. هو وصل للي وصل له بالدم والعرق، ومش بيسمح لأي حد يلعب بيه. لو كان عرف نص اللي بنعمله، كان قتلنا الاتنين قبل ما نكمل كلامنا. ده عشان كده كنا محتاجين نعملها بذكاء.. نموت آدم بطريقة طبيعية، نعزي سليم، ونقول له الحمد لله إنها كانت رحمة من ربنا، وبعدين نكمل خطتنا.
خطتكم إيه بالظبط؟
قبل ما يرد، سمعوا صوت عربيات كتير بتدخل بوابة القصر الرئيسية، واضحة من الشبابيك الكبيرة، وصوت أبواب بتتقفل بقوة. شريف اتلفت بسرعة ناحية الشباك، وعينيه اتوسعت، وبدأت يده ترتجف وهو ماسك الحقنة.
همس بصوت مرعوب
ده سليم.. رجع بدري أوي.. كان المفروض يفضل يوم تاني بره القاهرة.
نادية استغلت اللحظة، رمت الأباجورة في الحائط بعيد عنه، فصدر صوت صاخب خلى شريف يغمض عينيه ويغطي وشه، وفي نفس اللحظة ركضت نادية ناحية آدم، شالته بكل قوتها واخدته وراها، وبدأت تخبط على الباب بكل ما تملك من قوة وتصرخ
يا أمن.. يا أستاذ سليم.. هنا.. بسرعة!
شريف فقد أعصابه، رمى الحقنة على الأرض فانكسرت، واتجه ناحيتها عشان يمسكها، لكن في نفس اللحظة سمعوا صوت رصاصة طلقت في الهواء، وبعدها صوت سليم الشرقاوي بيجي من بره الباب بصوت يهز الحيطان
افتح الباب يا شريف..

قبل ما أكسره عليك.
شريف تجمد مكانه، يده في الهواء، وعينيه بتدور على مخرج لكن مفيش غير الشباك والباب، والاتنين مسدودين. بعد تلات ثوانٍ سمعوا صوت انفجار بسيط، والباب اتفتح بقوة لداخل، ودخل سليم أولًا، لابس بدلة سفره، وفي يده سلاح، وعينيه الزرق اللي كانت مليانة حنان قبل كده كانت دلوقتي مليانة نار وغضب لم تشوفه نادية في حياتها. وراه دخلت تلاتة من رجال الأمن اللي يثق فيهم، مسكوا شريف فورًا قبل ما يتحرك سنتيمتر واحد، وشدوا يديه لورا بقوة.
سليم ما نظرش لشريف ولا للرجال، عينيه كانت على آدم اللي في حضن نادية، وعلى المخدة المقطعة والإبر المبعثرة على الأرض، وعلى الدم اللي على صباع نادية وعلى رقبة ابنه. لما شاف علامات الوخزات ورا رقبة آدم، لمع في عينيه شيء مخيف، واتجه ناحية شريف بخطوات بطيئة ثقيلة، كأن الأسد بيمشي ناحية فريسته.
قال بصوت هادي لكن كل كلمة منه كانت بتقطع أكتر من السكينة
كل ليلة.. كنت بتروح لابني.. وتوخزه؟ كنت بتعذبه عشان إيه؟ فلوس؟ ولا عداوة قديمة؟ قولي لي سبب واحد بس يخلي إنسان يعمل كده في طفل ما أذاك في يوم من الأيام؟
شريف كان بيتنفس بصعوبة، وعيونه بتدور على أي رحمة لكن ما لقيش غير غضب سليم
أنا.. أنا ما كنتش أريد.. ياسمين هي اللي أجبرتني.. هي كانت هتكشف علي أسرار.. كانت هتدمرني..
سليم رفع حاجبه
ياسمين؟ أين هي؟
في اللحظة دي سمعوا صوت صرخة من بره الأوضة، ودخل واحد من الرجال وقال
يا سليم.. وجدنا الأستاذة ياسمين بتحاول تهرب من الشباك الخلفي، ومسكناها، ولقينا معاها أوراق مهمة.
سليم هز راسه، وقال للرجال اللي ماسكين شريف
اخدوهما

للغرفة القديمة تحت الأرض.. لا حد يكلمهم.. لا حد يعطيهم أكل ولا شرب لحد ما أخلص.. وبعدين نشوف الحساب القديم والجديد مع بعض.
خرجوا بالاتنين، وسليم بقي وحده مع نادية وآدم في الأوضة. لما سمع صوت الباب وهو بيقفل، رمى سلاحه على الكرسي القريب، واتجه ناحية نادية وآدم بخطوات سريعة، ولما وصل قرب شويه ووقف خوفًا إنه يخوف الولد، فقال بصوت ناعم جدًا
آدم.. يا روح بابا.. أنا جيت.. مفيش حد هيأذيك تاني أبدًا.. صدقني.
آدم رفع راسه من حضن نادية، وبص لباباه، وبعدين مد إيده الصغيرة ناحيته. سليم ما ترددش، خده في حضنه بكل حنان وحذر، وضمه لصدره بقوة كأنه بيخاف يطير منه، وبدأت دموعه تنزل بصمت على شعر ابنه. نادية شافت الراجل القوي اللي الكل بيخاف منه بيعيط زي الطفل الصغير، وحست قلبها بيوجعها من المشهد ده.
بعد دقائق هدأ شويه، وبص لنادية، وشاف الدم على صباعها، وشاف الإبر، وشاف تعبها وقلقها، فقال بصوت مبحوح
أنتي.. أنتي أول واحدة صدقت ابني.. أول واحدة خافت عليه بجد.. أول واحدة شافت الحقيقة اللي الكل كان بيغض الطرف عنها.
نادية حاولت تبتسم لكن تعبها غلبها
كنت لازم أصدقه يا سليم.. هو طفل صغير مش بيعرف يكذب.. وكل اللي كان بيحصل معاه كان بيقول إن فيه حاجة غلط مش في عقله، في الحيطان اللي حواليه.
سليم أشار لها تجلس على الكرسي، وقال
تعبتِ كتير.. خلي الراحة تيجي عليكي دلوقتي.. من فضلكِ قولي لي كل حاجة شفتيها، كل حاجة سمعتيها، من أول ما جيتي للقصر لحد اللحظة دي.. عشان أعرف كم كنت غبي ومغفل.
جلست نادية، وبدأت تحكي له كل التفاصيل من لقائها بالدكتور شريف وابتسامته الزيادة، لحد كلامه معاها عن المخدة، وملاحظتها إن الألم بييجي بس بعد ما ينام، وحديثها مع آدم، ومحاولة ياسمين تدخل بحقنة مهدئة أول ما سافر، وكل شكوكها اللي كانت بتخفيها عشان ما تظنش إنها مجنونة. وهو كان بيسمع بتركيز تام، وكل ما تذكر حاجة جديدة، كانت ملامحه تتقلب أكتر من الغضب والندم.
لما خلصت، سكت فترة طويلة، بعدين قال
أنا عارف إن ياسمين ما كانتش تحب آدم.. لكن كنت فاكر إنها مجرد غريزة أمومة مختلفة، أو إنها خايفة من المسؤولية.. ما تخيلتش حتى في أسوأ كوابيسي إنها تصل لدرجة إنها تعمل كده.. إنها تتآمر مع دكتور أثق فيه من سنين عشان تقتل ابني.
والدكتور شريف؟ كنت تعرفه من زمان؟
من أيام الجامعة.. كان صديق قديم ليا، وكنت واثق فيه أكتر من أي حد تاني، عشان كده لما مرض آدم جابته فورًا.. كنت فاكر إنه اللي هينقذه، وطلع هو اللي كان بيقتله ببطء كل يوم.
سكت شويه، وبص للإبر المبعثرة، وقال بغضب مكتوم
الإبر دي.. المادة اللي عليها.. لما شفتها نزلت من المخدة تذكرت حاجة.. قبل كده بسنوات، كان عندنا خادم قديم في القصر، اكتشفت إنه بيسرق، وطردته، وقلت لما حد يسأل عنه إنه سافر.. وعرفت بعدين إنه كان قرابة لشريف.. ويمكن ده كان السبب في كل الحقد ده.. هو فاكر إنني ظلمته، وانتقم مني في أغلى ما أملك.
مرت الساعات، وطلع النهار، ونادية كانت قاعدة جنب آدم اللي نام أخيرًا في حضن باباه، بعد ما أطمأن قلبه وعرف إن مفيش حد هيأذيه. سليم طلب الدكتور الخاص بيه، دكتور غير شريف، دكتور كان يثق فيه ويعرفه من خارج دائرة أعماله، وفحص آدم وفحص الإبر، وأكد كلام نادية المادة اللي كانت على سنون الإبر هي مادة سامة تسبب تهيج في الأعصاب وآلام حادة وتشنجات، ومش بتظهر في أي تحليل دم عشان كده كل الفحوصات كانت سليمة، والجرعات اللي كان بيعطيها الدكتور شريف من المهدئات كانت عشان يخدره ويقلل من مقاومة جسمه، وكل ما كان يضيف جرعة كان بيخلي حالته تظهر أسوأ وأسوأ.
بعد ما اطمأن سليم على صحة ابنه، وقع بجانب نادية على الكنبة، وبدأت عينيه تتكلم من غير ما يحتاج لسان
أنا مدين لكِ بحياته يا نادية.. مدين لكِ بحياتي كلها.. لو ما كنتِ جيتي، ولو ما كنتِ صدقتيه، كان مات ببطء وأنا قاعد أشوفه ومش عارف السبب.. كان مات وأنا فاكره مريض بمرض غامض.
قالت نادية ببساطة
أنا ما عملتش غير واجبي يا سليم.. أي ممرضة شريفة كانت تعمل كده.. وآدم طفل يستحق كل الحب والاهتمام.
ابتسم سليم، وابتسامته كانت مختلفة عن كل الابتسامات اللي شافتها منه قبل كده، كانت ابتسامة إنسان وجد أمل كان فقده
مش كل واحد كان يصدق طفل يقول له عفريت بيعضه.. مش كل واحد كان يجرأ يشك في كلام دكتور مشهور، أو يرفض كلام مرات زعيم المافيا.. أنتِ مختلفة يا نادية.. مختلفة تمامًا عن كل اللي عرفتهم في حياتي.
في الأيام اللي جت، اتغير كل حاجة في القصر. ياسمين وشريف سلموا للعدالة، وظهرت تفاصيل كتير تانية كانوا بيخططوا يثبتوا إن آدم مريض بمرض وراثي نادر، عشان يمنع سليم من توريثه، ويسلموا الثروة لابن أخو ياسمين، وكانوا بيجمعوا أدلة مزورة من سنين عشان يثبتوا كلامهم. وسليم صفي كل أعماله الغامضة، واعتزل كل الصفقات المشبوهة، وقرر يبني حياته من جديد، يعيش لابنه، ويعوضه كل الحرمان والخوف اللي عاشه الفترة الماضية.
وكل ما كان بيقضي

وقت مع نادية وآدم، كان بيكتشف حاجة جديدة في نادية حنانها، صبرها، صدقها، قلبها اللي ما يعرف الكذب ولا النفاق. وبدأت المشاعر تيجي له، مش مشاعر زعيم لمرؤوسة، ولا مشاعر شكر لمنقذة، بل مشاعر إنسان وجد نصفه التاني، وجد الست اللي تقدر تحمل معاه المسؤولية، وتخاف على ابنه زي ما بتخاف على نفسها، وتصدقه زي ما صدقت ابنه من أول يوم.
كانت نادية في البداية بتخاف، بتخاف من الفرق الكبير بينهم، بتخاف من ماضيه، بتخاف من نظرات الناس، لكنها اكتشفت إن الحب ما بيعرف

فروق ولا خوف، وإن سليم اتغير بجد، وإن اللي كان خوفه وغضبه تحول لحنان ورحمة، وإن القصر اللي كان شكله قلعة مخيفة تحول لبيت دافئ مليان ضحك آدم.
بعد ستة أشهر، كانوا قاعدين في حديقة القصر الكبيرة، آدم بيلعب بالكرة بينهم، وسليم مسك إيد نادية وقال بصوت هادي
أنا ما كنتش أتخيل إنني أقدر أكون سعيد زي ما أنا دلوقتي.. كل ده بسببي.. بسببي إنك جيتي لقصرنا، وصدقتي ابني، وفتحتِ عيوني على الحقيقة.
نادية بصتله، وشافت في عينيه الحب والصدق اللي ما شافتوش في حد قبله، وقالت بابتسامة مليانة دفء
والحقيقة يا سليم.. إن أجمل حاجة حصلت لي في حياتي هي إنني قابلتك وقابلت آدم.. وإنني عرفت إن مهما كانت المصاعب، مهما كان الخوف، الحق بيظهر في الآخر، والخير بيغلب الشر مهما طال الوقت.
وركض آدم ناحيتهم، وقف بينهم، ومد إيده الصغيرة مسك إيد باباه وإيد نادية، وقال بصوته الصغير اللي كان خالي من الخوف لأول مرة
بابا.. نادية.. خلينا نلعب سوا.. مفيش عفاريت تاني.. كلها راحت.
ضمهم الاتنين لبعض، وابتسموا، وعرفوا إن الفصل ده من حياتهم انتهى، وإن الفصل الجديد بيبدأ بصفحة بيضاء، مليانة أمل وحب وسلام، وإن الإبر اللي كانت مستخبية جوه المخدة ما كانتش غير البداية، البداية اللي خلتهم يعرفوا قيمة الحقيقة، وقيمة الصدق، وقيمة إن يكون عندك حد يصدقك مهما كان اللي بيقولوه الناس.
وما كانش أحد يتصور إن مخدة طبية غالية، مستخدمة لغرض خبيث، تكون هي السبب في كشف مؤامرة، وتغيير مصير عيلة بأكملها، وجمع قلبين كان كل واحد فيهم بيعيش في دنيا غير دنيا التاني، لحد ما جمعتهم الحقيقة.. والحب.
النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *