شبيهه بنتي حكايات انجي الخطيب

كانت بنتي وبنت الجيران زي التوأم بالظبط.. افتكرت إن جوزي خانني، بس الحقيقة كانت أوجع بكتير.
يوم ما العيلة الجديدة نقلت في الشقة اللي جنبنا، ما فكرتش في الموضوع خالص. عربية نقل عفش، شوية كراتين في الطرقة، وراجل هادي بيشيل العفش لجوه. وبنت صغيرة واقفة جنبه، حاضنة عروسة قماش وباصة حواليها كأنها بتحاول تقرر إذا كانت العمارة الجديدة دي ممكن تبقى “بيتها” ولا لأ.
بنتي “سلمى” شافتها من شباك المطبخ، وراحت جارية حاطة إيدها على الإزاز.
“ماما، ممكن أروح أرحب بيها؟” سألتني. “شكلها وحيدة.”
دي كانت سلمى، قلبها طيب زيادة، وشجاعة زي براءة الأطفال قبل ما الدنيا تعلمهم يخافوا. ابتسمت لها وقلت لها ماشي.
#انجي_الخطيب
بعد دقايق، كانت البنتين في المنور (أو الجنينة الصغيرة) بيضحكوا سوا كأنهم يعرفوا بعض من سنين. في الأول الصوت ده فرحني، بس لما بصيت بتركيز… قلبي وقف.
بنت الجيران طالعة نسخة طبق الأصل من بنتي. مش مجرد شبه عادي، ولا “نفس السن ونفس لون الشعر”. لأ، أنا بتكلم عن نفس خصلات الشعر الدهبي اللي بتلمع في الشمس ، نفس المناخير الصغيرة، نفس الخدود المدورة، ونفس العيون اللي بتبرق بشقاوة قبل ما يضحكوا. لولا إن سلمى أطول منها بحاجة بسيطة، ما كنتش هقدر أفرق بينهم وأنا واقفة في المطبخ.
وقفت متسمرة مكاني، بتفرج عليهم وهما بيلفوا حوالين بعض زي نسختين من طفل واحد.
”هدى؟”
صوت جوزي “أحمد” كان ورايا. اتخضيت.
بص لي باستغراب: “مالك؟ وشك مخطوف ليه؟ كأنك شوفتي عفريت.”
أجبرت نفسي على ابتسامة باهتة، رغم إن إيدي كانت تلج على إزاز الشباك: “لا مفيش، سرحت شوية.”
بس الحقيقة مكنتش بخير. السؤال كان خلاص زرع نفسه في عقلي: “إزاي طفلتين من عيلتين مختلفتين يبقوا شبه بعض كده؟”
أحمد وقف جنبي وبص عليهم، وهنا خدت بالي. ملامحه اتغيرت. لحظة واحدة بس، الابتسامة اختفت، وعنيه اتعلقت ببنت الجيران “ليلى”، وشيء غامض وموجع ظهر في عينيه.
وفجأة سلمى جريت ناحية الباب وهي بتنهج من كتر اللعب: “بابا! تعال مرجحنا أنا وليلى!”
أحمد اتردد. تردد بسيط جداً، بس لما قلبك بيخاف، أبسط موقف بيحسسك إن في إنَّا.
قال بصوت مبحوح: “حاضر يا حبيبتي.”
شوفته وهو ماشي ناحية المرجوحة. ليلى ركبت وقالت له بخجل: “ممكن أبدأ أنا يا عمو؟”
ضحك ضحكة متوترة: “ماشي، بس بعدين دور سلمى.”
#انجي_الخطيب
زقها بالراحة، وليلى صرخت من الفرحة. بس المشهد اللي قدامي مبقاش حلو، بقى مألوف زيادة عن اللزوم.. مألوف لدرجة توجع.. كأنه أب بيزق بنته.
بالليل، بعد ما سلمى نامت، طلعت ألبومات الصور القديمة. قعدت على الأرض في أوضة النوم، بقلب صفحة ورا صفحة، بدور في وش بنتي عن إجابات مكنتش عايزة أعرفها. صورتها وهي عندها سنة، أول خطواتها، إيديها الصغيرة وهي ماسكة صباع أحمد.. درست كل صورة عشان أطمن، بس كل اللي كنت بشوفه في الصور هو “ليلى”.
”بتعملي إيه؟”
اتنفضت، أحمد كان واقف عند باب الأوضة. قفلت الألبوم بسرعة: “مفيش، كنت بفتكر أيام زمان.”
بص لي فترة طويلة، كنت مستنية يسألني “مالك؟” أو “في إيه؟” بس سكت. والصمت ده كان أوحش من أي كلام.
على مدار الأسابيع اللي بعدها، سلمى وليلى بقوا لا يفترقوا، بياكلوا ويخرجوا ويلعبوا سوا. الكل كان شايفها صداقة جميلة، إلا أنا، معدتي كانت بتتقلب كل ما أشوفهم واقفين جنب بعض. وكل ما أجيب سيرة ليلى أو أبوها “ريان”، كان أحمد بيسكت، سكوت مريب.
في ليلة، مكنتش قادرة أتحمل أكتر من كده. التفت له في الضلمة وهمست بالسؤال اللي بيدمرني:
“أحمد.. ليلى تبقى بنتك؟”
فضل ثابت مكانه تماماً، وبعدين لف لي ببطء: “إنتي بتقولي إيه؟”
صوتي اتشرخ وأنا برد: “قولي الحقيقة.. كنت بتخوني؟”
وشه جاب ألوان، وقال بصوت مهزوز: “لا يا هدى، والله العظيم لأ. عمري ما عملتها.”
“أومال هما شبه بعض ليه؟” عيطت بحرقة. “وليه كل ما أجيب سيرتها بتعمل إنك مخبي حاجة؟”
أحمد بص بعيد، ودي كانت اللحظة اللي قلبي اتكسر فيها، لأنه منكرش إنه مخبي حاجة. همس بضعف: “مش هقدر أتكلم دلوقتي.”
قام وخرج من الأوضة، والصبح لقيت ورقة سابها: “رايح الشغل بدري، هنتكلم بالليل.”
بس أنا مكنتش هقدر أستنى. كنت محتاجة أعرف الحقيقة.
يومها العصر، بعت سلمى تلعب عند ليلى، ووراها روحت خبطت على الباب. “ريان” فتح لي، ابتسمت له كإني جارة طيبة، بس من جوايا كنت برتعش.. لأن الحقيقة اللي كنت هعرفها، مكنتش الخيانة اللي كنت خايفاها.. كانت حاجة توجع أكتر بكتير.
#انجي_الخطيب
فتحت الباب ميرفت، أم ليلى، بابتسامة بشوشة ومرحبة، وقبل ما أنطق بكلمة لقتني بسحبها لجوه وبقفل الباب ورايا بهدوء مريب خلى ابتسامتها تتجمد على وشها، بصتلي بخوف وقالتلي في إيه يا هدى مالك وشك أصفر كدة ليه، مكنتش قادرة أتنفس، عيني كانت بتلف في الصالة بلهفة، ليلى وسلمى كانوا في أوضة تانية بيضحكوا، صوت ضحكهم كان بيضرب في دماغي زي السكاكين، قربت من ميرفت ودموعي بدأت تنزل غصب عني، مسكت إيديها وبصيت في عينيها اللي كانت بتلمع بقلق وسألتها بصوت مخنوق أنتي تعرفي جوزي من قبل ما تسكنوا هنا، ميرفت وشها جاب ألوان واتراجعت خطوة لورا، قالتلي إنتي بتقولي إيه يا هدى، إحنا لسه ناقلين العمارة دي الشهر اللي فات، وأحمد جوزك ده متعرفناش عليه غير لما نزل يساعدنا ننقل العفش يومها، قربت منها أكتر وهمست لها بس ليلى وسلمى توأم، شبه بعض لدرجة مرعبة، ليلى دي بنت مين يا ميرفت، ميرفت بدأت ترجع لورا لحد ما خبطت في الحيطة، عيونها دمعت وبصت للأرض وقالتلي بصوت واطي ومتقطع ليلى مش بنتي، ليلى بنت أختي الله يرحمها، أختي ماتت في حادثة عربية وهي حامل في السابع، ولما الدكاترة لحقوها بعملية قيصرية عشان ينقذوا الطفلة، مكنش حد موجود غيري، كنت لسه متجوزة أنا وريان ومكنش عندنا ولاد، وفضلنا نلف على المستشفيات والورق لحد ما سجلناها باسمنا، حسيت الأرض بتلف بيا، قلتلها وإيه علاقة ده بأحمد، ليه أحمد أول ما شافها اترعب وليه كان بيتردد، ميرفت خدت نفس عميق وقالتلي أحمد مش غريب يا هدى، أحمد كان بيحب أختي، كان بيحبها بجنون قبل ما يتجوزك، ولما عرف بموتها في الحادثة جالي المستشفى، كان عارف إن البنت اللي اتولدت هي بنتها، فضل يراقبنا من بعيد سنين، كان بيبعت فلوس من غير ما نعرف، كان بيحاول يتطمن على البنت اللي هي قطعة من حب عمره اللي راح، لما نقلنا هنا صدفة، هو عرفها من عينيها، عرفها لأنها نسخة تانية من أختي اللي كانت بتمثل له الحياة، وقعت على الكرسي وأنا مش قادرة أستوعب، جوزي مش خاين، بس قلبه لسه عايش في ماضي مدفون، وأنا كنت بغير على جوزي من “روح” ميتة، وفجأة سمعنا صوت الباب بيتفتح، دخل أحمد وريان، وأحمد لما شافني وشاف ميرفت والتوتر اللي في الأوضة، فهم كل حاجة، وقف مكانه وعينيه جت في عيني، نظرة انكسار واعتذار مكنتش قادرة أشوفها قبل كدة، قال بصوت مكسور يا هدى، كنت خايف أقولك فتفتكري إني خاين، وأنا كنت بس بحمي ذكريات، بصيت له ولقيت نفسي مش عارفة أزعل ولا أصعب عليه، ولا أعيط على السنين اللي ضيعناها في سوء الظنون، وأنا بصه لليلى اللي طالعة من الأوضة بتجري وبتنادي “عمو أحمد”، أحمد بص لها بدمعة محبوسة وابتسم، ابتسامة وجعت قلبي أكتر من الخيانة، لأنها كانت ابتسامة أب بيشوف بنته اللي مش بتاعته في وش غريبة، وعرفت ساعتها إن الوجع الحقيقي مش إن جوزك يخونك، الوجع الحقيقي هو إنك تكتشفي إن جوزك عايش معاكي بجسمه، بس روحه محبوسة في ذكرى تانية خالص.
……..
ساد صمت تقيل في الصالة، صمت صوته كان أعلى من أي صراخ. ريان وقف مكانه مش فاهم اللي بيحصل، بس نظرات أحمد ليا ونظرات ميرفت اللي كانت بتداري وشها بالدموع كشفت كل حاجة. قومت وقفت، رجلي كانت بتترعش بس روحي كانت متخدرة، بصيت لأحمد اللي كان واقف زي اللي مستني حكم الإعدام، قلتله بصوت هادي ومجروح: “يعني طول السنين دي، كنت بتشوفها فيها؟ كنت بتشوف وش حبيبتك القديمة في بنتي اللي بتلعب قدامك؟ وأنا كنت فاكراك بتلعب مع سلمى، طلعت بتطمن على ليلى؟”.
أحمد خطى خطوة ناحيتي بس وقف لما شاف نظرة الانكسار في عيني، مفيش غضب، الغضب كان أهون بكتير، اللي كنت حاساه كان فراغ كبير. قال بصوت مبحوح: “يا هدى، اسمعيني.. أنا مكنتش عايز أوجعك، مكنتش عايز أكسر بيتنا. ليلى مكنتش مجرد ذكرى، ليلى كانت أمانة.. أخت ميرفت كانت أعز من أختي، وموتها كسرني، ولما شفت الطفلة دي، حسيت إن فيه جزء من الحقيقة لسه عايش. أنا مكنتش بخونك في مشاعري، أنا كنت مسجون في ماضي مش عارف أتحرر منه”.
بصيت لـ “ليلى” اللي وقفت جنب سلمى، الاتنين باصين لنا بفضول براءة. سلمى مسكت إيد ليلى وقالت: “ماما، ليه بتعيطي؟”. الكلمة دي كانت زي السكي..نة اللي لفت الجرح. بصيت لأحمد وقلتله: “أنت حررت نفسك من سجنك يا أحمد، بس حبستني أنا في سجن أكبر.. حبستني في شك، وفي مقارنة، وفي إحساس إني مكنتش كفاية عشان تملى قلبك لوحدك”.
سبتهم وخرجت من الشقة من غير ما أسمع رد، مشيت في الطرقة الضيقة وأنا حاسة إن العمارة كلها بتضيق عليا. دخلت شقتي، وقفلت الباب ورايا، وانهارت على الأرض. قعدت أفتكر كل لحظة، كل حضن، كل كلمة حلوة كان بيقولها لي، وبدأت أتسأل: هل كان بيقولها لي أنا؟ ولا كان بيغمض عينه ويتخيلها هي؟
بعد ساعة، سمعت خبط خفيف على الباب. مقمتش. الخبط اتكرر، وبعدين صوت أحمد من ورا الباب، مش بيزعل، مش بيبرر، صوت مكسور فعلاً: “هدى، أنا عارف إني جرحتك، وعارف إن التفسير مش هيشيل الوجع. أنا مش عايز أعيش في الماضي، أنا عايز أعيش معاكي أنتي، بس كنت محتاج وقت عشان أتصالح مع نفسي. افتحي الباب، سلمى محتاجة مامتها، وأنا.. أنا محتاجك عشان أبدأ بجد”.
مسحت دموعي، وقمت ببطء، إيدي وصلت لأوكره الباب، بس ترددت. هل الحب اللي اتبنى على ذكريات تانية ممكن يفضل؟ هل جوزي اللي عرفته السنين اللي فاتت هو الحقيقة، ولا الراجل اللي كان بيبص لليلى بعيون مكسورة هو الحقيقة؟ فتحت الباب، وبصيت في عينيه، لقيت فيها حزن قديم، بس لقيت فيها حاجة تانية.. نظرة خوف بجد، خوف إنه يخسرني أنا، مش ذكرى. ساعتها بس حسيت إن الوجع لسه موجود، بس يمكن، لأول مرة، نبدأ صفحة حقيقية.. صفحة مفيش فيها غيرنا إحنا وبس.
…….
بصيتله والسكوت كان سيد الموقف، أحمد ما دخلش، فضل واقف في الطرقة زي الغريب، عيونه متعلقة بيا، مستني إشارة، مستني غفران أو حتى صرخة تطلع كل اللي في قلبي. سلمى جت جري من جوه، مسكت في فستاني وهي بتقول: “ماما، ليلى زعلانة وعايزة تروح، ممكن تخلي بابا يروح يوصلها؟”.
كلمة “بابا” وهي طالعة من لسان سلمى وهي باصة لأحمد، خلتني أحس بوجع في صدري، وجع مش غيرة، لأ، ده كان إدراك لحجم التعقيد اللي حياتنا دخلت فيه. أحمد بص لـ سلمى، ملامحه كانت مزيج من حب أبوي خالص، ووجع قديم لسه بيتمزق جوه. بصلي تاني، وقال بصوت واطي: “أنا هروح أوصلها يا هدى، هعمل اللي المفروض يتعمل، وهقفل الصفحة دي تماماً. مش عايز حد في حياتنا غيرك أنتي وسلمى. صدقيني، الماضي ده مات النهاردة لما الحقيقة اتكشفت”.
مشيت سلمى معاه، وشفتهم وهما خارجين، ليلى ماسكة إيد أحمد، والمنظر في العادي كان يبان طبيعي، بس في عيني كان فيلم بيتعاد. قفلت الباب، وقعدت وسط البيت، البيت اللي كان دافي بقى بارد فجأة. قعدت أسأل نفسي: هو ينفع الواحد يمسح اللي فات بـ “أستيكة”؟ ينفع نرجع نمثل إننا عيلة عادية بعد ما عرفت إن قلبه كان “متحف” لذكرى تانية؟
مرت الأيام، وأحمد حاول بكل قوته يرجع كل حاجة زي ما كانت، كان بيحاول يرضيني بكل طريقة، بس كان فيه حاجز، حاجز من البلور الشفاف، شايفين بعض بس مش عارفين نلمس بعض بجد. كل ما بشوفه بيلعب مع سلمى، عيني بتدور على “النظرة” دي، الخوف من إنه يلمح ليلى في ملامح بنتي، أو إنه يقارن بين الماضي والحاضر، بقى هاجس بيطاردني.
لحد ما جه اليوم اللي غير موازين كل حاجة. كنت واقفة في المطبخ لما سمعت صوت خناقة في الطرقة، صوت ريان، جوز ميرفت، كان عالي ومسموع. “أنتي فاكرة إني مش عارف؟ فاكرة إني مغفل؟ ليلى دي مش بس بنت أختك، دي الدم اللي بينك وبين الشخص اللي كنتِ بتحبيه قبل ما تتجوزيني!”.
تجمدت في مكاني. صوت ميرفت كان بيترعش وهي بتحاول تدافع عن نفسها، وريان كان بيزعق: “أحمد كان بيتردد على بيتكم مش عشان أختك، كان بيتردد عشانك أنتي! ليلى دي بنته هو، مش بنت أختك اللي ماتت!”.
السكي..نة اللي كنت فاكراها جرحتني زمان، اكتشفت إنها كانت مجرد “خربوش” صغير، الحقيقة المرة اللي طلعت من ورا الباب كانت زلزال هدم كل ركن بنيته في دماغي عشان أسامحه.. أحمد مكنش بيحب ذكرى أختها.. أحمد كان مخبي سر أكبر بكتير، سر بيخلي “ليلى” مش بس ذكرى، ليلى كانت “حياة” حقيقية من لحمه ودمه، وأنا كنت عايشة في كدبة تانية خالص.
……….
وقفت مذهولة، جسمي كله اتجمد لدرجة إني مش قادرة حتى أتنفس. ريان كان بيصرخ بكل قوته، وكأن الحيطان اللي كانت حامية أسرارنا بدأت تنهار فوق دماغي. فجأة، باب شقتي اتفتح، وأحمد دخل، وشه كان شاحب كأنه ميت، وقفت قصاده والدموع اللي كنت حبساها انفجرت كأنها بحر سدودُه اتكسرت.
بصيتله وقلت بصوت بيترعش: “ليلى بنتك؟ يا أحمد.. ليلى بنتك من ميرفت؟ والقصة اللي حكتها لي كانت كدبة تانية عشان تداري الحقيقة الأكبر؟”.
أحمد ما قدرش ينطق، كتفه نزل بانكسار، وبص للأرض. ميرفت طلعت من شقتها ووقعت على ركبها بتعيط، وريان كان واقف وشه محتقن بالدم، مكنش فيه كلام يتقال، كان فيه بس صوت تحطم كل حاجة. ريان بص لأحمد وقال: “أنا ربيتها على إنها بنتي، وشلتها في عز الوجع، وأنت كنت بتراقبها عشان ضميرك يريحك؟ لا يا أحمد، دي مش حماية، ده اعتراف بذنْب كنت عايز تكفره بفلوسك ومن غير ما حد يعرف”.
أحمد رفع عينه ليا، عيون مليانة ذل وندم، وقال بصوت ضعيف: “كنت خايف.. كنت خايف لو الحقيقة ظهرت أخسرك.. كنت فاكر إني هقدر أعيش في الكدبة دي للأبد وأعوضكم”.
سكت لحظة، وبصيت لسلمى اللي كانت طالعة من أوضتها بتفرك عينيها من النوم، بتبص لنا باستغراب وبراءة. في اللحظة دي، حسيت إن الكره ملوش مكان، والوجع بقى أكبر من إني أتحمله. بصيت لأحمد وقلتله جملة واحدة كانت خاتمة لكل السنين اللي فاتت: “أنت خسرتني مش عشان خنتني، أنت خسرتني عشان قتلت الثقة اللي كانت بينا بمليون كدبة.. ليلى مش مجرد طفلة، ليلى هي مرايتك اللي كل ما تبص فيها، هتفكرني بإنك كدبت عليا في أعز ما أملك.. مشاعرك”.
خرجت من الشقة من غير ولا شنطة، ولا هدوم، ولا أي شيء يربطني بالبيت ده. خدت سلمى في إيدي وممشيتش، كنت بس بهرب من “شبح” كان عايش معايا سنين وأنا فاكراه راجلي. ميرفت فضلت تعيط، وريان خد ليلى ودخل وقفل الباب، وأحمد فضل واقف مكانه، وحيد، في بيت مليان ذكريات بس خالي من أي “حقيقة”.
أما أنا، فمشيت في الشارع، والجو كان هادي، لأول مرة بحس إني مش شايلة حمل التوقعات أو الخوف من بكرة. عرفت إن النهاية مش دايماً بتبقى “عاشوا في سعادة”، أحياناً النهاية بتبقى “حرية”، حتى لو كانت حرية موجعة، بس على الأقل.. كانت حقيقتنا من غير أقنعة.
تمت
حكايات انجى الخطيب
