حين يري الوحش

حين يرى الو.حش مايا خالد
سليم كان قاعد في ضلمة الأوضة، رغم إن الشمس كانت طالعة، بس بالنسبة له مفيش فرق. كان حاسس بحركة في الأوضة، صوت خطوات خفيفة عارفها كويس.. نور.
صاح بصوت زي الرعد:
— قلت مية مرة محدش يدخل عليا! اطلعي بره يا نور.. مش عايز شفقة من حد!
نور مالت وحطت الصينية على التربيزة ببرود تام، وبدأت تفتح الستائر وهي بتقول بصوت هادي ومستفز:
— أولاً، أنا مابشفقش على حد. ثانياً، دي أوضتي زي ما هي أوضتك، وأنا حرة أتحرك فيها زي ما أنا عايزة. وبعدين إنت مش شايفني أصلاً، مضايق نفسك ليه؟
سليم قبض على إيده بقوة وقال وسنانه بتصطك:
— انتي بتستغلي إني مش شايفك عشان تفرضي سيطرتك؟
نور ماردتش عليه، وبدأت بكل ثقة تفك زراير قميصها عشان تبدل هدومها وتلبس حاجة مريحة للبيت. صوت احتكاك القماش وصوت السوستة كان مسموع في هدوء الأوضة. سليم ملامحه اتصلبت، حواسه اللي بقت حادة بعد الحادثة خلت خياله يرسم كل حركة بتعملها.
قال بصوت مخنوق ومضطرب:
— إنتي.. إنتي بتعملي إيه؟ أنا سامع صوت هدومك..
نور كملت ببرود وهي بتبص لوشه المطفي وتحديه:
— بغير هدومي يا سليم. عندك مانع؟ ما إنت بتقول إنك مش شايف حاجة، يعني وجودي زي عدمه بالنسبة لك، صح؟ ولا هو وحش على الفاضي وكلامك بيغير حقيقتك؟
سليم قام وقف، وكان بيتحرك بتهور وهو بيحاول يوصل لمكان صوتها، خبط في الكرسي بس مأظهرش وجعه، وقال وهو بيحاول يمسك كتفها:
— إنتي بتلعبي بالنار.. فاكرة إن العجز ده هيخليني سهل؟ أنا ممكن أهد الدنيا عليكي وانتي واقفه.
نور وقفت قدامه بالظبط، لدرجة إنها حست بحرارة أنفاسه الغضبانة، ومسكت إيده وحطتها على قلبها اللي كان بيدق بهدوء وثبات:
— أدي النار أهي يا سليم.. وريني هتحرقني إزاي؟ إنت مش عاجز عشان نظرك راح، إنت عاجز عشان مش عارف تسيطر على البنت اللي قدامك وهي في أضعف حالاتها.. قصدي في أكتر حالاتها حرية.
سليم سحب إيده وكأنه اتلسع، ورجع قعد على السرير وهو بيحاول ينهج، الغضب والارتباك اللي جواه كانوا بياكلوه. هي كانت بتكسر جبروته ببساطتها، وبتحسسه إنه رغم عماه لسه راجل وموجود مايا خالد، بس بطريقة كانت بتجننه.

سليم مكنش من النوع اللي ينهزم بسهولة، حتى وهو مش شايف. كان لازم يرد القلم قلمين، وبطريقته الوحشية اللي مفيش فيها رحمة.
سليم فضل قاعد مكانه، ملامحه هديت فجأة وهدوءه ده كان دايمًا معناه إن فيه عاصفة جاية. نور كانت فاكرة إنها كسبت الجولة دي، ورايحة ناحية التسريحة تسرح شعرها وهي بتغني بصوت واطي ومستفز.
فجأة، وبحركة سريعة مكنتش تتوقعها من حد مش شايف، سليم قام ومد إيده وقبض على معصمها بدقة غريبة، وكأنه كان راسم مكانها في خياله بالمللي. سحبها ناحيته بقوة لدرجة إنها خبطت في صدره، ولف دراعه التاني حول وسطها، وحبسها بينه وبين الحيطة.
همس في ودنها بصوت واطي ومرعب:
— فاكرة إنك لما تقلعي هدومك قدامي وتستفزي حواسي، إنك كدة كسرتيني؟ إنتي بس نشطتي الوحش اللي جوايا.. والوحش لما بيجوع، مبيفرقش معاه مين اللي قدامه.
نور حاولت تزقه، بس كان زي الجبل، وقالت بنبرة حاولت تخليها ثابتة:
— سيبني يا سليم.. إنت بتوجعني.
سليم ضحك ضحكة مكتومة وسوداء:
— الوجع ده لسه مدوقتيش منه حاجة. إنتي بتقولي إني مش شايفك؟ تمام.. بس أنا شامم ريحة خوفك، وسامع دقات قلبك اللي بدأت تعلى وتفضحك. إنتي مش حرة يا نور.. إنتي أسيرة لفضولك. عايزة تعرفي الوحش ده ممكن يعمل إيه لو فقد سيطرته؟
نور رفعت راسها وقالت بتحدي وهي وشها في وشّه:
— وريني.. وريني هتعمل إيه وأنت مش عارف حتى مكان وشي فين عشان تبصلي.
سليم قرب أكتر، لدرجة إن طرف مناخيره لمس طرف مناخيرها، ومشى إيده ببطء مستفز على ملامح وشها، من أول جبينها لحد شفايفها، وكأنه بيحفظ تفاصيلها بصوابعه.
— أنا مش محتاج عينيا عشان أشوفك يا نور.. أنا حافظك أكتر مما تتخيلي. ومن النهاردة، مفيش تغيير هدوم بحرية.. ومفيش حركة في البيت ده من غير ما تقوليلي. وإلا.. هخليكي تتمني إنك تكوني بجد مش شايفة اللي هعمله فيكي.
سليم سابها فجأة وخرج من الأوضة، بيتحرك بثقة غريبة وكأنه عارف كل ركن، وساب نور واقفة مكانها بتنهج، وقلبها بيدق بسرعة مش من الخوف بس.. لكن من إحساس غريب بدأ يتسلل ليها؛ إن الوحش ده مطلعش ضعيف زي ما كانت فاكرة، وإنه لسه عنده مخالب تقدر تخربش روحها. مايا خالد
بعد يومين، سليم قرر يعمل عزومة عمل كبيرة في الفيلا، كان هدفه يثبت للسوق إنه لسه الوحش اللي الكل بيخاف منه حتى وهو مش شايف. ونور كانت بتلف حواليه، بتحاول تظبط له الكرافتة أو تمسح له نقطة مية نزلت على بدلتـه بحب، بس هو كان بيزيح إيدها بعنف وكأنها جمرة نار.
الضيوف وصلوا، رجال أعمال كبار وزوجاتهم. سليم كان قاعد زي الملك، ونور واقفة جنبه بابتسامة هادية، بتحاول تسنده من غير ما تحسسه إنه محتاج مساعدة.
واحد من الضيوف قال بضحكة صفرا:
— مبروك يا سليم بيه على الجوازة.. الصراحة نور هانم زي القمر، كسبت الصفقة دي كمان بامتياز.
سليم مسك كاس المية وضغط عليه، وقال بصوت مسموع للكل ببرود يذبح:
— صفقة؟ فعلاً هي صفقة ناجحة جداً. أصل نور شاطرة أوي في الحسابات، عارفة بالظبط إمتى تبيع وقتها ومجهودها، وعارفة إن السعر اللي دفعته فيها مكنش قليل.. مش كدة يا نور؟
المعازيم سكتوا، والنظرات كلها اتوجهت لنور اللي وشها جاب ألوان. سليم كمل وهو بيوجه كلامه للفراغ بس قاصدها هي:
— هي هنا وظيفة، بتعتني بيا مقابل مرتب شهري محترم وشيكات اتصرفت لأهلها. فيعني، مفيش داعي للرومانسية اللي بتمثلها دي، كملي شغلك وهاتي المشروبات للضيوف وأنتي ساكتة.
نور حست بكسرة قلبها بتسمع في ودنها، بس مسحت دمعة كانت هتنزل وقربت منه وهمست في ودنه بحيث هو بس اللي يسمع، بس بنبرة قوية:
— أنا فعلاً قبضت التمن يا سليم.. بس التمن كان إني أعيش مع واحد ميت زيك. والخدمة اللي هعملها دلوقتي مش عشان الفلوس، عشان أثبتلك إنك رغم كل فلوسك، لسه شحات.. شحات مشاعر.
سابت الصينية من إيدها بغضب، وطلعت تجري على السلم وهي بتعيط. سليم رغم إنه مش شايف، بس سمع صوت شهقتها اللي حاولت تكتمها، وحس بوجع غريب في صدره لأول مرة، وكأن الخنجر اللي ضر,بها بيه رد في قلبه هو.
واحد من أصحابه قاله:
— مكنش له لزوم كدة يا سليم، البنت باين عليها بجد خايفة عليك. مايا خالد
سليم رد بصوت خشن وهو بيحاول يداري ارتباكه:
— محدش بيدفع ملايين في حد عشان يخاف عليه.. كله بتمنه.
بس الحقيقة إنه من جواه كان بيغلي؛ ليه كلامها وجعه؟ وليه حس إن الفيلا بقت أضيق لما هي مشيت من جنبه؟

الهدوء اللي ساد الفيلا بعد الليلة دي كان ألعن من العواصف. سليم كان فاكر إن كسر كبرياء نور هيريح الوحش اللي جواه، بس اللي حصل كان العكس تماماً.
مرت تلات أيام، وسليم حاسس إنه مسجون في زنزانة انفرادية. نور موجودة، بس نور مش هنا.
في اليوم الرابع الصبح، سليم كان قاعد في الليفينج، وسامع صوت حركة خفيفة ومنتظمة.
— نور؟
ردت بصوت رسمي خالي من أي روح:
— أيوة يا سليم بيه. القهوة بتاعتك على التربيزة، ومواعيد الدوا كمان عشر دقايق. محتاج حاجة تانية؟
سليم كشّر، الكلمة وجعته في مقت,ل. سليم بيه؟ دي كانت بتناديه باسمه حاف عشان تستفزه.
— فين ريحتك؟ سأل فجأة من غير ما يفكر.
نور استغربت للحظة بس ردت بجمود:
— بطلت أحط برفيوم في ساعات العمل. مش إنت قلت إني هنا موظفة؟ الموظفين مابيدلعوش في الشغل.
سليم قبض على إيد الكرسي وقال بضيق:
— طب واقفه بعيد ليه؟ قربي عدلي المخده دي.
نور قربت، بس كانت حريصة إن حتى أطراف صوابعها ماتلمسش كتفه. عدلت المخدة بسرعة ورجعت خطوتين لورا.

الفيلا بقت أشبه بالقبر. سليم مكنش قادر يواجه نفسه ولا يواجه احتياجه ليها، فقرر يهرب.
سليم سافر مع عمر ابن عمه فجأة، من غير حتى ما يودع نور. ساب لها ورقة واحدة مكتوب فيها بخط مهزوز: مش محتاج شفقتك.. التمن اللي قبضتيه كفاية وزيادة. خليكي في الفيلا لحد ما أرجع، أو امشي لو ده هيريحك.
نور فضلت شهرين في الفيلا، كانت بتموت في اليوم مية مرة. مكنتش عارفة هو فين ولا بيعمل إيه، بس حبها كان أقوى من كرامتها اللي اتجرحت. كانت كل يوم تدخل أوضته، ترتب مخدته، وتشم ريحته في لبسه، وتدعي إنه يرجع.. حتى لو هيفضل وحش.

في يوم عاصف، الباب اتفتح ودخل سليم وساند على عمر. كان لابس نضارة سوداء تقيلة، وحركته كانت أبطأ وأصعب من الأول.
نور جريت عليه، ودموعها سبقتها:
— سليم! إنت جيت؟ قلبي كان حاسس إنك راجع.
سليم رد ببرود، وهو بيبص بعيد عنها تماماً:
— جيت عشان دي بيتي يا نور. وعمر حكى لي إنك مسبتيش الفيلا.. وده معناه إنك لسه متمسكة بالاتفاق اللي بينا.
نور اتصدمت من جفاوته، بس قالت بصبر:
— أنا متمسكة بيك إنت يا سليم، مش بالاتفاق.
عمر اتدخل عشان ينهي التوتر:
— سليم محتاج راحة يا نور، الدكتور في ألمانيا أكد إن حالته مستقرة بس مفيش أمل في نظره حالياً. اهتمي بيه.
هزت رأسها وسندته وصلته لغرفته وساعدته لحد ما نام بعد ساعة دخلت تشوفه وتملي عينيها منه
كان ممدد على السرير، عيونه مقفولة، ونفسه منتظم جداً لدرجة تخلي أي حد يحلف إنه غرقان في سابع نومة. نور دخلت الأوضة بخطوات زي الهمس، قفلت الباب وراها وراحت وقفت جنب السرير.
انحنت عليه، ولمست طرف شعره بصوابع بتترعش، وهمست بصوت مكسور:
— يا ريتك كنت صاحي وشايفني يا سليم.. عشان تعرف إن اللي باقية جنبك دلوقتي مش الصفقة، دي نور اللي حبتك وأنت وحش، واللي مستعدة تفضل خدامة تحت رجلك بس ترجع تفتح عينك وتشوف الدنيا تاني.
اتنهدت بوجع، وقامت عشان تستعد للنوم جنبه وحشها ريحته وأمانه جنبها و عشان تكون قريبة لو احتاج حاجة بليل. وقفت قدام مراية الدولاب الكبيرة اللي في وش السرير بالظبط، وبدأت بكل عفوية وتلقائية تفك زراير قميصها عشان تبدله ببيجامة مريحة.
الأوضة كانت هادية، مفيش فيها غير صوت احتكاك القماش وصوت دقات قلبها. وهي بترفع إيدها عشان تلم شعرها، عينيها جات بالصدفة على انعكاس السرير في المراية.
هنا الدنيا وقفت.. والزمن اتجمد.
نور شافت في المراية إن سليم مش نايم. سليم كان فاتح عينيه بالكامل، ورافع راسه حاجة بسيطة عن المخدة، وعينيه كانت مركزة عليها بجراءة مرعبة، بيبص على كل تفصيلة في جسمها وفي ملامحها بنظرة حادة وصافية، خالية تماماً من أي عجز أو عمى.
نور اتجمدت وإيدها لسه فوق شعرها. حست ببرودة بتمشي في جسمها كله. لفت ببطء وهي مش مصدقة، بصت له مباشرة.. لقت عينيه لسه ثابتة عليها، ومرفش لحظة واحدة.
نور همست بصوت يكاد يكون مسموع من الصدمة:
— إنت.. إنت شايفني؟
سليم ببطء شديد، قام قعد على السرير، وعينيه لسه محاصراها ومسجونة فيها. اتكلم بصوت رجولي، هادي، وواثق لدرجة تخوف:
— شايفك يا نور.. من أول ما دخلتي الأوضة، لحد ما وقفتي قدام المراية.. وشايف كمان إن الحب اللي كنتي بتهمسي بيه ده، طلع حقيقي بزيادة لدرجة إنك مخدتيش بالك إن الوحش مكنش نايم، كان بيتمتع بأجمل منظر شافه من يوم ما رجع له نظره.
نور غطت نفسها ببيجامتها بسرعة وهي بتترعش، ودموع الصدمة والمهانة بدأت تنزل:
ليه طب ليه انا الوحيدة اللي بتمنى لك الخير وأنك ترجع تشوف ليه خبيت عني وحرمتني أن أسندك..
وقفت ثواني تخبط بايديها جبهتها وتضحك بسخرية: صح نسيت أحنا أتفاقية وبم أنك رجع بصرك يعني أنا كدة خلصت مهمتي أنا أسفة ياسليم بيه لو صدر مني تصرف غير لائڨ
هلم هدومي وهمشي حالا…
سليم قام من على السرير، وخطى خطوات واسعة وثابتة لحد ما بقى قدامها بالظبط
ضغط على كتافها أكتر، وعينيه كانت بتلمع بحدة غريبة وهو بيبص في عينيها اللي غرقانة بالدموع. صوته كان واطي بس فيه نبرة تملك تخوف:
— تمشي تروحي فين؟ أنتي فاكرة إن الخروج من مملكة سليم البدراوي بالسهولة دي؟ وبعدين أنتي اللي قلتيها بلسانك.. إحنا اتفاقية، والاتفاقية دي أنا اللي بحدد نهايتها، مش أنتي.
نور بصت له بصدمة، وضحكت وسط دموعها بسخرية:
— اتفاقية إيه يا سليم؟ أنت رجع لك بصرك خلاص، يعني مش محتاج ممرضة، ولا محتاج حد يسندك، ولا محتاج تتفرج على حد وهو مش واخد باله. اللعبة خلصت، كفاية بقى ذل لحد كدة!
سليم قرب وشه منها لدرجة إن أنفاسه بقت بتحرق بشرتها، وقال بهمس مرعب:
— بالعكس يا نور.. اللعبة لسه بتبدأ. كنتي بتسأليني خبيت عليكي ليه؟ خبيت عشان كنت عايز أشوفك حقيقية، من غير أقنعة، وفعلاً شفت.. شفت واحدة أنا نفسي مش قادر أسيطر على رغبتي في إنها تفضل قدامي طول الوقت. لو كنت قلت لك إني شفت، كنتي هتتغيري، كنتي هتعملي حساب لكل حركة، وأنا كنت عايز نور اللي على طبيعتها.. اللي بتغير هدومها بعفوية، واللي بتهمس بحبها في الضلمة.
نور زقته بكل قوتها وصرخت فيه:
— إنت مريض يا سليم! إنت استبحت خصوصيتي وكسرتني عشان تتأكد من مشاعري؟ أنا مش همشي عشان الاتفاقية، أنا همشي عشان مش قادرة أبص في وشك وأنا شايفة الغدر ده كله في عينيك.
لفت عشان تمشي، بس سليم في ثانية كان لافف دراعه حول وسطها وسحبها لصدره بقوة، ومنعها من الحركة تماماً. همس في ودنها بصوت خشن:
— مفيش خروج يا نور. أنتي شفتي الوحش وهو أعمى، ودلوقتي لازم تشوفي الوحش وهو شايف.. والمرة دي، أنا مش هكتفي إني أراقبك من بعيد أو من ورا مراية.. المرة دي أنتي ملكي، وبالقانون وبالاتفاق، وبالأمر الواقع.الفيلا بقت عاملة زي ساحة قتال باردة. سليم رجع يمارس حياته، بقى يلبس أحسن بدله، يتحرك ببريستيجه، وعينه مابتنزلش من على نور. أما نور، فقررت إنها مش هتكون الضحية.. هتعامله بـ البرود القاتل.
سليم قاعد بياكل بكل ثقة، وعينه مركزة على نور اللي قاعدة قدامه وبتقلب في طبقها بملل.
سليم بصوت رخيم:
— الأكل ماله يا نور؟ ملمستيش الشوكة.
نور رفعت عينها وبصت له ببرود جمد المية في الكوباية:
— أصل الموظفة اللي جوايا مش جاية لها نفس تاكل مع صاحب الشغل.. عندك مانع يا سليم بيه؟
سليم ضغط على السكينة في إيده وقال بهدوء مستفز:
— بلاش النغمة دي.. أنا اعتذرت بطريقتي. وبعدين أنا جبتلك عقد ألماس النهاردة، شفتيه؟
نور ضحكت بسخرية ورمت الشوكة من إيدها:
— شفت الكيس اللي مرمي على السرير.. فاكر إنك لما تفتح عينك وتشوف العقد وهو بيلمع، إن ده هينور السواد اللي عملته؟ أنا مش فازة في بيتك هتلمعها بالألماظ يا سليم. أنا بني آدمة، وإنت قت,لتها يوم ما اتفرجت عليها وهي فاكرة إنك غلبان.
سليم قام وقف وقرب منها، مال على السفرة وهمس:
— طب ما أنتي لسانك طويل أهو وبتردي.. فين نور الرقيقة اللي كانت بتمسح على شعري وتدعي لي؟
نور قامت وقفت قدامه، وبكل جراءة قربت من وشه وقالت بصوت واطي ومستفز:
— ماتت.. ماتت يوم ما الوحش فتح عينه. دلوقتي فيه نور تانية، اللي مش هتشوف منها غير الواجب اللي في العقد وبس. ولو فكرت تقرب مني يا سليم، هتكتشف إن الضلمة اللي كنت عايش فيها كانت أرحم بكتير من اللي هعمله فيك وأنا شايفة.
سليم مسك إيدها فجأة ولفها ورا ضهرها وسحبها ليه، وبص في عينيها بتحدي:
— بقى كدة؟ بتتمردي يا نور؟
نور ماردتش، وبدأت تضحك في وشه ببرود وهي بتبص في عينيه مباشرة من غير ما ترفش:
— وريني هتعمل إيه؟ هتضر,بني؟ هتجبرني؟ إنت خلاص مبقتش تقدر تخبي حقيقتك ورا العجز. إنت دلوقتي راجل كامل قدامي، وأنا مش خايفة منك.. أنا قرفانة منك.
سليم فك إيدها وكأنه اتلسع من كلامها، الغضب كان هيحرق عروقه، بس في نفس الوقت.. لذة التحدي في عينيها كانت بتجننه. لأول مرة يحس إن نور بقت ند حقيقي ليه.
نور سابته ومشيت وهي بتهز كتافها بدلال مستفز، وقبل ما تخرج من الأوضة قالت ببرود:
— آه صحيح.. القهوة بتاعتك مابقتش هعملها بإيدي، خلي الخدم يعملوها.. أصل الاتفاقية مكنش فيها بند بيقول إني أعمل قهوة لواحد بيشوف.
سليم فضل واقف مكانه، وعينه بتراقبها وهي ماشية، وقال لنفسه بصوت مسموع:
— ماشي يا نور.. اتمردي براحتك. بس وحياة وجع قلبي وأنا شايفك بتعيطي، لخليكي أنتي اللي تيجي تترجيني عشان أبصلك.. اللعب لسه بيبدأ.

سليم قرر يعمل حفلة كبيرة في الفيلا بمناسبة رجوع بصره ونجاح صفقات جديدة. وطبعاً، جاب شاهي، بنت رجل أعمال وشريكة قديمة، وكانت معروفة إنها كانت بتطارد سليم زمان.
الحفلة بدأت، ونور كانت واقفة بعيد لابسة فستان أسود سمبل بس خطف الأنظار. سليم كان شايفها بوضوح، بس اتعمد يتجاهلها تماماً. فضل واقف مع شاهي، بيضحك معاها بصوت مسموع، وبيميل عليها يهمس لها وكأنه مش شايف غيرها.
شاهي بدلع:
— بجد يا سليم، الفيلا نورت بيك.. والواحد فرحان إنك بقيت تشوف الحاجات الحلوة اللي حواليك صح.
سليم بص لنور بطرف عينه ولقاها واقفة ضاغطة على كاس العصير في إيدها، فقال بصوت عالي قاصد يوصل لها:
— فعلاً يا شاهي.. فيه حاجات الواحد مكنش مقدر قيمتها وهو أعمى، بس دلوقتي عيني مش بتنزل من على الحاجات اللي تستاهل بس.
نور حست بنار في صدرها، بس رسمت برود ملوش مثيل على وشها. سليم كان فاكر إنها هتيجي تتخانق أو تعيط، بس هي عملت حاجة مكنش يتوقعها..

نور سابت مكانها، وبدأت تتحرك وسط المعازيم بابتسامة ساحرة. وفجأة، وقف قدامها مازن، شاب وسيم جداً ومن المنافسين لسليم في السوق.
مازن بانبهار:
— نور هانم؟ مش معقول الجمال ده كله يكون في بيت سليم ومستخبي!
نور ضحكت ضحكة رقيقة وعلت صوتها وهي بتبص لسليم بتحدي:
— أصل سليم بيه كان نظره ضعيف شوية ومكنش بيقدر يشوف التفاصيل.. بس أنا موجودة أهو يا مازن، ومنورة بوجودك.
مازن مسك إيدها وباسها برقة، ونور مسحبتش إيدها، بل بالعكس، مالت عليه وبدأت تتكلم معاه بتركيز وضحك، وكأن سليم والحفلة وشاهي مش موجودين.
سليم عروق إيده برزت، والضحكة اللي كانت على وشه اتحولت لشرار. ساب شاهي في نص كلامها واتحرك ناحيتهم بخطوات سريعة وزي الرعد.
وقف بينهم وقال بصوت خشن بيكتم غضبه:
— مازن! مش غريبة إنك سايب ضيوفك وجاي تتكلم مع مراتي؟
نور لفت له ببرود تام وقالت بابتسامة مستفزة:
— مراته؟ مش إنت اللي قلت يا سليم بيه قدام الكل إننا اتفاقية؟ مازن كان بيعرض عليا اتفاقية تانية بس بشكل ألطف شوية.. مش كدة يا مازن؟
مازن حس بالخطر فانسحب بهدوء، وسليم أول ما بقوا لوحدهم، شد نور من ذراعها بقوة ودخل بيها المكتب وقفل الباب بالمفتاح.

سليم زقها على الباب وحاصرها بدراعاته، وعينيه كانت حمرا من كتر الغيرة:
— أنتي إزاي تسمحي له يمسك إيدك؟ وإزاي تضحكي له كدة قدام الناس؟ أنتي عايزة تجنيني يا نور؟
نور رفعت وشها ليه بكل كبرياء، وقالت بنبرة قطعت أنفاسه:
— مالك يا سليم؟ مش إنت اللي بدأت اللعبة مع شاهي؟ أنا بس حبيت أوريك إن الوحش لما بيفتح عينه، مبيكونش هو الوحيد اللي بيشوف.. أنا كمان بقيت شايفة قيمتي كويس، وشايفة إن فيه ألف واحد يتمنوا بس نظرة مني. إنت اخترت تكون اتفاقية، يبقى ملكش دعوة أنا بكلم مين.
سليم خبط بإيده على الباب وراها بصوت عالي:
— لا ليا دعوة! أنتي ملكي يا نور.. فاهمة يعني إيه ملكي؟ أنا مش بس رجع لي نظري، أنا رجع لي أنيابي، ومستعد أقطع لسان أي حد ينطق اسمك، وأهد الدنيا لو حد فكر يلمس طرف فستانك!
نور قربت منه أكتر، ولأول مرة حست برعشة إيده من كتر غضبه، وقالت بهمس مستفز:
— ده حب ولا حب تملك يا سليم؟ ولا خايف الصفقة تضيع منك؟
سليم بصلها بنظرة كلها وجع واحتياج وقال بصوت مكسور:
— دي لعنة يا نور.. أنتي اللعنة اللي خلتني أغمض عيني وأحبك، وأفتح عيني وأموت من الغيرة عليكي.
سليم مكنش قادر يستحمل فكرة إن نور ممكن تكون لغيره، أو إن جمالها اللي كان هو بس بيتمتع بيه في الضلمة، بقى متاح لكل العيون. الغيرة كانت بتنهش في قلبه لدرجة إنه قرر ياخد خطوة جنونية تكسر كبرياءها وتجبرها تعترف إنها لسه ملكه.

سليم شد نور من إيدها وهو لسه في قمة غضبه، وخرج بيها من المكتب وسط الحفلة. الكل سكت والنظرات كلها اتوجهت ليهم. سليم مكنش شايف حد، كان سحبها وراه لحد البيانو الكبير اللي في نص القاعة.
وقف سليم وبص للمعازيم وبصوت جهوري هز المكان قال:
— يا جماعة، الحفلة دي مش بس عشان بصري رجع.. الحفلة دي عشان أعلن قدامكم إن نور مش مجرد زوجة، نور هي القرار الوحيد اللي مش مسموح لأي حد في الدنيا يناقشني فيه. وأي حد، وأكرر أي حد، هيفكر بس يقرب من حدودها، يجهز نفسه للحرب معايا.
نور كانت واقفة مذهولة، وشها أحمر من الكسوف والغضب، همست له:
— إنت بتعمل إيه يا سليم؟ إنت بتفضحنا!
سليم لفت لها وبص في عينيها قدام الكل، ومسك إيدها اللي مازن باسها، وطلع منديل من جيبه ومسح مكان بوسة مازن بعنف وكأنه بيمحي أثره، وقال بصوت مسموع:
— بمسح القرف اللي حصل بره.. وأي حد لمسك بالنظر، أنا هحاسبه بعدين.
فجأة، وبدون مقدمات، سليم شالها بين إيديه شيلة عروسة وسط ذهول وشهقات المعازيم. نور بدأت تخبط في صدره:
— نزلني يا سليم! الناس بتبص علينا.. إنت اتجننت؟
سليم وهو طالع بيها السلم بخطوات ثابتة وواثقة، بص لها وقال بابتسامة وحشية ومنتصرة:
— أنا اتجننت من يوم ما شفتك بالمراية يا نور.. ومن النهاردة، مفيش حفلات، ومفيش مازن، ومفيش حد يشوفك غيري. إنتي أسيرة الوحش، بس المرة دي وعينه مفتوحة.
دخل بيها الأوضة ورزع الباب برجله، وحطها على السرير ببطء وهو لسه محاصرها بجسمه. نور كانت بتنهج، وعينيها مليانة دموع وتحدي في نفس الوقت:
— إنت فاكر إنك بكدة كسبت؟ إنت كدة خسرتني بجد يا سليم. القوة مش في إنك تشيلني قدام الناس، القوة في إنك كنت تخلي قلبي هو اللي يجيلك.
سليم سكت للحظة، ونظرته الحادة بدأت تضعف وتتحول لوجع حقيقي، قرب من ودنها وهمس بصوت مكسور:
— وقلبي اللي كان بيموت من الغيرة وأنا شايفك بتضحكي لغيري؟ أعمل فيه إيه؟ أنتي كنتي بتعاقبيني يا نور.. ووجعتيني أكتر بكتير من الضلمة اللي كنت فيها.
نور سكتت، حست بصدق كلامه، بس كرامتها كانت لسه بتنزف:
— إنت اللي بدأت يا سليم.. إنت اللي استغليت ضعفي وعيني اللي كانت بتدور عليك في كل ركن.
سليم مسك إيدها وحطها على قلبه اللي كان بيدق بجنون:
— طب اسمعي ده.. ده مش بيدق عشان صفقة. ده بيدق عشان خايف تضيعي منه. أنا فعلاً وحش، ومش بعرف أحب غير بطريقة التملك، بس وحياة دموعك اللي غسلت قلبي، أنا ما شفت حد في الدنيا بجمالك ولا بنقاء قلبك.
نور بدأت تضعف قدام نظراته اللي بقت عطشانة ليها بجد، وقبل ما ترد، سليم سحبها لحضنه بقوة، وكأنه بيخبيها من الدنيا كلها جوه ضلوعه.
في الصباح التالي، سليم صحي لقى نور قاعدة في البلكونة بتشرب قهوتها بمنتهى الهدوء، ولابسة لبس خروج شيك جداً.
سليم استغرب وقرب منها وهو بيعدل قميصه، وقال بنبرة لسه فيها حب تملك:
— على فين الصبح كدة؟ مفيش خروج من غير ما أعرف.
نور بصت له ببرود وخدت رشفة من قهوتها وقالت:
— أولاً، صباح الخير يا سليم بيه. ثانياً، أنا مش بستأذن، أنا بعرفك. أنا نازلة أدور على شغل، وهرجع في الميعاد اللي يريحني.
سليم عروق جبهته ظهرت، ووقف قدامها مباشرة:
— شغل إيه؟ أنتي نسيتي إنتي مين؟ أنتي حرم سليم البدراوي، مش مسموح ليكي تخرجي تشتغلي عند حد!
نور قامت وقفت قدامه وبكل ثقة، عدلت له ياقة قميصه وقالت بابتسامة مستفزة:
— لا يا سليم، أنا نور اللي كنت بتقول عليها صفقة وموظفة. وبما إن الصفقة خلصت بنظرك اللي رجع، فأنا محتاجة أثبت كياني بعيد عن فلوسك وقصرك. وده أول شرط لو عايزني أفضل موجودة في البيت ده.
سليم قبض على إيده وقال بصوت مكتوم:
— وشروط إيه تاني يا ست نور؟
نور رفعت صباعها وبدأت تعد:
— واحد: الخصوصية. أوضتي خط أحمر، تدخل بإذن وتخرج بإذن.
اتنين: المراقبة والتحكم يخلصوا. مفيش حاجة اسمها ممنوع ومملكتي والكلام ده.
تلاتة وده الأهم: لو فكرت تستخدم عيونك دي عشان تكسرني أو تراقبني من ورايا تاني.. اعتبر إن نور ماتت بالنسبة لك للأبد.
سليم ضحك بسخرية:
— أنتي بتلوي دراعي يا نور؟ فاكرة إن الوحش هيرضى بطلباتك دي؟
نور قربت من ودنه وهمست:
— الوحش دلوقتى بقى بيشوف يا سليم.. وشايف كويس أوي إنه من غيري ضلمة. جرب ترفض، وشوف مين فينا اللي هيتوجع أكتر.
سليم فضل واقف مكانه، مراقبها وهي بتلم شنطتها وماشية بكل كبرياء. لأول مرة في حياته، يحس إنه مهزوم بس بمتعة غريبة. القوة اللي في عينيها كانت بتجذبه أكتر من ضعفها زمان.

سليم فضل طول اليوم قاعد على أعصابه، بيفتح الساعة كل دقيقة. الساعة بقت 9 بليل ونور لسه مجاتش. الوحش اللي جواه كان عايز يكسر البيت، بس افتكر شروطها.
لما دخلت نور، لقت سليم قاعد في الصالة والضلمة محاوطاه، بس المرة دي هو قاصد يقعد في الضلمة.
نور استغربت:
— قاعد في الضلمة ليه يا سليم؟ النور مقطوع؟
سليم قام وقف، وقرب منها ببطء، وكان باين عليه التعب والارتباك:
— كنت بجرب إحساسي زمان.. اكتشفت إن الضلمة الحقيقية مش في عيني، الضلمة في البيت وأنتي مش فيه. أنتي اتأخرتي ليه؟
نور كانت لسه هترد بعنف، بس شافت في عينيه نظرة رجاء مكسورة لأول مرة، فقالت بهدوء:
— كنت بخلص إجراءات الشغل، وهبدأ من الأسبوع الجاي.
سليم مسك إيدها، والمرة دي مكنش بيلويها، كان بيمسكها بحنان:
— أنا موافق على كل شروطك يا نور.. بس بشرط واحد هتشتغلي في شركتي.
مش أنتي عايزة تشتغلي وتثبتي كفاءتك؟ شركة المعماري بتاعتي عندها أكبر مشروع في العاصمة الإدارية، والمكتب اللي ماسك التصميم مستواه مش عاجبني. الشركة شركتك، والمشروع قدامك.. وريني البشمهندسة نور هتعمل إيه، ولا هي كانت مجرد خناقة وخلاص؟
نور بصت للملف بتحدي وقالت:
— موافقة.. بس بشرط. في الشركة أنا موظفة زيي زي غيري، مفيش سليم بيه يتدخل في شغلي، ومفيش معاملة خاصة قدام الموظفين. لو وافقت، هبدأ من بكرة.
سليم ابتسم ابتسامة جانبية غامضة:
— موافق.. بس جهزي نفسك، لأن سليم البدراوي في الشغل مبيعرفش لا حب ولا اتفاقيات، الغلطة عندي بفورة.
أول يوم في الشركة
نور وصلت الشركة، وانبهرت بالنظام والسيطرة اللي سليم فرضها على كل ركن. سليم كان ماشي وسط الموظفين زي الإمبراطور، الكل بيتحاشى يبص في عينه من هيبته.
نور استلمت مكتبها، وبدأت تشتغل بجدية. في نص اليوم، سليم دخل المكتب ومعاه وفد من المهندسين الكبار. وقف قدام مكتبها وبص للتصاميم اللي قدامها بنظرة فاحصة وباردة جداً.
سليم بصوت عالي وناشف قدام الكل:
— إيه العك ده يا بشمهندسة؟ التصميم ده فيه غلطة في توزيع المساحات، إحنا مش بنبني بيت عرايس، إحنا بنبني مشروع بمليارات. الملف ده يتمسح ويبدأ من الأول، ومعاكي لآخر اليوم، وإلا اعتبري نفسك مرفودة قبل ما تبدأي.
الموظفين كلهم اتصدموا، ونور وشها جاب ألوان من الإحراج والغضب. سليم سابها وخرج من غير ما يبص وراها.

نور ميرضيتش تسكت، راحت وراه المكتب ورزعت الباب وراها:
— إنت إزاي تكلمني كدة قدام الموظفين؟ وإيه الرفد ده؟ إنت بتنتقم مني عشان وافقت أشتغل عندك؟
سليم كان قاعد ورا مكتبه الفخم، قلع النضارة وبصلها ببرود مرعب:
— مش أنتي اللي قلتي موظفة زيي زي غيري؟ أنا في الشركة معنديش نور، عندي مهندسة غلطت ولازم تتحاسب. وبعدين، لو مش قد الحمل يا نور، ارجعي الفيلا واقعدي في البلكونة اشربي قهوتك.. الشغل ده للوحوش اللي زيي، مش للبنات اللي بتزعل من كلمة.
نور قربت من مكتبه، ساندت بإيدها وبصت في عينه مباشرة بتحدي ولعت فيه الدنيا:
— تمام يا سليم بيه.. الملف هيرجع لك النهاردة، وهيكون أحسن تصميم شفته في حياتك. بس ساعتها، أنا اللي هرفض أشتغل معاك، وهتدور عليا ومش هتلاقيني.
سليم قام وقف، وقرب منها لحد ما أنفاسهم اتقابلت، وهمس بصوت خشن:
— لو التصميم عجبني.. ليكي عندي مكافأة مكنتيش تحلمي بيها. ولو معجبنيش.. هتنفذي كل اللي هقولهولك في البيت من غير شروط ولا تمرد. قلتي إيه؟
نور بصرامة:
— قبلت التحدي.
سليم فضل واقف مكانه يراقبها وهي خارجة، والابتسامة الوحشية رجعت لوشه تاني. هو كان قاصد يضغط عليها عشان يشوف الشرارة اللي في عينيها، ولأنه مبيعرفش يروضها غير بالنار.
الساعة دخلت على واحدة بعد نص الليل، والشركة كلها كانت عبارة عن سكون تام، ما عدا مكتب واحد في الدور الأخير كان النور فيه لسه شغال.. مكتب نور.
نور كانت قاعدة وشعرها ملموم بعشوائية، والقهوة جنبها بردت، وعينيها كانت مجهدة جداً وهي بتحرك القلم على الماكيت الورقي واللوحات الهندسية. كانت بتسابق الزمن عشان تثبت لـ سليم البدراوي إنها مش مجرد صفقة ولا مجرد وجه جميل.
فجأة، حست بظل طويل غطى على اللوحة اللي قدامها. قلبت ريقها بصعوبة ولفت.. كان سليم.
كان قلع الجاكيت وشمّر كمام قميصه الأبيض، وشكله كان فيه هيبة تخوف وتجذب في نفس الوقت. وقف يراقبها ببرود وهو حاطط إيده في جيبه، وبعدين قرب وبص على اللوحات بتركيز.
نور بجمود وتعب:
— لسه الساعة مجاتش 8 الصبح يا سليم بيه.. الملف لسه مخلصش.
سليم مردش، مد إيده وخد اللوحة الأساسية وبدأ يبص فيها بتمعن. نور كانت مراقبة عينه وهي بتتحرك على الرسومات، وقلبها كان بيدق بسرعة. سليم سكت فترة طويلة، وبعدين حط اللوحة مكانه وبصلها بنظرة نور معرفتش تفسرها.
سليم بصوت خشن وهادي:
— التعديل اللي عملتيه في المدخل.. والزاوية دي.. إزاي فكرتي فيها؟
نور رفعت راسها بتحدي:
— فكرت فيها بعقلي، مش بالخوف من تهديداتك. التصميم ده بيوفر مساحة وميزانية، وفي نفس الوقت بيدي شكل جمالي. ها.. لسه عايز ترفدني؟
سليم قرب منها ببطء، لدرجة إن الكرسي اللي هي قاعدة عليه خبط في المكتب. حط إيده الاتنين على المكتب وحاصرها، ومال عليها لحد ما بقت عينه في عينها.
سليم بهمس وحشي بس فيه نبرة إعجاب مكسورة:
— الرفد كان مجرد طعم يا نور.. كنت عايز أشوفك وإنتي بتعافري، كنت عايز أخرج المهندسة اللي جواكي. والظاهر إنك مش بس شاطرة في ترويض الوحوش، أنتي كمان شاطرة في إنك تخليني أنبهر بيكي غصب عني.
نور حاولت تبعد نظرها عنه وقالت بصوت مهزوز:
— أنا تعبانة يا سليم، وعايزة أروح.
سليم مد إيده وببطء شديد لمس خصلة شعر نازلة على وشها، وحطها ورا ودنها. لمسة إيده كانت دافية عكس بروده المعتاد.
سليم بصوت واطي جداً:
— قومي.. الشغل خلص. وأنا اللي هسوق بيكي.
نور:
— سواقينك بره، وأنا معايا عربيتي.
سليم قبض على طرف المكتب وقال بصرامة رجعت له في ثانية:
— قلت أنا اللي هسوق.. ومفيش نقاش. الوحش مش بس بيرجع له بصره، الوحش كمان بيعرف يحمي أغلى حاجة عنده لما الدنيا تليل والكل ينام.
نور بصت له وسكتت، حست إن في اللحظة دي، سليم مش بيمثل القوة، سليم بجد خايف عليها، بس بطريقته الناشفة. قام سحب شنطتها من على الكرسي ومسك إيدها وخرج بيها من الشركة اللي كانت خالية تماماً، وكأن العالم كله اتقفل عليهم هما الاتنين بس.
سليم كان بيسوق بهدوء غير عادته، والجو جوه العربية كان مشحون بصمت ثقيل بس مريح. نور كانت ساندة راسها على الشباك، مجهدة، وعينيها بتقفل من التعب، بس لسه صاحية.
سليم كسر الصمت وصوته كان واطي، كأنه بيكلم نفسه:
— عارفة يا نور.. وأنا أعمى، كنت برسم ليكي صورة في خيالي. كنت متخيلك رقيقة، هادية، ممرضة بتنفذ الأوامر وبس. بس لما فتحت عيني، لقيت قدامي إعصار. لقيت واحدة بتقاوح، وبترد الكلمة بعشرة، وبتسهر لحد نص الليل عشان تثبت إنها مش محتاجة حد.
نور لفت له وبصت لبروفايل وشه الحاد وهو مركز في الطريق:
— وإنهي صورة عجبتك أكتر؟ الممرضة الضعيفة.. ولا الإعصار؟
سليم لف لها نظرة سريعة وخاطفة، وعينه لمعت بصدق:
— الممرضة كانت بتحسسني بضعفي، لكن الإعصار ده.. هو اللي خلاني أحس إني لازم أكون أقوى عشان أقدر أجاريكي. أنتي النهاردة في الشركة كسبتي احترامي يا نور، وده أصعب حاجة ممكن حد ياخدها من سليم البدراوي.

وصلوا الفيلا، وكانت الساعة بقت 2 صباحاً. سليم نزل وفتح لها الباب، ودخلوا والبيت كان هسس. نور كانت رايحة ناحية أوضتها، بس سليم مسك إيدها ووقفها.
نور بتعب:
— سليم، أنا مش قادرة أتخانق، عايزة أنام.
سليم شدها ببطء ناحية مكتبه في الفيلا وقال بصوت رجولي واثق:
— مش أنا وعدتك بمكافأة لو التصميم عجبني؟ سليم البدراوي مبيخلفش وعده.
دخل المكتب، وفتح الدرج وطلع منه ملف وناوله ليها. نور فتحته باستغراب، ولقت جواه عقد تنازل عن قطعة أرض كبيرة في منطقة راقية، ومكتوب إنها متخصصة لإنشاء مكتب هندسي مستقل باسم نور.
نور شهقت بصدمة:
— إيه ده يا سليم؟
سليم قرب منها، وبقت المسافة بينهم معدومة، وحط إيده ورا ظهرها وسحبها ليه بهدوء:
— دي المكافأة. مش عايزك تشتغلي عندي ولا عند غيري. أنا عايزك تكوني نور اللي الكل بيحلم يشتغل معاها. الأرض دي ليكي، وابدأي ابني حلمك.. وأنا هكون أول عميل عندك يطلب تصميم لبيته الجديد.
نور عينيها لمعت بالدموع، بس المرة دي دموع فرحة وامتنان:
— ليه عملت كدة؟ إنت كنت عايزني أفضل تحت عينك وفي شركتك.
سليم نزل لمستوى وشها، وهمس قدام شفايفها مباشرة بنبرة تملك ناعمة:
— لأني اكتشفت إن ترويض الوحش حلاوته في إن اللي قدامك يكون حر ويختار يفضل معاك، مش يكون مسجون عندك. الأرض دي ملكك، والبيت ده ملكك.. وقلب سليم اللي مبقاش يشوف غيرك، برضه ملكك.
نور في اللحظة دي، ولأول مرة، هي اللي مدت إيدها وحاوطت رقبته، وقربت منه ودفنت راسها في صدره. سليم غمض عينيه بقوة وضمها لضلوعه وكأنه خايف تهرب، وشم ريحتها اللي كانت وحشاه بجنون.
سليم بهمس:
— ها.. لسه شايفة إني وحش؟
نور رفعت راسها وبصت في عينيه اللي بقت كلها حب مش سيطرة، وقالت بابتسامة رقيقة:
— إنت لسه وحش.. بس بقيت وحشي أنا لوحدي.

بعد ليلة الاعتراف والمكافأة، نور صحيت وهي حاسة بانتصار حقيقي. هي دلوقتي مش مجرد زوجة في اتفاقية، هي مهندسة وليها كيان سليم نفسه اعترف بيه.
نزلت الصالة، لقت سليم قاعد بيفطر وهو لابس نظارته الطبية مش السوداء، وماسك جريدة، وشكله هادي جداً. أول ما سمع صوت خطواتها، رفع عينه وبص لها بابتسامة هادية لأول مرة.
سليم:
— صباح الخير يا بشمهندسة. نمتي كويس بعد صدمة المكافأة؟
نور قعدت قدامه وهي بتحاول تداري كسوفها:
— صباح النور. الصراحة منمتش.. فضلت أفكر في المكتب والتصميمات اللي هعملها. بس يا سليم، الأرض دي غالية أوي، وأنا..
سليم ساب الجريدة، وقرب إيده ومسك إيدها اللي على التربيزة وضغط عليها بخفة:
— مفيش حاجة تغلى عليكي يا نور. وبعدين أنا معملتش كدة صدقة، أنا استثمرت في عقل هيجيب لي ملايين قدام. بس خلي بالك.. الشراكة في العمل حاجة، واللي بيحصل في البيت حاجة تانية خالص.
نور رفعت حاجبها بتحدي:
— قصدك إيه؟
سليم قام وقف، ومال عليها وهمس في ودنها بنبرة وحشية رجعت تظهر تاني:
— قصدي إن في المكتب أنتي المهندسة نور، وليكي كل الاحترام. بس هنا.. أنتي نور سليم، يعني مفيش تأخير بره البيت، مفيش عناد ملوش لزوم، والأهم.. مفيش أسرار بيني وبينك تاني. فاهمة؟
نور بضحكة رقيقة:
— بدأنا نرجع للتحكم تاني؟
سليم بجدية:
— ده مش تحكم.. ده حفاظ. أنا لما فتحت عيني، شفت الدنيا مرعبة يا نور، والناس نفوسها مش صافية زيك. أنا عايزك تنجحي، بس تحت حمايتي.

وهما بيفطروا، جرس الباب رن، ودخلت الخادمة ومعاها ظرف أسود غريب مكتوب عليه اسم سليم ونور مع بعض. سليم فتح الظرف ببرود، بس ملامحه اتغيرت فجأة وعينه شرزت نار.
نور بقلق:
— في إيه يا سليم؟ وشك اتقلب ليه؟
سليم رمى الصور على التربيزة ببرود يسبق العاصفة، ملامحه كانت زي الصخر وعروق إيده برزت كأنها حبال مشدودة. نور مسكت الصور وإيدها بتترعش، وشها اصفر من الصدمة وبصت لسليم برعب:
— سليم.. والله العظيم الصور دي كدب! أنا عمري ما شفت الشخص ده غير في الحفلة، أنا مش عارفة الصور دي اتصورت فين وإمتى!
نور كانت بتنهج، مستنية سليم ينفجر فيها أو يطردها، بس سليم فضل ساكت تماماً، عينه كانت مركزة في الصور بجمود يخوف.
نور بدموع:
— صدقني يا سليم.. إنت عارف إني ماليش غيرك، أنا مستحيل..
سليم قاطعها وهو بيقوم يقف، طوله الفارع خيم عليها، وبص لها بنظرة حادة وناشفة خلت قلبها يقف. سليم بصوت رخيم وقاطع:
— مش محتاج أصدقك ولا أكذبك يا نور.. الصور دي تمنها غالي أوي عند اللي بعتها، وعايز يشوف رد فعلي.
نور بصت له باستغراب:
— يعني إنت.. إنت مصدقني؟
سليم ماردش عليها رد مباشر، بس بص في عينيها بجمود وقال:
— وقت الحفلة.. كل حاجة هتبان. اطلعي البسي أغلى فستان عندك، وعايزك تمشي جنبي ورأسك في السما. الوحش لما بيرجع له بصره، أول حاجة بيعملها إنه بيسحق الحشرات اللي فاكرة إنها تقدر تضحك عليه.

دخل سليم القاعة وهو ماسك إيد نور بتملك عنيف، ونور كانت خايفة من بروده. مازن قرب منهم بابتسامة صفراء وهو ماسك كاس في إيده:
— منور يا سليم بيه.. أهلا يا بشمهندسة نور، الصور اللي بعتها لك عجبتك؟
سليم وقف قدام مازن ببرود مرعب، وبص له من فوق لتحت، وفجأة ضحك ضحكة قصيرة هزت كيان مازن.
سليم بصوت مسموع للقاعة كلها:
— الصور الفوتوشوب بتاعتك دي يا مازن، توديك ورا الشمس لو رفعت عليك قضية تشهير.. بس أنا مابحبش المحاكم، أنا بحب الأصول.
سليم طلع موبايله وشغل فيديو على الشاشات الكبيرة اللي في القاعة اللي كانت مجهزة لعرض مشاريع، والكل اتصدم!
الفيديو كان تسجيلات المراقبة الخاصة بسليم نفسه، اللي كان حاططها في كل مكان لمراقبة نور وهو لسه عامل نفسه أعمى. الفيديو كان بيظهر نور في نفس وقت ومكان الصور وهي لوحدها تماماً، وبيظهر المصور وهو بيصورها من بعيد، وبيظهر كمان شاهي وهي بتدفع فلوس للمصور في ركن المطعم!
سليم بصلهم وهما وشهم زي الأموات:
— أنا كنت أعمى يا مازن، بس رجالي مكنوش عميان. كنت عارف إنك مراقبها من أول يوم خرجت فيه، وكنت سايبك تلعب عشان أشوف أخرك فين.
سليم قرب من مازن، وهمس في ودنه بصوت سمعه الكل من قوة الصمت:
— نور دي خط أحمر.. اللي يفكر يدوس على طرفها، أنا بمحي وجوده من السوق. من بكرة، كل أسهم شركتك هتكون في إيدي، وشاهي هانم.. اعتبري إن الفضيحة اللي كنتي ناوياها لنور، بقت هي عنوانك الجديد في كل الجرايد.
سليم لف لنور، اللي كانت واقفة مذهولة ومبهورة بقوته، وحط إيده ورا ظهرها وسحبها لصدره قدام الكل، وبص في عينيها بلمعة تملك ونصر:
— قلت لك كل حاجة هتبان.. مفيش حد يقدر يلمس حاجة تخص سليم البدراوي ويطلع سليم.
بعد ما سليم مسح بكرامة مازن وشاهي الأرض قدام نخبة المجتمع، سحب نور من إيدها وخرج من القاعة بكل هيبة، مكنش مهتم بنظرات الانبهار ولا الهمسات اللي وراهم. ركبوا العربية وساد صمت تقيل لكنه مليان بمشاعر مختلفة.. نور كانت لسه تحت تأثير الصدمة والذهول من قوته.
سليم مطلعش على الفيلا، بدل كدة، سلك طريق مقطوع لحد ما وصل لـ مرسى يخوت خاص بيه. نزل وفتح لها الباب، ومسك إيدها وطلعوا على يخت فخم، الأنوار فيه كانت خافتة وهادية جداً، عكس ضجيج الحفلة اللي كانوا فيها.
سليم وقف قدام البحر، وخلع الجاكيت ورماه على الكرسي، وفك أول زرارين من قميصه وهو بيتنفس بعمق. نور كانت واقفة وراه، وبصت له وقالت بصوت مهزوز:
— إنت كنت عارف.. كنت عارف كل حاجة يا سليم؟ كنت عارف إن الصور متفبركة، وعارف إن شاهي هي اللي ورا الموضوع.. وسبتني أموت من الرعب ومن نظراتك الناشفة طول اليوم؟
سليم لف ليها ببطء، عينه كانت بتلمع تحت ضوء القمر بحدة تخطف الأنفاس. قرب منها لحد ما بقى بيفصل بينهم سنتيمترات، وقال بصوت رخيم وهادي:
— كان لازم يحصل كدة يا نور.. لو كنت قلت لك إني عارف، مكنتيش هتمشي في الحفلة بالكبرياء ده. أنا كنت عايز مازن يشوفك وإنتي واثقة في نفسك، عشان لما أضر,به الضر,بة القاضية، يحس إنه كان بيحفر قبره بإيده.
نور ضر,بت صدره بإيدها بوجع:
— بس أنا كنت خايفة! كنت خايفة تكون صدقتهم وتضيع مني تاني.. إنت معندكش فكرة الوجع اللي حسيته لما بصيت لي بجمود الصبح كان عامل إزاي.
سليم مسك إيدها اللي بتضر.به، وثبتها على صدره بقوة، وبص في عينيها بنظرة تملك صافية:
— تضيعي مني؟ أنتي لسه مش فاهمة يا نور؟ سليم البدراوي لما بيفتح عينه ويختار واحدة، مبيسمحش لشويه ورق وصور إنهم يهزوا شعرة من ثقته فيها. أنا كنت براقبك وأنا أعمى يا نور.. كنت سامع دقات قلبك وعارف أنفاسك. تفتكري لما أفتح عيني، هصدق صور وأكذب قلبي؟
نور سكتت وبدأت تدرك إن بروده الصبح مكنش شك، كان تخطيط لحمايتها بأبشع وأقوى طريقة ممكنة.
سليم كمل وهو بيمرر إيده على وشها بجرأة:
— أنا جبتك هنا عشان أقولك إن اللعبة خلصت. مفيش أعداء تاني، ومفيش شك. الأرض اللي اديتها لك، والمكتب اللي هتبنيه.. ده هيكون بداية حياتنا الحقيقية. حياتي وأنا شايفك بجد، مش بس كـ ممرضة أو اتفاقية.. حياتي وأنتي النور اللي رجعت أشوف بيه الدنيا.
نور همست وهي بتبص في عينيه:
— يعني إنت كنت واثق فيا للدرجة دي؟
سليم ابتسم ابتسامة وحشية بس فيها عشق يجنن، وقرب من ودنها وهمس:
— أنا كنت واثق إنك ملكي.. وبما إنك ملكي، فمستحيل تكوني لحد غيري، لا في الحقيقة ولا حتى في خيال مريض زي مازن. المكافأة الحقيقية مش الأرض يا نور.. المكافأة هي إنك من النهاردة، بقيتي الحاجة الوحيدة اللي سليم البدراوي مستعد يحارب عشانها مش بس يمتلكها.
سحبها لحضنه بقوة، وفي وسط هدوء البحر وصوت الموج، نور حست لأول مرة إن الوحش مابقاش محتاج ترويض.. هو بقى حارسها الشخصي اللي مستعد يحرق العالم عشان خاطر نظرة رضا منها.
بعد مرور سنة..
الأنوار كانت مالية المكان، واليُفطة الرخامية الكبيرة على مدخل المبنى الفخم كانت بتلمع باسم: مكتب نور البدراوي للهندسة والتصميم.
نور كانت واقفة في وسط القاعة الكبرى، لابسة فستان رسمي أبيض ملكي، وشعرها مرفوع، وبتبتسم للضيوف والصحفيين بكل ثقة. هي النهاردة مش حرم سليم البدراوي وبس، هي المهندسة اللي تصميماتها بقت حديث السوق كله.
فجأة، القاعة سكتت والعيون كلها اتجهت للباب.. سليم دخل.
كان لابس بدلة سوداء كاملة، وهيبته كانت طاغية على المكان كالعادة، بس المرة دي مكنش داخل كـ مسيطر، كان داخل كـ داعم. مشي بخطوات واثقة لحد ما وقف قدامها، وبص لها بنظرة فخر صافية من غير أي غرور.
سليم بصوت رخيم سمعه القريبين:
— مبروك يا بشمهندسة.. التصميم طلع أعظم مما تخيلت، والظاهر إن تلميذتي بقت أشطر من أستاذها.
نور بابتسامة ساحرة:
— أنا لسه بتعلم منك يا سليم . ولا نسيت إنك أول عميل عندي؟
سليم قرب منها، ووطى صوته لدرجة إنها هي بس اللي تسمعه، وهمس وهو بيمسك إيدها قدام الكل بجرأة وتملك ناعم:
— أنا مش بس عميل.. أنا المعجب الأول. وعشان كدة، قررت إن أول مشروع للمكتب ده، مش هيكون برج إداري ولا فيلا لعملاء غُرب.. هيكون القصر اللي هنبنيه سوا بعيد عن وجع الماضي.. القصر اللي هيشهد إن الوحش ملقاش راحته غير في حضن النور.
نور عينيها لمعت بالدموع، وسليم رفع إيدها وباسها بوقار شديد قدام فلاشات الكاميرات اللي بدأت تصور اللحظة دي.. لحظة انكسار قسوة الوحش قدام ذكاء ونقاء نور.
سليم بص للكاميرات وللناس بحدة وهو لسه محاوط وسط نور بدراعه:
— يا ريت الكل يكتب النهاردة.. إن النجاح ده باسم نور، والفضل فيه لـ نور.. وأنا هنا مجرد حارس للحلم ده.
نور مالت على كتفه وهمست:
— أنا بحبك يا سليم.. بحبك بصرك، وبحبك أكتر وأنا شايفة الحب ده في عينيك.
سليم ضمها ليه أكتر وبص للسما وابتسم ابتسامة حقيقية:
— وأنا بشوف الدنيا بيكي يا نور.. ومن النهاردة، مفيش ضلمة تفرقنا تاني.
تمت الرواية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *