بعد ما اختفيت سنه

بعد ما اختفيت سنة كاملة… رجعت جلسة طلاقي من جوزي الملياردير وأنا شايلة بنته اللي عمره ما عرف إنها موجودة!
في الصبح اللي دخلت فيه قاعة اجتماع الطلاق الخاصة بجوزي الملياردير، وأنا شايلة بنتي نايمة على صدري، كان هو فاكر إنه مسيطر على كل حاجة… على الشركات، والفلوس، وحتى حياتي.
كان مقتنع إن الجلسة دي مجرد توقيع ورق، وبعدها هيقفل الصفحة للأبد.
وكان فاكر إني هطلع من حياته زي ما دخلتها… من غير صوت.
بس أول ما عينه وقعت على الطفلة اللي في حضني… كل الكدب اللي بناه السنين دي بدأ يقع قدامه.
اسمي هنا الشاذلي.
وده الاسم اللي كان مكتوب في كل أوراق الجواز والطلاق اللي محاميه جهزها، كأن حياتي كلها مجرد ملف بيتقفل.
كان عندي تلاتين سنة.
لابسة بلوزة أوف وايت وجاكيت كحلي بسيط، وحاضنة بنتي الصغيرة اللي كانت نايمة بهدوء على صدري، ولا كأنها داخلة معايا معركة هتغيّر حياة ناس كتير.
ربتّ على ضهرها برقة، وبصيت حواليّا.
المكان كله رخام وخشب فاخر، وشبابيك كبيرة، وحراس، وسكرتارية… وكل حاجة بتقول إن صاحب المكان متعود يكسب.
لكن المرة دي…
أنا اللي داخلة أكسب حقي.
السكرتيرة أول ما شافتني قامت من مكانها بسرعة.
وقالت بتوتر يا مدام هنا… أستاذ كريم في اجتماع مهم مع المحامين ومجلس الإدارة… مينفعش تدخلي دلوقتي.
من سنة بس…
كنت هكسف، وأعتذر، وأقعد مستنية بالساعات لحد ما سيادة الأستاذ يشوف إذا كنت أستحق خمس دقايق من وقته ولا لأ.
لكن هنا القديمة ماتت.
ماتت يوم خرجت من بيته مكسورة، وماتت يوم اكتشفت الحقيقة اللي قلبت حياتي.
من غير ما أرد عليها…
كملت طريقي.
وصلت لباب قاعة الاجتماعات الكبير.
خدت نفس طويل…
وحطيت إيدي على المقبض.
ودفعت الباب بكل هدوء.
وفجأة…
كل اللي كانوا بيتكلموا سكتوا.
كل العيون اتلفتت ناحيتي.
وكريم… جوزي…
رفع عينه من الورق، وبصلي
لأول مرة بعد سنة كاملة.
ولما شاف الطفلة اللي نايمة في حضني…
وشه اتسحب، وعينيه اتوسعت بشكل عمره ما حصل قبل كده.
وكان لسه ميعرفش…
إن دي أكبر مفاجأة هتقلب حياته كلها ووو
بعد ما الباب اتقفل ورايا، ساد الصمت القاعة كلها.
كريم قام من على كرسيه ببطء، وبص للطفلة تاني قبل ما يبصلي.
قال بصوت مليان صدمة دي… بنت مين؟
رفعت عيني ليه، ورديت بهدوء اسأل نفسك السؤال ده كويس.
المحامين بصوا لبعض باستغراب، ورئيس مجلس الإدارة حاول يكسر التوتر وقال لو سمحتوا… إحنا هنا علشان إجراءات الطلاق.
لكن كريم ماكنش سامع حد.
كان مركز مع ملامح الصغيرة.
رموشها… نفس رموشه.
خصلة شعرها الناعمة… بنفس اللون.
حتى الدبلة الصغيرة اللي كانت متعلقة في سلسلة حوالين رقبتها كانت حاجة هو حافظها كويس.
قرب خطوة وهو بيهمس مستحيل…
حضنت بنتي أكتر، وقلت متقربش… هي نايمة.
وقف مكانه.
أول مرة أشوفه مش عارف يتكلم.
الرجل اللي كان دايمًا عنده رد على كل حاجة، بقى ساكت.
قطع الصمت صوت محاميه أستاذ كريم… خلينا نكمل الجلسة.
لكن كريم رفع إيده وسكته.
وبصلي وقال إنتِ اختفيتي سنة كاملة… فين كنتِ؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
السؤال الحقيقي مش كنت فين… السؤال هو ليه عمرك ما دورت؟
الكلمة نزلت على القاعة كلها كأنها حجر.
ملامحه اتغيرت.
افتكر آخر يوم بينا…
اليوم اللي خرجت فيه من البيت وأنا مكسورة، وهو كان مشغول بصفقة بمليارات الجنيهات، حتى ما لاحظش إني كنت تعبانة وساعتها كنت حامل في شهور الحمل الأولى.
وقتها ساب كل حاجة لمحاميه، وقال جملة عمرها ما خرجت من دماغي
أي حاجة تخص هنا… خلصوها من غير ما ترجعولي.
نفذت كلامه بالحرف.
اختفيت…
وربيت بنتنا بعيد عن كل الصراعات.
لكن اللي رجعني النهارده…
ماكنش الطلاق.
ولا الفلوس.
كان السبب حاجة تانية أخطر بكتير.
فتحت شنطتي بهدوء.
طلعت ظرف بني قديم، عليه ختم شركة كريم بنفسه.
أول ما شافه… وشه اصفر.
همس من غير ما يحس الظرف ده… إزاي وصل عندك؟
ابتسمت لأول مرة وقلت
لأن فيه الحقيقة اللي اتدفنت من سنة… والنهارده الكل هيعرفها.
وساعتها بالضبط…
اتفتح باب قاعة الاجتماع مرة تانية، ودخل شخص لم يكن أي واحد في القاعة يتوقع حضوره اتلفتت كل الرؤوس ناحية الباب.
دخل رجل في أوائل الستينيات، شعره غزاه الشيب، لكن هيبته كانت تملأ المكان.
أول ما شافه الحاضرون، وقف معظمهم احترامًا.
أما كريم…
فاتجمد مكانه.
وقال بدهشة بابا؟! حضرتك رجعت من السفر؟
اقترب الرجل بخطوات هادئة، ثم بص لي، وبعدها بص للطفلة النائمة، وابتسم ابتسامة حزينة.
قال كبرت…
اتسعت عينا كريم.
إنت تعرفها؟
رد والده بهدوء أعرفها… وأعرف أمها كمان.
ساد صمت ثقيل.
محامي كريم حاول يتدخل يا فندم، يمكن نأجل الكلام ده…
لكن الأب قاطعه بحزم لا… الحقيقة اتأجلت كفاية.
ثم التفت إليّ وقال سامحيني يا بنتي.
هزيت رأسي بهدوء.
أنا مش جاية أسمع اعتذار… أنا جاية أخلي كل واحد يتحمل نتيجة قراراته.
كريم كان بيبص بيني وبين والده في ذهول.
حد يفهمني… فيه إيه؟
تنهد والده وقال فاكر اليوم اللي هنا خرجت فيه من البيت؟
أومأ كريم.
أكيد.
تعرف إنها حاولت تقابلك قبل ما تمشي؟
سكت.
لا.
لأنك وقتها كنت في اجتماع، وسكرتيرك قال لها بالحرف إنك مانعت أي حد يدخل عليك.
بدأت ملامح كريم تتغير.
نظر إلى سكرتيره القديم، الذي كان يجلس في آخر الطاولة.
ارتبك الرجل، ومسح عرقه.
قال بتلعثم أنا… أنا كنت بنفذ التعليمات.
رد الأب بصرامة ولا قلت له إنها كانت بتسيب له جواب بإيدها.
شهق كريم.
جواب؟!
أخرجت من الظرف ورقة مطوية بعناية.
كانت قديمة، وحوافها اصفرّت من الزمن.
وضعتها أمامه.
دي النسخة اللي احتفظت بيها.
فتحها بيد مرتعشة.
وبدأ يقرأ…
ومع أول سطر، تغير لون وجهه بالكامل.
كانت الرسالة تبدأ ب
كريم… قبل ما أي ورقة طلاق تتوقع، لازم تعرف خبر هيغير حياتنا…
رفع رأسه نحوي بسرعة، وعيناه امتلأتا بالصدمة.
لكن قبل أن ينطق بكلمة…
صدر صوت رنين هاتف أحد المحامين.
نظر إلى الشاشة، ثم وقف فجأة وهو يقول بصوت مرتبك
يا أستاذ كريم… في خبر عاجل وصل دلوقتي… ولازم تعرفه حالًا.
وانقلبت ملامح الجميع، لأن الخبر لم يكن يخص الطلاق… بل كان يهدد إمبراطورية كريم كلها خطف كريم الهاتف من يد المحامي وهو عاقد حاجبيه.
قرأ الرسالة بسرعة… ثم أعاد قراءتها مرة تانية.
اختفت ملامح الثقة من على وشه.
قال بصوت منخفض مستحيل…
سأله والده إيه اللي حصل؟
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال فيه حد قدّم بلاغ ومعاه مستندات بتقول إن واحدة من أكبر الصفقات اللي اتعملت السنة اللي فاتت فيها تزوير في توقيعات العقود.
ساد الهمس بين أعضاء مجلس الإدارة.
أحدهم قال بقلق لو المستندات دي صحيحة… الشركة كلها هتدخل في أزمة.
نظر كريم إليّ فجأة.
إنتِ ليكي علاقة بالموضوع؟
هززت رأسي بثبات.
لو كنت عايزة أدمرك… ماكنتش جيت هنا.
سكت الجميع.
ثم أضفت أنا جاية أنقذ الحقيقة… مش أهدم حد.
نظر والده إلى الظرف الموجود أمام كريم.
كمّل قراية.
عاد كريم إلى الرسالة.
كانت كل سطر فيها يذكّره بأيام كان يظن أنه نسيها.
كيف كانت هنا تحاول الوصول إليه.
وكيف كانت تطلب منه أن يسمعها خمس دقائق فقط.
وكيف انتهت الرسالة بعبارة
لو وصلت لك الرسالة دي، يبقى لسه عندنا فرصة نصلح كل حاجة… ولو ماوصلتش، يبقى القدر اختار طريق تاني.
انخفضت يد كريم ببطء.
همس أنا… عمري ما شفت الرسالة دي.
التفت الجميع إلى السكرتير القديم.
كان وجهه شاحبًا.
قال بتوتر أنا… أنا كنت فاكر إنها مجرد محاولة لتعطيل إجراءات الطلاق.
رد الأب بغضب ومين اداك الحق تخبي رسالة موجهة لابني؟
ارتبك الرجل أكثر.
ثم قال جملة جعلت القاعة كلها تصمت
أنا ماخبيتهاش لوحدي…
تجمد كريم.
يعني إيه؟
ابتلع السكرتير ريقه، ونظر ناحية أحد أعضاء مجلس الإدارة الجالسين في آخر الطاولة.
الرجل كان هادئًا طوال الاجتماع،
لمحة نيوز
