بعد ما اختفيت سنه

لكن بمجرد أن التقت العيون به، تغير لون وجهه.
وأشار السكرتير إليه وهو يقول
هو… هو اللي أمرني إن الرسالة متوصلش.
تحولت كل الأنظار إلى ذلك الرجل.
أما هو…
فاكتفى بأن خلع نظارته ببطء، وابتسم ابتسامة غامضة قبل أن يقول
واضح إن أسرار سنة كاملة… بدأت تخرج للنور ساد صمت ثقيل.
كل الأنظار اتجهت للرجل.
كان اسمه فؤاد السيوفي، عضو مجلس الإدارة الأقدم، والرجل الذي وثق فيه كريم لسنوات طويلة.
كريم ضرب بيده على الطاولة وقال بغضب
إنت بتقول إيه؟! ليه تمنع عني رسالة من مراتي؟
ابتسم فؤاد بهدوء غريب وقال
لأنك وقتها ماكنتش هتطلقها.
شهق أحد المحامين.
أما كريم فاقترب منه خطوة وقال
يعني إنت اعترفت؟
أومأ فؤاد برأسه.
أيوه… اعترفت.
ثم أضاف وهو ينظر إلى الجميع
كنت شايف إن حياتك الشخصية بتأثر على شغلك. الشركة وقتها كانت داخلة على أكبر استثمار في تاريخها، وأي تراجع منك كان ممكن يضيع كل اللي بنيناه.
رد كريم بانفعال
ومن إمتى بقيت بتقرر مكاني؟
قال فؤاد ببرود
من اليوم اللي سبت فيه كل حاجة للشركة، وقلت إن مفيش حد يزعجك مهما حصل.
أغلق كريم عينيه للحظة.
تذكر…
الجملة دي قالها فعلًا.
لكن عمره ما تخيل إن حد هيستغلها بالشكل ده.
تقدمت خطوة للأمام وأنا ما زلت أحمل ابنتي، التي بدأت تتحرك في هدوء قبل أن تفتح عينيها الصغيرتين.
بصت حواليها باستغراب، ثم تشبثت بيا.
ابتسمت وربتّ على شعرها.
وفجأة…
مدت الصغيرة إيدها ناحية كريم من غير ما تعرفه.
تجمد في مكانه.
نظر إلى كفها الصغيرة، ثم رفع عينيه إليها.
كانت أول مرة يشوف بنته وهي صاحيه.
لم ينطق بكلمة.
لكن دمعة نزلت من عينه دون أن يشعر.
خفض رأسه وقال بصوت مكسور
أنا اتحرمت من كل اللحظات دي…
رديت بهدوء
وأنا كمان اتحرمت إن بنتي تكبر وسط أبوها.
ساد الصمت من جديد.
لكن قطعه صوت أحد الحراس وهو يدخل القاعة بسرعة.
قال بلهجة رسمية
أستاذ كريم… فيه لجنة من الجهات المختصة وصلت تحت، وبتطلب مقابلة مجلس الإدارة بالكامل.
نظر الجميع إلى فؤاد.
أما هو…
فابتسم لأول مرة بثقة، وقال
واضح إن اللعبة بدأت بجد…
ثم أخرج من جيب سترته فلاشة صغيرة ووضعها على الطاولة أمام الجميع، وقال
ولو الفلاشة دي اشتغلت… هتعرفوا إن اللي حصل من سنة كان مجرد بداية تبادل الجميع النظرات في صمت.
الفلاشة كانت صغيرة جدًا…
لكن وجودها على الطاولة كان كفيل إنه يغيّر الجو كله.
كريم مد إيده ناحيتها.
لكن فؤاد سبق وسحبها بسرعة.
وقال بابتسامة باردة
مش دلوقتي.
رد كريم بحدة
إنت هتفضل تلعب بالأعصاب لحد إمتى؟
قال فؤاد
لحد ما الكل يبقى موجود.
في اللحظة دي، دخل سكرتير جديد مسرعًا وهو بيقول
اللجنة وصلت الدور الأخير… وهتبقى هنا خلال دقيقة.
تنهد والد كريم وقال
يبقى خلصوا الكلام قبل ما يدخلوا.
نظرت إلى كريم، ثم قلت بهدوء
أنا وعدتك زمان إن الحقيقة هتيجي بنفسها… واهي جت.
بصلي طويلًا، وكأنه لأول مرة بيشوفني بجد.
قال بصوت منخفض
هنا… لو كنت أعرف إنك حامل…
قاطعته بهدوء
ما تقولش لو.
سكت.
لأنه عرف إن كلمة واحدة مش هترجع سنة كاملة ضاعت.
وفجأة…
فؤاد فتح حقيبته الجلدية، وأخرج ملفًا سميكًا.
وضعه أمام كريم.
وقال
قبل ما أي حد يدخل، افتح الصفحة الأخيرة.
استغرب كريم، لكنه نفذ.
قلب الصفحات بسرعة…
حتى وصل لآخر ورقة.
وما إن قرأ أول سطر…
حتى وقف من مكانه بعنف.
لا… ده مستحيل!
حاول أحد المحامين يشوف الورقة، لكن كريم أغلق الملف بسرعة.
والده سأله بقلق
فيها إيه؟
نظر كريم إلى فؤاد بصدمة وقال
إنت كنت عارف كل ده… وساكت؟
رد فؤاد
من سنة كاملة.
ثم أضاف وهو يشير إلى الظرف القديم الذي أحضرته
والحقيقة اللي في الظرف… مرتبطة بالورقة اللي في الملف ارتباط كامل.
وقبل أن يشرح أكثر…
انفتح باب القاعة.
ودخلت اللجنة الرسمية يتقدمها رئيسها، الذي ألقى نظرة سريعة على الجميع، ثم قال بنبرة حاسمة
نعتذر على المقاطعة… لكن قبل استكمال أي إجراءات طلاق أو اجتماعات مجلس إدارة، عندنا سؤال واحد لازم يتجاوب عليه.
ثم نظر مباشرة إلى كريم…
وقال
مين فيكم آخر شخص كانت معاه النسخة الأصلية من الملف ده؟
وساد القاعة صمت أشد من أي لحظة مرت قبلها… ولم يجرؤ أحد على الإجابة نظر كريم إلى أعضاء مجلس الإدارة واحدًا تلو الآخر.
لم يتكلم أحد.
قطع رئيس اللجنة الصمت وقال
السكوت في الموقف ده مش في مصلحة حد.
رفع والد كريم يده وقال بهدوء
آخر مرة شفت الملف كانت قبل سنة… وكان موجود في خزنة مكتب كريم.
سجل أحد أفراد اللجنة الملاحظة.
ثم سأل
ومن كان يملك حق فتح الخزنة؟
رد كريم
أنا… ومدير الشؤون القانونية… وفؤاد.
اتجهت الأنظار مرة أخرى إلى فؤاد.
لكنه ظل ثابتًا في مكانه.
قال بثقة
وأنا ما أنكرتش إني فتحتها.
تقدم رئيس اللجنة خطوة.
فتحتها ليه؟
أجاب
لأن الملف كان ناقص.
تجمد الجميع.
قال كريم
ناقص إيه؟
نظر فؤاد إليه وقال
آخر ورقة.
أخرج رئيس اللجنة نسخة من الملف ووضعها على الطاولة.
ثم فتحها أمام الجميع.
قال
النسخة اللي معانا برضه ناقصها نفس الورقة.
ساد الهمس في القاعة.
أما أنا…
فبدأت أربط بين كل الأحداث.
الظرف القديم…
الرسالة التي لم تصل…
والورقة المفقودة.
كلها كانت تدور حول شيء واحد.
رفعت رأسي وقلت بهدوء
الورقة دي… كانت موجودة.
نظر الجميع إليّ.
سألني كريم بسرعة
إنتِ شوفتيها؟
أومأت.
مشفتهاش بالكامل… لكن شفت عنوانها يوم بالصدفة وأنا في مكتبك.
اقترب رئيس اللجنة وقال
كان مكتوب فيها إيه؟
أخذت نفسًا عميقًا.
كان عنوانها… اتفاق تسوية نهائي.
اتسعت عينا فؤاد لأول مرة.
وكأنه لم يتوقع أن أتذكر هذا التفصيل.
قال بسرعة
أكيد ذاكرتك خانتك.
ابتسمت بهدوء.
لا… لأن العنوان كان مكتوب بخط كبير.
وقبل أن يكمل أحد الحديث…
سمع الجميع صوتًا صغيرًا.
بابا…
التفتت كل الرؤوس.
كانت ابنتي قد استيقظت تمامًا.
وببراءة الأطفال، كانت تنظر إلى كريم بعدما سمعته ينادي اسمي أكثر من مرة.
مدت ذراعيها نحوه وهي تكرر الكلمة مرة ثانية
بابا…
لم يستطع كريم أن يمنع دموعه.
لكن في نفس اللحظة…
رن هاتف رئيس اللجنة.
استمع لعدة ثوانٍ، ثم أغلقه، وقال بوجه تغيرت ملامحه
وصلتنا معلومة جديدة…
ثم نظر مباشرة إلى فؤاد.
واضح إن في شخص كان بيحاول يخفي الحقيقة من أول يوم… والاسم اللي وصلنا دلوقتي هيغيّر مسار التحقيق بالكامل.
وتحولت كل الأنظار إلى فؤاد، بينما ظل هو صامتًا، وكأن لديه مفاجأة أخرى لم يكشف عنها بعد وقف فؤاد في منتصف القاعة، وأسند يديه على العصا.
لأول مرة… اختفت من على وجهه نظرة الثقة.
قال بصوت هادئ
أنا غلطت…
تبادل الجميع النظرات.
لم يتوقع أحد أن يبدأ باعتراف.
أكمل
لكن غلطي ماكنش علشان أؤذي هنا… ولا علشان أفرق بينها وبين كريم.
عقد كريم حاجبيه.
أمال ليه؟
تنهد فؤاد وقال
لأن وقتها كانت الشركة على وشك الانهيار. كان فيه مستثمرين مستعدين ينسحبوا، وأي خبر عن مشاكل عائلية لرئيس الشركة كان ممكن يضيع تعب سنين.
رد كريم بغضب
وده يديك الحق تمنع عني رسالة مراتي؟
هز فؤاد رأسه.
لا… وعلشان كده قلت إني غلطت.
سادت القاعة لحظة صمت.
ثم أضاف
أنا كنت فاكر إني هأجل الموضوع أسبوع… أسبوعين بالكتير.
ابتسم بسخرية من نفسه.
لكن الأحداث جرت… والطلاق تم… وبعدها بقيت كل يوم أقول بكرة أصلح اللي عملته.
خفض رأسه.
لحد ما بقى فات الأوان.
نظر كريم إلى الأرض.
كان يحاول يستوعب أن سنة كاملة من عمره ضاعت بسبب قرار لم يكن يعلم به.
اقترب والده من هنا وقال بصوت مليء بالأسف
أنا كنت بدور عليكي بعد ما عرفت إنك سبتِ البيت… لكنك كنتِ غيرتي عنوانك ورقمك.
ابتسمت هنا ابتسامة خفيفة.
كنت محتاجة أبدأ من جديد… بعيد عن أي مشاكل.
في تلك اللحظة، بدأت الصغيرة تتحرك في حضن أمها.
فتحت عينيها، ونظرت إلى الوجوه الكثيرة حولها باستغراب.
ثم ابتسمت ابتسامة بريئة.
ضحكتها الصغيرة كسرت التوتر في القاعة كلها.
حتى رئيس اللجنة ابتسم دون أن يشعر.
أما كريم…
فلم يستطع أن يرفع عينيه عنها.
كان يشعر أنه أضاع عامًا كاملًا

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *